مقالات

شعراء

رواية

أحدث المواضيع

صباح الكاكاو/ بوب كاوفمان

مايو 24, 2020 اضف تعليق


ترجمة ريم غنايم

تنويعاتٌ على اللحنِ صباحًا

وعصفورتانِ تتحرّكانِ في المدى.

يلوحُ سجنٌ رماديّ، يغتسل بنورِ الشّمس.

ألسنةُ كمانٍ، تتهامسُ.

.

طبّالٌ، يترنّمُ، على الأرضِ،

يحلمُ بضرباتٍ جامحة، وخفيضة،

أيّها الصّباحُ المنعتقُ عن صَخَبِ المَدينة العاصف،

أرجوك،

ابقَ هنا للأبد.

سوناتا الى الزنجيّ في الهارلم/ هيلين جونسون

مايو 24, 2020 اضف تعليق


ترجمة ريم غمايم

إنّك أبيٌّ وبهيٌّ—

جسدُكَ المكتملُ ومشيتكَ المختالةُ،

عيناكَ الدّاكنتان تلمعانِ بالكراهيةِ بهَيبةٍ،

لا عَجَبَ أنّك غيرُ كفءٍ

لتُحاكي مَن تحتقرُهم—

ذراعاكَ سامقتان فوق الحشد،

رأسُكَ يُرجع أغنيةً بربريةً زخمة،

أشجارُ النّخيل والمانجا تتمدّد أَمام ناظِرَيك.

دَع الآخرين يكدَحون وَيَعرقون في سبيلِ العَمل

وانتزِع مِن أيديهم حصّتهم منَ الذَّهب

لمَ تحثّ قَدَمَيك المترفَعتَين؟

سيمحُو الازدراءُ آثارَ قَدَمَيك.

كم أعشقُ ضحكتكَ المُتغطرِسَة والجريئة.

كم أنتَ عظيمٌ على شارعِ هذه المدينة.

أحبوا عدّوكم/يوسف إيمان

مايو 24, 2020 اضف تعليق

ترجمة ريم غنايم
أحضروكم هنا في مراكب العبيد وألقوا بكم جانبًا.
أحبوا عدوّكم 
تُسلب اللغة، تسلب الحضارة
أحبوا عدوّكم
اعملوا من الشروق وحتى الغروب
أحبوا عدوّكم
أوّل من استأجركم، وآخر من استأجركم
أحبّوا عدوّكم
اغتصِبوا عدوّكم
أحبّوا عدوّكم
اعدِموا آباءكم
أحبّوا عدوّكم
فجّروا كنائسكم
أحبّوا عدوّكم
اقتلوا اولادكم
أحبّوا عدوّكم
حاربوا عنه حروبه
أحبّوا عدوّكم
ادفعوا أعلى أجر
أحبّوا عدوّكم
بيعوا طعامكم الفاسد
أحبّوا عدوّكم
وأنتم مرغمون على العيش في أحياء الفقراء
أحبّوا عدوّكم
مدارسُ مهدّمة
أحبّوا عدوّكم
يُزجّ بكم في السّجون
أحبّوا عدوّكم
لقد عضّتكم الكلاب
أحبّوا عدوّكم
تغتسلون بخرطوم الماء
أحبّوا عدوّكم
أحبّوا 
أحبّوا 
أحبّوا 
أحبّوا كل آخر،
لكن متى سنحبّ انفسنا؟

الزّنجيّ يحكي عن الأنهار/ لانغستون هيوز

مايو 24, 2020 اضف تعليق

ترجمة ريم غنايم
عرفتُ أنهارًا:
عرفتُ أنهارًا قديمة قِدم العالَم، أقدمَ من
دفقِ الدّم في عروقِ الإنسان.
.
تعمّقت روحي كالأنهار
.
اغتسلتُ في نهرِ الفُرات حين كان الفجرُ غرًا.
بنيتُ لي كوخًا بالقرب من الكونغو وأركنني إلى النوم.
تأمّلت النّيل ورفعتُ أهراماتٍ فوقه.
سمعتُ موسيقى الميسيسيبي عندما هبط إيب لينكولن
إلى نيو اورليانز، ورأيتُ حضنه الموحلَ
يصيرُ ذهبيًا وقت الغروب.
عرفتُ أنهارًا:
 أنهارًا قاتمةً قديمة.
تعمّقت روحي كالأنهار

دراسة شاملة بالفرنسية عن أعمالها الشعرية . اندريه شديد شاعرة واحدة ومتعددة ..."من هنا وهناك"

مايو 21, 2020 اضف تعليق

أنطوان جوكي 
لا تضم سلسلة "شعراء من اليوم" الشهيرة لدى دار "سيغير" الفرنسية باستثناء الشاعر المصري الكبير جورج حنين، سوى اسمٍ عربي واحد هو أندريه شديد الشاعرة بالفرنسية. والمثير أن الدراسة التي وضعها الشاعر البلجيكي جاك إيزوار عام 1977 عن شعرها، استُنفِدت نسخها قبل فترة من المكتبات، ما اضطُر دار النشر أخيراً إلى طبعها من جديد بعد قيام إيزوار باستكمال بحثه عن المرحلة الأخيرة والمثمرة من مسار الشاعرة.

يتوقف الشاعر البلجيكي أولاً عند هوية أندريه شديد المتعددة وانتمائها إلى الشرق والغرب معاً، خارج أي ازدواجية مؤلمة. ففي مكان ما تقول: "ليس لدي شعور بانقطاع أو تمزّق ما، وإنما بعالمٍ أكثر التحاماً، لا حدود داخله، وأعتقد بأن الحواجز بين البشر مزيّفة ومختلقة وبأن الأساس هو أرض مشتركة". وتظهر هذه الوحدة منذ دواوينها الأولى، وكانت الشاعرة لا تزال قريبة من مرحلة الصبا تنتظر ملء السعادة وتنشد يقينها بذلك. وفي هذه الدواوين، يلاحظ إيزوار على الفور حساسيتها ازاء النص كنص، ومفهوم كلمة "نص" وبنيته، من خلال الأهمية الجوهرية التي تُعيرها شديد لعملية ولادة القصيدة كانبثاق سحري ولكن بخاصة كعمل حرفي على كل كلمة. وبذلك تكون من بين الشعراء الفرنسيين الأوائل الذين تجرأوا على الإلحاح على مفهوم البنية النصية، كما يبدو ذلك جلياً في عناوين هذه الدواوين: "نصوص لوجه"، "نصوص لقصيدة"، "نصوص للكائن الحَي" و"نصوص للأرض الحبيبة". والمقصود في ذلك تعرية القصيدة من ثوبها الرومانسي، وكأن شديد شعرت منذ بداياتها بضرورة رد الكلمات إلى الكلمات والنظر إليها على أساس متانتها ورسوخها كحبرٍ على الورق. ولا نعجب حين ندرك مدى ثقة الشاعرة بالكتابة، بصقل الكلمات، ورغبتها في معانقة كل شيء، أرضاً وبشراً، بهذه الوسيلة النبيلة. فمشروعها الأول، الذي حققته بمهارة وجرأة يشهد عليهما مسارها الفريد، هو "رواية الحياة".
وفعلاً، منذ ديوانها الأول "نصوص لوجه" 1949، يلاحظ إيزوار كتابة مذهولة بكلماتها الخاصة، وأناشيدها الخاصة، تستشعر كل شيء من خلال نوعٍ من المعرفة الصافية. وستتخلى شديد بسرعة عن غنائية فائضة في النصوص الأولى، فتضبط وترصّ كل كلمة منذ ديوانها الثاني، "نصوص لقصيدة" 1950، ما يترجم ميلها الداخلي وإرادتها في الحضور داخل الطبيعة. ولهذا نجدها فيه تنظر في كل مكان وتصف كل ما يقع تحت أنظارها. وقد يبدو هذا المسعى بسيطاً للغاية، ولكن بتعبيرها عن الأشياء بهذه البساطة تتمكن شديد من عيش هذه الأشياء وإحيائها تحت أنظارنا، بكامل تفاصيلها. وتقدّم في هذا الديوان قصائد قصيرة تقوم ظاهراً على محاصرة وقائع عادية، كالنورَس أو العُلّيق أو البحر أو الجزيرة. لكن وراء نُدرَة كلماتها يتبيّن تأمّلها للنور الخفي داخلها، وتحت اختلاج عباراتها الحيّة تسوَدّ أحياناً رؤيتها ويظهر القلق والشك وألم الفناء. ويجب انتظار ديوانها الثالث "نصوص للكائن الحَي" 1955 كي تواجه الشاعرة الموت وجهاً لوجه. ففي نص "رفيق الساعة الأخيرة"، يهزّنا ذلك النحيب الصافي أمام قدر الإنسان الفاني، والذي تحاول شديد من خلاله فهم هذه الحال والتآلف معها. ولكن من أبحاثها المؤلمة وتأمّلاتها المُرّة، ومن تدفُّق كلماتها بالذات، ينبثق سكونٌ يخفف الألم ويسمح لها بإدراك الصحو.
وتساهم مشاهدتها للموت عن قرب بتصفية نظرتها وبجعلها تتأمّل الواقع بكامل عريه. كما يتبيّن منذ هذا الكتاب قدرة شديد على إهمال ما نأسف عليه عبثاً وتحويل اهتمامها إلى المذهل في كل يوم.
عام 1960، يصدر ديوانها "وحده الوجه"، فيكتب الشاعر الفرنسي إيف بونفوا لها: "يا للوحدة المنعشة التي تعززها الكلمات المختبَرة ويأتي بها الصوت الخفيض والفاتن الذي يقود حقاً إلى الواقع! كما لو أن كلماتك من دون تكبّر تبدد الضجيج المألوف". ويشير بونفوا بدقة عبر هذا القول إلى ما يجعل شعر شديد قريباً منا: حس الواقع، حتى في التفاصيل الزهيدة ظاهراً، وهو يحاذي واقع القصيدة الثاني، ذلك الذي يستقبلنا ويسحرنا لدى كل قراءة جديدة. ويكتب الشاعر الفرنسي الكبير رنيه شار عن هذا الديوان قائلاً: "يتضمن "وحده الوجه" قصائد غير مستقلة كانت حاضرة في "الأنا" المستمرة قبل أن يقرأها الآخرون ونخطّها نحن. كلها قصائد محبوبة في المستقبل". وبهذه الجملة يبيّن شار أهمية هذا الديوان الحسية والعاطفية وحدوده التي تقع بعيداً في الماضي وتغرس في المستقبل رقّة ساطعة. عام 1925، يصدر لها ديوان "بلد مزدوج"، وتبدو قصائده مفتوحة على كل الفرص ويبرز فيها يسر عفوي في التعبير وكتابة أصبحت مألوفة لدى القارئ. وتبرع شديد داخله في تحميل الكلمات ما تتطلّب بدقة من معنى في شكلٍ يهتز فيه القارئ على طريقته ويتلقى تبعاً لمستواه "العسل والنسغ".
نشيد معاكس
وتقوم في ديوانها "نشيد معاكس" 1968 بإظهار الآخر في كل انسان، وهو هدف جلي لديها وأحد وجوه سعيها الطويل في تعرية الكائن. وتعكس هذه الضرورة الجانب الآخر من مشروعها، تأمّلها الفلسفي حول الكتابة وعملية تكوين القصيدة. وتدفعنا الشاعرة في هذا الديوان إلى طرح عدد من الأسئلة، مثل: من يفعل داخل القصيدة؟ هل الشاعر الذي يكتب؟ ألا يُغيّر النص فعل الكتابة، لدى كتابته؟ ألا يُملي النص الذي يُكتَب شروطه على الكاتب؟
في ديوان "وجه أولي" 1972، تقارب الشاعرة من جديد موضوع الوجه كمرآة للإنسان جسداً وروحاً. وكما في دواوينها السابقة، نجدها لا تُهيّئ اكتشافاتها وتعجّباتها وبساطة مفرداتها انطلاقاً من منهج محدد، وإن بدا التمييز بين المقاربة النظرية والوصف المحسوس دقيقاً للغاية وغير واضح في معظم أعمالها الشعرية. وفي هذا الكتاب بالذات، تحاكي شديد القارئ مباشرة وتوجه إليه رسائل سلام وحنان، وفي الوقت ذاته تبقى حريصة جداً على محاصرة مفهوم القصيدة وتحديد عملية خلقها. ففي القسم الثاني منه، تُحرِّر نحو ثمانين مقطعاً تحاول من خلالها تحديد عملها الشعري وقول ما تمثّل القصيدة بالنسبة إليها: "أيها الشعر/ تقودنا/ إلى جوهر العالم". ولا بد من الإشارة هنا إلى كتابها "أرض وشعر" الذي يتألف من ملاحظات وتأملات حول ولادة القصيدة، كتبتها بين عامَي 1955 و1965.
وقصيدة شديد، وإن حافظت على تقليدٍ شكلي في ظاهرها، تتضمن غلياناً وتمرّداً لا يظهران إلا للمتمعّن في قراءتها. فالشاعرة هي على خلاف الكاتب المعزول في برجه العاجي وداخل أعماله الشعرية. فهي تسافر طوال حياتها وتلتقي بشعراء آخرين وتلبي دعوات الشعراء الشبان وتنشر القصائد والنصوص في الكثير من المجلات الشعرية. ومن هذا النشاط تغذي فضولها الذي لا ينضب. وممارسة الشعر لديها تطغى على الجهد النقدي الذي لا يظهر إلا في كتاب "أرض وشعر" وفي شكل متقطّع. وهذا يدل على انعدام هاجس مراقبة الشعر لديها ورغبتها في صوغ الكلمات من داخل جسد القصيدة فحسب، ما يؤدي إلى قصيدة معاشة، مُستشعَرة يوماً بعد يوم ومنبهرة. ويعتبر إيزوار ديوان "اتخاذ جسد" قصيدةً عن ولادة الشاعرة الثانية، عن سيرورة مجيئها الطويل والمدهش والمؤلم إلى العالم: "بالعنف/ في الجروح/ تأتي".
لكن شعر شديد لن يلبث أن يتخلى عن رقّته أو حنوّه ليواجه البداهة المؤلمة. ففي ديوانها "تآخٍ في الكلمة" 1975، ترى الشاعرة في الكلمات أدواتٍ بائسة أمام ما يحيط بنا وما نحن عليه: "ما فائدة الكلمات/ أمام الموت المحتم". ولكن داخل هذا الديوان، تفضي الأسئلة المتعلقة بالجسد والحياة والموت إلى نصٍ رائع عنوانه "من عمرٍ واحد"، تستقبل شديد فيه ميولاً ورغبات وأصواتاً، وتبدو البشرية جمعاء قريبة منها. وهذا الاندفاع نحو الآخرين يُحْييها ويفتنها: "البارحة وغداً/ هما من عمرٍ واحد". وبين ارتفاعٍ وسقوطٍ، بين انسياخ وتوهّجٍ، تصرّ نصوص هذا الكتاب على شق طريق التشابهات وإحصاء براهين اشتراكنا في أرضٍ واحدة وكشف آثار تآخينا. لكن حرب لبنان لن تلبث أن تفاجئها، فتُصدر عام 1976 ديوان "طقوس العنف"، وهو كناية عن صرخة عميقة تنسج الألم والثورة داخله قصيدة ذات حدّةٍ لم نعهدها في دواوينها السابقة. وإذ تفقد كلماتها فجأةً براءتها ورقّتها لتظهر مثقلة بالرصاص والغضب والإحباط، تبدو قصائدها مثيرة للسخرية بالنسبة إليها. إذ ما نفع الكتابة حين تخرّب الحرب كل شيء وتمزّق البشر والحجر؟ وخلف هذه القصائد، يتراءى لنا تاريخ زمننا ككل. فمن خلال حرب لبنان، تعبّر شديد بقوة عن رفضها لكل أعمال العنف في العالم. ومن عمق انفعالها كامرأة نجدها تتطلّع بجرأة نحو المستقبل آملةً منه إزالة الخيبة الراهنة. فكلماتها الأخيرة في هذا الكتاب تقول: "لتأسيس الغد/ استقبل على طاولة مفتوحة/ أطفالك مجموعين".
بعد هذا الديوان، تتوقف شديد عن كتابة الشعر، كما لو أن فظائع حرب لبنان جرّدتها من صوتها الغنائي. ويجب انتظار سنوات عدة بعد نهاية هذه الحرب كي تعود إلى الشعر من جديد، فتُصدر خمسة دواوين، هي: "ما وراء الكلمات" 1995، "الحديقة المفقودة" 1997، "أراضي النفَس" 1999، "يبقى القلب" 1999 و"إيقاعات 2003، وأوّل ما يستوقف إيزوار في هذه الدواوين هو تغيّر نبرتها وتنوّعها، في ما وراء الكلمات، كما تشير بنفسها. فمن العنصر البسيط والخاص والدقيق منذ 1950، حين كانت تصوّر طيور النورس والعلّيق والحدائق وتخاطب الأزهار والبحر والثلج، تنتقل شديد تدريجاً إلى التساؤلات الوجودية في نصوصها الحديثة التي تتميّز بصوتٍ غني ومضبوط تنقى داخله عبقريتها ولغتها، وبنظرة يقظة ومشحوذة تتفحّص بدقة واقعنا اليومي، من دون تجميلٍ أو تهويل.
ويدهش إيزوار التواصل بين أعمالها الشعرية القديمة والحديثة على المستويين الشكلي والمعنوي، وكأنها جسدٌ واحد يتنفّس وينام ويستيقظ ويسير نحو أراضٍ مجهولة. وإن أشارت قصائدها إلى أحداث أو مآسي عصرنا، إلا أنها تتمكّن دائماً من الخروج من الرتابة اليومية البائسة لمنح ذاتها حضوراً متجدداً. فما وراء العذابات المحتومة والموت السائر بمكر، عرفت شديد كيف تخلق فضاء حرية خاصاً بها: فضاء قصيدة تسيل كالمياه الجارية. وما يمنح أعمالها طابعاً راهناً، هو في النهاية ذلك التراث الرهيف بين شرقٍ وغرب الذي نستشعره فيها. ولعل الشاعرة لا تبحث، بحسب إيزوار، إلا عن هويتها الأساسية. فطوال مسارها الشعري، يظهر هاجس التعريف عن ذاتها. وفي ديوانها الأخير تقول بلا مواربة: "أنا متعددة/ أنا واحدة/ أنا من هناك/ أنا من هنا".
نشر في الحياة يوم 06 - 08 - 2004

