Ad 728x90

الأربعاء، 16 سبتمبر 2020

 سالنجر حارس الشوفان: حارس الطفولة البريئة

سالنجر حارس الشوفان: حارس الطفولة البريئة




د. نادية هناوي


لم يكن الروائي سالنجر الوحيد الذي عبر في أدبه عن بشاعة الوجه الامبريالي للولايات المتحدة الأميركية وطابع الزيف لحياة المجتمع الذي أقامته، فجاك لندن قبله بأكثر من أربعة عقود عبَّر في روايته( العقب الحديدي) 1907 عن الصورة البشعة للثقافة الأميركية في ظل النظام الاحتكاري.


ورواية سالنجر( الحارس في حقل الشوفان The Catcher In The Rye ) التي صدرت عام 1951 ليست الوحيدة، فبالإضافة إلى قصصه القصيرة، له أربع روايات قصيرة هي فراثي وزوي 1963 واثنتان نشرتا معا هما شعاع عالي النظير ونجارون وسيمور عام 1963 ورواية هاربورت 16/1924 عام 1965. وقد نالت رواية "الحارس في حقل الشوفان" ـ الصادرة عن دار المدى بترجمة غالب هلسا ـ شهرة كبيرة وعدت أهم روايات القرن العشرين. وسنفهم السبب إذا علمنا أن الولايات المتحدة الأميركية كانت قد شهدت في النصف الأول من القرن العشرين انتشاراً واسعاً للأفكار اليسارية بين الأوساط الثقافية والأدبية والفنية.


وهو ما دعا الكونغرس الأميركي إلى إنشاء لجنة عرفت فيما بعد باسم ( المكارثية ) عام 1938 واستمر عملها إلى العام 1968 وكانت مهمتها مراقبة الأدباء والمثقفين الكبار والصغار والتقصي عن ميولهم التقدمية حتى أنها شنت هجوماً كبيراً على الكتّاب ذوي الاتجاهات اليسارية وحجبت كتب مكسيم غوركي وجان بول سارتر وسيجموند فرويد من المكتبات.


وقد أفصح بعض الكتّاب ومنهم ارنست هنغواي ورانسوم عن تبرمهم وضيقهم من ممارسات المكارثية التي كان من تبعاتها على المجتمع الأمريكي أن أصبح الفرد منغلقاً على نفسه، يُخفي آراءه خشية أن يساء فهمها فيتهم بالانتماء للشيوعية.


وهو ما تحاشت كثير من الأعمال الادبية والفنية طرقه والحديث عنه، واتجهت بدلاً من ذلك صوب تفخيم الشخصية الأميركية واظهارها بمظهر التفوق والقوة، باستثناء أعمال قليلة اتبعت أساليب الترميز والفنتزة والمحاكاة البارودية في التعبير عن حقيقة الفرد الأميركي ومنها رواية 'الحارس في حقل الشوفان" وبطلها مراهق اسمه هولدن كولفيلد كثير التبرم من الواقع الزائف، يكره كل شيء حتى نفسه، لكنه محب لأمرين اثنين فقط هما البراءة والقراءة، وبسبب ذلك انتقد الروايات المزيفة التي تخفي وجه أميركا الامبريالي.


ومن الأعمال الروائية التي تطامنت مع الرأسمالية وأغراضها الامبريالية، فانتقدها الكاتب على لسان بطله الصغير هي رواية( وداعاً للسلاح) لهمنغواي و(غاتسبي العظيم) لفيتزجيرالد ملقياً باللوم على ادب مجَّد أمريكا حتى صنعت القنبلة الذرية. بينما أشاد برنج لاردنر الصحفي صاحب القصص القصيرة الهجائية والفكاهية.


ولكن كيف تمكن سالنجر من أن يمرر أفكاره التقدمية المناوئة للمكارثية ؟ إن قدرة سالنجر توضحت في مخالفته الفنية للتوجهات السردية السائدة آنذاك ومنها الواقعية الموضوعية التي راجت كمذهب أدبي في ثلاثينيات القرن الماضي، فأبدلها بالرمزية والسخرية والهجاء أسلوبا به وجه نقده اللاذع للأدب الرسمي متخذا من عالم الصغار ميدانا ومن الأبوة والبنوة موضوعاً، ساخراً بذلك من جون شتاينبك والصورة النموذجية التي رسمها للأب في روايته( عناقيد الغضب) وهاجياً الصورة المثالية للابن في رواية( ديفيد كوبرفيلد) لديكنز، جاعلاً اسم بطله( هولدن كولفيلد ).


والمعروف أن اسناد البطولة الروائية للصغار أمر نادر في الأدب العالمي، وإذا ما وظِفت الطفولة؛ فإنها لا توظف كفاعل سردي مركزي وإنما توظف كتابع مخصوص بالتوجيه والارشاد كبقية التوابع الأخرى كالمرأة والمجنون والمنبوذ وما إلى ذلك من الهوامش الاجتماعية.


وقد خالف سالنجر كل هذه المواضعات حين جعل بطله مراهقاً، له مشاعره وقراراته متحرراً ومتمرداً وحاد الطبع نزقاً، مرمزاً به إلى الطبقات الشعبية المتشكلة من أعراق وقوميات شتى أهملها الأدب الرسمي الأميركي، كي لا تتشوه الصورة البراقة للنظام الاحتكاري ولا يفتضح ما فيه من زيف واستغلال واستكبار.


وبسبب هذا الموقف من المهمشين لاقت رواية( الحارس في حقل الشوفان ) نجاحاً منقطع النظير وطبعت طبعات كثيرة وأثرت في جيل أميركي كامل، حتى أنه صار ينادي( كلنا هولدن كولفيلد) وغدت الرواية مرجعاً مهماً في الثقافة الأميركية المعاصرة مما يعرف بثقافة البوب.


أما لماذا شبهت رواية( الحارس في حقل الشوفان) برواية يولسيس لجيمس جويس، فلأن أزمة البطل أزمة مكانية، حتى شكلت الأمكنة ( البيت / المدرسة / القطار / سيارة الأجرة/ الفندق/ الملهى / المتحف/ حديقة الحيوانات/ مدينة الالعاب) بؤرة الحدث السردي في الرواية التي اتخذت بنيتها صيغة دائرية، إذ بدأ البطل /السارد وهو يخاطب المسرود له( إذا كنتُ أثرتُ اهتمامك بالفعل، فاغلب الظن أن أول ما ترغب في معرفته هو المكان الذي ولدت فيه) وانتهى عند النقطة نفسها وهو يخاطبه أيضا( لا تروي ما حدث لك مثلما فقلت أنا لأي إنسان لأنك حين تفعل ذلك فلسوف تفتقد كل الناس) ص310 .


هذا أولاً وثانياً لأن سالنجر وظف تيار الوعي في تصعيد التأزم النفسي كما فعل جويس مع بطله بلوم مظهرا البطل ضائعاً داخل متاهة لا نهاية لها، لكن مع فارق جوهري، به استطاع سالنجر التخلص من تأثير جويس عليه وهو استعماله تقانة( الحلم ) التي بها البطل يتخيل بينما هو إزاء موقف واقعي صانعاً عالماً حلمياً متحولاً من السرد السيري إلى التخييل الذاتي Autofiction عبر تكرار الفعل( أتصور) كقوله:" أصور لنفسي هؤلاء الاطفال يلعبون لعبة ما في حقل الشوفان الكبير .. لا أحد غيرهم لا أحد من الكبار أعني عداي أنا وأنا واقف على حافة هضبة جنونية ومهمتي الإمساك بكل من يحاول الصعود الى الهضبة. أن اتقدم وأمسك بهم.. بهذا أصبح الحارس في حقل الشوفان. أعلم أن هذا شيء جنوني. وهذا هو الشيء الوحيد الذي أحب أن أكونه"


الى جانب تكرار فعل التذكر ( تذكرت ، اتذكر ) مع بنية زمانية استرجاعية تارة واستباقية تارة أخرى، تتخللها وقفات وصفية وحوارات خارجية مباشرة وغير مباشرة ومونولوجات داخلية ومشاهد سردية عملت على تسريع الزمان أو تبطيئه.


ولأن الهيمنة المكانية واضحة، يحاول البطل التملص منها عبر كرهه لها، واصفاً المكان بأنه مشرحة الجثث، مشخصاً ما فيه من الزيف وما يشوب حيواته من النفاق والخداع، بادئاً بالبيت وما تسوده من برودة عاطفية وماراً بالمدرسة التي" كلما ارتفعت تكاليف المدرسة ومستواها الاجتماعي زاد عدد اللصوص فيها" فيقطن في شقة في فندق لكنه سرعان ما ينفر منه حين يشاهد الشذوذ والغباء وعدم الاعتبار للقيمة الإنسانية" هم يقدمون المشروب حتى لمن عمره ست سنوات فالأضواء خافتة ولا أحد يهتم بمعرفة عمرك حتى لو كنت مدمن مخدرات" وهكذا يظل كولفيلد حازماً حقائبه منتقلاً من مكان الى آخر.


ويعمل التوظيف للغة الطفولية المبسطة على تدعيم مركزية الطفولة في الرواية فتكثر ألفاظ الهجاء والبذاءة، وتتكرر الأوصاف النابية التي لا تخلو من فضاضة وسلبية مثل ( لعين/ فظ/ كئيب/ أجرب/ مقرف / مزيف/ ابن الزانية/ بغيض/ مجنون.. الخ ) وإذا لم يجد البطل أحدا يهجوه؛ فإنه يهجو نفسه في إشارة إلى النقاء الداخلي الطفولي الذي يجعله صادقا مع نفسه عارفاً حقيقة ذاته وجنونية العالم الذي يعيش فيه" إنني أكذب إنسان يمكن أن تراه في حياتك" وهو دائم التأفف من المظاهر المصطنعة ومنتقداً الاخلاق المنحطة فمثلاً يتذكر كيف قال له ثرمر" إن الحياة لعبة وعليك أن تلعبها بموجب قوانينها" فيقول: " إنه شيء سيئ أن تحدث أمثال هذه الأشياء القذرة.. شيء قاتل أن يقال هذا"


وتنفرج عقدة الرواية بعودة هولدن المتخيلة إلى عالم الصغار وهو يشاهد طفلاً يسير في الشارع ووالداه ينظران إليه ولا يجبرانه على السير في الرصيف وهو يغني" إذا أمسك إنسان بآخر يسير عبر حقل الشوفان " فيقول " انعشني ذلك ولم أعد اشعر بالضيق" ثم وهو يعود للبيت متخفياً يجد أخته الصغيرة فيب تقول:" إذا قابل إنساناً عبر حقل الشوفان" فيتذكر ويصحح لها قائلاً: "إذا قابل إنسان إنساناً آخر قادماً عبر حقل الشوفان" وهولدن هو الحارس وحقل الشوفان هو الطفولة في حريتها وبراءتها وهكذا يتصالح تخييلياً مع المكان" تبدو لطيفة جداً وهي تدور وتدور مرتدية معطفها الأزرق كم أحب لو كان باستطاعتك أن تكون هناك"


وفي هذا ترميز اليغوري الى أن عالم الكبار هو العالم الرأسمالي المستغل والبشع وعالم الصغار هو العموم المغلوب على أمره الذي لا يقدر على تقرير مصيره سوى في الاحلام.


وتجدر الإشارة الى أن الأغنية المتناص معها ـ وهي مقطع من قصيدة للشاعر روبرت بينز ـ تمثل النص الغائب الذي عليه بنى سالنجر فكرة الرواية ومنها اتخذ العنوان مما أعطاه إيقاعية جميلة لكنها ضاعت بالترجمة التي تفترض حصول ( الخانة الفارغة) أو الثغرة المعجمية وذلك حين يعجز المترجم عن مجاراة البعد الإيقاعي للكلمة أو حين تغيب مفردة ما في اللغة الأم تناظر المفردة في اللغة الأخرى المترجم عنها.


وعلى الرغم من أن الترجمة تظل قابلة لتحوير اللفظة التي لا مناظر لها رادمة الفراغ الدلالي بأن تعالجها كوحدة معجمية؛ فإن هناك تفاوتاً في الترجمات بين مترجم وآخر تبعاً للذائقة الأدبية ودرجة التعمق في اللغة الأخرى، فترجم الكاتب الراحل علي الشوك العنوان بـ( حارس الشيلم ) وهو يتقارب بعض الشيء مع ما اختاره مترجم الرواية غالب هلسا ولكن بمسحة رومانسية أكثر.


ومهما يكن من أمر الترجمة، تظل موضوعة الرواية ولغتها سببين مهمين في انضوائها في أدب ما بعد الحداثة، فاتحة الباب لهذا النوع من الأدب العالمي التقدمي الذي فيه أدانة للأنظمة الرأسمالية ومفاهيمها الانتهازية والبراغماتية.


وهو ما سيتعزز على يد الروائيين الافرواميركيين فيما بعد، وفي مقدمتهم توني موريسون التي عبَّرت في رواياتها عما يكتنف الحياة الاميركية من تمييز عرقي وعدم اعتراف بعالم المهمشمين ولا بالتعددية ولا بالتنوع الثقافي بعكس ما يتظاهر به نظامها الرأسمالي من دفاع عن حقوق الإنسان والاستماتة في مساعدة الدول الفقيرة وما الى ذلك من ادعاءات.


وما جرى مؤخرا من التعامل غير الإنساني مع الموجات الجماعية للمهاجرين الاسيويين والعجز الذي أظهره النظام الرأسمالي في مواجهة فايروس كورونا هو دليل واضح على بشاعة الوجه الآخر للولايات المتحدة الأميركية. هذا الوجه الذي أظهر البطل هولدن كولفيلد حقيقته وبسببه واجه سالنجر متاعب، استوجبت منه أن يختفي منعزلاً في كوخ صغير داخل غابة، محققاً ما كان بطله يصبو إليه، حتى وافاه الأجل وحيداً عام 2010.


صحيفة المدي

طلال حيدر.. زوربا البعلبكي

طلال حيدر.. زوربا البعلبكي



محمد حجيري - المدن

ذات مرة، قال الصحافي الراحل غسان تويني: "اثنان أتوا من بعلبك، أحدهما مجنون ويريد أن يتمثّل بالعاقل، وهو رفيق شرف، والآخر عاقل ويريد أن يتمثل بالمجنون وهو طلال حيدر(*)"، وسأل تويني طلال حيدر: من أين تأتي بهذه الصور في شعرك؟ فأجابه: لو أعرف من أين تأتي ما كنتُ كتبتُها.


والحق ان توصيف حيدر بـ"المجنون"، والثَّناء على صوره الشعرية المكثفة والمدهشة، ربما يختصر جزءاً كبيراً من تجربته في الشعر، فهو لطالما لقب بـ"شاعر الصورة" و"زوربا البعلبكي" بحسب أنسي الحاج، الذي يقول في خواتمه "شعر طلال حيدر يخاطبنا كإخوة. من الصعب كتابة المحكيّ من دون مبالغات، ومن الصعب كتابة الحنين من دون أن يظهر على الصيغ والألفاظ شيءٌ من التكلّف، إلاّ على يد الصائغ الماهر. في شعر طلال حيدر يسيل الكلام كالماء والهواء، ولا تعود المبالغة مبالغة، بل تصبح سخاء، ولا يعود السخاء مبالغة، بل الحياة متدفّقة في تجاوز نفسها. شعره أغنية كيفما جاء. إغراءٌ لا تعرف شيطانه من ملاكه"... وهو مزاج متقلّب ومشرقط، عاشق متهور، ارستقراطي- اقطاعي متصعلك، ابن المحكية بقصيدة أقرب الى الفصحى الطافحة بالندى، يحضر سهل البقاع بعاداته البدوية وعشبه وناسه وامتداده ويفرض المكان نفسه على الشعر الذي تغيب عنه المدينة ولغتها وأبوابها المفتوحة على الغرب. مَن يقرأ قصائده، لا بدّ أن يتخيل بيت الشَعر والراعي والقصب والقهوة العربية والخيول السارحة في الروابي والسهوب، من يقرأه أيضاً يشعر بسفر الكلمة بين المناطق المدن العربية، ومع ذلك كان الشاعر يسقط في لحظة، في مستنقع الكتابة عن المستبدّ، كان يصيغ أنشودة من ندى الماء والزهر، ليقولها في مناسبات الخراب، وهو يمدح، يغازل، يمجد، يستعيد الذاكرة، يراهق، يرقص، ويغني، يقاوم، يشطح، يكذب على سجيته، يخترع الأساطير حول قصائده، او يتبنى الأساطير التي تقال باعتبارها حكاية جاذبة، وأحياناً يغيب غيبات المؤمن المنتظر نزول الأولياء الصالحين... هو المقلّ، في الكتب والمفردات، الذي ينظر الجمهور إلى بعض قصائده كأيقونات لغوية وغنائية... بدأت رحلته الحقيقية مع الشعر حينما كتب قصيدة "فخار" وكان عمره 17 عاماً، ويقول فيها:

 "نيال فخارا لها الجره

فرحان عندو عيد

بيشرب ع طول نبيد

سكران عمرو ما صحي مرّا

ومدري خدودو ليش محمرّا

تخمين بوَّس شي مرا سمرا

تمّا غفي عا تمّ هالجره".


حينها سمعه الشاعر ميشيل طراد، أحد الكبار الذين أسهموا في تطور قصيدة الشعر اللبناني المحكي، فقال: الآن أنا مرتاح لوجود من يكمل الطريق، وكان يقصد طريق الشعر المحكي. كتب طلال حيدر في بداياته، قصيدة الشعر الفصيح، لكنه لم يجدها تعبّر عما بداخله من مشاعر، كما وجد في الأوزان والبحور الشعرية قوالب جامدة يمكنها أن تسجن الشعر، وتجعل الشاعر يستنسخ معانيه وأحاسيسه في قصائده المختلفة. ورغم ذلك يرى حيدر أن الشعر المحكي رهان، لكنه ليس بديلاً من الشعر الفصيح، ويؤمن بقيمة مطلقة بمقولة ابن الأثير: الأبلغ هو ما بقي على اللسان.


طلال حيدر شاعر يصفي القصيدة كثيراً، بحسب الناقدة خالدة سعيد، "ورث الصناعة عن سعيد عقل من دون أن يفقد العفوية التي ميّزت ميشال طراد وبلغت أحياناً حدّ الفجاجة عنده"، بحسب مودي بيطار في مقابلة نُشرت في مجلة "الوسط" المحتجبة. في مقدمته لـ"جلنار" الذي كتبه ميشال طراد، سمى ما يكتب بالمحكية شعراً، وكان يعتبر قبل ذلك مجرد "قول" ودون الشعر المكتوب بالفصحى مرتبة. يقول "انا لم آت من زجل الضيع بل من كل الشعر في العالم، وتأثرت خصوصاً بسان جون برس وخوان ريموند خيمينيز الذي ناداني الى مساحات شعرية خارج المألوف. ولي مجموعة بالفرنسية هي "أوراق المطر"... كتب مسرحيات وشارك في أفلام وعمل في الصحافة، لكن قصيدة "وحدن" بقيت مقياساً لكل شيء في حياته، كأنها محطة مركزية. من جهة، لأنها جُعلت بطريقة خرافية، أغنية للمقاومة الفلسطينية. ومن جهة ثانية، لأنها بصوت فيروز ولحنها زياد الرحباني حين كان في مقتبل عمره، ومحبوكة بطريقة جميلة.


