محمود الحجيري... رحلة لألم.. من الطبيب الشيوعي إلى الطب العربي إلى المستشفى الأميركي(1)



في ربيع العام 1977 عادت أوجاعي من جديد بطريقة مبرحة وقاسية، بعد غياب ما يقارب العشر سنوات، لكن هذه المرة محصورة في نقاط محددة، فقد استيقظت في احد الايام وحاولت النهوض فلم استطع، وشعرت بالم شديد في ركبتيّ. حاولت مدّ ساقي وانا قاعد، فلم اقدر من شدة الألم، وبقيت أحاول لدقائق طويلة مع تدليك والم شديد حتى انفرجت ركبتاي واستقام ساقاي ومشيت، وتكرر الالم لفترة طويلة وقد زرت الطبيب في البلدة اكثر من مرة، واستبدلت العلاج اكثر من مرة، قبل أن يأخذني احد اخوتي الى معالج فيزياء وتبدأ رحلة هذا العلاج بموعد اسبوعي لاشهر دون نتيجة، وهذا المعالج اكتشف عاهة في جسدي وحملها مسؤولية الالم، وهي التواء في العمود الفقري... 


وعندما عرفت والدتي هذه المعلومة اسفت، ولامت نفسها لأنها لم تنتبه لها في صغري مع انها لوتني عند فلانة وعلانة ودحرجت البيضة على ظهري، وبدأت تخطط وتعمل على تقويم الالتواء بيدها وبجهدها الخاص دون منة احد. وأتى من يشجعها عندما مر علينا مغربي متجول على حصانه، أوقفته وطلبت خبرته بوصفه طبيباً عربيًا، فوصف لي البخور أذوّبه بالكحول وأدهن به جسمي، وبدأت رحلة العلاج والتدليك على يدي امي، وقد ذقت المر والألم فوق الالم حين كانت تدلكني بقسوة، بتلك الوصفة الحامية والمحرقة أحيانا، ومن ثم تبدأ بتحزيمي بأربطة ومشدات مثلما يفعلون مع الطفل حديث الولادة، وتلفني في حرام او بطانية وتمددني على جانبي المشوه لساعات، لعل الالتواء يعود الى رشده دون نتيجة، لكن انا فقدت رشدي، وبدأ صوتي يعلو في وجه أمي، بكاء وصراخا من شدة الالم والارهاق. واستمرت هذه المرحلة لشهور، كان الالم غذائي الصباحي اضيفت وجبة مسائية ساخنة، وعندما لم يفلح الطب المغربي والتدليك طلبت مني ان نزور "مجبرا" عربيا عجوزا في قرية مجاورة، لعله يساعدنا بخبرته الطويلة، فلم امانع وذهبنا استقبلنا ورحب بنا واستمع إلى حرقة الأم على ابنها دون ان يبدي اي تصرف او حتى رأي.

دخل بعض الرفاق الشيوعيين على الخط، وكنت اصبحت عضوا في الحزب الشيوعي، طلب الرفاق من شقيقي مرافقتي الى بيروت حيث يوجد طبيب اختصاصي متعاقد مع الحزب، فلم نتأخر. لكن، لم تكن النتيجة أفضل، والألم على حاله كل صباح وبعد كل جلسة طويلة، وبعدها طرقنا ابواب الجامعة الاميركية، فاستقبلوني بالترحاب وكونوا لي ملفاً يتضمن صورا وتحاليل وفي النهاية تولى أمري طبيب او بالأحرى طالب طب ادخلني الى عيادة واجرى معي تحقيقاً شفهياً، وفي اكثر من مرة، كان يستعين بكتاب بعد تلقي الإجابة مني أو قبل ان يطرح سؤاله، وفي نهاية التحقيق اعطاني موعدا بعد عشرين يوماً دون اية وصفة علاج او دواء. التزمت بالموعد وعدت وانا احمل الالام وأعلق الآمال وأطلب الخلاص، ادخلوني الى عيادة مختلفة تشبه القاعة، وطلبوا مني التعري والصعود الى سرير المرضى، وبعد لحظات قليلة دخل عليّ بروفسير في الطب وخلفه نحو عشرة طلاب، تحلقوا حولي وبدا الطبيب ينكزني بآلة حادة في انحاء مختلفة من جسمي، ويشرح للطلاب باللغة الانكليزية التي لا أفهما، وبعد درس طويل ومثمر على فأر مختبر بشري، طلبوا مني ارتداء ملابسي وتكرموا بموعد بعد اربعة اشهر، دون اية علاج او دواء ايضاً. وعندما سألهم شقيقي عن العلاج قالوا لا تستعجل سيأتي في وقته، وبعد اربعة اشهر، تكرر المشهد ذاته فأر مختبر متألم، امام مجموعة طلاب ومعلمهم ينكزه ويشرح لهم ردة الفعل التي تحدث في جسمه، وفي نهاية الجلسة وقبل ان يحددوا الموعد الجديد طلب شقيقي نسخة عن الملف فأتى الجواب بالرفض لأن هذا خاص بالجامعة فقط.