في ترجمة أندريه شديد نعمة التوسط والتعدد

مايو 21, 2020 اضف تعليق
 
 ترجمة: شربل داغر

ففي الوقت الذي نعمت به قطاعات اللغة، في موادها وأوصافها وتراكبيها ومستوياتها بعناية لافتة هي أخص ما كرسته لها النظريات اللسانية الحديثة على أنواعها من جهود، نجد الترجمة، كإحدى تحققات اللغة في نصوص وأوجه استعمال، تفتقر الى مثل هذه الدراسات، وتبدو أشبه بالقريب الفقير للنظريات المحيطة بـ" النص". ولا يأتي تدني العناية بها، والتفكير بمسائلها، سوى تأكيد متجدد على تدني الرتبة الموضوعة للترجمة في الحساب الاعتباري لا اللغوي الصرف، وهو أنها «خادمة» لغيرها، لا «أصلية» أو "أصيلة".

ومع ذلك تستحق الترجمة، في تحققاتها النصية أو في المدونات التي تجعلها مادة لتفكير، عناية أكبر لا لضمان وجودها وحسب بين النتاجات اللغوية حيث لها أن تكون، وإنما أيضا لتفكير مزيد في مسألة "النص" نفسها. وهو ما تدعونا اليه في صورة عفوية وتلقائية قراءة بعض الترجمات، سواء في اللغات الأجنبية أو في العربية ذاتها أحيانا.

ذلك أننا لا نتوانى عن الوقوف على ظواهر لا نصرف لها التفكير اللازم، مثل انتباهنا العجول، على سبيل المثال، إلا أن النص المترجم يبدو، في كله أو في بعضه، في بعض الأحيان أقوى تعبيرا عما هو عليه في أساسه "الأصيل"، ولا يخفف من تكرار مثل هذه الظواهر تقيد المترجم بـ "الأمانة"، شرط الترجمة التقني في أساسه الأخلاقي. ولو ذهب الناظر الى الترجمات بالتفكير بعيدا وتوقف في صورة أطول عند اعراضها ومسائلها، لتنبه أكثر الى أن الدراسات اللسانية لم تأخذ بمقتضى ما تقول به (في معرض دراستها للغات) في مسألة الترجمة. إذ أن الدراسات اللسانية لا تقر في غالبها بالتطابق بين اللغات، بل بـ «الفروق» (كما تقول العربية)، وأنها في أساس تكوين أية لغة. فكيف تقول الترجمة بأنها تطمح الى تحقيق التطابق (مع النص الذي تعمل على ترجمته)، فيما تقول النظرية اللسانية غير ذلك. ولعلها تقول أو تقوى على قول ذلك لو اقتصرت الترجمات على المواد العلمية أو القانونية، لكنها لا تقوى على ذلك من دون شك في النصوص الأدبية، ولاسيما الشعرية منها، التي تقوم على استعمال بل على تبديل استعمال سياقات اللغة ودلالاتها في حدودها المتواضع عليها. وأية قراءة لترجمات الشعر تظهر لنا أنهالا "تخون" (مثلما روجت العبارة الايطالية القديمة لذلك) النص الذي تعمل عليه في غالب الأحيان، بل «تكثره» أحيانا وبالضرورة، طالما أنها لا تنجح – حتى حين تطلب ذلك – في تحقيق التطابق المتوهم والقاصر بالضرورة الذي تنهض عليه نظرية الترجمة، ولاسيما في أسسها العملانية.

أن أسباب هذه الملاحظات وغيرها تعود الى ضرورات واقعة في القواعد التي يطلبها المترجم في النقل والى مقتضيات ناشئة عنها بالتالي، وهي تكشف وهم التكافؤ، أو حدوده على الأقل. فبمجرد ان يطلب المترجم نقل نص من لغة الى أخرى، وان وفق موازين متكافئة وحسابات سليمة تنشأ وضعية تكوينية، إذا جاز القول تجعل النص المطلوب نقله نصا – أصلا، بل أصليا، معززا بالعديد من الصفات التي تصونه وتحدده في صورة حاسمة على أنه «الأول» و "المتفرد" و«المرجع» وتجعل النص الآخر في وضعية الاستقبال والتتبع والتقيد، على أنه صيغة أو نسخة وحسب، حتى لو كانت أمينة.

والحديث عن الأمانة في النقل وعن سلامة الترجمة وصحتها، لا يعدو كونه في نهاية المطاف، حديثا لا يعزز النص الثاني على ما يبدو ظاهرا، بل النص الأول، إذ يؤكده في حصانته الطبيعية ويثبتها بالأحرى. وهو ما يدفعنا الى طرح السؤال : الا تكون الترجمة (أو النقل) أسلم لو أخل المترجم بمبدأ الأمانة، وسلك سبيل إنتاج نص آخر، له ما يبرره في انشائيته المخصومة ؟ ولكن أيكون المترجم مترجما في الحالة هذه أم منتج نص آخر انطلاقا من نص أول، وهو ما يدخل في حسابات «القناص» لا الترجمة في هذه الحالة ؟

النقاش مفتوح طبعا، إلا أن هز الأسئلة وغيرها تدعونا الى الوقوف على حال الترجمة على أنها مخصومة بين النصوص وتتطلب معالجات تنأى بها عن النقاشات التقنية ذات الحسابات الاخلاقية هل أحسن المترجم أو أجاد أو تقيد بالنص – الأصل ؟ هل كان أمينا أم خائنا؟ وتدعونا بالتالي الى الوقوف على نصوص الترجمة، لا على أنها من الدرجة الثانية، 1و صيغ او نسخ اصطناعية، وإنما على كونها نتاجات نصية، مثلها مثل النصوص الأصلية والأصيلة، لها ما يحددها كلها في «تناصيتها» المعلنة أو المضمرة، القسرية أو الاستنسابية.

ذلك أن النص المعد للترجمة لا يقع في فراغ، ولا تستقبله حيادية لغوية ما، بل «يملي شروطه»، إذا جاز القول، وان كان النص الثاني والتابع والمطلوب تقيده باقتضاءات النص الأول الأصل، و "الخلاق" بالضرورة. ذلك أن النص المستقبل لا يكفى النص الأول إلا وفق امكانات بنيته اللغوية، طالما أن اللغات ليست متطابقة الا في بعض موادها. وما نجده غنيا ودقيقا في اللغة قد لا يكون كذلك في لغة أخرى: فألفاظ الأسد والجمل والسيف والنظر وغيرها في العربية لا نلقاها وفق الاتساع والتنوع عينهما في الفرنسية أو الانجليزية، وهذا يعني ان اللغة لا تستقبل بالمعلق، بل بما هي عليه وبما تقدر عليه.