والحال انه منذ مدة، نقرأ في مواقع التواصل الاجتماعي، نصاً عنوانه "قصة أغنية وحدن" لطلال حيدر، ومضمون النص أن "الشاعر اعتاد أن يشرب فنجان قهوته الصباحي والمسائي على شرفة منزله المطلّة على غابة تقع على مقربة من منزله. مرّت فترة من الزمن عندما كان طلال حيدر يشرب قهوته الصباحيّة، وهو يلاحظ دخول ثلاثة شبان إلى الغابة في الصباح وخروجهم منها مساء، و كلّما دخلوا وخرجوا سلّموا على طلال... وكان هو يتساءل: ماذا يفعل هؤلاء الشبان داخل الغابة من الصباح الى المساء؟ إلى أن أتى اليوم الذي ألقى الشبان التحية على طلال حيدر في الصباح ودخلوا الغابة، وفي المساء خرج طلال حيدر ليشرب قهوته لكنه لم يرَ الشبان يخرجون فانتظرهم لكنهم لم يخرجوا، فقلق عليهم، إلى أن وصله خبر يقول: إنّ ثلاثة شبّان فلسطينيين قاموا بعملية فدائيّة وسط الكيان الصهيوني، وعندما شاهد صور الشبّان الثلاثة فوجئ أنّ الشبان الذين استشهدوا هم أنفسهم الشبان الذين اعتاد ان يتلقى التحية منهم في الصباح والمساء. فكتب قصيدته قائلاً: "وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان بيسكروا الغابي... بيضلوا متل الشتي يدقوا على بوابي"... ثمة سذاجة واضحة في هذه الرواية، وافتعال آت من بنات الخيال... المهم القول إن القصيدة غنتها فيروز ولحنها زياد، واختارها المخرج الفلسطيني - السوري فجر يعقوب عنواناً لفيلم وثائقي.


والفدائيون الذين قيل إن القصيدة تتحدث عنهم نفذوا عملية ضد اسرائيل في مستوطنة كريات شمونة، شمالي فلسطين المحتلة، صباح 11 نيسان 1974، وكان أبطالها من مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة، وهم الفلسطيني منير المغربي (أبو خالد)، والحلبي السوري أحمد الشيخ محمود، والعراقي ياسين موسى فزاع الحوزاني (أبو هادي)، وقتلوا في تاريخ العملية ونشرت صورتهم جريدة "السفير". هذه القصة قيل فيها الكثير من التعليقات والتأويلات والتخمينات، خصوصاً أنها انتشرت بقوة، لكن ما لم ينتبه اليه كثيرون من أصحاب الضجيج والبهورة الثورية والرومانسية الجوفاء، أن القسم الأكبر من قصيدة طلال حيدر نشر في الملحق الثقافي لجريدة "النهار"، الأحد 16 تشرين الأول 1966 مرافقة للوحة للفنان الراحل رفيق شرف. أي أن القصيدة كتبت قبل 8 سنوات من العملية الفدائية. والمغزى الآخر أن طلال حيدر نفى صحّة القصة ذات مرة، وقال: "كتبت "وحدن" لابن البقاع، اللي بيبقى قاعد لحاله بالليل، وما بسمع شي غير صوت الديب والريح". يقول الكاتب فوزي باكير في موقع "جيل": "نص كهذا هو أكثر هشاشةً من أن يُحمّل بعملية فدائية، وشرسٌ بما يكفي ليعبّر عن تلك الوحدة"، و"لا يبدو النّص، فعليًا، مشابهًا للقصّة. الصور والمشاهد وكل بناء القصيدة المحكية أبعد ما يكون عن فعلٍ فدائي، وأقرب ما يكون إلى حميميّة مرتبطة بمكان وحالة يتعلّقان بمشهدٍ يعرفه الشاعر جيدًا: "وحدهن وجوهن وعتم الطريق/ عم يقطعوا الغابي/ وبإيدهن متل الشتي يدقوا البكي وهني على بوابي/ يا زمان.. من عمر فيّي العشب عالحيطان/ من قبل ما صار الشجر عالي".. هل تبنّى طلال حيدر القصّة ورواها؟ يسأل فوزي باكير ويقول: أجل، فعل ذلك، في فيلم "وحدن" لفجر يعقوب. لكنه، لمَن يعود إلى الفيلم ويشاهده، سيلاحظ أن طلال حيدر كان يروي القصة بوصفها أسطورةً، لا واقعة حقيقية، من دون أن يقرّ تمامًا بأن القصيدة كُتبت بهؤلاء. لكن يبدو أن الحكاية/الأسطورة راقت له. وهذا ما حاول فعله مع قصائد أخرى. 


لحن زياد الرحباني قصيدة "وحدن" وغنتها فيروز العام 1976، و فتح صوتها مسارات تأويل جديدة لكل كلمة وصورة من صور القصيدة، فقال طلال: "القصيدة لمن يغنيها وليست لمن يكتبها"، واعتبرها مفصلاً بين عصرين: عاصي وزياد، كما كانت "انت عمري" التي لحنها عبدالوهاب لأم كلثوم مفصلاً في تاريخ الأغنية العربية. يضيف: "الكلام عن فيروز يبقى اقلّ بكثير من صوتها. المغنون يبحثون عن قصائد ليغنوها، ومع فيروز يحدث العكس. القصيدة تبحث عنها لتصبح شعراً. صوتها يرسم فضاء للشاعر، ويفتح له مدى ليصبح شاعراً اوسع وألمع"... والأغنية الضاربة ساهمت في دفق المطربين على قصائده، لحّن مخول قاصوف العام 1978 أغنية "بدوية"، المعروفة بـ"ركوة عرب"، لكنها لم تسجل قبل العام 1980، تاريخ صدور أول مجموعة من أغنياته السياسية في شريط كاسيت بعنوان "إنتو كل الحكاية". ونذكر هنا أنّ أغنية "ركوة عرب"، أعاد مارسيل خليفة تلحينها وتوزيعها في ألبوم يحمل هذا العنوان العام 1995. قبل ذلك، غنى قصائد طلال حيدر كبار الفنانين اللبنانيين، ماجدة الرومي، وديع الصافي، أميمة الخليل، غادة غانم، سمير توفيق، جاهدة وهبة... وبدا واضحاً أن الكثير من الفنانين لم يضيفوا شيئاً الى قصائد طلال حيدر، ربما لأن أصواتهم لا تناسب...


في القصيدة الركيكة التي أطلقها طلال حيدر خلال الاحتفال بالعيد الوطني السعودي، أحيا الشاعر النقاش حول بؤس شِعر المديح وسيئاته وغاياته، وأدلى الكثير من النقاد بدلوهم السياسي في الموضوع، برروا المديح لهذا وذاك، رجموا طلال حيدر باعتبارنا في زمن الصراعات والانقسامات. انتقده بقوة الميالون إلى الخط الإيراني أو الذين لا يستسيغون سياسة السعودية. وهذه ليست المرة الأولى التي يتورط فيها طلال حيدر في دهليز المديح والسياسة. فعلى مدى سنوات، بقيت أقلام تذكره يوم أزاحت بلدة شتورا الستار عن نصب تذكاري لتخليد باسل الأسد، ووقف طلال حيدر يرثيه. يقول الناقد صبحي حديدي: "بدأ برثاء الراحل، ثمّ مرّ على مدينة القدس المحتلة ليجد النبي زعلاناً، مما دفع الشاعر إلى شتم الفلسطينيين لأنهم باعوا أذان العصر/ تا يشتروا بستان؛ وكان لا مفرّ من أن يمرّ على العراق فيجد بو لهب، ومرتو معو/ محمّل عا ضهرا حطب/ بردان، عم يوقد عرب؛ وبالطبع، لا بدّ من الشام وإنْ طال السفر: لاقيت الأسد سهران/ جاييعا ضهر البراق/ يخلّص الأذان/ وجايب معو هالشمس/ تتمشي على الجولان".


(*) فاز الشاعر طلال حيدر بجائزة شعر العامية من النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر في دورتها الأولى والبالغة قيمتها 50 ألف جنيه (نحو 3000 دولار). تحمل الجائزة اسم الشاعر المصري الراحل فؤاد حداد (1927-1985) وتقدَّم كل عامين.


 محمد خضير... سعادات خاصة

محمد خضير... سعادات خاصة



   يصعب الحديث عن "سعادات" القاص باسم الشريف، خارج نطاق اهتمامه اليومي بشقاء الآخرين وأحزان زمنه ومشكلات فنّه الذي يزاوله بجدّية تقرب من الصلاة. إنها مراحلُ متزامنة مع الكتابة والحياة اليومية المتقلبة بين الفرح والحزن، ومتتالية كتتالي نضوج التَّمر في الأعذاق والتهيؤ الموسمي لقصّه وتعبئته وتسويقه. القَصاص (بلغة أهل النخل) يتراوح موسمُهُ ومواسم القِصاص (بلغة أهل القرآن) يزيح أحدُهما الآخر (بلغة أهل التأويل) مفسِحاً المجال لموسمٍ من مواسم القصّ (بلغة أهل السرد) . فإذا أشارت قصصُ باسم الشريف لمكان السعادة، فإنما تشير في الوقت نفسه إلى واحدٍ من مواسم قَصاص التّمر واختلاط الفلاحين القاطفين بالعمال الوافدين من جهاتِ أعلى النهر المحيطة بالبساتين، وإلى نوع من قِصاص رأسِ المال الزراعي يحلّ بأُجراء الأرض كذلك. آنذاك يختلط سرُّ النخل بسرّ الكتابة، هذان اللذان اختلطا في كتابة الجاحظ ورهط كتّاب الأسواق المزدهرة بأختام التجارة و"أعشار" السفن بلغة ذلك الزمان وكلّ زمان، وبكدح الأقوام من الزنج والزطّ والفلاحين. ومثل اكتظاظ شطّ العرب بسُفُن الخليج، تكتظّ الصحفُ بأخبار ذاتِ طعم خاصّ عن وحدة الغرباء الوافدين بالسكان الأصليين، أخبار المقاهي والجراديق والصرائف، الخَرص والضمان والقطف وكبس التمر في صناديق خشبٍ خفيفة و"قوصرات" محوكة من سعف النخيل. تلكم اكسسواراتُ الدراما الموسمية لكبس النصوص التي تزاحِم أخبارَ الصحف المحلية كذلك. وأيُّ نصّ مكتوب بتلك الإشارات الطبيعية والبشرية، سينتزع لغتَه من موسم الاختلاط والتزاوج وتداول العملات وتبادل المصالح بلهجات النهر والبحر والسوق المختلفة؛ فيما لا يعرف النهر إلا لغة واحدة، لغة الزمن المستقلة عن المصالح والمنافع والاختلاط البشري الموسمي. لغتُه- لغةُ السخط والحرب والوباء- تحلّ فجأة كانتقام -موسمي هو الآخر- لتنقُضَ السعاداتِ المؤقتة، والوفاداتِ الجماعية لعمال البساتين. 

  من دون هذه التقدمات الخاصة، يصعب تتبع مصادر قصص باسم الشريف، الأنيقة كبدلة عرس، المتشردة كخِرقة صوفيّ تأخذ صاحبَها في شعابٍ شتى. نعم، إنها قصيدةٌ قصيرة لموسم قَصاصٍ سعيد، ما تلبث أن تُردي صاحبَها مثل تميمةٍ مخطوطة بحبر سرّي بنبوءاتٍ مرئية ومتوقعة. تسير قصصُ الشريف المرتحِل دوماً -بين البصرة وبغداد وأبعد منهما قليلاً نحو الشرق- على خطّ المواسم السعيدة- نبوءةً غير متحققة أبداً. ومن بين مِهنٍ متعددة- بيعِ الكتب القديمة، واستشاراتٍ أدبية عجلى- لا يُعرَف لهذا القاصّ مُتّجه او مستقرّ. إنّه مثل نهر التمائم، تحمله لغتُه المبطّنة بمواسم التغيير والترحال إلى غير جهة. ومثل غيابه المفاجئ/ المتوقع، سيلتفّ به منعطفُ النهر إلى سعادة لم ينلها في حياته الموسمية الشاقّة.

   كانت لي قراءتي الوحيدة لموسمية قصص باسم الشريف، بُحتُ بها في جلسةٍ باتحاد الأدباء،  تمحورتْ حول مجموعته (سعادات الأمكنة المضاعة، ٢٠١٦) واتخذتْ من قصة (المسفن) متكأً لها. وقد كشفتُ يومئذ عن سرّ من تمائم كتابة الشريف، يتمثل في "الترياق" الروحي الذي يرفعه الى نقطة متوسطة بين السماء والأرض، ثم يحطّ به بين عمال النهر. ففي هذه القصة خلاصة الرحلات التي جاور فيها القاصُّ أنماطاً من البشر الأرضيين وخلافهم من العارفين. ومن كتب هؤلاء -العرفانيين- استخلص الشريف أسرارَ صنعة الترياق/ الكتابة التي تصنّف الأماكنَ والبشر الذين يقطنون فيها، ودرجات معرفتهم أو انحطاطهم، فرحهم وشقائهم. فالترياق المخدِّر هو المكافئ المادي (الموضوعي) لعنوان السعادة التي اقتنصَها يوماً من مواسم قِطاف التمر، ومرسى لسفن المعرفة الروحية التي دعته لارتداء خِرقة المتصوّفة واتباع خُطاهم. وحيث يختلط البشر المنحطّون بالعرفاء المخلَصين، تنحلّ لغة القاصّ إلى أصولها من اللهجات والرموز والإشارات، بلغة الأحبار السرية والتداعيات الذهنية والذوبان في عشق الطبيعة وأخصّها النهر، الذي يجري إلى مصبّه غير عابئ بالمواسم السعيدة والشقية، ولا بأهلها الزارعين والقاطفين والكاتبين.

  (الصورة من صفحة الصديق قاسم محمد علي)

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2020

كيف تُرجِمت رواية «1984» بعد غروب كاسترو؟

كيف تُرجِمت رواية «1984» بعد غروب كاسترو؟

 




أماندا بيري - الشرق الاوسط

ترجمة: د. سعد البازعي

كان قيامي ببحث حول كوبا، أنا الكندية المقيمة في نيويورك، تجربة مربكة. حين أصف شغلي، يشعر معظم الناس بالدهشة، بالاستغراب، وحتى بالحسد: هل ذهبتِ إلى هناك فعلاً؟ أحياناً تبدو الآراء منقسمة انقسامها حول أي جدال إسرائيلي - فلسطيني. في ألبرتا، قلب كندا المحافظ (كما يوصف)، تقابَل دراستي باللامبالاة. حين خططت لرحلتي الأولى إلى هافانا، علق أحد الأصدقاء: «يمكنك الذهاب حين تكونين في الستين. الآن، لم لا تجربي مكاناً أكثر متعة، مثل الأرجنتين؟».


ردود فعل كتلك كانت تذكيراً مستمراً بأن كوبا تعني أشياء مختلفة لأناس مختلفين في أماكن مختلفة، وهي أيضاً نتائج مباشرة لسياسات خارجية مختلفة.


جاء فيديل كاسترو ومجموعته من المحاربين إلى السلطة عام 1959. وبدأت الولايات المتحدة حملتها لتغيير النظام هناك منذ 1960، حين ولدت المقاطعة الشهيرة. وتمنع واشنطن معظم مواطنيها من زيارة كوبا؛ حتى الإصلاحات التي أجراها باراك أوباما عام 2016 لم تسمح بسياحة غير مقيدة. في تلك الأثناء، كانت كندا تقريباً الدولة الوحيدة في القارة الأميركية التي احتفظت بعلاقات دبلوماسية واقتصادية ثابتة مع الجزيرة على مدى الستين عاماً الماضية (المكسيك هي الدولة الأخرى). في السنة الواحدة، يقوم الكنديون عادة بنحو مليون زيارة، معظمها في منتجعات الشواطئ. في مخيلتنا الشعبية، كوبا «فاكهة محرمة» بدرجة أقل، و«كانكون بسيارات قديمة وطعام سيء» بدرجة أكبر.


في كتاب فريدرك لافوا «أورويل في كوبا»، لا توجد شواطئ. لكن ذلك الصحافي من كيبيك يرسم إطاراً مختلفاً آخر: كوبا من حيث هي بقايا شيوعية متهدمة محاصرة بين الماضي والمستقبل. يقدم هذا الكتاب نفسه بصفته كبسولة زمنية، بعنوانه الأصلي معبراً عن الإحساس الحاد بحالة تعلق زمني: «Avant l’après» التي تعني حرفياً «قبل البَعد». بعد أن فاز بجائزة الحاكم العام عام 2018 للكتب غير الروائية، ترجم الآن إلى الإنجليزية على يد دونالد ونكلر.


كان لدى لافوا كل الأسباب التي تقنعه بأن كوبا كانت على شفا نقلة كبيرة حين زارها 3 مرات بين فبراير (شباط) 2016 وفبراير (شباط) 2017. زيارته الأولى سبقت وصول أوباما إلى هافانا بقليل؛ الزيارة التي مثلت نقلة دراماتيكية في علاقة الولايات المتحدة بكوبا على مدى خمسين عاماً. هاجم الرئيس المقاطعة، وبدا أن التحرك نحو المصالحة غير قابل للإيقاف (ملاحظة لافوا بأنه «مهما يكن الرئيس الذي سيخلف أوباما في نوفمبر (تشرين الثاني)، تبدو العودة إلى الماضي غير محتملة بشكل متزايد» تحمل الآن إيحاءات مأساوية). حين جاءت زيارة المؤلف الأخيرة، كان دونالد ترمب قد نُصب رئيساً وفيديل كاسترو قد مات عن تسعين عاماً. لم يلغ ترمب (حتى الآن) إصلاحات أوباما، لكنه خفضها بشكل حاد، ولم يعد إنهاء المقاطعة متوقعاً في القريب. في تلك الأثناء، كانت وفاة كاسترو عام 2016 ذات تأثير محدود على سير العمل في دولة كان يديرها أخو كاسترو (راؤول) على مدى عشر سنوات، ولم تؤدِّ إلى ما تمناه بعضهم من أزمة في الشرعية. العام الماضي، تنازل راؤول عن الرئاسة لميغيل دياز - كانيل، وهو بيروقراطي من جيل أصغر، بينما ظل هو على رأس الحزب الشيوعي. مرة أخرى، التغير الضخم لم يحدث. ربما أن الـ«بعد» ما يزال بعيداً إلى حد ما.


