مقالات

شعراء

رواية

أحدث المواضيع

المسيحيّة الشرقيّة والفلسفة: محطّات ووجوه (الحلقة الأولى)

المسيحيّة الشرقيّة والفلسفة: محطّات ووجوه (الحلقة الأولى)

يوليو 27, 2020 اضف تعليق


 أسعد قطّان:

«في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله».

هذه الآية الأولى من إنجيل يوحنّا لا تعكس تأثّراً مسيحيّاً بالفلسفة. فالشرّاح يجمعون اليوم أنّ كاتب الإنجيل الرابع لم يقتبس لقب «الكلمة» (لوغوس) لا من الفيلسوف اليونانيّ هيراقليط، الذي عاش نحو ستّة قرون قبل يسوع الناصريّ، ولا من فيلون الإسكندريّ المعاصر ليسوع. والأرجح أنّ اللوغوس اليوحنّاويّ يحيل إلى مفهومي الكلمة والحكمة في العهد القديم: «كلمة الربّ التي صارت إلى.../الحكمة تنادي في الشوارع وفي الساحات تطلق صوتها». ولكنّ غياب الأفق الفلسفيّ عن إنجيل يوحنّا لم يمنع المفكّرين المسيحيّين من اعتبار ورود لفظ «الكلمة» في مقدّمة الإنجيل مدعاة للقيام بأكبر مغامرة سيخوضها العقل المسيحيّ في تاريخه: ورشة الحوار مع الفلسفة اليونانيّة، بكلّ ما تشتمل عليه العمليّة الحواريّة من جرأة وخطورة، ومن ثقة بأنّ الديناميّة أبقى من الجمود وأنّ الحياة أقوى من الموت.

اللاهوتيّ الذي افتتح هذه المغامرة كان يسمّي نفسه يوستينوس «الفيلسوف». وستغدق الكنيسة عليه لقب «الشهيد» بعدما أُعدم في زمن القيصر ماركوس أوريليوس في أواسط القرن الميلاديّ الثاني. لا يتردّد يوستينوس في فضح ضحالة المدارس الفلسفيّة التي عرّج عليها قبل اهتدائه إلى الأفلاطونيّة، ومنها إلى المسيحيّة. ولكنّه أيضاً لا يخفي إعجابه بسقراط وبإخلاصه للحقيقة. وهو يراه «منتمياً إلى المسيح قبل المسيح»، ويجد لديه ولدى عدد من الفلاسفة الآخرين «بذوراً» من لدن الكلمة. هذا الفكر الذي يرى المسيح مبذوراً في ظواهر ثقافيّة «خوارجيّة» سيسترعي انتباه بعض الذين تعاطوا حوار الأديان في القرن العشرين. وهو ما زال يلهم لاهوت الأديان حتّى يومنا الحاضر.

تتواصل المغامرة في الإسكندريّة، ولا عجب. فهذه المدينة البحريّة هي وريثة أثينا في التبصّر الفلسفيّ بين القرنين الأوّل والرابع. المعلّم كليمنضس يتتبّع آثار المسيح في الفلسفة والأخلاق لدى الإغريق. ولكنّ الإسم الأبقى أثراً يظلّ أوريجنّس. في الماضي، كانوا يعتبرونه مفكّراً مسيحيّاً متأثّراً بالأفلاطونيّة المحدثة. اليوم نعرف أنّ هذا التيّار الفلسفيّ لم يكن يوماً حكراً على غير المسيحيّين. منذ لحظة التفجّر، كانت هناك أفلاطونيّة محدثة «وثنيّة» يمثّلها أفلوطين، وأفلاطونيّة محدثة مسيحيّة إمامها أوريجنّس. كلّ واحدة منهما أخذت على عاتقها إعادة تأويل فكر أفلاطون ونفحه بصبغة صوفيّة، ولكن طبعاً انطلاقاً من فرضيّات مختلفة: أفلوطين بلجوئه إلى قبليّات الفكر الإغريقيّ، حيث الكينونات العقليّة تفيض الواحدة من الأخرى، وأوريجنّس عبر لجوئه إلى المسيح، الكلمة الكونيّ الذي يبدع كلّ شيء ويملأ الكلّ في الكلّ.

بلى بلى! هذا هو أوريجنّس نفسه الذي حكمت الكنيسة على بعض أفكاره في القرن الميلاديّ السادس. كان أتباعه قد انتشروا في ديورة فلسطين وسوريّا وحوّلوا ما أتى به من آراء لاهوتيّة تجريبيّة في أصل الكائنات العاقلة ومآلاتها إلى «عقائد». ولكنّ المعلّم الإسكندريّ لم يكن مجرّد مفكّر نظريّ، بل كان أيضاً مفسّراً عظيماً للكتب المقدّسة وناسكاً متشدّداً. ولقد وضع كتاباً عن الصلاة، هو الأوّل من نوعه في تاريخ المسيحيّة، سيطبع أجيالاً من النسّاك والرهبان والمتصوّفة ويظلّ طوال قرون أهمّ مرجع في هذا المضمار. وحين أخذ اسم أوريجنّس يوحي بالريبة بسبب تطرّف بعض أفكاره، راحت نصوصه تتسرّب إلى المخطوطات تحت أسماء مستعارة أو عبر نسبتها إلى معلّمين كنسيّين آخرين. هكذا حمت الكنيسة نفسها من تطرّف أوريجنّس وحافظت على أثمن ما ابتدعته قريحته. وللحديث صلة...