وهذا يعني كذلك أن علينا أن ننظر الى الترجمة من جهة المترجم، فمهما قلنا عن أمانته وغيرها من الصفات فإن ذلك لا يغيب كون المترجمين يخطفون في الملكات كما في الأداء، ولا يسعون الى الترجمة ولا يحققونها إلا بما وسعت أيديهم. ونخلص من هذا الى القول إن أساس النظرية التقليدية في الترجمة (وشعارها: الأمانة الخلقية) مضلل، ولا يؤدي الى الحل المنشود، وهو حل كمالي مستحيل التحقق في نهاية المطاف. وهو يتطلب من المترجمين – حتى لو تساووا في الملكة والأداء – ما لا تقوى عليه اللغات بوصفها ثقافات وأوجه استعمال في نهاية المطاف.

وعلينا البحث بالتالي عن نظرية أخرى للترجمة :

– أن تكون أكثر واقعية ولكن من دون أن يعني ذلك اجتنابها للتشدد في تطلباتها اللغوية والفنية والثقافية.

– ان تكون أكثر قربا كذلك من أحوال اللغات في تبادلاتها، من دون أن يعني هذا، لا التخالط التبسيطي ولا التباين الافتعالي بينها.

– أن تكون أكثر قربا من احوال اللغات في تناقل حمولاتها، فتكون دورة التناقل حيوية وتخصيبية.

وهو ما نجده في مفهوم "التوسط" لا الترجمة. ويعني «التوسط» إنهاء علاقة الأول بالثاني، والأصل بالتابع وأن نعتبر النصين (المطلوب ترجمته وترجمته) متوازنين ومستقلين في آن، على الرغم من ادراكنا بوجود نص للترجمة وبوجود نص مترجم عنه. ويؤدي الى النظر الى «التوسط» على أنه واقع بين نص الترجمة، من جهة، وبين بنية لغوية ومترجم محدد ذي أداء لغوي، من جهة بانية، والتوسط في هذه الحال يعني الانفصال والاتصال في آن، على أن الاتصال، هنا يتخذ شكلا وحيدا، وهو انتقال النص من لغة باتجاه لغة أخرى، هو لا ينتقل بل يتجه، وهو يصل من دون أن يحل في عين المكان، بل فيه وخارجه في آن. وهذا يعني أن علينا أن ننظر الى النص الذي نترجمه على أنه تحقق نصي للممكنات الموجودة في اللغة، ما يدعو المترجم الى دراسة هذه الممكنات في لغة الاستقبال. وهذا يؤدي أحيانا – كما نعرف، وكما يحدث لبعض المترجمين أحيانا – الى أن يكون النص المستقبل ابلغ وأجمل وأمكن، في مجموعه، في بعضه، مما هو عليه النص الذي نترجمه. ونكون بذلك قد قلبنا قلبا تاما نظرية الترجمة التقليدية، إذ ان الأول أصبح الثاني، والثاني أصبح الأول، ولم يعد التباين قائما على الأمانة في النقل، بل على التفاضل، إذا جاز القول، بين الممكنات التعبيرية، ووفق هذا المنظور تصبح الترجمة أقرب الى التأليف منها الى النقل، ويدخل نقد الترجمة، وفق مقتضيات هذه النظرية الجديدة، في نقد النصوص عموما، بما فيها من جانب «تناهي» كذلك.

هذا ما خبرته في الترجمة عموما، ولاسيما في ترجمة شعر شديد نضمه، إذ بدا لي أنني أزيد عليه، وأنني أتخفف منه، من دون أن أقصد ذلك. وهذا يعود الى أن التركيب في شعرها يستند الى مواد غزيرة في منطلقها، وشديدة الحذف في حاصلها، ما يجعل العبارة الشعرية محدودة العدد وقوية الدلالة، أشبه بأحجار قليلة ذات احتمالات تركيب وتعيين في المكان، عديدة ومتنوعة. هذا لا يعني أن شعرها ينهل من الفكري، أو الذهني، بل من «تحققات» تلحظها العين واللمسة أحيانا، أي من تحققات تؤدي اليها اعتقالات الذات في المشاهد البشرية، يوميا وفي حركاتها المستديمة والمتتابعة، هكذا نراها تتوقف عند «المدن» أو عند "الطعوم" وعند موضوعات يمكن لنا أن نعتبرها موضوعات مدبرة ومختارة للمعالجة والصياغة إلا أننا نتحقق، في حاصل الأسطر الشعرية، مما تحمله وتعرضه، من كونها قد نهلت من معين مشاهداتها وانفعالاتها ومما جرى في هذه اللحظة، أو في سابقاتها. بل يبدو لنا أن قراءة شعرها، والقيام بترجمته خصوصا، يوضحان لنا حقيقة التركيب الشديد الذي تقوم عليه القصيدة، والذي يخفي غالبا العمليات العديدة التي قامت عليها توليدات القصيدة وتدفقاتها وعروضاتها، وتوضح لنا قراءة شعرها، وترجمته خصوصا، أن التركيب ذد البناء التجريدي أحيانا أو الذي لا تتضح حسيته أو مشهديته التامة في قصائدها يخفي في «الطرق المختصرة »، طرق التركيب والتكثيف التي انتهت اليها معالجات الشاعرة لشعرها في «مختبرها»، العديد من المعاينات الحسية والمعايشات الحارة وترددات التجربة.

في نهاية المطاف

في طرف الحركة الفارغة

والنظرة المتواضعة

في طرف القلوب المتعبة

والأرق الذي من دون صور

في طرف الصباحات الزنخة

والدروب التي من دون إيمان

 

العين في عين الموت

تجتاح سهول الصمت

وهناك تمردي

 

قوى تمردي

طانة ونشطة

تجتاح سهول الصمت

العين في عين الموت.
   

النوارس

أعطيك ثلاثة نوارس

 

لب الثمرة

طعم الحدائق على الأشياء

 

نجمة مستنقع خضراء

ضحكة القارب الزرقاء

جذور القصب الباردة

 

أعطيك ثلاثة نوارس

لب ثمرة

 

فجرا بين الأصابع

ظلا بين الصدغين

 

أعطيك ثلاثة نوارس

وطعم النسيان.
   

الجبال

تحت سماء متشققة مثل محارة

سلكت درب الجبال

حتى التينة الجافة

 

هنا صنوبرات تنحني

وتسقط في المهاوي

 

الرياح المختبئة تسحب أثر

خطواتي

 

أركض صوب الجسر الصموت

الذي يضم الوهاد

 

(…..)

لا خاتمة أبدا لهذا

حتى لو وقع الحمل من على كتف

الراعي

الذي يهرب تحت دثاره كما لو أن له

جناحي بومة

حتى لو الشجرة ذات الأغصان

تكسرت في وسطها.

 
الآبار

وضعت حبة البخور على السندان

لكي أتنصت الى صوت الآبار

الصوت الذي يحمل الضفاف

طفولة الساقية

رعب الخسوف

وسكر الهجرات

 

أنا الذكرى

وأنا التهديد

 

على كل حجر أطلقت

اسم شمس.

 
زمن موتي

حين سيأتي زمن موتي

ماذا ستقوين، يا صغيرتي، على فعله

مثل ثوب في الريح

يجف البكاء

 

ماذا سأحمل معي

ولا حتى صرختك

التي كانت تتقافز في

مثل جدي صغير

 

صغيرتي ابتعدي

حين أصير ترابا
   

وهذه الأم التي من غياب ومن

عاج

اهربي لم تعد هي أنا.

 
صورة أولى من عصيان

المرأة التي من دون ذكريات

رحلت عن حقل الأسلاف الحزين

صوب الأعشاب العالية

 

في صباحات الغضب

تعدو متشحة بأثوابها المعتمة

بين القطعان المتفرقة

 

لا شيء حولها

وحدها قرية جرداء

تثقل على الرابية.

 

منتصبة في حاضري

منتصبة في حاضري

الماضي والمستقبل أزهار فصولي

كان يمكن ألا أكون

وأن أتجاهل هذه القصة

ومصير الحب

مغامرة من دون أي سبب كان

كان يمكن ألا أكون

وأكون ميتة أكثر من الموتى

 

منتصبة في حاضري

ولا يزال الماضي والمستقبل فصولي.

 
أنا لا أتكلم إلا في الحاضر

بما هو متوافر "هنا"

أبني لغتي
   

وتنقذني كلماتي

من أنفاس المابعد.

 

أنا لا أتكلم إلا في الحاضر

لكن الطرق كلها طرقي.

مروحة باطنية

أصبح الطريق المؤدية إليها.

 

عشت كل عبارة

قبل أن أقولها.

اجتزت كل كلمة

قبل اجتيازها.

 

مقيمة في اللحظة

صمت يصونني-

مدن يعددها

ماء الماضي الغامض

 

هل ينتهي حقلي

إذا امتنعت عن المضي؟

وأين أتوقف

إذا مضيت؟

 
حرية

انهض من بلد لا يسود فيه أحد،

وتعبره شقوتى وعصافير.

اليد ترسم المستقبل، والقلب

أطرافه،

نداء يمنح يدي أشرعة والتكشيرة

تكدرها.

أنهض من بلد لا شعار له، ولا

حبل للرسو،

للموت أحكامه المبرمة، هنا وهناك!

غدا يتحقق مداه، وفي الربيع براهينه

هناك أمكنة في كل مكان قابلة لأن

نثبت فيها.

 
الوجه المنتصر

الظل ينام في سهولنا،

يتمدد في آبارنا، ويلغي بيوتنا

الحياة كثيرة، والقارب هش للغاية

لكي يعبر وحيدا الصور والزمان.

 

أحيانا تصبح نهرا لا ينعكس فيه

شيء.

تصبح رمالا بددتها الرياح.

تحت النجمة الجامدة: هذا العابر

الذي يترنح.

هذه السنديانة التي من دون

عصفور، هذا العصفور الذي من

دون حليف.

ترى ترى من جديد المراعي النازفة،

البؤس مديد، والمدن عابرة

الحب ينحل والشمس تبقى هي

هي،

ولا ترى في أي مكان الجلاد

مصروعا.

 

الحياة كثيرة، والقارب هش للغاية

لكي يعبر وحيدا الصور والزمان

لكننا نجد دوما صوتا لصوته،

لكننا نجد دوما نظرة لمشقته.

أغني الوجه المنتصر.

 
وحده، الوجه

أضاعت الشجرة العصفور

والطريق فجره،

حمامة تحتضر ضد الليل.
   

أين هم رفاقنا؟.

أين هي المملكة إذن؟

لمن تتكلم،

ولماذا أكتب؟

 

نعيش غالب الوقت مثل أخيلة

أخيلة، نحن ثمرتها.

 

الرجل الذي يحارب بأسلحته

وقناديله،

الرجل الذي يسقط طريحا، جريحا في

المغاور،

يعيش من جديد في نيسان المعارك،

في أزرق الدموع، في الزهرة العميقة.

 

نعيش غالب الوقت مثل أخيلة

أخيلة، نحن ثمرتها.

 
لن أعرف أبدا

لن أعرف أبدا من يسكنني

لن أعرف أبدا من يبقيني يقظة

لن أحسن تسمية الطعم

ولن أقوى على قول اتساع الدروب

غير أن الدروب تتسع

وكانون الأول يعدو صوب آيار

 

لا أعرف لأي سبب

تقضم الأقمار الظلال

ولا في أي موت تتجدد الساعات

ولا أعرف لصاح من-

مدفوعين بأي هلع

وبأي جراح منبهة-

نحاصر غدا.
   

أنا

من يرحل عني ويسكننى

من يخرجني من مكمني ويتهرب

مني

من يحول مجراه فيما احتبس

من يتوثق فيما أهرب

من هو- وهو من دون عنقود،

من هو- وهو الطعم نفسه،

الذي يحاصرني ويسلخنى

ويتركني في الوديان

وهو ناشف مثل القشر

ومتواضع مثل الآبار

من هو منقاري أو أرضى البائرة

من يتلقفني ويجتازني؟

من يعصاني ويتحداني؟

من يهدهدني ويخطفنى؟

من يصالحني؟

 
أحبك، أيها العصفور المعادي

لا نموت من الموت

بل من حمل النهار في ألف شظية

وشظية

من كوننا فريسة أحد وجوهنا

وحسب،

ومن جعل بيوتنا المكان الوحيد.

 

لا نموت من الموت

بل من الزبد الذي يفقد ذاكرته التي

لصدغي المحيط

(….)

حياة مخططة على حيواتنا

بأية شباك أصطادك؟

 

أحبك أيها العصفور المعادي.