أحد أسباب زيار لافوا للجزيرة سعيه لحل مسألة غامضة. في عام 2016، أعلنت دار نشر كوبية أنها ستشرع في ترجمة جديدة لرواية جورج أورويل «1984» في معرض هافانا الدولي للكتاب. كان الاختيار محيراً؛ دولة حزب واحد بتاريخ طويل من الرقابة، كانت لا تفعل أكثر من مجرد السماح بنشر نقد كلاسيكي للتوتاليتارية، تنتجه على نطاق واسع وتشجعه في مناسبة كبرى. هل كان هذا مؤشراً على مدى التغير، أم أنه محاولة ساخرة تجعل كوبا تبدو كما لو كانت أكثر ليبرالية مما هي، أم أن ذلك كان مجرد أمل للناشر بأن يكون لديه عمل رائج، لا سيما أن الحكومة كانت تقترب من إصلاحات تنحو باتجاه اقتصاد السوق، وليس لديها الوقت للتفكير بالنقاء الآيديولوجي؟ أسئلة كتلك، وكذلك القراءة المكثفة لأعمال أورويل، تهيمن على كتاب لافوا.


«أورويل في كوبا» كتاب معني بظلال الدلالات، آسر من حيث هو تحقيق في الكيفية التي تؤثر فيها الرقابة على الأدب. التحدي الرئيس في مواجهة الرقابة الكوبية هو في غموضها؛ إلقاء القبض بشكل واضح على الفنانَين إل سيكستو وتانيا بروغويرا حالة استثنائية في عملية تتسم غالباً بالسرية. لا توجد قائمة رسمية بالكتب الممنوعة، مثلاً: العناوين غير المرغوب بها لا توزع ببساطة. مع أن كل المطابع جرى تأميمها في الستينيات، تظل آليات صنع القرار غامضة. يسعى الأفراد إلى توسيع هامش المسموح به بتقديم طلب يتضمن مقترحات بطبعات جديدة لمواد يفترض أنها غير مسموح بها. الخط الأحمر الوحيد هو التهجم الواضح بالاسم على الأخوين كاسترو. وحتى في تلك الحالات، تختلف القواعد بالنسبة للأجانب، ويستطيع لافوا أن يعبر الخط دون أن يكون لذلك سوى القليل من النتائج.


في محاولته للكشف عن خفايا نشر «1984»، يواجه لافوا باستمرار هذه الحالات الرمادية. ربما أن بعض من يحاورهم يكذبون. الأكثرية ليس لديهم سوى فكرة محدودة حول ما يجري. أحياناً، يكون حتى هو في حالة من الارتياب الشديد -يفترض وجود حالات من المقاومة حين لا يكون شيء من ذلك مقصوداً، أو يستغرب حين ينتقد النظام بعض مرافقيه بشكل معلن. وبالفعل، فإنه من المعتاد أن يناقش دارسو الأدب في كوبا ويهاجمون الرقابة في أثناء السبعينيات، بعد أن أعيد الاعتبار بعد ذلك لكثير من الكتاب الذين كانوا ممنوعين في تلك الفترة. لكن الغموض المستمر حيال ما هو مسموح به حالياً هو أيضاً جزء من الطريقة التي تعمل بها الرقابة. يخفف الناس من حدة مواقفهم، في محاولة لتفادي اجتياز حدود باهتة، الأمر الذي يجعل من النادر أن يضطر النظام لفرض تلك الحدود.


سيكون من الإهمال في مناقشة كتاب يتمحور حول الترجمة، ويبرز إلى حد كبير مترجمين كوبيين، ألا تكون الترجمة موضوعاً للنقاش. المترجم دونالد ونكلر حصل على ثلاث من جوائز حاكمه العام، ومعالجته لكتاب «أورويل في كوبا» معبرة باستمرار، حاملة نغمة مثقفة ميسورة للقارئ في الوقت نفسه. لديه الفرصة ليظهر لمساته حين يقطع لافوا صيغة الريبورتاج، ليضمن الكتاب مسرحية هجائية مصغرة وقصيدة طويلة. لكن الأسلوب في الغالب يظل مع ذلك مباشراً بشكل مقصود، بليغاً لكن ليس إلى درجة الاستعراض؛ يتذكر المرء الخطوط العامة التي رسمها أورويل نفسه في مقالته «السياسة واللغة الإنجليزية».


أحياناً، يبالغ لافوا في اعتماده على أورويل، حين يوحي بأن الرقابة دليل قاطع على وجود الأشكال الأخرى من قمع الدولة. مقارناته تدعونا لتخيل فيديل وراؤول كاسترو من حيث هم قادة لأوقيانوس في العالم الحقيقي يستهدون في إدارة جهاز توتاليتاري بـ«أخ أكبر». ما يتضمنه ذلك هو أن أي دولة تسعى للسيطرة على مصادر المعلومات، للحد من تعدد الرؤى حول الحاضر والماضي، لا بد أن لديها جرائم أخرى تخفيها. هذا التأطير يخفي ملمحاً رئيساً لكوبا بين الديكتاتوريات الشيوعية في القرن العشرين: انخفاض عدد الجثث فيها. الملايين التي هلكت في أرخبيلات ستالين، والمجاعات الجماعية في «القفزة الصينية إلى الأمام»، والتطهير الذي صاحب الثورة الثقافية، وحقول القتل التي مارسها الخمير الحمر -هذه الأمثلة من سفك الدماء لا يكاد يشبهها شيء على الجزيرة. تاريخياً، الغالبية العظمى من معارضي كاسترو جرى ترحيلهم إلى الولايات المتحدة، بدلاً من تصفيتهم. «منظمة العفو الدولية» ذكرت 120 سجيناً سياسياً في كوبا عام 2018، وهو رقم كبير مقارنة بسجون خالية، وأقل بكثير مما يفترضه كثيرون. في رواية أورويل «1984»، يُعذب البطل. في كتاب لافوا، الوصف المؤلم الوحيد حقيقة لعنف الدولة يعود إلى أوائل الستينيات.


من نواحٍ أخرى، يسعى لافوا جاهداً إلى تحقيق التوازن، متفادياً الشجب الشامل مستكشفاً التناقضات لدى بعض الكوبيين المقيمين في ميامي الذين أجرى لقاءات معهم. أجد ما يغريني بعزو هذا الموقف إلى الحياد الكندي، لكنه كما يتضح أكثر نتيجة لعمله الصحافي في الاتحاد السوفياتي السابق. هناك، شاهد نتائج الانتقال «الفاشل» للرأسمالية الذي أفاد القليل من الأوليغاركيين وفتت الحماية الاجتماعية. يأمل لافوا أن تتفادى كوبا هذا المصير، وأن تتحرك بدلاً من ذلك إلى شكل من الديمقراطية الاجتماعية. إنه يكرس مساحة كبيرة للتناقضات في النظام الاقتصادي للجزيرة، حيث تتجاور عملتان، والأطباء الذين تدفع لهم الدولة يحصلون على مداخيل أقل بكثير مما يحصل عليه سقاة البارات إذ يجمعون الإكراميات من السياح.


فوق ذلك كله، يسعى لافوا إلى تفادي مصيدة النظرة الرومانسية إلى البلد، وإنتاج دعاية حكومية في أثناء ذلك دون أن ينتبه. يتضح هذا بشكل خاص في تصويره جان - غي ألار، وهو صحافي متقاعد من كيبيك انتقل للعيش في هافانا، ووجد نفسه محل حفاوة لأنه كتب ما يعجب الحكومة. يصور لافوا ألار بصفته «أحمقاً مفيداً» في القرن الحادي والعشرين، عبارة سبق استعمالها لوصف جان بول سارتر، وهو معجب آخر من معجبي كوبا.


كانت صحة ألار تسوء حين لقيه لافوا لأول مرة، ووفاته بعد ذلك تصبح رمزية تقريباً -مؤشراً إلى أن النظر إلى الثورة الكوبية نصر مذهل لستينيات القرن الماضي لم يعد ممكناً.لكن ثمة وجهاً آخر لتناول لافوا لكوبا مدفوناً في هذه الصفحات. بعد أن يقدم قراءة تحريضية في معرض هافانا الدولي للكتاب، يتحدث إلى الجمهور كاتب لم يُسمَّ من بورتوريكو، قائلاً: على لافوا أن يأخذ في الاعتبار «التوتاليتارية الرأسمالية» لكي يفهم الوضع في كوبا وبقية أميركا اللاتينية. استناداً إلى خلفية ألار، يمكن بسهولة عدم الالتفات إلى الكاتب غير المعروف على أنه أحمق مفيد آخر، لكن التعليق تذكير أيضاً بأن إطارنا المرجعي يحدد الأسئلة التي نطرح.


ضمن أميركا اللاتينية، حققت كوبا شرعيتها منذ أمد طويل ليس على أساس الشيوعية، وإنما على أساس معاداة الإمبريالية. وجوه الشبه بينها وبين الاتحاد السوفياتي كانت أقل أهمية من وجوه اختلافها عن الديكتاتوريات العسكرية المؤيدة للرأسمالية في المنطقة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي التي كانت تحصل باستمرار على الدعم الأميركي. في هذه الأثناء، كان المحللون الكاريبيون والأفارقة الأميركيون غالباً ما يحللون كوبا من حيث هي اقتصاد زراعي سابق، متسائلين عن الكيفية التي واجهت بها ثورة 1959 الآثار المتبقية من العبودية واللامساواة العرقية.


لكن ليس لدى لافوا الكثير مما يقوله عن العرق، وهو موضوع بارز في زيارة أوباما، أو عن تاريخ التدخل الأميركي في الأميركتين. إطاره المرجعي يظل شمال أطلسي بشكل راسخ؛ إنه يسافر مع جورج أورويل، الإنجليزي في نهاية المطاف.


إن هذا ليس نقداً بقدر ما هو تذكير بالطرق الكثيرة التي ما تزال فيها كوبا «تُكسَب المعنى» بالنسبة للزوار. تعلَّقَ ألار بالثورة الرومانسية، حيث يرى معظم الكنديين بقعة عادية لقضاء الإجازة. أما لافوا، فرأى فرصة لتفادي الاستسلام الكارثي في شرق أوروبا للرأسمالية، حيث يبحث آخرون عن معركة ضد العنصرية أو التخلف. وماذا عن الكوبيين أنفسهم؟ مما يحسب للافوا أنه يختم كتابه بوضع المستقبل -والأمل المتردد بأن يكون مستقبلاً أفضل- في أيديهم.



- المصدر: «ليتراري ريفيو أوف كندا» (يوليو (تموز) / أغسطس (آب) 2020)

ألبوم «أغنيات البراءة والخبرة»: آلن غينسبرغ يغني أشعار وليم بليك

ألبوم «أغنيات البراءة والخبرة»: آلن غينسبرغ يغني أشعار وليم بليك

 

 مروة متولي - القدس العربي


كان الشاعر الأمريكي آلن غينسبرغ 1926 ـ 1997 يغني ويؤلف الموسيقى، ويعزف على البيانو والهارمونيوم، ويصدر من حين إلى آخر بعض الألبومات، التي يغني فيها أشعاره، أما ألبومه الأول «أغنيات البراءة والخبرة» 1969، فقد خصصه بالكامل لقصائد الشاعر الإنكليزي وليم بليك، التي كتبها ورسم لوحاتها في ديوانه المصور بالعنوان نفسه، الصادر عام 1794.

وكما عبر بليك عن أفكاره بالكلمة والصورة، وسمى قصائده بالأغنيات، فإن غينسبرغ قام بالتعبير عنها موسيقياً وغناها بالفعل، وعندما نستمع إلى هذه الأغنيات نشعر بأنه لم يكن يلحن القصائد، وإنما كان يبحث عن الموسيقى داخل كل قصيدة، ويستخلصها ثم يتبعها، وهذا ما يمنح المستمع إحساسا خاصا، ويحقق له تجربة أخرى في تلقي القصائد، تختلف عن القراءة، أما الصوت فلا يمكن القول إن غينسبرغ كان ذلك المغني المذهل، الذي نطرب لسماعه، فمن قصيدة إلى أخرى يتباين الغناء من حيث المستوى، ودرجة الإجادة والإتقان، وتظهر بعض العيوب المزعجة والمشكلات في التنفس في أغنية ما، وفي أغنية أخرى يكاد يكتمل الصوت والإحساس والتأثير، لكن من الجميل على كل حال أن نستمع إلى آلن غينسبرغ، ذلك الشاعر صاحب التجربة الكبيرة فكريا وإنسانيا وجماليا، الذي يحمل صوته ملامح التاريخ الأدبي والفني والسياسي الحافل، وذكريات جيل البيت وأسماء وليم بوروز وجاك كيرواك، ونيل كاسيدي الفنان الفطري، الذي لم يذهب إلى أرقى المعاهد والجامعات، وأمضى بعض الفترات من حياته هائما في الطرقات، بينما يتبعه هؤلاء الفتية الذين يستلهمون منه الفن والحياة والتمرد، وكان لرسائله المتبادلة معهم، التي تعد من أهم آثاره الأدبية القليلة، الفضل على هذا الجيل، وهؤلاء الكتاب الصغار في ذلك الوقت، نظرا لما تحتوي عليه من نصائح فنية مهمة وآراء نقدية قوية.

ينتمي غينسبرغ إذن إلى ذلك الجيل الذي تمرد على كل شيء، وغيّر وجه الأدب الأمريكي في الشعر والرواية، وكان ضد كل ما هو قائم من أوضاع سياسية وعادات وقيم وتقاليد اجتماعية وأدبية وفنية، كما كان رافضا لكل أشكال السلطة التي تمثلها العائلة والمجتمع والجامعة والدولة، وكتب الشاعر قصائد وكلمات لا تنسى تعبر عن معاناة جيله المهزوم، منها «رأيت أفضل عقول جيلي محطمة بفعل الجنون» و»أمريكا لقد أعطيتك كل شيء والآن أنا لا شيء» وقد تأثر غينسبرغ بالثقافة الهندية، بعد سفره إلى الهند، وصار يمارس التأملات البوذية، وهناك تعلم العزف على آلة الهارمونيوم التي نستمع إليها بشكل رئيسي في ألبوم «أغنيات البراءة والخبرة» وهي تصاحب قصائد وليم بليك القصيرة، التي تنقسم إلى قسمين، الأول «أغنيات البراءة» وتدور قصائده حول الطفولة والنقاء وبراءة الإنسان، التي يفقدها في ما بعد، بفعل الحياة والزمن والتجارب السيئة. أما «أغنيات الخبرة» في القسم الثاني فتحتوي على بعض القصائد الشهيرة مثل «النمر» و»الزهرة العليلة» وتكثر فيها الأحزان والمخاطر التي تحاصر البشر، وتغير البشر أنفسهم وشرورهم المحتملة بعد ما اكتسبوه من خبرات، كما توجد بعض القصائد المكررة أو المكتوبة بالعنوان نفسه في كل من أغاني البراءة وأغاني الخبرة مثل، قصيدة «الصبي المفقود» وهي قصائد تتشابه في العنوان فقط، لكنها تختلف في المتن والتناول والرؤية، ونجد قصائد لا تتماثل في العنوان لكنها ترتبط ببعضها بطريقة ما، مثل قصيدة «أفراح الطفل» في أغاني البراءة وقصيدة «أحزان الطفل» في أغاني الخبرة.


قد تبدو جميع القصائد طفولية بسيطة، تروي حكاية أو تصف بعض الصور والمشاهد، لكنها بالطبع ليست كذلك تماما، ولا تخلو أحيانا من بعض الغموض الذي يعكس نظرة وليم بليك المعقدة للأشياء من حوله، ورؤيته غير السطحية للحياة، ونشعر بأن كلماته في هذه القصائد هي خلاصة تأملات وأسئلة حول الوجود والإله، وحياة البشر والفقر والظلم والعدل الغائب، وكذلك عن الخير والشر والطيبة والتعاطف الإنساني، ولا ينفصل وجود الطبيعة في شعره، ومفرداتها من خضرة وزهور وأشجار وحملان ونمور، عن هذه التأملات والأسئلة، وكان آلن غينسبرغ متشبعا في أدائه بهذا الأسلوب لدى وليم بليك، وغنى القصائد بطريقة يظنها المستمع للوهلة الأولى طفولية أيضا، ثم يكتشف ويدرك المعاني الأكثر عمقا بعد ذلك، ومن أجمل ما يغنيه غينسبرغ في هذا الألبوم قصيدة «الليل» بلحنها المتمايل الراقص الذي يكاد يقترب من الفالس في بعض مقاطعه، ويلائم الصورة البديعة التي يرسمها وليم بليك بكلماته عن غروب الشمس والليل الهادئ، والقمر، الذي يبدو كوردة في وسط السماء، والنجوم اللامعة المثيرة، وإلى ما هنالك من إسهاب في وصف الطبيعة، ثم توديعه لها وللأرض بأكملها، ورسم صورة أخرى عن المحبة الأبدية والوئام اللانهائي في الجنة، وكذلك تعد قصيدة «حزن الآخر» من أكثر أغنيات الألبوم ملامسة للقلوب، وهي تجسد البراءة الخالصة والنقاء المطلق وما يجب أن يكون عليه الإنسان حقا، ويغنيها غينسبرغ بتأثر حزين إلى حد ما، وهو يطرح أسئلتها التي تقول هل يمكن أن نرى آلام وأحزان ودموع الآخر بدون أن نشاركه كل هذه المشاعر أو نحاول التخفيف عنه، ثم يجيب لا لا، لا يمكن أبدا.


٭ كاتبة مصرية


الأحد، 6 سبتمبر 2020

 ملاحظات موجهة إلى جامع الكتب الجاهل – لوقيانوس

ملاحظات موجهة إلى جامع الكتب الجاهل – لوقيانوس



 ترجمة: عبد اللة الحميدي

  ملاحظات موجهة إلى جامع الكتاب الجاهل حول في زمن لوقياينوس كما في عصرنا كان ثمة مُدعون كُثر للمعرفة والعلم أكثر من أصحابها الحقيقيين، في هذه الرسالة يتناول لوقاينوس أحد هؤلاء المدعين – لم يصل لنا اسم لحس حظه – بنقد لاذع وبالغ السخرية، من خلال مقارنات وأمثلة تتصل بهذا الموضوع، وقصص توضح المقصود بشكل دقيق. 1

 
دعني أخبرك، أنك أخترت الطريق الأسوأ لتحقيق مرادك. فطالما اعتقدت أنك من خلال شراء كل ما يمكن أن تصله يدك من كتب جيدة ستغدو شخصا ذا ذائقة أدبية. فأنت مخطئ تماما. فأنت بهذه الطريقة لا تكشف سوى عن جهلك بالأدب. لأنك ببساطة تفتقد القدرة على شراء الكتب المناسبة. فأي توصية عابرة من شأنها أن تحدد اختيارك. فتبدو حينها كطينة بين يدي كل هاو، وسلعة لكل تاجر.