وعدت ادراجي الى البيت خائباً ومثقلا بالأوجاع الصباحية التي، لم تجد طريقا او مساعدا للخروج من جسمي، واتخذ قرار العزوف عن العلاج في الجامعة لعدم جدواه وجديته. وكنت الاحظ ان والدتي تتألم بألمي اكثر مني، وتحمل هموماً بسببي وبسبب اوجاعي، وعادت في أحد الايام إلى البيت وقالت: سنذهب الى حمام ابو رباح في سوريا... سألت فلان وفلان، وقالوا إنه مفيد لحالتك! فلم امانع لأنني لا أملك خياراً آخر، وكنت أشبه بالغريق الذي يتعلق بقشة، وبدأت الوالدة بتجهيز مستلزمات الرحلة من عتاد وأكل، وبعد أيام كانت فرشة الاسفنج ملفوفة في بطانية وعدة اكياس يتضمنون بعض المونة المنزلية بالإضافة الى صندوق يحتوي على بعض الأواني الصغيرة  من طنجرة وصحون ومقلاة وأبريق شاي وبابور كاز وفانوس، وفي صباح احد ايام اواخر الصيف، حملنا عتاد رحلتنا العلاجية الى الساحة، ومنها ركبنا البوسطة المتجهة الى مدينة حمص السورية، وعبرنا الحدود بسلاسة وهدوء مع مراقبتي ورصدي لكل ما هو متحرك على جوانب الطريق من عرسال الى حمص، وقد أوقفت البوسطة عدة دوريات امنية داخل الاراضي السورية، وكان اكثرهم يأخذ المعلوم من السائق بين هدايا عينية او اموال لتسهيل مروره، ووصلنا الى المحطة الاخيرة في حمص، فبقيت دقائق وانا احاول تخطي الألم في ركبتي حتى استطعت الوقوف والنزول من البوسطة... انزلنا عتادنا على رصيف في الموقف وجلست بالقرب منه انتظر امي التي جالت في السوق لتشتري بعض الحاجيات الضرورية لرحلتنا، وعندما عادت وضعت مشترياتها بالقرب مني وسألت السائقين عن اقرب طريق يوصلنا الى حمام ابو رباح فكان الجواب: اذهبوا الى قرية مهين أولا القريبة من الحمام ومنها تنتقلون إليه. فتشت عن حافلات مهين، ونقلنا امتعتنا الى احداها وانطلقت باتجاه الشرق حيث البادية السورية، وكان الوقت في اواخر الصيف حيث كانت تفتقر الى اي لون اخضر، وكان اللون الطاغي هو لون الرمال حتى بعض النباتات المقاومة للجفاف قد خضعت لهذا اللون عنوة، ولم يغير المشهد الا بعض القطعان التي، تتسابق للالتقاط بعض النباتات الجافة والاشواك، وحطت رحالها الحافلة في ساحة مهين. نزلنا ووضعنا متاعنا الى جانب احد الجدران ورحت اتأمل تلك القرية الهادئة التي تنام لحظات القيلولة في منتصف النهار حيث الصمت مطبق والشوارع الرملية الغير معبدة شبه خالية، وبيوتها الطينية اكتسبت لون شوارعها الرملية واذا دققنا النظر في الجدران الطينية وفي الشوارع، يكتشف المرء ان هذه القرية تعتمد في حياتها على الزراعة من خلال مشاهدة كميات بسيطة من التبن، سرقتها لفحات الهواء الصحراوية، واحتضنتها جوانب الشوارع وفي الزاوية المحصنة، ومن خلال القش المتداخل مع طين الجدران الذي اعتمدوا عليه الاهالي للتقوية والمتانة، لم ننتظر طويلا في ظلال احد الجدران، ومر رجل عجوز وافصحنا له عن وجهتنا وما نريد، فطلب منا الانتظار حتى يصل إلى بيته، ويرسل لنا ابنه مع سيارته تقلنا الى الحمام المقصود، وكان صادقا في وعده... بعد دقائق كنا في السيارة ووجهتنا الحمام، وفي الطريق، ظهر لنا ما يشبه الواحة في عمق البادية مجموعة من الأشجار الخضراء الوارفة الظلال، ومحاطه بمرج اخضر مع عدد محدود من المنازل، وعندما سألنا السائق عن المكان قال: هذه قرية الغونتور وفيها نبع ماء صغير، فطلبت منه امي ان يقف بالقرب من النبع حتى نأخذ حاجتنا من المياه، فلبى الطلب وانحرف باتجاه قرية الغونتور وعندما نزلنا كان المشهد مختلفا عن محيطه الصحراوي، عدد من الاشجار الباسقة وظلالها المنعشة، ورائحة الرطوبة والنسائم الهوائية الناعمة تملأ الرئتين، ولم نبق طويلا في ذلك المكان الرائع، بطلب من السائق فملأنا ما لدينا من عبوات واكملنا طريقنا الترابي باتجاه الحمام. ولم تمض الا دقائق حتى وصلنا الى سفح ربوة مرتفعة قليلا، انحرف السائق باتجاهها متسلقا طريقها الوعر  حتى وصل  الى اول قمة توقف وقال: الحمد الله على سلامتكم، هذا "حمام ابو رباح".