بأية لعبة نلعب؟

ماذا نفعل غير

تقليب أخيلتنا فى حدائقها،

في الوقت الذي يفرقع الكون

ويهرب في البعيد؟

 

ماذا نفعل غير

زيارة الزمان،

في الوقت الذي يتهندس فيه موتنا

في القريب؟

 

ماذا نفعل غير

قرض الأفق،

فيما في البعيد

في القريب-

 

الصدمة الكبرى.

 

محاولة 1

سعيت الى الالتحاق بأرضي، على

الأرض،

بكلماتي، في حبكة الصمت،

وبعرض البحر، في الغناء المخفي.

تراودني رغبة قول اللقاء الممكن،

وانتزاع المكان من شبكة الملاجيء،

ولوي الكلام حتى تقاسمه.

 

ثم، إلقاء التحية على هذا،

وهو أكثر تحررا منا:

موتنا،

موتنا الأكيد!

 

هو حجر الزاوية الذي يضلل
   

الفصل،

وهو الرفيق الذي يوقع الزمان من جديد.

 

هذا

الذي تمحو صورته الحدود

يستعيد، هنا، وجهنا المشترك،

ويعيد في هذا العالم،

تنظيم أوقاتنا المبددة.

 
عودة الى الوجه

أسهر على بوابة الكلمات

أتبين امبراطورية الصور.

 

محيطات تمسك بب،

حيوات تخصبني.

 

أتقطع في الأراضي المتعادية،

أشع شموسا في كتل.

وإذا ما عدت الى الوجه

فشوقا الى الصلصال الطري.

 

واذا ما احتفلت بالوجه،

فذلك لفتحته على الوحدة.

 
القلب المبحر

بعيدا عن العبادات

التي تحيلنا الى رماد،

وعن المعابد

التي تجهد السماء في فتح طريق اليهما،

بعيدا عن قوى البرونز

التي تدحرها قوى أخرى،

لننتخب الحياة مرة أخرى
   

على قمة النهار الجريح.

الثمرة الخطرة بدلا

عن حروف الرخام،

البحث دائما

من دون أن نعرف أبدا:

 

قوس عبر الأدغال،

وجنات عبر الكمائن،

بدلا عن الجدارية المشؤومة

لحقيقة مخنوقة.

 

يذوب الزمان مثل الشمع،

ولا تنفك القيود

إلا للقلب المبحر.

 
الفارق

غالبا أسكن جسدي

حتى تجويف الإبط

أرتسم في هذا الجسد

حتى أطراف الأصابع

أتبين بطني

أتذوق نفسي

وأبحر في شراييني

في سرعة دمي

 

الى وجناتي ترتكز النسمة

يداي تلمسان الأشياء

وجسدك يقيمني على جسدي

 

غالبا لكي أكون جسدي

عشت

وها أنا أعيش

غالبا من نقطة من دون مكان

أتبين هذا الجسد

مطروقا من الأيام

ومحاصرا من الزمان

غالبا من نقطة من دون مكان

أسبق هذا الجسد

 

ومن الفارق هذا

أعيش

بالتناوب.

 
مواجهة

أحيانا أقف بالمرصاد

للميت الذي سأكون

 

من ناحيته

لا يحتاج السهل لبنائين

ولا الزمان لقياس

نداء الأجساد انقطع

الاشاعات تتبدد

والوجه اكتمل

 

ثم أدور دورتي في حركة واحدة

وألتحق بوقتي

 

كل شىء أمامي

كل الالغاز تسبرني

وأجنحتي تتداعى كلها

 

أدخل

مواجهة

في أموال

الأحياء الصاخبة.

 
حياة 4

حين ينير الحلم أجسادنا الكثيفة

مؤلفات اندريه شديد

من أصول لبنانية، من مواليد القاهرة التي عاشت فيها صباها، قبل أن تعود الى لبنان لسنتين وتستقر في باريس منذ العام 1946 حتى أيامنا هذه. كتبت غير نوع أدبي (الشعر، الرواية، القصة، القصة القصيرة والمسرحية وغيرها)، وفازت بالعديد من الجوائز الأدبية منذ العام 1966 م، سواء في الشعر أو في القصة القصيرة، وأشهرها جائزة مالارميه وجائزة الأكاديمية الملكية البلجيكية وجائزة الأكاديمية الفرنسية وغيرها، من مؤلفاتها:

في الشعر:

نشرت شديد غير مجموعة شعرية منذ العام 1949، تزيد على أربع عشرة مجموعة، وما لبثت أن جمعت مختارات منها في كتابين "النصوص من أجل قصيدة" (1949- 1970) و"قصائد من أجل نص " (1970- 1991).

وهي المجموعات الشعرية التالية "نصوص من أجل وجه" (1949)، "نصوص من أجل قصيدة" (1950)،  "نصوص من أجل الحي" (1953)، "نصوص من أجل الأرض الحبيبة " (1933)، "الأرض المشاهدة " (1937)، "البلد المزدوج " (1965)، "نزوات " (1962)، "غناء مضاد" (1969)، "وجه أول" (1972)، "اخوة الكلام" (1976)، "احتفال العنف" (1976)، "مغاور وشموس" (1979)، "محن الكائن" (1983)، "كم جسدا وكم روحا" (1984- 1991) وغيرها.

ومن الجدير ذكره أن دار "سيجرز" الفرنسية خصتها بدراسة مستفيضة عن شعرها (متبوعة بمختارات من شعرها)، في سلسلتها المرموقة "شعراء اليوم "، وذلك في العام 1977).

في السرد:

أصدرت شديد ما يزيد على ثلاث عشرة رواية وقصة وقصة قصيرة، منها "اليوم السادس " (1960)، "الباقي على قيد الحياة" (1963)، "الآخر" (1969)، "المدينة الخصبة" (1972)، "نفرتيتي وحلم اخناتون " (1974)، "درجات الرمل " (1981)، "البيت من دون جذور" (1983) "الصبي المتعدد" (1989) وغيرها.

ولقد جرى اقتباس روايتين من أعمالها للشاشة الكبيرة "اليوم السادس" (من اخراج: يوسف شاهين، وبطولة داليدا) و "الآخر" (من اخراج برنار جيرودو، وبطولة فرنشيسكو رابال) كما جرى اقتباس روايات وقصص قصيرة للمسرح، مثل: "نفرتيتي وحلم اخناتون "، و"الآخر" و"درجات الرمل"

نشرت فلاماريون في سلسلة " ألف صفحة وصفحة" مجموعة من رواياتها في مجلد واحد، في العام 1998.
في المسرح

وضعت شديد ما يقارب العشر مسرحيات منها "بيرينيت مصر"، والأعداد"، "الشخص "، "المرشح الأخير" وغيرها.

كما ألفت كتبا مختلفة للأطفال
 
 (ناقد ومترجم من لبنان)

أندريه شديد: باريسية الشعر.. شرقية النثر

مايو 21, 2020 اضف تعليق

اياد نصار


مرت وفاة الشاعرة المصرية الفرانكوفونية اللبنانية الأصل أندريه شديد يوم الأحد الماضي السادس من شباط بهدوء، في الوقت الذي كانت فيه أنظار الوطن العربي والعالم مشدودة الى ما يجري في مصر من تطورات، بعد أن استحوذت أخبار الثورة الشعبية على الانباء وتصدرتها، منذ أن تفجرت في الخامس والعشرين من كانون الثاني الفائت. رحلت أندريه في سنتها التسعين بعد أن تركت وراءها اثنين وعشرين ديواناً من الشعر، وست عشرة رواية، وسبع مسرحيات، وعدد من المجموعات القصصية، ونُشرت أعمالها المكتوبة بالفرنسية مترجمة الى ست عشرة لغة. ولئن مر خبر وفاتها بصمت، إلا أنها كانت من أكثر الشاعرات العربيات المهاجرات اللواتي يكتبن بغير العربية شهرة على مستوى العالم، والصوت المعبر عن هموم المرأة العربية في وقت مبكر للغاية، وحلقة الوصل التي تجسر الهوة بين الثقافة الفرنسية والثقافة العربية طيلة نصف قرن. ولهذا رأى كثير من النقاد والكتاب أنها سعت دائماً للتبشير بالتعددية الثقافية وتيسير تقارب الثقافات رغم إخلاصها للغة الفرنسية التي لم تكتب إلا بها باستثناء مجموعتها الشعرية الاولى التي أصدرتها في القاهرة في سن الثالثة والعشرين وذلك في العام 1943 وكانت بالانجليزية تحت عنوان "على خطى خيالي".

تحظى أندريه شديد بمكانة كبيرة بين أدباء الفرنسية في العالم، وقد منحت جائزة غونكور الرفيعة في الآداب الفرنسية في العام 1979 عن روايتها "الزمن والجسد"، كما منحتها مرة أخرى عن مجمل أعمالها في العام 2002. وكانت قد نالت من قبل جائزة الأكاديمية الملكية للاداب الفرنسية في بلجيكا عام 1975، وقد نالت عدداً كبيراً من الجوائز خلال حياتها وناهزت الشهيرة والمهمة منها العشرين جائزة. وقد قال الرئيس الفرنسي ساركوزي عنها بأنها "كانت جزءاً من جيل من المثقفين العالميين الذين اختاروا فرنسا موطناً لهم بعد الحرب، ما ساهم في تحقيق نهضة أدبية لبلدنا".

ولدت أندريه صعب [اسم عائلتها قبل الزواج] في عام 1920 في القاهرة لعائلة لبنانية سورية، حيث كان والدها لبنانياً من منطقة بعبدا ويدعى سليم صعب، وأمها سورية من دمشق وتدعى أليس خوري حداد. وقد تلقت تعليمها الابتدائي في القاهرة، وأما الثانوي في باريس، وتخرجت في الجامعة الامريكية في القاهرة في تخصص الصحافة في عام 1942. وتزوجت في السنة ذاتها من لويس أنطوان شديد الذي كان يدرس الطب في الجامعة، وقضت معه ثلاث سنوات في بيروت الى أن تخرج، ومن ثم انتقل الزوجان في عام 1946 الى باريس حيث درس زوجها في معهد باستور، وقد حصلا على الجنسية الفرنسية في تلك السنة.

نشرت أندريه شديد مجموعتها الشعرية الاولى بالفرنسية في عام 1949 تحت عنوان "نصوص لشخص ما". ونشرت أول رواية لها في العام 1955 وكانت بعنوان "انقضاء النوم". كانت تلك الرواية ثورة مبكرة ألهمت جيلاً من الكتاب والكاتبات على تتبع خطاها. فقد طفح الكيل ببطلتها سامية تلك الفتاة الريفية البسيطة التي لم تبلغ السادسة عشر من العمر، والتي أجبرت على ترك المدرسة، للعمل لدى رجل مستبد وظالم يدعى بطرس، ومن ثم صارت زوجته المغلوبة على أمرها. لم تكن سامية تعني أي شيء بالنسبة له سوى المتعة والرغبة في أن يكون له ولد. لكنها حملت ووضعت بنتاً، فجن جنون السيد وحبسها في البيت. شعرت سامية أنها فقدت اي أمل في الحياة أو الخلاص من جبروت زوجها التقليدي المستبد، ففقدت القدرة على الكلام أو الحركة، وشعرت أن حياتها قد انتهت، فلم تجد وسيلة تعبر فيها عن تخلصها من قيودها ومعاناتها سوى قتله. تبرز الرواية أن الرجل الشرقي التقليدي المتمثل في بطرس لم ير ولم يقدر ما تمتلكه من روح حساسة وجمال أنثوي. وهكذا تسبب الاهمال والنبذ والظلم في قتل روحها واصابها بالشلل الذي أقعدها عن ممارسة حياتها الطبيعية، كأنما ماتت وهي حية، الى أن قررت أن تنتفض ضد من قتل روحها. تعد الرواية من بواكير الروايات العربية التي حملت مفهوم ثورة الغلابى وأعطتها بعدا انسانياً يجسد معاني القهر والاستبداد والبحث عن أية وسيلة مهما كانت في سبيل الخلاص الذي لم يكن منه بد سوى بقتل السيد. وهكذا يمكن القول أن حياة أندرية شديد الأدبية امتدت منذ ولادتها الابداعية الروائية وحتى وفاتها بين ثورتين!