كيف يمكنك التمييز ما بين الكتب ذات القيمة، وما بين الهراء الجدير بأن يمزق إلى قطع؟ لقد وضعتك ثقتك الديدان والعثة. فعملها هو دليلك الوحيد لتقدير قيمه الكتاب. في حين أن دقة وتفاني الكُتَاب لا قيمة لهما بالنسبة لك.

لنفترض أنك استطعت الحصول على بعضٍ من الكنوز الحقيقية، كنسخ فريدة لأعمال كالينيوس Callinus 2، أو تلك الذائعة الصيت لأتيكوس Atticus 3 من قِبَلِ أفضلِ الناشرين. فما الفائدة التي ستضيفها لك؟

مفتوحة عيناك، محدقا بـ الكتب حتى ينالك التعب، تقرأ قليلا من هنا وهناك، بعشوائية، تظل شفتاك مشغولة بجملة بينما عيناك على الفقرة التي تليها. لكن ما فائدة هذا كله؟ إنك لا تستطيع حتى التمييز ما بين الجيد والرديء. تخفق في إدراك المغزى العام للمؤلف، لا تدرك الترتيب التدقيق للكلمات: فالأسلوب الواضح والمزيف – شيء واحد بالنسبة لك
هل نفهم من ذلك أنك تملك ذائقة أدبية دونما تَعلّم؟ كيف؟ ربما، تلقيت كهزيود Hesiod 4، اكليل الغار من آلهة الإلهام Muses 5؟ فيما يتعلق بذلك، أشك في كونك قد سمعت شيئا عن جبل هيليكون 6، حيث تسكن تلك الآلهة، آلهة الإلهام. بيد أن مساعيك عندما كنت شابا لم تكن كمساعي هزيود. إياك أن تستخف بهن. فهن لا يستعلين عن الظهور لراع جلف، أشعث، قد لوحته الشمس، لكن حالما يقتربن من شخص مثلك (أرجو أن تتقبل في هذه اللحظة إغراقي في التفاصيل، عندما أناشدك بحق آلهة لبنان؟) فسوف يزدرين عقلك، وسيضعن بدلا من أكليل الغار، أوراق الأثل والخباز على ظهرك. لا يمكن لمياه أولميوم وهيبوكرين 7 التي هي للأغنام وللرعاة الأقوياء، أن تتلوث بشفاهٍ غير طاهرة. سأسلم بأن لديك قدرا كبيرا من الجرأة: غير أنك بالكاد تملك الثقة لتدعو نفسك عالما. كذلك من الصعوبة بالنسبة لك التظاهر بعمق معرفتك بالأدب. وإلا فدلنا على أسماء معلميك وتلامذتك.

تعتقد واهما أنه بإمكانك التخلص من جهلك ببساطة من خلال شراء الكتب ، بوسعك الحصول على كل من أعمال ديموستينس Demosthenes 8 ، ونسخه الثمانية الرائعة لثيوسيدس Thucydides 9، بخطه نفسه، وجميع المخطوطات التي أرسلها سولا Sulla 10 من أثينا إلى إيطاليا، بيد أن كل هذا لن يقربك شبرا من المعرفة، حتى لو توجب عليك أن تضعها تحت وسادتك والنوم عليها، أو إلصاق بعضها البعض وارتدائها، فالقرد يبقى قردا- كما يقال- ولو زين بالذهب.
دائما ما ترى وبيدك كتاب، تقرأ دائما، لكن ما جدوى هذا كله دونما فهم. لن ينخدع بك سوى المغفلين. فربما كانت الكتب أشياء ثمينة في ذاتها، لكن إن كان مجرد الحصول عليها يضمن لمقتنيها الثقافة، عندها سيكون بمقدوركم أيها الأثرياء أن تحصلوا على أي شيء بأموالكم، ولن يكون بوسعنا نحن الفقراء مجاراتكم، وإذا كانت المعرفة سلعة قابلة للبيع والشراء، كما هو الحال بالنسبة للتجار، فلن يكون بمقدور أحد أن يصل لمستوى ثقافة أولئك الذين تمتلئ مخازنهم بـ الكتب . بيد أنك ستدرك ولا بد أن هؤلاء لا يختلفون عنك كثيرا في قلة الفهم. كما يشاركونك في كل من جهلك ونبرتك المتعجرفة، مثلما هو متوقع من كل شخص يفتقر إلى القدرة على التمييز ما بين الجيد والرديء. رغم أنهم كما لاحظت وأنت تشتري منهم بعضا من الكتب الغريبة أنهم كالينبوع، يفيضون بـ الكتب ليل نهار.
كيف يمكن مع كل ذلك أن يكون ما تشتريه من الكتب مفيدا لك، إلا إذا كنت تعتقد بأن تكديس العديد من المخطوطات القديمة في خزانتك من شأنه أن يجعلك منك شخصا متعلما.
أرجو أن تجيبني على بعض الأسئلة. وفي حالة لم ترد الجواب فقط أومأ برأسك. هب أن مزمار تيموثيوس Timotheus 11 أو إيسمينيس Ismenias 12، والذي يباع في كورنيثيا ببضعة آلاف من الجنيهات، قد وقع بيد شخص يجهل كيفية استخدامه، هل سيجعل ذلك منه زمارا؟ هل كان مجرد امتلاكه سيزيد في معرفته بالعزف شيئا؟ ستومئ برأسك على الأرجح. حتى لو امتلك هذا الشخص مزمار مارسياس Marsyas 13 أو أولومبيوس Olympus 14، فسيظل رغم ذلك عاجزاً عن استعماله ما لم يكن قد تعلم العزف قبل ذلك. خذ مثالا آخراً. مثال الرجل الذي حصل على كل من قوس ونبال هيراكليوس Heracles 15، لكنه ليس فيلوكتيتس  Philoctetes 16 ليس له مهارة ذلك الرامي الحاذق ولا عينيه. ماذا ستقول؟ هل سيجد عذرا لنفسه؟ ستهز رأسك مرة أخرى. ذات الشيء ينطبق على ربان سفينة ساذج عهد إليه بقيادتها، أو على راكب خيل غير متمرس. ربما لم يكن ثمة ما ينقص أو يعيب جمال أو كفاءة السفينة، وحتى الحصان كان يمكن أن يكون ميديا Median 17 أو من ثيساليا Thessalian 18  أو من قوبا Koppa 19، لا شك عندي بأن عجز أصحابها سيبدو واضحا للجميع. ألستُ محقا في ذلك؟ والآن أرجو أن أطلب موافقتك على الافتراض التالي: إذا شرع شخص جاهل مثلك في شراء الكتب، فإنه فسيعرض نفسه لا محالة للسخرية. ربما تتردد في الإجابة؟ ذلك واضح بما فيه الكفاية: فمن ذا الذي يرى ذلك، ويتردد في الحكم بعدم جدواه.
قبل عدة سنوات كان هناك رجل ثري في آسيا، كان سيء الحظ لدرجة أنه فقد كلتا قدميه، ربما بسبب سفره عبر الثلوج. لا شك أنها حالة بالغة الصعوبة، وقد بذل كل جهده لتدبير زوجي أرجل خشبية، يستطيع من خلالهما المشي بمساعدة الخدم، بيد أن السخيف في الأمر، هو إصراره الدائم على الحصول أرقى وأحدث الأحذية لقدمه المبتورة. والآن، هل أنت أكثر حكمة منه، وذلك حين تحاول تزيين فهمك الأعرج الخشبي، من خلال السعي على الحصول على مثل تلك الأحذية الذهبية التي من شأنها أن تعوق حرية التفكير؟
من بين مشتريات عدة نسخ من هوميروس. ُمرْ أحدهم ليحضر لك الكتاب الثاني من الإلياذة، ويقرأه لك. من بين بقية الفقرات ثمة فقرة كفيلة بإثارة استيائك، أعني تلك الفقرة التي تدور حول شخص غريب الأطوار، قبيح، مشوة يدعى ثرسيتيس Thersites 20، والآن، لنتخيل بأن ثرسيتيس هذا كما تم وصفه، ارتدى درع أخيليوس 21. ماذا ستكون النتيجة؟ هل سيصبح عندها ذلك المحــارب البهي الطلعة، الشجـــاع، خائضا عباب النهر، ملوثا مياهه بدماء الفريجيين؟22 هل سيستطيع هذا الذي لا يقوى أن يحمل على كتفية رمح أخيليوس، قتل كل من استيروبايوس Asteropaeuses 23 و ليكاؤن  Lycaons 24 و هيكتورHector  25  ؟ بالتأكيد لا. سيبدو مثيرا للضحك: حين يتهاوي تحت ثقل الدرع، بعينين ذاهلتين تحت الخوذة. جاراً بتثاقل درع رجل آخيل. ولايكاد يثبت عليه درع الصدر بسبب حدبته. باختصار، لا صانع السلاح ولا مالكه سيتباهون بذلك. إذا لاحظت ذلك، ستجد أنك تشبه ثيرسيتس تماما. فحينما تحمل تلك المجلدات الفاخرة، ذات الأغلفة الأرجوانية المذهبة، وتشرع بالقراءة بتشدق، مشوهاً ومحرفاً محتواها، فأنت بذلك تجعل من نفسك أضحوكة لكل شخص متعلم. أما الأشخاص المتملقون فسيثنون عليك في الظاهر، فيما يتضاحكون فيما بينهم سراً.
سأحكي لك قصة حدثت في دلفي. كان ثمة شخص من مواطني تارانتو يحظى بمكانة رفيعة يدعى ايفانغلوس Evangelus. داعبه ذات مرة حلم الفوز بالألعاب البيثية 26. غير أنه لاحظ استحاله ذلك لا سيما كونه يفتقد القوة والرشاقة اللازمتين للفوز. غير أن الموسيقى بدت له المجال الأسهل لتحقيق مجده. مثلما أوهمه بعض الأشخاص المتملقين، الذين اعتادوا التهليل له والتصفيق بقوه كلما أمسك بقيثارته.
بأبهة كبيرة وصل ايفانغلوس إلى دلفي. مرتديا لباساً موشى بالذهب. مزيناً رأسه بإكليل غار وقطع زمردية كبيرة. أما بالنسبة إلى القيثارة التي صنعت من الذهب والمرصعة بشتى أنواع من الأحجار الكريمة، وبنقوش تظهر صور أبولو  Apollo 27 وأورفيوس  Orpheus 28 وربات الإلهام، فقد كانت الأجمل والأغلى من بين كل ذلك، حيث أثارت إعجاب الجميع. كان ايفانغلوس هو الثاني من بين ثلاثة متنافسين.
بدأ ثيبياس الثيفي من –طيبة- 29 العزف أولاً، بمهارة واقتدار. ثم جاء دور ايفانغلوس متألقا بالزمرد والبريليوم والياقوت، وزاد من تأنقه ذاك، رداءة الأرجواني المزدان بالذهب. جميع من بالقاعة كانوا منبهرين وينتظرون على أحر من الجمر، إذ أن الغناء والعزف كانا جزءا أساسيا من المنافسة. وما إن شرع في العزف حتى جاءت نغماته غير متسقة وبلا معنى. ولم تلبث أوتار قيثارته أن تقطعت بسبب رعونته في العزف. وعندما بدأ في الغناء بدا صوته غاية في النشاز ما جعل جميع من في القاعة لا يتمالك نفسه من الضحك. قام الحكام بسبب هذه الفضيحة بطرده خارج المسرح. كان مشهد ايفانغلوس الذهبي في تلك اللحظة غاية في الأسى، إذ تم جره خارج المسح، مُدماً باكياً، وهو ينحني في أثناء ذلك ليلتقط الأحجار الكريمة التي سقطت من القيثارة التي أخذت هي الأخرى حظها من الطرد.
على الفور حله محله إيميليوس الإيلي  – من إليا – 30  وعلى الرغم من أن قيثارته كانت قديمة، ومشدودة بسمامير خشبية، وبالكاد كانت ملابسه وإكليله تساوي عشرة شلنات. فقد استطاع مع ذلك بجمال صوته وحسن عزفه أن يفوز بالمسابقة، متفوقاً على الروائع غير المجدية لقيثارة منافسة المرصعة بالجواهر. “إيفانغلوس” يقال أنه قال له،” لك إكليل الذهب، أما أنا فلستُ سوى شخص فقير، حريٌ به أن يُقدم قربانا لدلفي، مع ذلك فلن يأسى لإخفاقك أحد. إن صلفك وعدم كفاءتك قد جعلا منك شخصاً ممقوتاً، هذا كل ما فعلته لك زينتك” يبدو واضحاً مرة أخرى انطباق هذا عليك، إذ لا يختلف إيفانغلوس عنك بشيء سوى تحرجه من التعرض للسخرية على العلن”
لدي قصة أخرى قديمة من ليسبوس Lesbos 31. تبدو ذات صلة وطيدة بموضوعنا. يقال بأنه بعد أن قطعت النساء التراقيات جسد أورفيوس، حمل نهر هيبروس رأسه وقيثارته إلى البحر. كان الرأس عائما فوق القيثارة، يردد أغاني أورفيوس الحزينة، بينما تحرك الرياح أوتار قيثارته، هكذا وصل كل من الرأس والقيثارة إلى شاطئ ليسبوس، حيث حُمل الرأس ليدفن في المعبد الحالي لباخوس Bacchus 32، في حين ظلت القيثارة محفوظة كأثر مقدس في معبد أبولو.
بعد مدة سمع نينثيوس Neanthus ابن الطاغية بيتاكوس Pittacus 33 كيف وصلت القيثارة التي سحرت الوحوش والأشجار والصخور، وكيف أنها وحتى بعد وموت أورفيوس ظلت تعزف من تلقاء نفسها. بهذا الهوس العارم لاقتنائها، عرض للكاهن رشوة ضخمة مقابل الحصول على القيثارة الأصلية، واضعاً مكانها قيثارة تشبهها. ولإدراكه أنه ليس من الحكمة أن يستعرضها في ضح النهار. فقد انتظر حتى الليل واضعا إياها تحت عباءته، ذاهبا إلى أطراف المدينة.
هناك أخرج هذا الشاب الذي لا يحسن شيئا من الموسيقى قيثارته، وبدأ يخبط على أوتارها كيفما اتفق، ظنا منه بأن هذه النغمات المنبثقة من تلك الأوتار الإلهية ستأسر بجمالها كل شيء، جاعلة منه في الوقت ذاته الوارث المحظوظ لعبقرية أورفيوس. غير أن ألحانه لم تجذب له سوى مجموعة من الكلاب تجمعت ناحية الصوت، لتهجم عليه ممزقة إياه إلى أشلاء.
إلى هنا كان مصيره مشابهاً على الأقل لمصير أورفيوس، غير أن سحره لم يفتن سوى الكلاب المتوحشة. ليؤكد هذا بما لا يدع مجالا للشك بأن سحر أورفيوس لا يكمن في القيثارة وحدها، بل في موهبة الغناء والموسيقي الخاصة التي وهبتها لأورفيوس والدته – كاليوبي – 34 أما هي فلم تكن لتختلف عن أي قيثارة أخرى.
لكن ما الحاجة إلى ذكر أورفيوس ونيانثوس؟ ولدينا أمثلة حية. في اعتقادي أن الشخص الذي اشترى المصباح الخزفي لابيكتيتوس Epictetus 35 الرواقي ب 120 جنيها 36 لا يزال حيا، ولا استبعد أنه كان يعتقد أنه بمجرد القراءة على ضوء ذلك المصباح، فإن حكمة ابيكتيتوس لا شك ستصله في أحلامه. وسيغدو حينها شبيهاً بذلك الحكيم المبجل.
فقط قبل يوم أو يومين كان شخص آخر قد بلغ به الحماس لأن يدفع 250 جنيهاً من أجل قطعة يُعتقد أنها سقطت من الفيلسوف الكلبي بروتيوس Proteus 37 أثناء إلقاء نفسه في المحرقة، متباهياً باقتناء هذه القطعة النفيسة، كما يفعل أهل تاجيا Tegea 38 بجلد الخنزير الكاليدوني Calydonian boar، أو الثيفيين بعظام جيريون Geryon 39 ، أو أهل ممفيس بشعر إيزيس Isis. 40 لا يختلف عنك هذا المالك لهذه القطعة النفيسة إلا بجهلة وسذاجته. وها أنت تسير في الطريق الخطأ يا صديقي. ربما كان تحتاجه هو ضربة على الرأس تعيدك لجادة الصواب.
يقال بأن ديونيسوس Dionysius 41 كان كلما شرع في تأليف تراجيديا، تجيء كتاباته رديئة دائماً، إلى الحد الذي جعل من الشاعر فيلوكسينس  Philoxenus 42 لا يتمالك  نفسه من الضحك منها، وهو الأمر الذي أدى إلى إرساله مرارا للعمل في المحاجر. وعندما وجد ديونيسوس أن جهوده لم تزد أن جعلته أكثر سخافة من ذي قبل، قرر الحصول على الأوراق التي كان اسخيليوس Aeschylus 43 يكتب عليها. متطلعا في الوقت ذاته أن تساعده على استنزال الوحي الإلهي. غير أن كتاباته بدت أسوأ بكثير مما كانت عليه.
من بين ما كتبه سأقتبس التالي :
كانت زوجة ديونيسوس، دوريديون.
بيت آخر :
رحلت، المرأه الأكثر تفانيا.
كانت تلك أوراق التي يكتب عليها أوراقا أصلية:
الرجال الحمقى، هم حمقى حتى النخاع.
لاحظ انطابق ذلك على نفسك. بالمناسبة، لا شيء أكثر اتصالا بك من الشطر الأخير. وبسبب ذلك، فإن ألواح ديونيسوس جديرة بأن تطلى بالذهب.
ماهي فكرتك حول هذه الكتب واللفائف؟ ما الغاية من كل هذا التجليد والزخرفة، زيت شجر الأرز، الزعفران، الصناديق الجلدية ؟ يمكن ملاحظة مدى تأثير الكتب التي تشتريها على لغتك، لا، إنني أرتكب خطأ فادحا حينما أشير إلى لغتك، إذ أنت عيي كسمكة. بل رذائلك الكثيرة هي من ستجعلك مكروها بين الناس. وإذا كان هذا ما تفعله الكتب فلن يرغب أحد بالاحتفاظ بها.
ثمة طريقتان يمكن للشخص من خلالهما الاستفادة من دراسة كتب القدماء، فإما أن يتعلم كيف يحسن التعبير عن نفسه، أو أن يقوم من أخلاقه من خلال نصائحهم. لكنه عندما يخفق بالانتفاع بأي من هذين الجانبين. فلن تكون الكتب سوى مسكنا للفئران والهوام. ومكان يطرد إليه الخدم المهملين.
كم ستبدو شديد الحمق عندما يصادفك أحدهم وأنت تحمل في يدك كتابا ( ودائما ما ترى وبصحبتك كتاب ) ويسألك عن الخطيب أو الشاعر أو المؤرخ الذي تحمل كتابه: إذا يمكنك من خلال النظر إلى عنوان الكتاب الإجابة عن ذلك بسهولة. لكن حين يأخذ الحديث مجراه، ويتم التعرض لمحتوى الكتاب بالنقد. فإنك تصبح عندها عييا ودونما حيلة. متمنيا حينها أن تنشق الأرض وتبتلعك. حيث تبدو كبيليروفون Bellerophon 44 تحمل الرسالة التي فيها حتفك.
حدث مرة في كورينثيا أن وجد ديميتريوس الكلبي 45 Demetrius   بعض الجهلة يقرأ بصوت عال من مجلد فخم، – أظنه باخوسيات يوريبيدس  Euripides46 وعنما وصل إلى مشهد تمزيق بينيثيوس Pentheus  من قبل أغوئي Agave . اختطف الكتاب من يده بسرعة ممزقا إياه. قائلا ” من الأفضل أن يعاني بينيثيوس من التمزيق بيدي مرة واحدة من أن يمزق مرارا على يديك”
كثيرا ما تساءلت، بيد أنني لم أحظ بإجابة مقنعة، عن السبب الذي يجعلك مهووساً بشراء الكتب . ثمة شيء واحد يجعل استعمالها مفيداً، وهي أنه حتى الأشخاص الذي يعرفونك معرفة عابرة لن يحتملوك ولو للحظة دونها. فهل يشتري الأصلع مشطاً، والأعمى مرآة، والأصم مزماراً؟ والخصي محظية، والفلاح ومجدافاً، والبحار محراثاً؟ ربما تحاول استعراض ثروتك كلما سنحت لك الفرصة؟ أو بأن تظهر للعامة أن باستطاعتك تبديد أموالك حتى على أشياء ليست ذات نفع بالنسبة لك؟ لا يخفي على أحد، حتى بالنسبة لشخص سوري مثلي بأن اسمك لو لم يكن قد أدرج في وصية ذلك الشخص المسن. لكنت الآن معدماً. وسيتم عرض جمع كتبك للبيع. 47
يظل هناك تفسير محتمل وحيد – لهوسك بجمع الكتب – وهو أن المتملقين الذين يتحلقون حولك قد أوهموك بأنك ذو موهبة استثنائية في الخطابة والتاريخ والفلسفة. وليس اقتنائك لها سوى تأكيد لهذه المجاملات. يبدو أنك تتحدث طويلا إليهم على الطاولة. وليس لأولئك الضفادع العطشى سوى أن يبدوا استحسانهم، وإلا فسوف يحرمون من الشراب.
 بالغ السذاجة، تنخدع بكل كلمة تقال لك. لدرجة تعتقد معها أنك تملك مميزات امبراطور. ومثلما كان لدينا الكسندر المزيف pseudo-Alexander، وفيليب المزيف pseudo-Philip 48، وإلى وقت قريب كان هناك نيرون المزيف pseudo-Nero  49 فها أنت ذا تضيف مزيفا آخر إلى جيش النبلاء المزيفين هذا.
ليس ثمة ما يمنع جاهلاً مثلك من أن يضع مثل هذه الفكرة في رأسه، ويمشي بغرور، مقلداً مِشية ولبس وتعابير مثاله المزعوم. حتى بيروس 50 Pyrrhus of Eprius  ملك ايبيريا  بالرغم مميزاته كان لديه نفس العيب. فتحت تأثير متملقيه كان قد اقتنع بأنه يشبه الإسكندر الأكبر، وقد سبق لي أن شاهدت صورة له، إلا أنه ليس ثمة تشابه بينها إلا كالتشابه بين القرار والجواب – إذا جاز لنا أن نتحدث بلغة الموسيقى – مع ذلك ظل بيروس على رأيه بأنه يشبه الإسكندر. وعلى الرغم مما تنطوي عليه هذه المقارنة من إهانة لبيروس إلا أنه مبررة تماما من حيث اظنها ذات صلة بموضوعنا. فحالما وضع بيريوس هذه الفكرة في ذهنه. لم يجرؤ أحد على معارضته والوقوف في وجهه. إلى جاءت ذات يوم، عجوزٌ من لاساريا Larissa ، لم تكن تعرف بيريوس، لتخبره بالحقيقة العارية، وتشفيه من الوهم الذي كان فيه.
بعدما عُرضت عليها صور كل من فيليب Philip 51 ، بريديكاس Perdiccas 52، الإسكندر Alexander 53 ، كاسندر  Casander 54، وبقية والملكوك الآخرين، سألها بيريوس عن أي من صور هذه الشخصيات تشبهه، واثقا كل الثقة بأنها لن تتردد في الإشارة إلى صورة الإسكندر. غير أنها وبعد أن تأملت ملياً، أخبرته أنه يشبه على الأغلب ” الطباخ باتريكون” حيث كان ثمة طباخ بهذا الاسم في مدينة لاريسا يشبهه كل الشبه.
لن أحدد أية شخصية تشبه في هذه المسرحية الحقيرة. كل ما أستطيع قوله بيقين، هو أنك تفوق أي مجنون في جموح هذيانه. بعد كل هذه الأمثلة الناقدة لك، لن يأخذنا العجب حينما نعلم أن الأشخاص الذين يتملقونك قد بالغوا جدا في إيهامك بأنك شخص مثقف.
لا أهمية لكل هذا. إذ يبدو الآن ولعك المرضي بجمع الكتب واضحاً بما فيه الكفاية، وقد كان علىّ أن ألاحظ هذا مبكراً، لكنني ربما غفلت عن ذلك. تبدو خطتك كالتالي: بما أنك على علم بالميول الأدبية للإمبراطور، وتقديره للثقافة، فإنك تعتقد أنه من المستحسن بالنسبة لك أن تلفت أنتباهه إلى تبحرك في الأدب.
حينما يشار لك عند الامبراطور كأحد أكثر الأشخاص شراء وجمعا للكتب. ستعتبر ذلك حينها بمثابة صعود نجمك. يا للمخلوق التعس! هل تظن أن الإمبراطور سيعلم ذلك دون بقية القصة، خطاياك التي في وضح النهار، سكرك، عربدتك كل ليلة؟ ألا تدرك أن الإمبراطور يعلم كل خافيه؟
لا يمكن لأفعالك هذه أن تكون خافية حتى عن الأعمى والأصم. سأخبرك بشيء ربما لا تعرفه. لا يعتمد حصول الشخص على حظوة عند الإمبراطور على كم النقود التي أنفقها في شراء الكتب . بل على اتزان شخصيته وسلوكه اليومي.
هل تعول على كل من أتيكوس وكالينويس، ناسخي الكتب ، في تكوين سمعه حسنة؟ فأنت مخدوع إذا، ليس لأولئك الأشخاص عديمي الشفقة من هم سوى الالحاح عليك لشراء المزيد الكتب والوصول بكل إلى حافة الإفلاس. لتعد إلى رشد قبل فوات الأوان: بع مكتبتك لمن يستحقها. ومنزلك الجديد أيضاً، وسدد جزءاً من ديونك لتجار العبيد.55
ها أنت ترى الصعوبة في الجمع بين كل من هاتين الهوايتين في وقت واحد، فإلى جانب كتبك الباهظة الثمن ثمة هويات قديمة محببة إلى نفسك والتي لا تكاد تشبع نهمك. بيد أنه لا يمكنك الاستمرار بذلك دون مال. لاحظ كم ثمينة هي النصيحة التي سأقدمها لك. اقترح عليك أن ستغني عما هو فائض لديك، وأن تركز على جوانب القصور الأخرى لديك. بعبارة أخرى. فإما ان تحتفظ بأموالك حفاظاً على حريتك من تجار العبيد، وإما أن تنفد مدخراتك الشخصية، لينتهي بك المطاف عبداً عند أولئك الذين يتلهفون إلى كل قرش تمتلكه. فهم لم يتورعوا عن الحديث عن ذلك عندما كنت ثملا. فقد تناهي إلى سمعي مؤخراً بعض القصص المزعجة عنك. مدعمة بشهود عيان: كان المارة هم من شاهد تلك الحادثة، كم كنت غاضبا لأجلك، كدت أضرب رفيقي. المزعج في الأمر أنه استدعى أكثر من شاهد لديهم نفس الرواية. لتعتبر هذا تحذيراً يحملك على الاقتصاد وعدم البذخ، وربما كان في إمكانك حينها الاستمتاع في منزلك بكل حرية. لا اعتقد بهذا أنك ستتخلى عن كل عاداتك تلك. فذلك أمرٌ ميؤوس منه تماما. فالكلب الذي يقضم الجلد مرة سيقضمه دائما.
من ناحية أخرى، يمكنك الاستغناء عن الكتب بسهولة، فثقافتك تامة، وليس ثمة جديد لتتعلمه. باستطاعتك استحضار كل شيء كتبه القدماء بسهولة. تعرف كل شيء يتعلق بالتاريخ.  فأنت صاحب الاختيارات الممتازة، واللغة الأنيقة. حيث أتقنت اللغة الإتيكية بكل تفاصيلها.56 لقد جعلت منك أكوام الكتب تلك أديبا يشار له بالبنان. (ما دمت تحب الإطراء، فلا يوجد سبب  يمنعني من أغمرك بكل هذا المديح )
غير أنني سأبدو فضوليا حول نقطة ما. ما هو كتابك المفضل من بين كل هذه الكتب الكثيرة؟ أفلاطون Plato ؟ أنتيسِتنيس Antisthenes 57؟ أرخيلوخوس Archilochus 58؟  هيبوناكس Hipponax 59؟ وإذا كنت تفضل عليهم الخطباء؟ فهل سبق لك وأن قرأت “خطاب إيسخينيس Aeschines لتيمارخوس Timarchus 60؟
أنا علي يقين بأنك تحفظ كل ذلك عن ظهر قلب. هل واجهتك صعوبة في قراءة اريتسوفان Aristophanes 61 أو إيبوليس Eupolis 62؟ هل تمعنت جيدا في مسرحية الغطاس Baptae 63  ؟ إذن، لا شك أنك واجهت بعضا من الحقائق المحرجة في تلك المسرحية؟ من الصعوبة تصور امتلاكك ذهن قادر على فهم كتب الأدب تلك، أو أن تلك اليدين تقلبان صفحاتها. في أي قت تقرأ؟ في الصباح أم في المساء؟ إذا كان في الصباح، فلا بد في فترة لم يكن ليراك فيها أحد. وإذا كان في المساء، فمتى؟  هل وسط ذروة انشغالاتك المبتذلة 64، أو أنك تنتهي منها قبل أن تشرع في ممارسة مواهبك الادبية؟
وكشخص محب لاحتفالات الصخب والعربدة “كوتيتو” Cotytto 65 فليس ثمة داع للمغامرة بسلوك مسارات الأدب. وبما أنك قد نلت كفايتك من الكتب فلتتفرغ لأعمالك الخاصة. وإذا ما خالجك أدنى إحساس بالعار، وهو مما لا شك فيه فعليك أن تتخلى عنها أيضا. تذكر احتجاج فايدرا Phaedra 66 الغاضب على اغتصابها:
كان الظلام شريكهم. لا يخشون شيئا، ولا جدران الغرف التي تكتم أسرارهم.
لكن بما أنك عزمت على عدم التعافي فلا جدوى من ذلك كله، فلتستمر إذن في شراء الكتب وتكديسها. والإبقاء عليها مغلقة بأمان. ولتحظ بالصيت من مجرد امتلاكها. وليكن ذلك كافيا، دون لمسها أو حتى قراءتها. ودون أن تلوث بقراءتك شعرَ وبلاغة القدماء، فما الضرر الذي لحقك منهم، لينالهم كل هذا؟
أنا على يقين بأن كل هذه النصائح ستذهب سدى، هل على الحبشي أن يغير لونه؟ ستستمر بشراء كتب لست قادر على استعمالها. رغبة في نيل المتعة التي ينالها المتعلمون، والذين لا تكمن أهمية الكتب بالنسبة لهم في غلاء أسعارها أو من مظهرها الجذاب، بل فقط من مضامينها ومحتوياتها.
تظن أنك تستطيع أن تخفي جهلك من خلال تكديس وتجميع الكتب ، وأنك بذلك تذر الرماد في عيوننا. ألا تعلم بأنك مثل أولئك الأطباء المحتالين، يحيطون أنفسهم بمحاجم فضية، ومباضع ذات قبضات مذهبة، وصناديق عاجية يضعون فيها أدواتهم، في حين يعجزون عن استعمالها وقت الحاجة إليها ليخلوا مكانهم لجراحين أمهر وأحذق، بمباضع حادة ذات مقابض صدئة، بيد أنه في استطاعتهم شفاء المرضى. ثمة مثال آخر ينطبق عليك تماماً. أعني مثال الحلاقين.  ستجد أن المهرة منهم لا يملكون سوى موسى واحدة، ومقص، ومرآة، وهذا كل ما يتطلبه عملهم. في حين تجد أمواس المحتالين كثيرة، ومراياهم صقيلة، دون أن يخفي ذلك عجزهم. وما يثير الضحك هو أن الرجل العادي يعمد إلى قص شعرة عند أحد أفضل الحلاقين، ثم يذهب لتصفيفه أمام مراياهم الفخمة.
وبما أنك عاجز عن الاستفادة من هذه الكتب فإن أفضل ما يمكنك القيام به هو إعارتها للأخرين. بيد أنه لم يحدث وأن أعرت أحدهم كتابا، كالكلب في المعلف، لا يأكل الذرة، ولا يدع الخيل تأكل. ذلك رأيي الصريح حول كتبك، وسأجد فرص أخرى ربما للتطرق لسلوكك السيئ يوما ما.