 واوقف سيارته لننزل، لكن اول ما لفتني في هذا المكان رائحة تعرق بشري مزعجة تزكم الانوف، انزلنا متاعنا فوق مصطبة اسمنتية اولا ومن ثم دفعنا المستحق علينا للسائق وغادرنا مودعا، قبل ان نستطلع المكان، ونحدد مكان اقامتنا فكانت او اكتشافاتي الحمام الموجود في قبو تحت الارض، ونحن نضع امتعتنا على سطحه، فنزلت بضعة درجات لأصل الى باب وولجت الى داخل غرفة واسعة مبني حول جدرانها الداخلية ركة اسمنتية وسقف الغرفة مبني على طريقة العقد، وفي سقف الغرفة يوجد فوهة قطرها حوالي النصف متر وفي احد الزوايا يوجد فوهة فوقها شبك معدني قطرها حوالي الثلاثين سم، ولم تستغرق رحلتي الاستكشافية سوى دقائق وخرجت لأخبر امي بما رأيت، وأساعدها في تحديد مكان الاقامة ونقل الامتعة، فوجدتها قد اختارت ممرا بين صخرتين عرضه حوالي المتر ونصف ونظفنا المكان من الحصى والاشواك ليكون مسكننا خلال رحلتنا المفتوحة، وضعنا طراحة الاسفنج على الارض، والبطانية فوق صخرتين، رتبنا ما لدينا في الخيمة الجديدة، وتناولنا طعامنا في مسكننا السياحي. 
يتبع حلقة ثانية عن الحمام البركاني والشفاء

ليست هناك تعليقات