ثم تتابعت رواياتها ومجموعاتها الشعرية وأعمالها الابداعية الاخرى حتى العام 2003 عندما نشرت مجموعتها الشعرية الأخيرة بعنوان "ايقاعات" في العام 2003 عن دار غاليمار الشهيرة بباريس. إن أهم ما يميز أندريه شديد هو الارتباط الشديد بالمجتمع الباريسي وتكريس أشعارها له من ناحية جمالية وانسانية وفكرية وذاتية. ولهذا ورغم بعض الايحاءات الشرقية والمؤثرات العربية التي رصدها النقاد في شعرها واسلوبها، مثل الصور التي تستوحي البيئة العربية أحياناً، أو توظيف كلمة الرجل أو الضمائر بصيغة المذكر بالفرنسية في شعرها لتعني الانسان بغض النظر عن الجنس، علاوة على نظرتها الانسانية المتوجهة للقاريء الغربي أكثر منه للقاريء الشرقي، إلا أنها عموماً وظفت مؤثرات اصولها المصرية واللبنانية لاثراء تجربتها الفرنسية. يبدو صوت أندريه شديد في الشعر فرنسياً أولاً وانسانياً ثانياً بكل وضوح أكثر من كونه عربياً. غير أنه يبدو تأثرها بثقافة اصلها الشرقي كالتاريخ والمكان وخاصة مصر ولبنان أكثر وضوحاً في مجموعاتها القصصية مثل مجموعة "الجلد المشدود" التي أصدرتها في العام 1965، ومجموعة "خلف الوجوه" في عام 1983، وفي رواياتها مثل رواية "اليوم السادس" 1960 التي حولها يوسف شاهين الى فيلم سينمائي، ورواية "الآخر" 1969، ورواية "البيت بلا جذور" والتي ترجمت الى الانجليزية تحت عنوان "العودة الى بيروت" 1985. ولهذا قال أحد النقاد أنه "ليس غريباً أن يلعب الشرق الاوسط المسرح الذي تجري عليه أحداث كثير من رواياتها وقصصها، أما شعرها فإنه وكما وصفته هي "بلا حدود جغرافية" و"بلا وطن أو زمان".

ورغم أن شعرها يبدو في كثير من الاحيان ذاتياً عالمياً كأنما متحرر من الارتباط بالمكان والزمان، لكنه يوظف اشارات من التاريخ، والحكاية، والاسطورة، والسحر وخاصة عند تناولها مواضيع الانسان الوجودية الكبرى. يتسم شعرها بتوظيف الاستعارت الميتافيزيقية التي تطرح انشغالات وجودية في معنى الموت، والبحث عن صلة الوصل التي تربط الانسان بالكون، وهناك الجانب الذاتي الذي يطرح أفكار الانسان وتجربته، وما ينتابه من ظنون ومخاوف وأحزان وتردد، وتقيم الشاعرة وجوها للمقارنة والتشبيه بين ذاتها وبين تقلبات الطبيعة كأنما تغرق الافكار والهواجس عالم البشر مثلما تفعل الاعاصير والظلال والضباب والدوامات، وتقيد أغانيهم بالقيود، وتحبس أحلامهم خلف جدران. وفي شعرها يبدو وجه الانسان موضوعة دائمة. تقول في قصيدة بعنوان "القصيدة النهائية":

ينعقد لساني بالكلمات

لم أعد أتكلم الابيض

ولا ألفظ الاسود

ولا أهمس الرمادي من منحدر نحتته الرياح

بالكاد ألمح سنونو

يلمع ظل قصير

أو يحدس في قزحية العين

أين هي الكلمات؟

والنار التي لا تنطفأ؟

والقصيدة النهائية؟

ومصدر الحياة؟

وعلى عكس البدايات الثورية، فإن كتابات شديد اللاحقة تركز على الحب الانساني وعلى ضرورة تحقيق المرأة لتطلعاتها مع التحمل والصبر على ما تتعرض له من التمييز في العادات والتقاليد والثقافة والممارسات الراسخة ضد المرأة في إطار من الواقعية الاجتماعية. تقول في قصيدتها التي تبدأ بالعنوان نفسه:

المرأة الصابرة دائما

تعطي نفسها

الحياة ببطء

وشديد شاعرة حداثية في ما يتعلق بروح الشعر واسلوبه ومضامينه. وقد ذكر الناقدان جون فاغنر ولين جودهارت في مقالة لهما حول شعرها بعنوان "الحوار وتفكيك الشكل" إن معظم شعر أندريه شديد يركز على التحولات. وقالا "إن حيوية شعر أندريه شديد تنبع من التنافر بين حتمية تطلعات ذاتية روحانية وقوانين صارمة تحكم المجتمع البشري". تقول في قصيدة بعنوان "الانسان":

الإنسان

يختبر الارض

قبل وضع الجذور فيها

ثم يبدأ مشواره المنحرف

نحو سر الاشياء

بين الصمت

والأصوات.

تعد أندريه شديد، وكما وصفت نفسها، "نحاتة الكلمات" التي تحب أن تنحت كلماتها في الظلام لشدة ما يعتمل في عوالمنا الداخلية المظلمة من أشياء لا تنتهي الا عندما يطلع النهار عليها. تبدو كلماتها في غاية البساطة من حيث البناء والمعنى الظاهري دون أي تعقيد في النحو، لكنها ذات معان حديثة تطرح افكار فلسفية شبيهة الى حد ما بشعر الشاعرة الامريكية اميلي ديكنسن. تركت أندريه شديد بصمة على الشعر الفرنسي الحديث بشعرها شكلاً وموضوعاً، وتمتاز قصائدها بتكثيفها وحداثيتها وموسيقيتها العالية. تقول في قصيدة "وجه الارض":

خلف الوجوه والنظرات

نبقى صامتين

وتخدعنا

الكلمات التي نطقناها

والمثقلة بما نتجاهله أو نصمت عنه.

لا أجرؤ أن أتكلم عن البشر

بالكاد أعرف نفسي.

تمتاز جملتها الشعرية بالقصر المكثف والتكرار اللفظي كأنما القصيدة سباق مع الافكار في لعبة بناء بكلمات محدودة متقشفة. تبدو قصائدها أحياناً مثل ومضات القصة القصيرة، لكن تمتليء شاعرية وذات ايقاع داخلي وامتزاج دائم يجعل الفكرة متأرجحة بين عالم الفكر الانساني وعالم الطبيعة المحسوس. وتميل دائماً الى استخدام الصفات في علاقة ترتفع عن دلالات الواقع الى مستوى نفسي ايحائي يقترب من السوريالية في تشكيلاتها لبناء صورة مركبة مثقلة بالاحاسيس التي تخلقها الصور المتتابعة. يستوحي قاموس أندريه شديد مفرداته من حالات الانسان التي تدل على الحيرة والضياع، ومن عالم الطبيعة الباعث على الرهبة، ويتمركز في أحيان كثيرة حول عناصر الكون الاربعة كما في الاساطير القديمة، ودائماً توظف الصورة الحسية التي ترسمها لتبلغ الى مستويات أعلى من تجريد الافكار المبهمة.

وفي المقالة ذاتها المشار اليها آنفاً لهما يقول فاغنر وجودهارت إن صوت شديد الشعري يشير الى أن هويتها تستمد مصدرها من البحث الدائم عن عالم يتجاوز الانشغالات الشخصية والقلق الذاتي. إن التركيز على ما سيأتي وما يجري الان يشير الى التوتر الناشيء عن الظروف المقيدة التي تحيط بتجربتنا".

أما على صعيد النثر، وعلى عكس كثير من الادباء العرب الفرانكفونيين من مثل إدريس الشرايبي وعبد الكبير الخطيبي ومارغريت طاوس عمروش، فإنها لا تشعر أن ذاتها موزعة بين ثقافتين، وأنه تنتابها مشاعر متناقضة من الانتماء اللغوي والروحي، بل إن تعدد مشاربها الثقافية مصدر قوة دافعة لها لتعبر عن ايمانها بالتعددية الثقافية والانفتاح والتسامح وقبول الآخر، حتى أن الناقدة الدكتورة ايفلين عقاد شملت روايات أندريه شديد مع فئة الكتابات النسوية التي عبرت عنها حنان الشيخ وايتيل عدنان في تناولهما للحرب الاهلية في لبنان، والتي رأت أن هذه الكتابات اتسمت بطابع مختلف عن الكتابات الذكورية كما عبر عنها توفيق يوسف عواد وحليم بركات والياس خوري.

وفي رواية "بيت بلا جذور" تقتبس شديد من كلمات جبران خليل جبران ومن شعر بدر شاكر السياب، ما يؤكد ميلها الى إظهار تأثرها بالثقافة العربية الشرقية كما تؤكد الناقدة ميشيل هارتمان في بحثها المعنون "تعدد الهويات والاصوات: قراءة في رواية أندريه شديد "بيت بلا جذور".

كما تجري أغلب قصصها في البيئة الشرقية، فقصص "الناي" و"الصبر الدائم" و"المرأة من السودان" تجري أحداثها في مصر، بينما تجري أحداث قصصها "الوشاح" و"عدو ليوم واحد" في لبنان. وفي رواياتها فإنها تبدو كثيرة الانشغال بقضايا المرأة، حتى ليكاد المرء يحسبها ضمن الحركة الأدبية النسوية، وتركز بشكل خاص على قضايا المرأة في البيئة الشرقية. وقد ذكرت مرة أن النساء في دول العالم الثالث هن عبدات مزدوجات، فهن مواطنات مستعبدات من الدرجة الثانية في هذه الدول، وهن مستعبدات من قبل الرجل". في رواية "اليوم السادس" التي نشرت في العام 1960 تقدم مأساة أم حسن التي جرت في مصر أثناء حكم الملك فاروق وتسعى بكل ما أوتيت لانقاذ حفيدها من الكوليرا التي ضربت مصر، وراحت تحصد أرواح كل من حولها. وفي أثناء ذلك كانت السلطات تجمع المرضى وتضعهم في مخيمات خاصة، فتحاول أم حسن إخفاءه عن الناس لمدة ستة أيام والتي يفترض بعدها أن ينجو من المرض. وهكذا فكرت أن تضيع في زحام ملايين البشر في القاهرة، ثم اتخذت قارباً في النيل للهرب به كأنما تسعى الى حياة جديدة وأمل جديد عبر رحلة حياة. وهكذا رسخت شديد اسمها ليست ليس بكونها كاتبة مهاجرة فرانكوفونية وحسب، بل كاتبة رائدة طرحت قضايا المرأة مبكراً.

أما في روايتها "البيت بلا جذور" فإن مسرح الاحداث هو لبنان خلال الحرب الاهلية، حيث البطلة كايلا وهي مقيمة فرنسية من أصل لبناني تعود الى لبنان لقضاء الاجازة في تموز من عام 1975 وهناك تلتقي لاول مرة حفيدتها المولودة في أمريكا سايبل. وفيها تعود الى كايلا ذكريات شبابها في الثلاثينيات وعلاقتها بجدتها. وتبدو في الرواية صورة لبنان التي عرف بها قبل الحرب، مثال الجمال الطبيعي الساحر والفخامة والتقدم والحرية، لكن ينغص عليه الفقر وتجار السلاح هدوءه واستقراره. كما تغلي التوترات تحت السطح بين ميليشيات طوائفه. وفي الرواية توظف شديد التداعيات والذكريات والفلاش باك لاستعادة البلد المفقود الذي ضاع على وقع السلاح، وفيها تبرز مشاهد تعكس صورة الحياة في لبنان قبل الحرب وبعدها.

ذكرت الناقدة بيتينا ناب في كتابها الذي حمل عنوان "أندريه شديد" وتناولت فيه تجربة شديد الابداعية في الشعر والنثر والمسرح أن روايات شديد تختلف عن كثير من روايات معاصريها من الروائيين الفرنسيين، في أنها ليست عملاً ذهنياً يمارس التقنيات اللغوية والاسلوبية والتفكيكية وتحطيم الشكل، بل تجمع ما بين الفكرة الذهنية وبين توظيف الصور التي تعتمد على إثارة الحواس والمشاعر للدخول في أجوائها وبين توظيف لغة شاعرية. وشخصياتها ليست تلك الشخصيات التي عرفتها أو التقتها في حياتها، بل هي أقرب ما تكون الى حصيلة ذكريات وأفكار وتداعيات. وقد أكدت شديد أن بطلاتها لا يشبهنها، ولكنهن ذات نزوع انساني وجمالي وشاعري وذوات أحاسيس تحكم تصرفاتهن، ويتمتعن بذكاء وفهم لمجريات الأمور.