الهوامش:


 
Lucian. The works of lucian. Translated by Thomas Franklin. Printed for T. Cadell . p 74
شاعر يوناني عاش في  أفسس في أسيا الصغرى في منتصف القرن السابع قبل الميلاد.
يبدو أنها راسائل شيشرون إلى تيتوس بومبونيوس اتيكوس وهو ناشر ومصرفي روماني 110-31 ق م.
في ملحمته ثيوجيني أو أنساب الآلهيه يذكر هزيود كيف أن ربات الإلهام التي تسكن في جبل هيليكون قد أعطته القدرة نظم الشعر عندما كان راعيا.
آلهات الإلهام أو الموسات أو الموسيات هن آلهات غاية في القدم تعتبر مصادر للوحي الفني ويحمين ويلهمن الشعراء.
هيليكون هو جبل يقل في إقليم بويوتيا، ويقع في مدينة أسكرا مسقط رأس هزيود. واشتهر بأنه موطن آلهات الإلهام.
هيبركون هو نبع يجري في منحدرات جبل هيلكون والذي يعتبر مصدرا لإلهام الشعراء.
أحد أهم الخطباء اليونانيين 384-322 ق.م . شارك في مع مجموعة الخطباء اليونانيين الذي تصدوا لمهمة الدفاع عن حرية المدن الإغريقية إبان الغزو المقدون. وكان ذا عناية بكتابات ثوسيديديس.
المقصود بالكتاب تاريخ الحرب البيلوبونيزية الذي ألفه المؤرخ الأثيني ثوسيديديس 462-395  في ثمانية أجزاء.
هي الكتب والمخطوطات التي نقلها القائد والقنصل الروماني لوسيوس سولا 138-78 ق.م من مكتبة أبليكون والتي كانت تحتوي على نوادر الكتب والمخطوطات، حيث كان من ضمنها المجموعة الوحيدة من كتب أرسطو. أنظر
W.K.C.Guthrie. A History of Greek Philosophy: Aristotle, an encounter.VI.PP 60-61

تيموثيوس شاعر غنائي يوناني عاش في الفترة 446-357 ق.م
موسيقى من طيبة عاش في القرن 4 قبل الميلاد.
هو مزمار الربة أثينا الذي حصل عليه مارسياس وتنافس به مع أبولو وكان الملك ميداس هو الحكم في هذه المناسبة ففضل مارسياس مما حدا بأبولو بمعاقبتهما معاً بأن جعل للملك ميداس أذني حمار لأنه لا يجيد سماع الموسيقى وتمييز الافضل منها وحكم على مارسياس بأن يربط على شجرة ويسلخ حيا. ما جعل الملك ميداس يخفي أذني الحمار تحت قبعة كبيرة لكن حلاقه اكتشف السر ولم يقدر على أن يحافظ عليه فحفر حفرة في الأرض وهمس فيها “ميداس لديه أذنا حمار” وملأ الحفرة ظنا منه أن سره في أمان ولكن القصب الذي نما على الحفرة نشر السر في المكان وكانت الاسطورة موضوعا للعديد من المسرحيات.
إلى جانب مارسياس يعتبر أولومبيوس أهم شخصيتين أسطوريتين ينسب لهما اختراع الناي.
نصف إله إغريقي. وابن الإله زيوس والبشرية ألكميني وكان بارعا في الرمي بالنبال، والذي لم تسلم من نباله الآلهة نفسها مثل هيرا وأوقيانوس إله البحر وهيليوس إله البحر. أنظر. عب المعطي شعراوي. أساطير إغريقية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب. 1982. ص 369-416
بطل أسطوري كان مشهورا بالرمي بالسهام، وقد شارك في حرب طروادة. وصفه هوميروس “فيلوكتيتيس الذي يجيد الرماية” أنظر الإلياذة الكتاب الثاني الشطر 715 ص 172
إقليم يقع في شمال غرب إيران حاليا، وكان تعتبر المقاطعة الأبرز في آسيا كلها من حيث اتساع مساحة أراضيها وعدد الرجال فيها وجودة خيولها. أنظر بيير بريانت. موسوعة تاريخ الإمبراطورية الفارسية من قورش وحتى الإسكندر. الدار العربية للموسوعات. ج 5-6 ص 104
منطقة تقطع في اليونان لحاليه وكانت تسمى أيوليا، وكانت تشتهر بجودة خيولها. كما أن حصان الإسكندر الأكبر ” بوسيفالوس ” من ثساليا أنظر
Maria Mili. Religion and society in ancient Thessaly. Oxford Uneversty.2012. p 260  and Jan Worthington. Alexander the great: man and god. Routledge.2004. p 32

إشارة إلى الخيول الكورنثية التي اشتهرت بها كورنثة والتي كانت تحمل العلامة قوبا koppa وهو الحرف الأول في الأسم القديم للمدينة ولم يعد يستعمل. أنظر اريستوفان. مسرحية السحب. ترجمة أحمد عتمان. المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. ص 361.
أنظر وصف ثرسيتيس في الإلياذة، المركز القومي للترجمة، الكتاب الثاني ص
بطل أسطوري وأحد الشخصيات الأساسية التي تدور حولها الإلياذة. وهو نصف إله والدته هي الآلهه ثيتيس والبشري بيليوس.
الإلياذة الكتاب 21 ص 680-681.
استيروبايوس هو ابن بيلاجون قتله آخيل أنظر المصدر السابق 684-685.
أنظر مقتل ليكاؤون في المصدر السابق، الكتاب 21 ص 680-683.
هو ابن برياموس ملك طروادة، قتله أخيلوس انتقاما لمقتل باتركلوس على يد هيكتور. المصدر السابق، الكتاب 21 خصوصا 718-721.
نسبه الى البايثون وهي الحية التي قتلها الإله أبولو. وهو احتفال رياضي وموسيقي كان يقام في مدينة لفي كل أربعة سنوات، ويقام بعد سنتين من الألعاب الأولمبية، تكريما للإله أبولو.
ابن الإله زيوس والآله ليتو ويعتبر إله الشمس والموسيقى والرماية والرسم والنبوءة.
أمير من تراقيا ويعد أول الشعراء وهو ابن كاليوبي إحدى آلهات الإلهام. وملهمة الشعر الملحمي والفصاحة.
أحد أهم المدن في إقليم بويوتيا. يرجع تأسيسها الأسطوري على يد كاديموس ملك صور.
مدينة يونانية تقع على الساحل الجنوبي لإيطاليا حاليا. أسسها بعض اليونانيين الفارين من الغزو الفارسي.
وتسمى أيضا بموتيليني وتعد ثالث أكبر الجزر اليونانية في بحر إيجة، في القرن السادس قبل الميلاد أصبحت مركزا للشعر الغنائي.
باخوس هو الاسم المكافئ لديونيسوس عند الرومان، وأحد أهم آلهة الأولمب أهمية وهو ابن زيوس من سيميلي، يعتبر إله الخمر والمتعة والابتهاج لاحقا في القرن الخامس ق.م سيصبح إلها للموتى بدلا عن هاديس.
أحد الحكاء الأغريق السبعة، قائد وسياسي عاش في الفترة بين 650 -570 ق.م انتخب حاكما على مدينة ميتيليني. في جزيرة ليسبوس لما يقرب من عشرة أعوام كطاغية معين من الشعب appointive tyranny أو ما يعرف بالطاغية المنتخب بحسب أرسطو elected tyrant وهو نوع من الطغيان يختلف عن طغيان البرابرة الذي لا يستند على إرث تاريخي، بل يتم انتخاب الطاغية من قبل الشعب . كما قام باستحداث إصلاحات قانونية واسعة والعفو عن جميع المنفيين السياسيين. أنظر
 James McGlew. The tyranny and political culture in the ancient greece. Coenell university press.1993. pp 79-80

من المترجم للتوضيح. أنظر الهامش 27.
فيلسوف رواقي ولد في حدود العام 50 م، وكان أحد عتقاء الإمبراطور نيروز ومن حينها كرس نفسه للفلسفة، وعندما طرد الأمبراطور دوميتيانوس في العام 94م كل الفلاسفة من روما، اعتزل ابيكتيتوس في نيكوبوليس حيث عاش فقرا حتى وفاته في العام 125. كان ابيكتيتوس قد صنع مصباحا من الخزف حينما سرق منه مصباحه الحديدي.  أنظر ابيكتيتوس، المختصر. ترجمة عادل مصطفى، دار هنداوي. نسخة إلكترونية ص 50.
هكذا في الأصل، والأدق أنه اشتراها ب 3000 دراخما. انظر المصدر السابق.
بروتيوس بيرجرنيوس ، فيلسوف يوناني كلبي عاش في الفترة من (95-165) كان قد ألقى نفسه في محرقة الجثث بعد أن ألقى خطابا تأبينيا لنفسه، تجدر الإشارة إلى أن لوسيان نفسه قد ألف كتابا عن بيرجرنيوس أسماه موت بيرجرنيوس The Death of Peregrinus ويكاد هو العمل الوحيد الذي يذكر أمور تفصيلية عن حياة هذا الفيلسوف الكلبي، وإن بشكل ساخر.
تاجيا هي واحدة من أقوى المدن في أركاديا القديمة وتقع حاليا في جنوب شرق اليونان وبها يقع معبد أثينا آليا، والذي تزعم الاسطورة أنه تم الاحتفاظ بجلد الخنزير الكاليدوني بداخله. وتعد أسطورة الخنزير الكاليدوني أحد أهم الأساطير في الميثيولوجيا اليونانية حيث أرسلت الربة أرتميس إلى كاليدون خنزيرا بريا هائل الحجم ليعيث في المنطقة خرابا، مدمرا المزارع ومروعا السكان، الأمر الذي تسبب بحدوث مجاعة وذلك عقابا للملك أوينيوس بسبب تجاهله تقديم قربان للربة أرتميس. فأرسل مجموعة من الصيادين والمحاربين ومن ضمنهم أتلانتا، لقتل هذا الخنزير على أن تقدم أنيابه وجلده لمن يقتل الخنزير حيث كان ذلك من نصيب أتلانتا. أنظر عبد المعطي شعراوي، أساطير إغريقية: أساطير البشر. الهيئة المصرية العامة للكتاب. ج1 ص 180-181
بحسب الأسطورة فإن جيرون هو ملك تارتسوس الواقعة في إسبانيا، مسخ له ثلاثة رؤوس وست أذرع وثلاثة أجساد تتفرع من وسطهز أما بقية جسدة الأسفل فبشريز ويرتبط ذكر جيرون في الميثولوجيا الإغريقية بالمهمة العاشرة التي وجهها يوروسثيوس إلى هيراكليس، والمتمثلة في سرقة قطيع جيرون، كما أن عظام عظام جيرون أصبحت موضوعا للعبادة حيث كانت تعرض في كل من أولمبيا وثيفا. أنظر أساطير إغريقية. ج 1 ص 404-407 و Adrienne Mayor. The Fiest Fossil Hunters: paleontology in greek and roman times. princeton university press.2000. pp 293-294
إشارة إلى طقوس مرتبطة بعبادة الربة إيزيس، حيث تشير الأسطورة أن إيزيس قد قامت بقص شعرها حزنا على زوجها أوزير. أنظر :  آرموار. آلة مصر القديمة وأساطيرها. ترجمة. مروة الفقي. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة. 2005.ص 57.
هو ديونيسوس الأول طاغية سرقوسة، 432-367 ق.م أشتهر بتقريبة للشعراء والفلاسفة كأفلاطون والمؤرخ فيليستس وفيلوكسينيس، ومعاملتهم بقسوة وخشونة.
شاعر يوناني عاش في الفترة من 435-380 في فترة حكم ديونيسوس طاغية سرقوسة. أنظر تفصيل حادثة إرسال فيلوكسينس للعمل في المحاجر أنظر
Kathryn Bosher. Theater outside Athens: Drama in Greek Sicily and South Italy Cambridge university press.2012 p138-139

روائي ومسرحي يوناني 525-456 ق.م
هو بطل أسطوري في الميثولوجيا اليونانية، قتل بالخطأ أخاه فهرب إلى ملك أرغوس الذي كان يمت له بصله قرابة فبرأه من ذنبه، إلا أن زوجة الملك (أنتيا) وقعت في غرامه إلا أنه صدها فاتهمته بالاعتداء عليها، فأرسله بروتيوس إلى ملك ليديا برسالة مكتوبه برموز يصعب حليها تفيد بقتل حامل الرسالة.
فيلسوف كلبي من كورنثيا عاش في روما خلال فترة كل من كاليجولا و نيرون وفاسبيان.
أحد أهم كتاب المسرح في اليونان 480-406 والإشارة هنا إلى مسرحيته عابدات باخوس أو البايخات وهي مسرحية دينية تصف نظام عبادة ديونيسوس في بويتويا والتي تتصف بالهوس والحمى الدينية حيث يعارض ملك ثيفيا  بينيثيوس هذه العبادة فيتم قتله على يد هؤلاء النسوة والتي كانت أمه أغوئي من بينهن دون أن تدري أنه ابنها.
إشارة إلى عادة قديمة في ذلك الوقت وهي أن بعض كبار السن يوصون بثرواتهم أو جزء منها لتلامذتهم أو أصدقائهم الأصغر سنا، وكأن لوسيان يلمح إلى أن هذا الشخص الذي يتعرض له بالنقد قد ورث ثروته من شخص مسن.
هو اندريسكوس أمير مقدوني زعم أنه ابن برسيوس آخر ملوك مقدونيا، وذلك لشببه الكبير به.
بعد وفاة الإمبراطور نيرون منتحرا عام 68م ظهر عدة أشخاص – ثلاثة على وجه التحديد يتظاهرون بأنهم الإمبراطور نيرون.
ملك وقائد عسكري 319-272 ق.م حكم منطقة ايبيريا الواقعة شمال اليونان، حقق انتصارات على كل من الرومان المقدونيين على السواء إلا أنها كانت انتصارات ذات كلفة عالية.
https://www.ancient.eu/pyrrhus/

هو فيليب الثاني والد الإسكندر 382- 336 ق.م.
أحد أهم قادة الإسكندر، وقائد الجيش الملكي. بعد وفاة الاسكندر أصبح وصيا على الخزانة بالإضافة إلى وصايته على كل من فيليب الثالث والاسكندر الرابع.
https://www.ancient.eu/Perdiccas/

الاسكندر ابن فيلب الثاني 336-323 ق.م
هو ابن الجنرال المقدوني انتيباير 355-297 ق.م أعلن نفسها حاكما بعد الاضطرابات التي أعقبت موت الاسكندر
https://www.ancient.eu/Cassander/

يشير إلى عبودية الدين وهي هذه الممارسة منظمة قانونيا في التشريع الروماني تحت ما أطلق عليه باللاتينية Nexum والتي بموجبها يصبح الشخص العاجز عن أداء دينه عرض للاسترقاق،  وتم إلغائة في 313 ق.م. أنظر الدراسة التي أعدها موريس سلفر The Nexum Contract as a “Strange Artifice” في
http://local.droit.ulg.ac.be/sa/rida/file/2012/11.Silver.pdf

الاتيكية هي اليونانية لسكان أثينا.
أنتيسِتنيس تلميذ سقراط 365-445 ق.م أحد رواد ومؤسسي الفلسفة الكلبية.
أرخيلوخوس شاعر غنائي اغريقي عاش في الفترة من 680-645 ق.م.
هيبوناكس شاعر يوناني اشتهر بالهجاء المقذع عاش في القرن 6 ق.م.
يعد  خطاب إيسخينيس لتيمارخوس من الخطابات المهمة في التاريخ اليوناني  وهو خطاب ألقاه إيسخينيس وهو خطيب يوناني كان يسعى إلى عقد المهادنة مع ملك المقدوني فيليب الثاني والد الإسكندر ضد تيمارخوس الذي كان يسعى جنبا إلى جنب مع ديموسثينيس  لمعارضة التوسع المقدوني،  كانت الدعوى تهدف إلى حشد الأدلة التي تثبت عدم صلاحية تيمارخوس لممارسة صلاحياته كسفير إلى فيليب الثاني لمهادنته، وقد نجح في عزل تيارخوس عن شغل الوظيفة العامة، تكمن أهمية هذا الخطاب في كونه يعد أحد أهم المصادر حول موقف الفكر الأثيني من المثلية الجنسية إضافة لكونه أحد أطول النصوص التي تعالج موضوع المثلية الجنسية في العالم اليوناني القديم أنظر
https://sourcebooks.fordham.edu/pwh/aeschines.asp

Aeschines. The speeches of Aeschines. ( Translate by Charles Adams) London: William heinemann. P5-156

كاتب مسرحي يوناني ساخر عاش في الفترة من 386-446 ق.م.
إيبوليس شاعر يوناني عاش في لفترة 446-441 ق.م وازدهر خلال فترة الحروب البيلوبونيسية.
هي مسرحية ساخرة كتبها الشاعر والمسرحي إيبوليس منتقدا من خلالها مظاهر العربدة التي ترافق عبادة الآلهه الدورية والتراقية كوتيتو التي تتسم بالتهتك والعربدة. يشير مصطلح Baptae أو الغطاس إلى ممارسة طقسية يقوم من خلالها المحتفلون بغمس أرديتهم بأصباغ زرقاء وخضراء وأرجوانية.
إشارة إلى أنه يكون مشغولا في الليل بمساعيه الغرامية والفاحشة.
أنظر الحاشية 63
أحد الشخصيات الدرامية في المسرح اليوناني هي ابنة الملك مينوس تزوجت ثيسيوس وكان لهذا الأخير ابن هو هيبولوتوس. وقد وقعت في حب هذا الشاب الذي رفض إغرائاتها، فقتلت نفسها بعد ان اتهمت هيبولوتوس اتهاما كاذبا بإغرائها.
مراجع أخرى

الجمعة، 4 سبتمبر 2020

 شعر بول فاليري الإنساني الضخم

شعر بول فاليري الإنساني الضخم



مختارات ناثانييل رودافسكي الجديدة أكثر طزاجة من أي ترجمة إنجليزية سابقة

مارك سكروغنز ترجمة د. سعد البازعي

في مقالته «التقليد والموهبة الفردية»، كتب ت. س. إليوت عن المعتمد (الكانون) الأدبي بوصفه «نسقاً من النُصُب». ومع أن العديد من النصب التذكارية التي ليست جديرة بالاحتفاء - نصب لروبرت إي. لي، كرستوفر كولومبوس، وآخرين - نشرت مؤخراً، فإن إعادة تقييم الأعلام في الأدب عملية مستمرة منذ عدة سنوات: إليوت نفسه، الذي هيمن على المشهد الأنغلوفوني مثل تمثال رودس، يبدو الآن أقرب إلى متحدث بليغ وغريب الأطوار باسم التقاليد الإمبراطورية.


لقد تحقق لبول فاليري (1871 - 1945) القدر الملتبس في التحول إلى أحد النصب التذكارية أثناء حياته، أن يجسد «رجل الأدب»homme des lettres) ) في جوهره. بوصفه عضواً في الأكاديمية الفرنسية، كان ممثل فرنسا الثقافي في عصبة الأمم والمحاضر المعلق الذي لا يكل. المناصب الأكاديمية التي احتلها مما ينوء به نصف دزينة من الأساتذة. الكتب التي نشر تربو على 20 كتاباً في أجناس مختلفة؛ شعره، الذي ينهض عليه معظم سمعته، يعد جزءاً بالغ الصغر من الكل.

كان فاليري في بدايته مساعداً لبطريرك الرمزية ستيفان مالارميه، ومشاركاً متحمساً في الحركة «الانحلالية» - الصنعية، الجمالية المفرطة - التي تزعمها ج. ك. هايسمانز. قصائد «مجموعة أشعار قديمة» (1920) التي كتبت قبل أزمة 1892 الفكرية التي قادت فاليري إلى التخلي عن الشعر لعقدين، هي تمارين شكلية مذهلة ودقيقة، مكتنزة بزخارف نهاية القرن: شخصيات كلاسيكية (هيلين، فينوس، أورفيوس، نارسيسوس) تتخذ أوضاعاً وتلقي خطباً؛ شخصيات أنثوية واهنة تومئ في نشوة جامدة؛ وكثيراً ما يعثر المرء على «اللازوردي»، تلك الزرقة الشعرية المهيمنة على نهاية القرن التاسع عشر.

في عام 1912 أعاد أندريه جيد والناشر غاستون غاليمار، فاليري، إلى الشعر، مقترحين جمع أعماله المبكرة. بدأ ينقح قصائده التي تعود إلى ما قبل عشرين عاماً، وبدأ ما رأى أنه وداعية للشعر في 40 سطراً. بعد أربعة أعوام، صارت الأربعون قصيدة «بارك الشابة» ذات الـ512 سطراً، أعظم قصائده وواحدة من روائع الأدب الفرنسي المعروفة.

مثل قصيدتي مالارميه «هيرودياد» و«بعد ظهيرة إله الريف الأسطوري»، تأخذ قصيدة «بارك الشابة» شكل مونولوغ تتحدث فيه إحدى «الأقدار»، أو البارك. هي فتاة على شرفة البلوغ، ممزقة بين الذاكرة والمعرفة المسبقة، مستيقظة على غوامض الرغبة الجنسية:

أيتها الأشباح العزيزة الصاعدة، التي يتماهى عطشها مع عطشي،

رغبات، وجوه مضيئة... وأنت، يا فواكه الحب،

هل منحتني الآلهة هذه الأشكال الأمومية،

الانحناءات المشعة والثنيات والكؤوس،

لكي تعانق الحياة معبد اللذة

حيث الروح الغريبة تمتزج بالعودة الخالدة، وتستمر البذرة والحليب والدم بالتدفق!

إنني مملوءة بضوء الرعب، بالانسجام الفاسد!

حركة القصيدة أوبرالية، مسرحية، حسب تحرك (بارك) عبر الأحلام والذاكرة والتطلعات. إنها تفكر في الانتحار وترفضه، مسمّرة دائماً بمفارقة وجودها: أن هذه الروح الخالدة، القادرة على أكثر التصورات كمالاً، مربوطة بجسد فانٍ، ممزقٍ بالانفعالات والعواطف.

لم ينجز فاليري مرة أخرى ذروة الطاقة والتوتر كما في «بارك الشابة»، مع أن «المقبرة البحرية»، القصيدة المركزية في ديوان «تعاويذ» (1922) تحقق ربما قدراً أكبر من العمق. أشهر قصائده تأملات حول قضايا «كبيرة»: الحياة والموت، التقاليد، الذاكرة، الحنين، وجودنا الجسدي في علاقته بكمالنا الروحي الذي يبدو أن الفن يمنحنا لمحة منه. مونولوغ يقوله ثعبان الجنة، «تخطيط لثعبان» Ébauche d’un Serpent) ) عبر (الشاعر الإنجليزي) و. ه. أودن عن إعجابه به قبل أن يعده «محاكاة ساخرة» بعد 25 عاماً، ينجح الثعبان في استقطار معظم الحجج اللاهوتية التي يقولها (الثعبان) في قصيدة جون ملتون (الفردوس المفقود) - وأكثر منها - في أسطره المائتين وخمسين (....).

إذا كان «أستاذه» مالارميه، الكاهن الأكبر في ديانة سحرية، خيميائي اللغة، فإن فاليري تطلع إلى أن يكون الكيميائي، مكتشفاً علمياً شديد التدقيق للكلمات مجتمعة. في عام 1889، وهي فترة مبكرة، قدم فاليري «مفهوماً للشاعر جديداً وحديثاً بالكامل. إنه لم يعد المجنون الأشعث الذي يكتب قصيدة كاملة في ليلة واحدة محمومة؛ هو عالِم هادئ، عالِم جبر تقريباً، في خدمة حالِمٍ مرهف»، بتعبير إليوت في مقالته «من بو إلى فاليري»، «لقد أعيد تنسيق البرج العاجي ليصير مختبراً».