قد تبدو أعمال أندريه شديد لبعض الدراسين والنقاد العرب ذات توجهات وملامح غربية وانغماس في ثقافة فرنسية أكثر من كونها شرقية، ولكني أظنها نموذج مختلف من الادباء العرب الذين يسعون الى تحقيق التوازن بين بيئاتهم الثقافية المتعددة والاهتمام بمعالجة قضايا مجتمعاتهم دون أن يتخلوا عن طموحهم أن يكونوا عناصر أصيلة ومؤثرة في مسيرة الأدب في بلدانهم الجديدة. وأعتقد أن هذا التباين الشعري النثري لديها ينبع من كون أن فضاء الرواية في الغالب هو عالم الانسان الاجتماعي بما ينطوي عليه من مشكلات الانسان الحياتية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها في إطار واسع يعبر عن حركة المجتمع والتاريخ، في حين يميل الشعر الى فضاء الذاتية والتعبير عن الانشغالات الفكرية والتطلعات الروحية والفيوض العاطفية والتأملات الكونية الوجودية للشاعر.

رحلت أندريه شديد كأنما أرادت أن تجسد رؤيتها للمصير في ايجاد إجابة لتساؤلاتها التي شغلت تفكيرها في قصيدتها "الصوت":

في اي قبر عار يجب أن استلقي

لأجيب ذلك الصوت

الذي يتكلم مثل روحي؟

* نشرت في شرفات ثقافية بجريدة الدستور الأردنية يوم الجمعة بتاريخ 18/2/2011

أندريه شديد.. أبداً لا نهاية لانبهاراتنا

مايو 21, 2020 اضف تعليق
 
انطوان جوكي

في قصيدة من ديوانها الأول، «على مسارات خيالي» (1943)، كتبت الشاعرة اللبنانية المصرية أندريه شديد (1920 ـ 2011): «في الفضاء اللامتناهي، سأقف». قولٌ اختاره الشاعر الفرنسي جان بيار سيميون كفاتحة للمقدّمة التي وضعها لديوانها ما قبل الأخير، «إيقاعات» (2003)، بمناسبة دخول هذا العمل حديثاً إلى «معبد» الشعر الفرنسي والعالمي، ونقصد سلسلة «شعر» العريقة التي تصدر كتبها عن دار «غاليمار» الباريسية. خيارٌ صائب بما أن غايته إظهار ذلك التواصل النادر والمدهش، وذلك التماسك الاستثنائي في الرهانات والنوايا، اللذين نستشفّهما في جميع أعمال هذه الشاعرة.
وفعلاً، يمكننا أن نسمع صدى هذا القول الشعري في جميع قصائد «إيقاعات»، على رغم العقود الستة التي تفصل بينهما. قولٌ يعبّر، بتلك الطريقة المكثَّفة والموجزة التي تميّز كتابة شديد، عن انحيازٍ أوّلي ولا عودة عنه للكينونة، وعن شهيّة متأصّلة للمفتوح، وبالتالي عن توق إلى حرّية يتعذّر كبحه، ناهيك عن تلك المواجهة بين الإدراك واللامحدود، وبين الأنا والمجهول الذي تحمله ويتجاوزها. ولذلك، ما زال «إيقاعات»، الذي كتبت شديد قصائده في نهاية حياتها، عملاً شعرياً فتياً ونضِراً، لأنه بقي وفياً كلياً إلى هدفها الأول، وإلى اندفاعها الأول الذي لم ينل منه التعب والمرارات الملازمة للشيخوخة. عملٌ يتناغم مع قلب الحياة النابض، مع نفَس النشيد، مع إيقاع الأيام، ومع سعادة الكينونة، على رغم تكذيبات الجسد المتهالِك واقتراب المنيّة.

الحركة
في حال أردنا كلمة تلخّص أعمال شديد الغزيرة (71 مولّفاً)، لاخترنا بلا تردّد «الحركة». إذ لا تحصى الشخصيات في نصوصها الروائية والقصصية والمسرحية والشعرية التي تسير وترقص وتركض الواحدة نحو الأخرى، وتلك التي نراها في حالة ترحالٍ مستمرّ أو في حالة تنقّلٍ من منفى إلى آخر. أما سبب هذه الحركة الدائمة فنعثر عليه داخل شعرها، وخصوصاً في ديوان «إيقاعات» الذي يمنحنا حصيلة ساطعة لرؤية الشاعرة للعالم والوجود البشري، وأيضاً لشغفها الثابت بالحياة التي ترى فيها حركةً لا تتوقف، انفتاحاً وتجاوزاً متواصلاً يؤذن بجميع التحوّلات: «مُديمةً بلا قطيعة/‏‏‏‏ سلسلةَ الوجود/‏‏‏‏ الحياةُ تسافر/‏‏‏‏ الحياة تختلج/‏‏‏‏ في كل لحظةٍ/‏‏‏‏ في كل وجهٍ/‏‏‏‏ في كل ما يحضر/‏‏‏‏ وفي كل مكان». وليس عبثاً استعارتها من الشاعر الفرنسي رونيه شار (الذي كان واحداً من الأوائل الذين لاحظوا موهبتها الشعرية) شعار حياته: «أن أسير يكفيني»، فمنذ صغرها سعت إلى الإفلات من الضيّق، كما أشارت إلى ذلك بنفسها، وبصيغة استفهامية، في ديوان «أرض وشعر» (1953): «حين نحدس، ولو مرةً واحدة، بشسوع مغامرتنا البشرية، يمكننا أن نتساءل: أي قوة تلك التي تمسك بنا داخل الضيّق؟».
ولا شك في أن قول شديد، منذ عام 1943، «في الفضاء اللامتناهي، سأقف» ناتج من هذا الحدس بالذات. حدسٌ مؤذِن وعِرافيّ يجد امتداداً له في قلب «إيقاعات»: «خارج هوّة الجسد/‏‏‏‏ إلى كتف الفضاء/‏‏‏‏ سترتفع أبداً أجنحةُ/‏‏‏‏ لا متناهٍ مستبعدٍ/‏‏‏‏ نشيدٍ لا حدود له/‏‏‏‏ طيرانٍ متوهّجٍ». ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا التوق إلى الارتقاء، إلى تجاوز حدودنا، لا يحمل لدى الشاعرة أي صبغة صوفية، لأنه يُعاش ويُختبَر هنا، في عالمنا السفلي، وتحديداً في الشعر الذي هو «أرض النفَس»(عنوان أحد دواوينها): «من أين تأتي الكلمة/‏‏‏‏ المحرِّرة/‏‏‏‏ إلى أين يذهب النشيد/‏‏‏‏ الذي يسوقنا/‏‏‏‏ أيُّ رغبةٍ/‏‏‏‏ تصير إيقاعاتٍ/‏‏‏‏ صوراً/‏‏‏‏ تحوّلات»؟
وبالنتيجة، أن نكون شعراء، بالنسبة إلى شديد، هو أن نبقى أوفياء إلى «الحياة التي تختلج»، إلى إيقاع الخطوة التي هي امّحاء وانبعاث في آنٍ واحد، إلى النفَس المضبوط على إيقاع الكون، وأن نكون من صميم تلك الرغبة التي تعشق الآخر، إنساناً كان أو مكان. ومن هذا المنطلق، كتبت في «أرض وشعر»: «الشاعر هو المتابِع أو المسافر بلا كلل. امنحوه استراحة، فهو يعرف جيداً أنه لا يملك سوى مهلة قصيرة قبل أن يقوده نفَسُه من جديد إلى أبعد من رغبته». وهذا الأبعد دائماً الذي تطلبه الرغبة وقصيدتها، تلك الخطوة التي تخلّصنا من ذاتنا وتفتحنا على التحوّلات، يعثران على أشد تعبيراتهما في مديح الآخر الذي نعرف أنه كان أحد أبرز شواغل شديد سواء في حياتها أو في كتاباتها. «الآخر» الذي هو عنوان إحدى رواياتها، هو أيضاً عنوان قصائد كثيرة لها تتوزّع على مختلف دواوينها، ومن بينها «إيقاعات». وإذا كان في ذلك توكيداً لأخلاقية عنيدة وحادّة، فإنها لا تنبع لدى الشاعرة من تنظير فكري، بل من استنتاج موضوعي بأن الحركة الطبيعية للحياة تحظّر أي هوية مغلقة وترى في الجمود موتاً. هذا ما تقوله قصيدتها «جلسة مغلقة»: «من دون نجدة الآخر/‏‏‏‏ تجفّ النفْسُ/‏‏‏‏ وتذبل». وبما أن كل شيء في دوامة الحياة يأتي ويرحل، يصير وينحلّ، يمّحي لينبعث مجدداً، يتغيّر ليصبح نقيض نفسه، ثمّة قانونٌ واحد لا غير في كل كائن أو شيء، ونقصد المتعدِّد: «أنا متعدِّدة/‏‏‏‏ أنا لا أحد/‏‏‏‏ أنا من هناك/‏‏‏‏ أنا من هنا».
سخاء وانفتاح«إيقاعات» هو إذاً اسم هذه الغيرية الحيوية أيضاً التي تمنعنا من أن نكون نهائياً هذا الكائن أو ذاك، وتجبرنا على أن نكون هذا الكائن وذاك، تارةً بالتناوب، وتارةً بالتزامن. وفي هذا السياق، كتبت: «يا شبيهي/‏‏‏‏ يا آخَري/‏‏‏‏ حيث أنت/‏‏‏‏ أنا». قصيدة تشكّل صدى لأشهر أبياتها الشعرية: «أنت، مهما كنتَ/‏‏‏‏ أنا منك أكثر اقتراباً منه غرابةً»، كما تشكّل طبعاً صدى لعبارة رامبو الشهيرة: «أنا آخر». قصيدة تدلّنا على مصدر التفاؤل المتجذِّر في الشاعرة: «في صميم الأمل/‏‏‏‏ الآخر».
ويخطئ مَن يرى في هذا التفاؤل العنيد الذي يميّز موقف شديد وكتاباتها، ويعارض أجواء حقبتنا، شعوراً ساذجاً أو تصوّراً غير موضوعي لنظام الأشياء ومستقبل البشرية، فهو في الواقع عكس ذلك تماماً. إنه أملٌ على رغم كل شيء، أملٌ لا يستمدّ مشروعيته إلا من بصيرة نادرة تجاه قسوة القدر، وهزيمة الجسد والقلب، وحقيقة اليأس الذي يثيره أيضاً الآخر. ومَن لديه شكّ في ذلك، ننصحه بإعادة قراءة جميع أعمال الشاعرة، وخصوصاً ديوان «احتفال العنف» (1976) الذي يتضمّن كمّاً من القصائد التي تبدأ بكارثة وتنتهي بموتٍ، من دون أن ننسى «إيقاعات» الذي يقول أيضاً السلبي أو ذلك الجانب المعتِم أو الصراعات الملازمة لكل حياة. لكن في هذا الديوان، تحضر أدوات الاستدراك بقوة، وترتكز القصائد على الطباق أو التناظُر بين الألم والفرح.
ولا عجب في ذلك بما أن التناقض الثابت هو في جوهر الوجود. فإن كنا «تلك الغيوم/‏‏‏‏ بين هوّات وقِمَم»، فلأننا مستعبدون في طبيعتنا لالتباسٍ لا مخرج منه، ولأننا محاصرون «بالمعتِم الذي يتلفنا/‏‏‏‏ وبالنار التي تحيينا». هكذا، نهاب أو نأمل من كل كائن، من كل شيء، من كل حدث، نقيضَه، ونفهم أن الأمل، بالنسبة إلى شديد، لا يكون إلا بعد أخذ اليأس في عين الاعتبار. لكن أن ننكر حقيقته أو نتجاهله، أن نتبرّأ نهائياً منه خطأٌ له عواقب وخيمة. وبالتالي، ثمّة مواجهة حازمة بين الإدراك والأسوَأ، لدى الشاعرة، ومراهنة صعبة لكن مبنية وجريئة على الحياة: «مرّةً أخرى/‏‏‏‏ على قفا المريع/‏‏‏‏ في عمق المعتِم/‏‏‏‏ ينتصب/‏‏‏‏ الربيع العنيد».
كلمات تستحضر ما قاله الشاعر التشيلي بابلو نيرودا: «يمكن أعداؤنا أن يقتلعوا جميع الزهور، لن ينالوا من الربيع»، كما تستحضر ما قالته شديد في «إيقاعات» ويختصر فلسفتها: «بين تجاويفٍ وأحلام يقظة/‏‏‏‏ أحتفي بك يا حياة/‏‏‏‏ فاصلاً مُشتهى/‏‏‏‏ بين الفراغ واللاشيء». فلسفة تنفتح على الأبعاد الشاسعة للكون والبشرية داخل التسلسل اللامتناهي للزمن، وتبعد كل البُعد عن النظرة الأنانية التي تأخذ متاعبها وآلامها كمقياسٍ وحيد للأشياء.
وهذا ما يفسّر طغيان الـ «نحن» في نصوص الشاعرة وعدم حضور الـ «أنا» إلا ككيانٍ متقاسَم ومتعدِّد: مشيّدون من ماءٍ، من نجومٍ/‏‏‏‏ ومن كيمياءٍ غريبة/‏‏‏‏ مرصودون للتحوّلات/‏‏‏‏ (...) نحن الفانون/‏‏‏‏ نحن الدائمون». وتمنحنا هذه الوضعية سبباً آخر لتفاؤل شديد غير المبني على اكتفاءٍ بالذات، بل على رؤية تشمل الإنسان داخل اللغز العظيم الذي يفيض من زمنه وفضائه وقصّته. رؤية إنسانوية إذاً، لكنها لا تمنح بسرعة رصيداً للإنسان. فشديد لا تؤمن إلا بالإنسان الذي يعانق الحياة ويتناغم اندفاعه ورغبته مع ذلك الذي هو أكبر منه ومن كل شيء، وتسمّيه «نسيج الكون» (عنوان أحد دواوينها). «الإنسان الشعري بامتياز» الذي يخطو فوق الأفق ويذهب إلى حدود انبهاراته.
ولذلك، لدى قراءة «إيقاعات»، لا يمكننا أن لا نتأثّر بفكرٍ منفتح وسخي إلى هذا الحد، خصوصاً حين نعرف أن مَن كتبه هو امرأة كانت قد تجاوزت الثمانين من العمر وتعرف أنها على عتبة التواري، امرأة تقول «المستقبل المعلَّق»، تفسّخ الجلد، فساد العِظام، وبالتالي ذلك الصراع الخاسر سلفاً «بين الجسد/‏‏‏‏ والزمن»، من دون تذمّر أو مسايرة للذات، ومن دون أن يتمكّن الموت، الذي تشخص الشاعرة به مباشرةً، من العبث بالاندفاع الحيوي الذي يحمل قصائدها. لا يمكننا أيضاً، في زمن الإحباط والانغلاق على الذات الذي هو زمننا اليوم، أن لا نقدّر الخاتمة التي أرادتها لهذا الديوان ـ الوصية، الذي يُركِّز داخل نفَسٍ واحد دائم النضارة جميع موضوعات أعمالها الشعرية التي تمتد على مدى ستين عاماً. خاتمة من مجموعة قصائد تبدأ شديد فيها بالتعبير عن قناعة مذهلة لمن هو في عمرها: «أبداً لا نهاية/‏‏‏‏ لانبهاراتنا!»، قبل أن تتابع إنشادها الحياة في لغزها و»أشكالها التي لا تحصى». الحياة بين «المجهري» و»اللامتناهي» التي تحضر بإيقاعاتها الجوهرية، إيقاعات الأشجار والنجوم، الصباحات والمساءات. الحياة كاسمٍ آخر وموضوعٍ حصري للشعر.