المفارقة في هذه الفكرة الحديثة في ظاهرها حول العالم - الشاعر هي الموضوعات التقليدية، بل التي عفا عليها الزمن، التي يطرحها فاليري بإلحاح - الحب، الموت، القدر، الجمال - وعالم الحداثة الذي يرفضه في الغالب. قد يستغرب القارئ المعاصر لانقياد فاليري بقوة، ليس فقط للأشكال التقليدية من الشعر الفرنسي، وإنما لمفردات معقدة والتفافية، لنوع من المجازية المتواصلة والمحيرة أحياناً. الشمس التي تمشي فيها «قدر» (بارك) ليست «الشمس sol» بالفرنسية السهلة، وإنما هي «الإله المشع» («le dieu brilliant»)، نفس الأشواك التي تمزق فستانها هي «ورد بري متمرد» («la rebelle ronce»).

مختارات ناثانييل رودافسكي الجديدة من قصائد فاليري، «فكرة الكمال: شعر ونثر بول فاليري» (2020)، إضافة تأتي في وقتها. ترجماته أكثر طزاجة من أي ترجمة إنجليزية سابقة، أكثر صحة من حيث اللغة السائدة من ترجمة ديفيد بول، مترجم برنستون/ بولنجن. لقد اضطلع رودافسكي - برودي بمهمة بالغة الصعوبة. ففاليري لا يكتب فقط أبياتاً مقفاة ومنتظمة إيقاعياً، ولكن شعره يمثل أيضاً (بعبارة المترجم) «نسيجاً كثيفاً من السجع، القافية الداخلية، المعاني المزدوجة، الصور المتحركة، تشابهات تشع بين كلمة وأخرى في أبيات متباعدة».

ليس بوسع رودافسكي - برودي سوى أن يوحي بالنسيج المتأصل في الأصوات الفرنسية في ترجمته الإنجليزية. لحسن الحظ أنه لا يحاول إعادة إنتاج الأشكال الشعرية كما هي لدى فاليري. في حين أن ترجماته تأتي في أوزان إنجليزية منتظمة - قرار يقول عنه إنه «ذو صلة بمواجهته مجموعة مشابهة من القيود الشكلية، من الممارسة، كتلك التي تتسم بها أعمال فاليري، مثلما تتصل بإيجاد ما يشبه إيقاعاتها المعقدة» - فإنه يحجم عن محاولة محاكاة قوافي فاليري (وهذه قمة إفرست التي تتناثر حولها جثث مترجمين سابقين).

«فكرة الكمال» عنوان مناسب، لأن فاليري كان من الساعين إلى الكمال، لا يكف عن «سمكرة» قصائده. اشتهر بعبارته أن القصيدة لا تنتهي، وإنما تُترك فقط. كان على ناشره عملياً أن ينزع مخطوطة «بارك الشابة» من يده. كتب إليوت في مقدمته لمجموعة «فن الشعر» الصادرة عام 1958 عن فاليري: «لقد كان أكثر الشعراء وعياً ذاتياً»، وإلى حد بعيد كان الموضوع الرئيس لفاليري هو ما يفعله إحساسه. يتضح ذلك في عودته المستمرة إلى شخصية نرسيس، الشاب المذهول بانعكاس صورته. في القصيدة النثرية «الملاك» («L’Ange»)، وهي آخر أعماله (مع أنه كان يراجعها منذ 1921)، ينظر الملاك إلى صورته في النبع، ولا يستطيع أن يوفّق ما بين مرأى «رجل يبكي» وهويته الفكرية. كتب: «قال الملاك: الكائن الخالص الذي هو أنا، الذكاء الذي يمتص بسهولة كل الخليقة دون أن يؤثر فيه أو يغيره أي شيء من ذلك، لن يتعرف على نفسه في هذا الوجه الطافح بالحزن...».

من الإضافات المهمة في «فكرة الكمال» - والتي تبرر العنوان الجانبي «شعر ونثر» - سلسلة من الاقتباسات المتسلسلة تاريخياً من «أعمال» فاليري، أو مذكراته. بدأ فاليري يكتب مذكراته عام 1894، وكان يضيف إليها كل صباح طوال ما تبقى من حياته. تغطي المذكرات كافة اهتماماته الشاسعة - ومنها الشعر، الفلسفة، علم النفس، علم الجمال، الموسيقى، الفن، السياسة - ولم تُحرر صفحاتها الثمانية وعشرون ألفاً بالشكل المناسب حتى الآن. الجزآن الضخمان من الأعمال في طبعة «بلاياد» عالية القيمة (1973 - 1974) تضم 10 في المائة فقط من الكل.

ربما تكون الاقتباسات التي تضمنتها مختارات رودافسكي - برودي في 57 صفحة الأكبر بين ما أتيح لقراء الإنجليزية من المذكرات. التأملات في علم النفس والحنين، والسبحات الفلسفية، ستكون مألوفة لقراء مقالات فاليري. لكن بعض المقاطع تظهر الشاعر من حيث هو ملاحظ مدقق لتفاصيل الواقع الطبيعي والمدني. تمنحنا هذه لمحة عن عالِمٍ - شاعرٍ مختلفٍ جداً: الشاعر الأميركي وليم كارلوس وليمز الذي سيقارن ممارسته (في القصيدة الطويلة «باترسون») بممارسة ماري كيوري، استقطار واقعٍ مشاهَد في جوهره المشع مثلما استخرجت كيوري الراديوم من معدن البتشبلند.

تظل «بارك الشابة» و«المقبرة البحرية» أعمالاً رائعة، مدهشة وعميقة. ومع ذلك فإن كلاسيكية فاليري الشكلية الجديدة تبدو أكثر ابتعاداً عن القارئ المعاصر من أعمال معاصريه الأصغر سناً. أندريه بريتون، بليز سيندرارس، حتى غيّوم أبولينير (الذي توفي عام 1918): يبدو هؤلاء أكثر حداثة وانسجاماً مع عالم في حركة مستمرة واتصالات جماهيرية. ومع ذلك سيكون من الخطأ إلقاء فاليري في مقبرة للنصب المهملة. ذلك أنه ليس من شك في جمال وقوة أفضل كتاباته، والمآزق الإنسانية التي تتناولها أعماله - الموت، التجسد، الحنين إلى الكمال - تظل مهمة بالنسبة لنا.

- عن «هايبر أليرجيك»،

8 أغسطس (آب)، 2020.


عن الشرق الاوسط

الأربعاء، 2 سبتمبر 2020

هل يجب حرق نجيب محفوظ؟

هل يجب حرق نجيب محفوظ؟


 واسيني الأعرج


في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها العالم العربي، يبدو من المفيد جداً ترهين بعض الأسئلة التي لا نعرف كيف نجابهها نظراً لتعقدها وحساسياتها: هل يجب مثلاً حرق نجيب محفوظ لأنه أيد اتفاقيات كامب ديفيد، التي حيدت مصر كقوة عربية فاعلة في الصراع العربي الإسرائيلي؟ هل يجب تغليب السياسي الطارئ، لأن نجيب محفوظ لم يدّع يوماً أنه محلل سياسي، فقد انتصر دوماً للروائي والمبدع والتخييل؟ أم يجب تغليب الصفة المتعالية، أي صفة الفنان والمبدع؟ فهو الرجل الذي أصل الفن الروائي ووطنه، مما جعل جائزة نوبل تلتفت لمنجزه الكبير؟ ماذا فعل نجيب محفوظ حتى قامت ضده زوبعة ألغت وجوده بجرة قلم؟ بالمقابل، هل ما فعله كان صحيحاً ومدروساً؟ لنقترب مما فعله أكثر.

لقد أيد اتفاقيات كامب ديفيد، بوضوح ومن دون خوف، ككاتب، ولكن أكثر من الكاتب، بسبب السلطة التي يمثلها عربياً. اتُّهِم بأنه لم يكتب عن قضية إنسانية كبيرة مثل القضية الفلسطينية. لا يمكن أن نكتب عن محنة الهنود الحمر، ولا نكتب عن قضية هي جزء من الوجدان الإنساني والعربي، ما يزال الكثير من أبطالها، من الطرفين، العربي والإسرائيلي، أحياء حتى اليوم، وشهاداتهم تجمع على تشريد شعب بكامله من أرضه، وإحلال شعب بشعب آخر، من خلال الهجرات اليهودية المكثفة التي لم يستفد منها اليهودي الفلسطيني الأصيل، الذي وجد نفسه مقهوراً ومعزولاً.

هناك بياض بالنسبة لنجيب محفوظ لا يمكن القفز فوقه، بل ضرورة فهمه. طبعاً، من الصعب مطالبة كاتب أن يكتب عن موضوعة محددة دون غيرها. يظل الروائي، وفق المنطق الإبداعي، حراً في خياراته، لكن المأخذ هو في وجهة النظر. الروائيان الإسرائيليان ديفيد غرسمان وألموس عوز مثلاً، لم يصمتا في اللحظات التاريخية المفصلية، فقد دافعا باستماتة عن حل الدولتين.

وكانا من المناصرين لإسحاق رابين قبل اغتياله وياسر عرفات. لكن هناك من ذهب من الكتاب الإسرائيليين إلى أبعد من ذلك.

في شهر ديسمــــــبر الماضي، غادر الكـــاتب إيتـــان برونشتاين Eitan Bronstein Aparicio إسرائيل، التي جاءها مهاجراً من الأرجنتين، برفقة والده، وعمره خمس سنوات. وصديقته إليونوري ميرزا Éléonore Merza، وهي من أصول فرنسية، متخصصة في الانثروبولوجية السياسية، تركا إسرائيل بشكل نهائي احتجاجاً على الاعتداءات الإسرائيلية اليومية ضد الشعب الفلسطيني. أسس إيتان منظمة زوخروت Zochrot (تذكّر) في 2001، التي فضحت إسرائيل أيام النكبة.

ثم ألفا كتاباً مشركاً أعطياه عنوان: النكبة، وكشفا فيه ما تسميه إسرائيل التحرير. لم يستطيعا، وهذا كلامهما، تحمل الوضعية العسكرية والإيديولوجية والسياسية في إسرائيل. وجدت إليونوري وظيفة في بروكسل، فلم يترددا ثانية واحدة، سافرا واستقرا هناك.

رهانهما الكبير، كما يقول إيتان برونشتاين، هو إنقاذ ابنهما من ظلام نظام تربوي مُعسكر، في إسرائيل، بعد أن يئسا من أي إمكانية للسلام: «لا أرى أي أفق لسلام حقيقي». هناك أمثلة كثيرة أعلن أصحابها عن آرائهم تجاه المذابح التي ارتكبتها إسرائيل وترتكبها إلى اليوم في ظل نظام فاشي لا يؤمن إلا بالقوة. في السياق نفسه، حري بمثقف عربي كنجيب محفوظ، أن يكون له موقف الكاتب وليس السياسي.

وجهة نظره التي كررها كثيراً في الندوات والحصص التلفزيونية (مثلاً أمسية ثقافية لفاروق شوشة) هل هي كافية، وهي أنه أيد الاتفاق الإسرائيلي المصري من أجل فلسطين للخروج من وضعية اللاحرب واللاسلم المؤذية للشعب الفلسطيني لأنه هو من كان يموت. فقد قتل العرب من الفلسطينيين أكثر مما قتل الإسرائيليون (الكلام لنجيب محفوظ في حصة أمسية ثقافية)؟ وأنه لن يكتب عن فلسطين إلا الفلسطيني. ثم إن الرواية غير الشعر؛ الرواية عالم معقد يحتاج إلى معاشرة حقيقية للأحداث. هيمينغواي كتب عن أوروبا لأنه ارتحل نحوها في الحرب الأهلية الإسبانية، بينما بقي فولكنر في عالمه المغلق، ولهذا لم يكتب إلا عن مكانه. أكثر من هذا، فقد كتب نجيب محفوظ في 1978 في رسالة موجهة لناقد إسرائيلي البروفيسور سامسون سوميخ، درس عميقاً نجيب محفوظ: «كتابك عني يعتبر عملاً نقدياً عميقاً وعاماً وشاملاً، ويعتبر من أفضل ما كتب عني، إن لم يكن أفضلها جميعاً. طبيعي أنني لمست فيه حبك للأدب العربي ولاجتهاداتي فيه، لا تحرياتك عن عقلية عدو، بل إن دراستك كانت غنية في المقام الأول وإنسانية بالمعني الشامل والدقيق…»، البروفيسور سوميخ يعتبر محفوظ الجسر الرابط بين الأدب العربي والأدب العبري من خلال رواياته المترجمة إلى العبرية، مثل زقاق المدق، وثرثرة فوق النيل، وميرامار، وأولاد حارتنا، وغيرها. بعد هذا كله، هل يجب حرق نجيب محفوظ لأنه لم يكتب عن فلسطين روايات ذات قيمة حقيقية؟ محفوظ رجل كبر في المؤسسة؛ يعني في الإدارة التي هي الدولة، مصغرة بكل نظمها الفارغة أحياناً، وانضباطها المفزع، الذي لا يمكن تجاوزه. فهو يحمل في أعماقه الكثير من أثقالها وأوهامها على الرغم من انتقاده لها نقداً لاذعاً. لقد عبر نجيب محفوظ زمناً طويلاً وصعباً، وعرف هذه المؤسسة بعمق، عن قرب، وكتب عنها. وبحث أحياناً عن رضاها وعدم الاصطدام بها، بشكل مباشر. يعرف جيداً أنها طاحونة قاتلة، هو الذي انتقدها بعنف في كل كتاباته. وافق المؤسسة في صورتها المتعالية، يعني الدولة، عندما ذهبت نحو كامب ديفيد، واعتبرها مخرجاً. رفض أيضاً أن يصطدم بالأزهر وألح، بل وأوصى، بألا تنشر رواية «أولاد حارتنا» الإشكالية، إلا بمقدمة من شخصية مرموقة من الأزهر. وكان له ما أراد في النهاية. فقد صدرت الرواية في مصر بمقدمة من الكاتب الإسلامي أحمد كمال أبو المجد، مقدمة ظلت بعيدة عن عظمة الرواية. لكن ذلك كله لم يمنع نجيب محفوظ من انتقاد المؤسسة الدينية نقداً لاذعاً، في مختلف رواياته. لقد فضل تمرير كل مواقفه الرافضة عبر الرواية التي تعتبر حرفته الأساسية، وظل كل ما هو سياسي عرضياً. انتصر نجيب محفوظ للرواية أولاً وأخيراً، كفعل حر ودائم يتخطى السياسي الطارئ. ومن يقرأه، بدون مسبقات سياسية جاهزة، لا يشك لحظة واحدة في جرأته وقوة نفاذ بصيرته. لهذا، من الصعب تقييم نجيب محفوظ من زاوية واحدة هي السياسي، دون أن يعني ذلك عدم قراءة مواقفه ونقدها، إذ لم تكن صائبة دائماً.

ما بقي اليوم من نجيب محفوظ هو الروائي ولا شيء آخر غير الروائي. الكاتب العظيم سيلين، أبو التجديد اللغوي والروائي في فرنسا، وصاحب رائعة «رحلة إلى منتهى الليل»، كتب مقالات معادية للسامية، مليئة بالأحقاد والضغائن، استعاد فيها صورة اليهودي في نهايات القرن التاسع عشر في أيام إيميل زولا، ومارسيل بروست وأناطول فرانس، لكن الذي بقي اليوم منه قوته الفنية والروائية الاستثنائية، بينما تحول الباقي إلى مادة تاريخية لا أكثر، يذهب نحوه المختصون وليس عشاق الرواية.


القدس العربي

في الردّ على منتقدي مقالة “محمود درويش وأنا”:  غبار على أكتاف السطور

في الردّ على منتقدي مقالة “محمود درويش وأنا”: غبار على أكتاف السطور



سليم بركات

كان على المعلقين، والنُّظَّار النقاد، أن ينتبهوا إلى هُزالة تآويل الرعاع لِمَا كتبوه. كان عليهم التزام ضابطٍ أخلاقي من “أخلاق الكلام” حتى لا تنفلت الكواسرُ. لكنهم من حيث يدرون (ربما) فكُّوا القيدَ.


تردَّدتُ في كتابة هذه المقالة. ينبغي أن نتردَّد مُذ لم نَعُدْ ندير “مجابهاتٍ” في النقد، وفي عروض الأفكار، على سويَّةِ الإدارة الواجبة أخلاقاً، والواجبة احتكاماً إلى منطق “الحقِّ” في الكتابة بقواعد الكتابة، وضروراتِ إنشائها نصوصاً في المخاطَبات. البوَّابة للدخول إلى الأحكام مهشمة. كلُّ مسعورٍ، فاشل، مبتدئ، نكرةٍ، سَقَطٍ، سِفْلةٍ، لم يخطر له قطُّ أن تسوقه قدماه إلى الكتابة، بات قادراً على اقتحام الأعراف، غازياً بجسارة السهولة التي لن يُحاكَم عليها أتاحتْها له مواقع التواصل الإجتماعي الرثة “خبطَ عشواءَ”، تصيب مَن تصيب بهزالها.


يعادل هذا الانهيارُ، بثقل “الاقتحام” المباح عنوةً، انهيارَ المجتمعات في التاريخ. لكنه على “تماسكٍ” ظاهريٍّ تتيحه أُحْكُومةُ الآلة المشاع بتشريع التبسيط: كلُّ شيءٍ سهلٌ. كلُّ شيءٍ يُقتَحَم. تفلُّتٌ بلا ضبطٍ أو ربطٍ من أيِّ تعريفٍ بالأصول، واللوازم، في التزام “المكتوب” بخصائص إنشائه مكتوباً يُقرأ.


ربما لا معنى لتذكيرٍ مثل هذا بالانهيار الذي يعرفه كلُّ مُجَازٍ بقدْرٍ صغير، أو كبير، في مباني الكتابة. كلنا نعرف ذلك: بعضٌ يستنكر هذا المآل، ويستفظعه، ويستسخف ما بلغه السقوط؛ وبعضٌ يستحسنه، ويستطيبه، عن معرفة بمبلغه في السقوط، على تواطؤٍ مع شاغلي مواقع “الغزو الاجتماعي” بمنجنيقات الركاكة. بل يستثيرونهم ليربحوا “معركة” الإحصاء لمقادير الأعداد كسبوها من تعليقات: وضاعةٌ في الانتهاز. يا لِجمالها!