محمد خضير قُربان:

مايو 20, 2020 اضف تعليق

تتردد كلمة "قُربان" في ثنايا الأداء الرائع لمقرئي المقام التراثي المسمى ب"القوريات" أو "الخوريات" (رباعيات شعرية من الموروث التوركماني في منطقة كركوك حصراً، يُوظَّف في نظم ألفاظها الجِناسُ والطِباق). وإذْ كنتُ أحسبُ "قُربان" كلمةَ "تسليم" تقليدية، تتردد على أوتار الصوت الشجيّ/ المتألّم، حالها كحال تحريرات المقام وتسليماته من مثل "أمان" و"جانم" و"حيران" و""يار"، متكررة أكثر من مرة، ساحبةً معها نياطَ القلب المستسلِم لقدرهِ "القُربانيّ"؛ فإذا بها صوتُ احتجاجٍ مجازيّ على فُرقةٍ وابتعاد وحنين؛ بقدر ما هي تعبير عن طربٍ تصوفيّ يجتاح الإنسان في موقعه المعزول في تكية أو مكان عمل او محبس!
لكنني، وانا أردّد قُرباني القَدَريّ طرِباً، مستسلماً مع نفسي لجهة القلب القارئ صمتَ السنين وقسوتَها على أعراق الشعب العراقي، تمكّنتِ الكلمةُ الغنائية التوركمانية من المعنى المقارب لها في العربية، أي من الأصل التاريخي للفداء والتضحية بالنفس او بالآخر المنذور "قُرباناً" لقوة طاغية، سماويّة او أرضيّة، وسحبتها لجهتها، دلالياً ولفظياً. فما الذي نعرفه عن الشراكة في تقديم "القرابين" السريّة لطواغيتنا، من أجل المرور بين أخطار لا حصر لها، أو من أجل مصالحةٍ معمّدة بالدماء؟
بالعودة الى معجم اللغة التركية، ستزداد القرابةُ بين كلمتين متقابلتين لفظاً ومعنى. فقُربان التركية تعني ما تعنيه قُربان العربية، فهي تؤدي معنى: القُرب والمحبّة والمصاهرة والجمال، كما أنها تُخفي في ظلالها المعتمة معنى الذبيحة والأضحية. لكنّها - وهذه الزيادة العجيبة في الأداء الغنائي التوركماني- نفضَت ظلالَها كلّها لتحمل معنى رئيساً واحداً هو: الجميل والبديع.
قُربان.. قُربان.. قُربان.. صوتٌ يتدحرج كصخرة من أعلى الجبل إلى سهل التضحيات والقرابين، حاملاً الرجاء بالقُرب والحنان والمحبة. تلك هي الأغنية، الممنوعة من الوصول الى قلوب متباعدة!
لنؤمن بأنّ صوت الأغنية أعلى من نداء الدَّم: هذا ما يعنيه "القوريات" الحزين. وما عدا القُربان الغنائي فهو محض هراء!
تأملوا في هذه القرابة الصوتية، ولتُمعنوا في عسف الطواغيت الذين فرّقوا بين الصوت وتاريخه المسالم، ومنعوا الأصوات "الإثنية" المتقاربة من أن تصدح بأغنيةٍ واحدة.
سيذكّرنا "قوريات" كركوك بسعة العالم الذي اجتمعت أصوات مغنّيهِ يوماً في كورالٍ جماعيّ ضد حرب فيتنام والتهديدات النووية والمجاعات الإفريقية والتجاوزات الكولنيالية ضد شعوب العالم الثالث!
ما الذي يمنع العراقيين، على اختلاف أعراقهم وألسنتهم، وهم يملكون صوتهم القُرباني، ، من الدلالة على "قرابتهم" بأيّ أداءٍ وأسلوب ولغة؟

(الصورة: من صفحة الصديق وجدي مصطفى لمجموعة من قراء المقام في كركوك)
الشاعر صلاح ستيتية: الثقافة ابنة الحدس

الشاعر صلاح ستيتية: الثقافة ابنة الحدس

مايو 20, 2020 اضف تعليق

المصدر : (لوران بيترز - ترجمة: أحمد عثمان)
استمع

صلاح ستيتية . . شاعر، باحث وناقد فني بارز ولد في بيروت مفرق الطريق بين الحضارتين العربية والأوروبية - عام 1929 . درس في باريس، بعد أن تابع، في المدرسة العليا للآداب في بيروت، دروس جابرييل بونور . ولذا من خلال هذه المقابلة بين الشرق والغرب، منذ البدايات، يتبدى أن ستيتية عاش رغبة الوحدة بينهما، وليس صدام التاريخ و/ أو الحضارة . ومع ذلك، لم تقده هذه المقابلة الى اختيار عالم في مواجهة الآخر وانما إلى التوفيق بينهما وصهر لغته الخاصة .

راغبا في رؤية، في هذا الحوض المتوسطي، فضاء ليس للحرب وانما للقاء، عرض في كتابه حاملو النار 1972 شعره ودرس بعمق الجذور الروحية للوطن العربي كما مستقبله .

تكلم أيضا فيه عن مفهومه للقصيدة: تكف عن أن تكون وصفا، مدونة، ابتكار مساحة، القصيدة ستكون ربطة القوى التي تستهلك في الحدث نفسه الذي يعقدها، وتصبح مواد لا مرئية وحقلا مغناطيسيا .

في نتاجه الشعري، نجد مكتسبات الشعر الغربي، ملكة القطيعة والابتكار الشكلي المتحول عبر الحب العربي للكلام الذي يجعل من كل قصيدة مقطع أغنية منذورة للا متناهي ومن كل كتاب إنشادا ولونا وتأكيدا صوتيا غير موجود في الفرنسية . دوما، تلهمه صوفية الحب التي تربط بلا انفكاك بين الألم والرغبة، الجرح والمتعة، وبالتالي القصيدة هنا دعاء شاك يجمع عذوبة الصور وقوة الترخيم الصوتي .

قصيدة صلاح ستيتية حسية واحتفالية في آن معا . وحركة شعره قريبة من الرسم اللا نهائي لفن الآرابيسك، حيث إن كل عنصر لا يحيا بمفرده عن العنصر الآخر ولكنها مندمجة ضمن إيقاع كبير مع عنصر آخر . وكما الأرابيسك أيضا، هذا الشعر ذو طبيعة خيميائية : يرفض أن يعيد إنتاجه أو يترجمه ببساطة . يسعى في بادئ الأمر إلى تنقيته، والى الحفاظ على جوهره: هذا التشابك للصور المختارة بعناية التي تعتبر، بالنسبة لصلاح ستيتية، نقاط تأمل باطني بين الذات والعالم .

صادق خلال الخمسينات من القرن الماضي شعراء عالميين من أمثال: جوف، ماندرياج، أونجارتي، بونفوا وآخرين . ثم أصدر في بيروت أسبوعية: الشرق الأدبي بالفرنسية التي لعبت دوراً مهماً في التقريب، والربط بين النزعات الإبداعية الغربية الحديثة، في فرنسا تحديداً، وتفجرات أنواع الكتابة الحديثة في الشرق، والوطن العربي خاصة .

في فرنسا، أسهم في الكتابة بمجلات عدة منها: الآداب الحديثة، ميركور دو فرانس، المجلة الفرنسية الحديثة، ديوجين . . وكدبلوماسي، عمل في اليونسكو في باريس، وعمل سفيراً في المغرب، وسكرتيراً عاماً لوزارة الشؤون الخارجية في بيروت، وسفيراً في لاهاي، وهكذا ظل طوال حياته: المتجول الكبير للحلم والفعل .

في عام 1995 حاز الجائزة الفرنكفونية الكبرى .

من نتاجه الشعري: حملة النار (1972)، الماء المحفوظ (1973)، شذرات ( 1978)، انعكاس الشجرة والصمت (1980)، الكائن الدمية (1983)، ليل المعاني (1990) .

وهذا حوار معه:

أنت شاعر عربي، ولدت في لبنان لأب شاعر، مسلم، وتكتب منذ فترة طويلة بالفرنسية . بعناصر بيوغرافيتك ومن دون شك كنوز حميمية ولكن كيف تراها لما يتعلق الأمر بتعريفك؟

نحن جميعا مرتبطون بعناصر ظرفية . إنها نقطة انطلاق ما هيتنا . حرية الانسان النسبية للغاية، كما الحياة، تتجاوز هذه الظروف . لا تفسر العناصر المتناقضة للهوية الحدثية التحقق الأدبي أو الفلسفي .

هذا لا يكفي للتعريف بالشاعر؟

هذا لا يكفي للتعريف بالانسان . الانسان مكوّن من عناصر مفروضة، ولكن أيضا بواسطتها من الممكن أن يتحرر . كان أبي وأمي شاعرين . كان أبي يكتب، أمي تسمع، تستحسن، ترفض . الطفل الذي كنته كان مبهوتا . فيم يتحدثان؟ أنه الأصل، نقطة انطلاق؟ من دون شك، عشت في وسط كان الكلام حاضرا في أرجائه . والطفل كان حساسا ازاء التأثيرات الأولى . لدى نرفال وبودلير الحق لما قالا أن سر القصيدة يقبع في مرحلة الطفولة، كما الحياة . كنت مقتنعا بكون الحياة والقصيدة يغترفان من المنبع نفسه .