ماكان يصِلُنا متفرِّقاً قبل “مشاعية” الكتابةِ ركاكةً، والأخلاقِ تهريجاً، بات يصلُنا بالجملة. تساوت القدراتُ المنهارة للتفريق بين خصائص النصِّ “الأرضيِّ” والنص “السماويِّ”. وُلد “التكفير الأدبي” من صُلب أبيه “التكفير الديني” ـ المُرشد لعصر بلداننا إلى “خلافة الذبح” بالسكاكين، والذبح بالسطور المُنضَّدة على الألواحِ الزجاج في الحواسيبِ الآلات.


أذهلتني “التكفيرية الأدبية” كسلوكٍ من عقل النقد عند مِلَلِ أمصارنا. ذلك سيُحتسَب “فتْحاً” في المصطلحات. لا بأس. سأستعرض بضعة “أصناف” من نماذج العقل “الناقد” باختصار، عن الذين صنَّفتْهم مقالاتُهم، وتعليقاتُهم، قبل أن أصنِّفها في مراتب الاعتراض على مقالتي “محمود درويش وأنا“، والتعريض بها (باعتذارٍ عن تقصيري في متابعة “الزحف الهادر” على الحواسيب التي تتسم العلاقة بيننا ببعض النفور).


لن أعْرِض بالذكر لكُتّاب نبلاء عن رصانة تقويمهم للموقف، وقد ساءهم هذا التطاول “العصبي” على مقالةٍ، فاستنكروا، أو أعادوا رسم خريطة الفكرة فيها على سوية خطوط الطول، وخطوط العرض التي لا تستدعي هياجاً، وتآويلَ ليست بناءً على أيِّ مقصد من مقاصد مقالتي. وأنا، كأولئك النبلاء المستهجنين الحَمْلةَ عليَّ، بلبلني أن تُختزل المقالةُ الطويلة عن عمق علاقة بين شاعرين، صديقين على عقود من مطلع سبعينات القرن الماضي حتى رحيل محمود، إلى سطور قلائل جداً فيها: أعني بوحَه أنه تلقى خبراً عن “أبوته” على “الهاتف”. لا تأكيد. لا نفي. سياقٌ أوردْتُهُ من “خبر الهاتف” باح به لي صديقي الراحل “ببرودٍ”، أو ربما لم تعْنِهِ “أبوَّةٌ” يتلقفها من صوت امرأة في الهاتف. كان بوحُهُ، الذي نقلتُه “نَحْتاً” بالكلمات إلى أسطر في المقالة، لا يتعدى ما سمعَهُ فأسمعَني، لأنتقل بعده (مُذ كانت المناسبة أنني صرتُ أباً) إلى “تمارين” في تعريف “الأبوة” على ارتجالٍ عفويٍّ، لا تخطيط فيه لمذاهب عِلم النفس، وعلم الشك، وعِلم القبول بالظواهر الصوتية في الآلات كإرشادٍ إلى الإيمان.


أقُرِئتْ أولئك السطور المعدودات بتمعُّنٍ، أم هي العدوى أطلقتْ قطيعَها المتوحش؟ ها أنا الآن على استعراض من ثلاثة صنوفٍ ـ عدا النبلاء ـ أباحت جلبَ مقالتي إلى “المحرقة”، لا بسطورها حَسْبُ، بل بكاتبها، وبلغة كاتبها العربية، وبعِرْق كاتبها الكردي “تكفيراً”، على ما نعهده اليوم من مناهج الفوضى “الحلال”، وإرشادات “الطاهر” إلى تجنُّب “التطبيع”، عن الأيدي الذهبية “للصمود والتصدي”، و “الممانعة”، كآخر رمقيْنِ في أنفاس الأمة “المُحتضَرةِ” من كثرة الانتصارات “اللامحتملة”، حالها كحال شهقة العاشق، أو العاشقة، في أخبار “العذريِّيْنَ” قبل انهيارهم صرعى أو موتى.


في الصنف الأول تخيَّرتُ مقالة واحدة، وحيدة، “أحزنتني”، لأنها صدرت عن يد صديقٍ، مُحبٍّ، واكبني نصيراً لعقود، لكنها لن تنتقص من الودِّ بيننا.


لقد ذهب الصديق إلى كلمة صادمة بقوله إنني “تعاليت”. ليس في ظاهر مقالتي، ولا في باطنها ما ينحو بالمقصد هذا النحو. هل تأوَّلها من المحاورة القصيرة أوردتها بيني وبين محمود إذ وصف “حلولي” للعالم باللغوية (وهي ليست حلولاً قط) في سياق من الدعابةِ، فبادلتُه الدعابة: “ما حلولك أنت؟”. كيف فُهمت المحاورةُ المُلاطفَةُ بسمة “التعالي” فيها؟ نحن شعراء. “حلولنا” كلُّها، اللاموصوفةُ حلولاً، لغويةٌ. أحكامنا في الخيال لغويةٌ. مذاهبنا لغوية. إيمانُنا لغوي. انتصاراتُنا وهزائمنا لغوية. اجتهادنا لغويٌّ في صوغ “التشريع” للجنون دافئاً، أو وحشياًّ. “أوطانُنا” لغويةٌ في الأشعار منذ انكشفتْ في نَثر الواقع هندسةً للخذلان في بناء المدن ونُظُم الحُكْم.


راعني شأنٌ آخر من مقالة الصديق المحبِّ أنه بدَّلَ مواضعَ المقاصد. ما عنيتُه بـ “الأبوة” كتوصيف للعلاقة بيني وبين محمود، على المعنى الطبيعي الرابط أباً بابنه من غير لبس، نحا به صديقي إلى “المجاز” من ربطها بـ “الأبوة” الشعرية، فانبرى إلى “دحض” أيِّ تشابه يربط شعر واحدنا بشعر الآخر. لم يكن يلزمه تأكيد المؤكد: شعرُه لا يشبه شعري. وشعري لا يشبه شعرَه.


الشأن الثالث في مقالته ذِكْرُه لما أوردتُه من قولة محمود: “كدتُ أتأثر..”. بعد وفاته بقليل كتبت ذلك في مقالة لي على تخصيصٍ من اللوعة أنه أبكاني مرتين: مرة حين باح بجملته على تواضعٍ ـ وتودُّد، واعتزاز بالصداقة ـ أمام حشد في مدينة غوتنبرغ السويدية، بينهم مترجما كتبنا، وناشراها؛ وأبكاني في المرة الثانية برحيله. بوحٌ كهذا لا ينتقص من مقامه. وكلمة “كدتُ” هي من أفعال المُقاربة، أي “كدتُ، لكن لم أفعل”.


في الصنف الثاني، الذي لا يؤبه له، تعليقان لا غير اخترتهما اختزالاً للسوقية، على مفارقة  بين “طبقتين” من المعلِّقين تواطأتا على التهافت.


أحد النموذجين، من المدْرَجين في طبقة “نقَّادنا” النُّظار، متواضع النص، مدرسيٌّ (مقدمة، عرْضٌ، فاستخلاص). مُكْثر من طلب النجدةِ اقتباساتٍ من لوكاش، وباختين، لتدارك عياء التحليل. اخترتُه بافتراضِ أن ناقداً مثله قد يذهب، بتمهيد، أو بلا تمهيد، إلى شيء من “المحاكمة” النقدية إن “صُدم، لكنه اكتفى “بالهياج” (كما أورده الخبرُ عن تعليقه): “هذا كذب في كذب”.


النموذج الثاني، الذي لاقاه الناقد، سيدة لا حظَّ لها في صحافة أو في أدب، رمتني بالكلمة ذاتها: “كذاب. محمود يحب الأطفال”. (من قرأ لها مقالتي؟!).


توافقٌ على كلمة من مجزوءات القذف، أعني “التكذيب”. افهم أن تجد السيدة موضعاً في المشاع المباح من سوق التعليقات، لتستعرض وصوتَها، لكن ماذا عن الناقد الذي لم يشهد، ولم يسمع، لكنه “يَعْلَم”؟ يساريٌّ من الطراز الغيبي.


الصنف الثالث صنفٌ “مجرِّح” في ابتكارهم الجرائمَ ملفَّقةً لتبرير المبالغة في “الانتقام”. كتَّابٌ مسموعو السطور في المقالات والتعليقات، سارعوا إلى “تشخيص” مقالتي لا عن تبصُّرٍ فيها، بل عن تواتُرٍ من تبادل التعقيب واستنساخه. لم يتكلفوا تدقيقاً في المقالة. حفنة من الكلمات في “أبوَّة محمود” أنشأتْهم “حِلْفاً” تداعى إلى “بَيعة” الشرف في لغتهم الأنساقِ المتفاوتة حقداً يُرثى له.


أمكنةٌ متوحشة كحلبات المصارعين العبيد في روما، بجمهور من الهُوْج المساليح بالإفتاء لشرع القتل كترفيهٍ، وبعقولٍ تتماحك في استحضار المُقْتَبسات من علم النفس في “قَتْل الأب” (أوديبوس)، و”قتل الأم” (إليكترا)، و”قتل المدينةِ الأُمَّة” (باريس بن برياموس). علومٌ استقوها مرصوفة كأدراج العمارات، لكن بلا مصاعد إلى طبقات “قَتْلِ الخالة والخال”، و”قَتْل الجيران” تحسُّباً للمنافسة على جَمال مماسح الأحذية على عتبات البيوت. عِلمُ نفسٍ تشظت مذاهبة في تأكيد مساعيه أن يكون “عِلْماً”. وقد بات حَصْراً من علوم الملاحظة، ومقارنات السلوك، تتطاحن نظرياته، وتتعارض، وتتوسع، وتترادف بخصائص الإجتماع، والسياسة، والتأويل والقياس، وردود أفعال المرضى، و”توكيل” الأحلام بمبادرات التفسير. غاستون باشلار، مثلاً، أحدث “أنماطاً”، على ظرافةٍ شاعريةٍ مجتهدةٍ، من “النفسانيات” بوضعها في صيغة “العلوم” (علم نفس الماء. علم نفس الطين… الخ) لكنَّ “نُظَّارنا” أحالوا المصطلحات خرائبَ تُزارُ استذكاراً للمعرفة المنهوكة، المنتهكَة. وقد تفرَّع عن هؤلاء “الاعتراضات”، والمعارضات للمقالة، تحريضٌ على كراهية اللغة (العربية طبعاً) كما أنتهجُها. إنني أنحو، قدْرَ استطاعتي المتواضعة، إلى عدم إهانة لغة أجدادهم. يسيئهم أن لا تُهان؛ أن لا تُرتثَّ كتابةً على فَقر، وأن لا ينعدم فيها النزوعُ إلى الركاكة، وإلى خفضِ خيارات التراكيب إلى الحد الأدنى من المخاطبات المعهودة، المتعرية من أي عمق. يستفظعون خروج اللغة على السياق الضحل في التراكيب. يصيب خيالَهم صَكَكٌ إن عاند كاتبٌ هذه النمطية في صوغ المباني.


“تكفيرية اللغة” استتباعٌ لتكفيرياتٍ قيدِ الإقامة في العقلِ المكفِّر ـ عقلِ بلداننا المتبحِّر في ابتكار “التكفيريات”.


في الملحوظ من الاجتهاد على فَهْم ما لا يُسْتَفهَم، أن “المجتهدين” في اللغة، وفي تثبيت التعريف، يتداعون إلى “نجدةٍ” لاستحداث مَخارجَ للمُسْتَغْلِق على الأَفهام. فكلمة “الرَّفْرَف”، في آية من “الكتاب”، عَلِقَ المعنى فيها على تلغيزٍ. لم يستحصل مؤوِّلو المعاني، والحَسَبةُ في اللغة، ومنقذو المفردات من الضلال، معنىً للَّفظة. ألْجأَهم العجزُ في تحديد “يقينها” إلى الظن، والتخمين. وأنا، في تقويم لأولئك التعليقات من الإخوة النُّظَّار، والمعلِّقين بأحكامهم المتواترةِ عدوىً، أجدهم رأوا في مقالتي شيئاً من سديم “الرَّفْرف”، حتى كادوا يستخرجون منها أنسابَ “النوقِ العصافير”.


واردٌ عن وارد. صادرٌ عن صادر. حُصالةُ ثقافةٍ رفيعة من مكتبات “الفيسبوك”: هؤلاء أهاجوا التحريضَ فاستنزلوه وحياً بآيات “العرقية”، والعصبية القومية (كيف لهم أن يتهموا أنظمةً بالعرقية بعد الآن؟). قد أتأنَّى فلا أبالغ بتحميل بعضهم هذا التحريض عن قصد. لكنهم يعرفون، في أيامنا السهلة الاقتحام والهتك، أنَّ الحذر من موجبات الأخلاق. الخِفَّةُ الضارية التي تؤخذ بها أحكامهم قد تبيح السلبَ والنهب. أتباعُ الأحكامِ الرثاثةِ جاهزون ليبايعوا، مذ “التكفيرية” باتت عقْدَ العقل. صندوق “باندورا” بلا قفل في واقعنا المرفَّه بموهبته الإلهية في ابتكار الهزائم. تكفي الصندوق هِزَّةٌ من تعليقٍ خائب التقويم، أو من مقالة تتعمد “القذف” بلا تخمين للعواقب، لينفتح عن كائنات الجحيم.


من سيُلام بعد “التكفير اللغوي” على “التكفيرية العِرقية”؟ ما شأن الأكراد بمقالتي سوى أنني كردي من “ربوع” المجتمعات العربية؟ لا يدَ لنا في الهزائم العربيةِ السمادِ لكلِّ زرعٍ في الخرائط. لم “نتغنَّ” شماتةً بسفاهة “سؤدُد الطلل الدارس” من عصر إلى عصرٍ ذي سطور ناقصةٍ في نصِّ التاريخ المهترئ.


أين كانت مختبئة كل هذه العنصرية التي ليست الأولى، وليست الأخيرة، في سياق “الجهاد” للتطهير؟ ما ليس نقداً عن حقٍّ، وليس تعليقاً على قدْرٍ من وجاهة المنطق، يتردَّد ارتجاجه في موضع آخر من جسد الأمة المريض. كان على المعلقين، والنُّظَّار النقاد، أن ينتبهوا إلى هُزالة تآويل الرعاع لِمَا كتبوه. كان عليهم التزام ضابطٍ أخلاقي من “أخلاق الكلام” حتى لا تنفلت الكواسرُ. لكنهم من حيث يدرون (ربما) فكُّوا القيدَ.


زحفٌ هادر. مذهولون من سِحر هزائمهم وجَمالها، انعطفوا عن مُدَافَعة “الشرف” إلى “جهادٍ عِرقيٍّ” سأُعِدُّه “عيدَ استقلال” للعنصرية في الحرب على “مقالة”. ربما سوَّغت هذه “الجهادية العِرقية” ذلك التواتُرَ من عقل التعليقات الرثة، والمقالات الصَّرَع، ما أصابوه من روايتي “ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟”، من تعريضٍ فاجرٍ، إذ نصبوا لها فخاخ “التطبيع” مع “الأعداء” فأجازوا إطلاقَ التكفير.


لا يُعدُّ تمزيقُ الإيراني للمجتمعات العربية عداءً؛ ولا الغزو التركي المنفلت بشهوة امبراطوريته الدينية، عداءً؛ ولا ذهاب حزب “لبناني” إيراني الصناعة إلى حروب في “ديار” العرب عداءً. (مَن هم الأعداء؟).


أيةُ عبودية تُرضي غرورَ العبودية في مَن اتهموا روايتي بـ “التطبيع” لأنها تعْرِضُ حالَ يهود، مواطنين سوريين، في مدينتي القامشلي؟ تصريحات من “النقد” النذالة بلا حدود ضد أن يصف أحدٌ حالَ يهود في بلداننا. وصفتُ ما هُم فيه: ممنوعون من السفر. ممنوعون من مغادرة مدينتهم. ممنوعون من بيع ممتلكاتهم. ممنوعون من تحويل أموالهم. لا تعليم لدينهم في المدارس. ماذا أراد المعلِّقون؟ إمَّا أن يعيش اليهودي “المواطن” عبداً، أو أن يرحل.


تظهيرٌ بلا توريةٍ، مخيفٌ، للرغبة في تطهير عِرقي، قومي، ديني. يريدون تطبيعاً مع العِرقية، وتطبيعاً مع كراهية اللغةِ إنْ لم تُهَنِ اللغة، وتطبيعاً مع الكراهية ذاتها كأملٍ يخصُّ أقدارَهم، فيما أردتُ من روايتي أن تكون تطبيعاً مع الأخلاق.


لا أعرف ماذا سيكون وصفُ حال المسيحي في بلدانٍ لم تعُدْ تتسع لدِينٍ آخر، وعِرْقٍ آخر، بما تنال كنائسهم من تفجير، وما يلقون من تشريع الذِّمية إجازةً للنهب؟ بعد خمسين عاماً ـ على التقدير الموصوف من انحسار المسيحية في ديارٍ كانت إرث المسيحية ـ إذا انبرى كاتب إلى توصيف “الحيف” الذي لَحِق بهؤلاء، فسيُتَّهم قطْعاً بالتطبيع مع “شيطان” الغرب المسيحي. هكذا سيكون. حافرُ هذا العصر واقعٌ على حافر العصر القادم في مجد “التكفيريات”، اللواتي ظلَلْن مموَّهاتٍ طويلاً في العقل “السَّمْح المتسامح”.


مقالتي “محمود درويش وأنا“، المتواضعة في تلخيص صداقةٍ، وروايتي تلك المتواضعة في تلخيص الكُفر بالإقامة في بلدانٍ كهؤلاء، فجَّرتا اللغمَ ناسفاً، ضارياً في النسف. لم يخطر ذلك ببالي.


هُزمت القضايا. انتهت ذبحاً على قدميِّ البلاغة “العِرقية”، وعلى أبواب “ملاهي” التُّهم بالتطبيع كالاستفاضة في أكل الحلوى بعد إفطارٍ من رمضان. مقالاتٌ من خراب المقالة؛ تعليقاتٌ خرائبُ مستَظْهَرةٌ من العمق المُخْتَزَن للتكفيريات، سعى بها أهلوها الهُوْجُ، المسعورون، إليَّ ـ بُورِكوا:


لقد هشموا “صفقةَ العصر”، وسدُّوا على التركيِّ زحفَه من غرب سوريا إلى ليبيا، وجذبوا آذانَ أنظمةٍ أنجزت التطبيع (الذي لن يتوقف) مع إسرائيل.


ليس مهماً، على أية حال، أن يخرج أربعة من هؤلاء إلى الشارع استنكاراً لتبجُّح الإيراني، المتفاخر، المُهين، المُحتَقِر، المتباهي بتصريحه أنه يمتلك قرارات أربع عواصم عربية (أيْ: يحتلُّها).


مواطنون يُصنَّفون “زوائدَ” في بلدانهم.


إحتلالاتٌ تُصنَّف نعمةً.


هنيئاً للزاحفين زحفَهم العُرامَ إلى “انتصارٍ” على مقالةٍ (!!!)


                                               آب 2020