أسئلة

هل الحياة والقصيدة حميميتان؟

تسائل القصيدة الحياة والخفايا التي تحيكها . الأسئلة تحيطنا: لماذا نحن هنا؟ العلم يجيب أكثر فأكثر عن كيف . في الواقع، نعرف بصورة فضلى آليات العالم، الجسد والأشياء التي اعتقدنا يوما ما أنها لا وزنية: الحب، على سبيل المثال، هناك الكيمياء بداخله، تتأجج لماذا . لماذا الميلاد، الحب، الحياة، الشيخوخة، الموت؟ هذه العناصر قائمة عند نقطة انطلاق الحياة، ولكن أيضا مع خلق العالم . قال الكثير من الفلاسفة بذلك، حياة العقل تتغذى بالضرورة، على هذه المشاكل غير المحلولة التي يواجهها الوعي بلا دون توقف . الانسان يريد أن يفسر كل شيء بأي ثمن . وهكذا نصبح شعراء، رسامين، فلاسفة أو معماريين . تمتزج الحياة والشعر لدى المهمومين بالبقاء في حالة من النفوذية، من الجروحية، من القدرة على مساءلة الحياة والأسئلة التي تطرحها . كل هذا يتأتى الينا بالحدس . في المقابل، حينما نتراجع وننشأ في التحليل، نلج عالم الثقافة . وفي هذا الشأن، من الممكن أن يكتب فالتر بنيامين: كل فعل ثقافي هو فعل عنف . الثقافة تقابل بمصطلحاتها كل ما يلمس علاقات الانسان: مع العالم والمجتمع والناس أو المستقبل . هذه العلاقات، المتأملة مرة، تؤسس الثقافة التي نغترف منها . الثقافة، منذ البداية، ابنة الحدس .

مرحلة الطفولة حفظ لكل ما سيعطيه الطفل للرجل على مدار الحياة، حينما يكون طفلا حساسا ازاء الشعر، أنه في حالة طفولة نوعا ما، يمد يده الى الطفل الذي حققه . كنت على سطح بيت العائلة وأطرح على نفسي أسئلة عن سماء الشرق المرصعة بالنجوم . اليوم، وقد بلغت الثمانين من عمري، تسكن هذه السماء رأسي والسؤال نفسه مطروح أمامي .

نشر جزء من نتاجك غير معنون في مكان الحرق . فضلا عن ذلك، في الافتتاحية كتبت بيد أن كلمة واحدة لم تهجرني أبدا، كلمة حرق ( . . .) .

نعم، ما هو الحرق؟ النار حالة مضطرمة بداخلنا . النار عنصر ألم فيزيقي . على السطح الأسطوري، المجازي، النار فوران، انفتاحة الى مضمون خارجي يصبح داخليا . نحترق بنظرة، بذكرى، بالنسبة لي، لا شيء يستحق الاحتفاظ به سوى لم تنجح النار أو الشعلة في اختزاله . أطلقت الفلسفة العربية الوسيطة على هذه الحالة الحلية . في هذه الجدلية القائمة بين النار التي تفنى والنار التي تطهر يتموضع المكان . ومع ذلك، ما تحول الى رماد حامل لأمل انطلاقة جديدة، اندفاعة جديدة : التخلص من كل ما هو عديم الفائدة والتكثيف في الجوهري . لدي، مكان النار مكان الجوهري .

أهناك نداء الى بعد الكينونة، نداء الى الذات؟

ليس هناك سوى هذا! لكي تعانق الكينونة الى حد ما أيا كان الأمر، من اللازم التخلص من عوائق الكائن . دوما، أتذكر هذا القول المأثور لرونيه شار، اذا سكنا وميضا، أنه مكان الأبدية . في كلمة وميض'' هناك النار . هكذا يرجع هذا المكان، مكان الحرق، الى خيالنا .

أن تحب الآخر، أي أن تحب أن تتخيله وتحب أن تكون متخيلا من قبله: أنه بورتريه الغيرية؟

نعم، أعتقد أننا لا نستطيع أن نكشف أنفسنا الا عبر الآخر . الآخر كشفي وأنا كشفه، وكلما تقدمت في العمر، كلما زادت هذه البداهة في داخلي . انسان منعزل انسان ضائع . في بعض الأحيان، حكيت هذه الحكاية المأخوذة من ألف ليلة وليلة، وهي الحكاية التي أثرت كثيرا في بورخيس: أوقف شخص فيما يسرق خبزا . ذهب الى القاضي . لماذا هذه السرقة؟ أجابه، أنا أسكن القاهرة، وفي كل ليلة أحلم بثروة تنتظرني في بغداد . بعت تجارتي، واجتزت صحراوات شاسعة، حتى بلغت بغداد، ولم أجد ثروة . ومع مرور الوقت، أصبحت فقيرا، ومررت أمام منضدة الخبز ولم أستطع المقاومة . انفجر القاضي ضاحكا وقل لي أنا من يكلمك أنظر الي، أنا رجل عاقل ففي كل ليلة أحلم بثروة تنتظرني في القاهرة في منزل محدد: في وسط المنزل هناك صحن الدار، وفي وسط صحن الدار هناك نخلة وتحت هذه النخلة هناك كنز! هل تركت عملي لكي أبحث عنه؟ وأمر بعودة هذا الرجل الى بلاده! وخلال حديث القاضي كان الرجل يتذكر بيته، فلما رجع الى القاهرة، حفر أسفل النخلة المنتصبة في صحن الدار ووجد كنزا . من أهمية الحلم، نجد الذات الحقيقية . وجد أن بيته أصبح مكان الكنز . هناك النمط نفسه من الحكاية لدى نوفاليس . عن أهمية الآخر، اذا كان مستجوبا، حقا، عن حالته الراهنة واذا استجوبك عن وجودك . هذا له مكان في الحب الحقيقي .

كتبت عن خطر النظرة الخرقاء في مقابل التجربة المعاشة . هل الايمان بالهوية العربية أو اللبنانية دفعك لقبول المسؤوليات السياسية؟

كما قلت، أنا متحدر من عائلة مسلمة تنتمي الى الطبقة الوسطى . أنا شرقي وبالتالي مشغول، بالضرورة، بالديني كونني الغرب . لا أريد أنا أكون سجين ما أقرأه، أي الديني بالمعنى الاشتقاقي للكلمة . شرقي، غربي بثقافتي، قابلتهما حتى أكون متحررا مع أي منهما .

كنت دبلوماسيا حسبما الظروف . في البداية، في الدبلوماسية الثقافية في اليونسكو، وفي هذا المنصب، رأيت أن الثقافة سياسة وأن السياسة شكل من أشكال الثقافة . ومع ذلك، مشكل الشرق الأوسط الرهيب لا يمكن تجنبه . بالنسبة لي، المسألة اللبنانية أصبحت جوهرية . عملت كسكرتير عام في وزارة الشؤون الخارجية وعبر سفرائي في الخارج على انهاء الحرب المسماة أهلية، أي الحرب الأكثر وحشية في العالم . أنتمي الى جيل اعتقد أن لبنان كما رأها فرانسوا مورياك أو رونيه ما هو حظ العالم ونموذج عالم المستقبل حيث يأتي الروحانيون اليها للنقاش في ما بينهم لكي يجتازوا ويتقابلوا في نقطة التقاء . ولتحقيق الصلح تلقينا ضربات من كل جانب . لاحظت أن الحوار بين الأديان والطوائف وهم : على أي حال، حلم ضائع . مشهد تدمير لبنان الذاتي بمساعدة آخرين رهيب . كان صدمة قوية . في هذا الاقليم المتراص من العالم مع ميليشيا عسكرية أو دينية كان للجميع مصلحة في أن يختفي لبنان الصغير ونموذجه . هذا الميل للحوار شكل تحديا أمام العرب والإسرائيليين . كان وقوع لبنان في الشرك أقوى من امكانياتي . بعد انتهاء الحرب، غادرت لبنان بألم . أقمت في فرنسا، وأعود اليه من وقت الى آخر . الطفولة وطن، وهذا الوطن حقق ما أنا فيه . أذهب الى لبنان لكي أتردد الى حد ما على عائلتي، وكثيرا على الأشباح .

كيف ترى وضعية لبنان الحالية؟

لبنان حائر . أنه متأثر بوضعية الشرق الأوسط . هناك تياران يجتازان الاقليم، منذ القدم، لبنان ساحة معارك للامبراطوريات المتنازعة: الفرس، الاغريق، ومتأخرا بين المسلمين وبيزنطة . اذا، يوم يشفى الاقليم، من الممكن أن يأمل لبنان في الشفاء .

ليسوا كثيرين كل الرجال العنيفين والباردين، هل تفكر فيها حتى اليوم؟

نعم، ولكنهم ليسوا كثيرين . خلقت الديموقراطية حدودا لا يمكن للتوتاليتارية أن تتحداها، ومع ذلك، السياسات حتى اليوم أقل قوة من القوى الاقتصادية . تدريجيا، نرى الى عالم تيولوجي غير روحاني ومن ناحية أخرى الى عالم مادي واقتصادي . البعض يتناول التيولوجيا لجانبها الروحي والآخرون يتناولون الاقتصاد لأجل التحرر، الليبرالية كما يقولون . إنها معركة بين ماديتين مستترتين .

المثقف العربي، في البعد الذي يتقلده، يكسوه هجين اللبس . أبدا، لن يتفق مع نفسه، أبدا لن يتجرد من أفكاره المبطنة . حالة مؤلمة عن الأمكنة؟

نعم، لأن العرب اليوم، وعلى وجه التحديد المثقفون العرب، لا يستطيعون أن يتفقوا مع أنفسهم . من ناحية، يمثلون الثقافة العربية القديمة المنتجة للعجائب على مدار التاريخ: اليوم، أصبحت ثقافة منتقصة قيمتها ومصادرة من قبل الايديولوجيات . مع الارادة الطيبة للعالم، المثقف العربي انسان ممزق . أنا عربي، ولكن هذه العرباوية Arabite لا تنتمي إليّ . يتطلع الى الغرب وهذا الغرب الذي يسأله الدروس يتبدى في نظام مخادع ومضلل . لا يمكن أن يكون نفسه ولا يريد أن يكون أحدا آخر . الفكر مصادر ومحطم من خلال الأنظمة القائمة . في الوطن العربي، اليوم، لا يمكن أن نتناول الدين على سبيل المثال . هناك حدود وضعتها السلطات المصطنعة والمستهلكة . المثقف العربي مريض . ماذا يفعل؟ يصمت أو يشوّه أفكاره، أو يتكلم بالألغاز أو ينفي نفسه . يأتي الى الغرب غير أنه ليس أوروبيا، قيم الغرب ليست قيمه . لدي شيء من الحظ، مثل صديقي سيوران، في أن أفكر: لا نسكن بلدا وانما نسكن لغة . أنا في بلدي في فرنسا، في اللغة الفرنسية . عرفت ناظم حكمت، كان مشهورا ويعيش في موسكو . وكان ممنوعا في تركيا . في يوم من الأيام، قال لي أنا تعس للغاية، لم أر ولم أمسك بين يدي كتابا من كتبي مطبوعا بالتركية .

كتبت كثيرا أيضا عن التصوير؟

اللغة بلد، وكذا التصوير . الانسان في حاجة للترحال، للذهاب من بلد الى آخر . أنا سعيد بالرحلات، أماكن التجلي . الرحلة ليست فقط أفقية، وانما أيضا رأسية، استبطان، اكتشاف هوية . أتحدث عن عالم مثل بصلة كونية نأخذ في تقشيرها . هوية كل فرد، هوية العالم هذه المبادلة للحجج التي تحدثنا من قبل عنها حجة عميقة عن الرحلة التي أفهمها . بالنسبة لي، كان التصوير موجودا في داخلي منذ الطفولة . في هذا الصدد، في كتابي القادم، ذكرياتي، المشهد الأول . كنت أبلغ الثالثة أو الرابعة من العمر، حينما فتح أبي كتابا وراح يفك لي شفرات حكاية من ثلاث صور . في الصورة الأولى، صبي ينظر الى علبة مربى على رف، تحتها مقعد . وقتذاك، نادتني أمي من المطبخ . وددت أن أعرف تتمة الصورة . ركضت نحو والدتي كي أرجع سريعا . من بعيد قال والدي لقد سقط على الأرض! في الحقيقة، تبين الصورة الثالثة المقعد مقلوباً وسقطة الصبي . كانت قصة أخلاقية قصيرة . طوال حياتي، حملت بداخلي جرحا سريا لأنني لم أكن موجودا لحظة تأرجح المقعد . وددت أن أكون هناك .

- See more at: http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/3b7087ba-b2b3-45e8-b37c-30897c3ccbe5#sthash.w6SSiQs5.dpuf

مشاركة مميزة

نيل بورتون: الملل نافذة على صباح مشرق

  لوحة أوجوست تولموش، عن wikipedia ما هو الملل بالتحديد؟ هو حالة شديدة الإزعاج تنتج عن الاستثارة غير المشبعة أو الحماس غير المتحقق: فنحن متح...