(الصور: رسوم بيزنطيّة للفيلسوفين سقراط وأفلاطون)

محمد خضير... بيت على نهر

يوليو 26, 2020 اضف تعليق


(مشاركة مع محمد سهيل أحمد)
على عكس "بيت" مهدي عيسى الصقر الفخم على "دجلة"، فإنّ عدسة الرحالة مدام ديلافوا تحتفظ بإطلالة هذا البيت الطينيّ الصغير على صفحة نهر بَصريّ، مغمورٍ بظلال السَّعف. بقيَ دجلة الكبير شاهداً على هجرة "الصقر" الى بغداد، ستينيات القرن الماضي، وعلى أحداثٍ عنيفة تلَت الهجرة، فيما ظلّ الموضع الذي تركه القاصُّ بقرب نهر صغير، كالنهر الذي تظهره كاميرا استطلاع هادئة، خالياً من رتوش الزمن العنيف. كان النهر، كالشارع الاسفلتي المُستحدَث، يسيران معاً في ذاكرةٍ خرقتْها أقدامُ شخصياتٍ جنوبية تتطلع إلى العيش في مدن كبيرة وسط العراق..
وعلى مفترق السَّرد الخمسينيّ لمدرسة القصّاصين الانتقاديين (مهدي الصقر أرهفُهم صوتاً وانفراداً بحساسيته الريفية) ترتدّ الخطواتُ الحذِرة إلى موضع الانطلاق الأول، تستفيئ بظلّ وقفةٍ قرب جدار طينيّ، بقايا ذلك الجدار، الذي اجتذبَ الى حُفَرهِ آلافَ الحشرات والزواحف، فضلاً عن الوجوه الغريبة، الهاربة من ملاحقةٍ ما تستخطرُ حياتَها. فالجدار المهدّم (ذات الجدار في قصة الصقر -القلعة والقارب- الريفية) يؤرّخ لمراحل متعددة من الملاحقة والهروب. ولا يُمكن قراءة نصٍّ مرتسمٍ على ورق الصحف الأصفر، من غير علاماتٍ ثابتة في الضمير الاجتماعي "المجعّد" كمنشور حزبيّ استنهاضيّ، صادرٍ من خلف جدار البيت القديم، كبيت الصورة.
ما الذي تستنهضه عينٌ فضوليّة، عينُ رحالةٍ أجنبية، من ظُلّة ضميرٍ مُسترخ في مناخه الحار والرطِب؟ إنّ العين الغريبة/ عينَ الاستعمار الاستشراقي تعرّي الضميرَ من أسماله، وتسحبه من أذنه، إلى موضع الدرس الأول، في عمق البساتين، داعيةً إياه إلى تحديث لغته الانتقادية، وتوسيع مداه الاجتماعي، وقراءة العلامات الأولى بتحليل سيميوطيقيّ يعيد للنهر مجراه، بعد أن طمرته أطيانُ الهجرة في "قوارب" الهروب.
وبالسليقة نفسِها من الرصد والاسترجاع، يستطيع السَّرد أن يتخلص من كسل الطفولة البريئة، ويسرّع مسيرها. الأمجادُ القديمة، السقطاتُ والاندفاعات الهُوج، الإطلالاتُ من شرفات القمر، أنشوداتُ المطر، الحنينُ العذري المخروق، تستيقظ من جديد في صورة رحالةٍ مسترخية على قاربها، يتهادى في ممر القرن الاستعماري الكبير.
ثلاث قصائد ل: دانييل بولانجي

ثلاث قصائد ل: دانييل بولانجي

يوليو 24, 2020 اضف تعليق
ترجمة مبارك وساط

(يُسَمي هذا الشاعر كلّاً من قصائده ب: رتوش على...)

---

رتوش على امتلاك العالَم
----------------------------

من ذلك الحُبّ الكبير
بقي في مُؤَخَّر خزانة
قليلٌ من الشّعر على فرشاة

--

رتوش على الخائنة
----------------------

لقد تركَتْ لي كلابَها
تِلْكَ الأحزانَ الكبيرةَ التي يُداعبُها المرء

----

رتوش على الانتقال إلى مسكن جديد

------------------------------------------
كلُّ ميّتٍ يسرقُني
ويترك على الجدار دَمعةً باهتة

لكنّ الليل المتتبِّع
يُعيد بالحبر رسْم اسْمي
الذي بدأ يتحلّل

جمال عبد الناصر... ولادة المخلص وموته.

يوليو 23, 2020 اضف تعليق

احمد برقاوي
حين انتصرت ثورة 23 تموز 1952 ولد المخلّص ـ جمال عبد الناصر- ولأول مرة منذ أزيد من ألف عام ونصف ألف عام عاشت جماهير العرب حال حضور المخلص.
كان هذا الطالع من صعيد مصر، ذو الأصل القروي ومن بني مر، المتنقل مع والده الموظف الصغير في مؤسسة البريد، حالماً ببزة عسكرية ونجوم على الأكتاف وكان له ما أراد.

البكباشي عبد الناصر يقود تنظيم الضباط الأحرار، وما هي إلا بضعة شهور بعد الثورة، حتى يصير زعيم مصر الأوحد ورئيسها المحبوب. الذي ورث دولة مصرية فاسدة منهزمة .عبد الناصر صار قائداً للضباط الأحرار، قبل أن يصبح في عيون الملايين قائد الأمة ، لماذا هذا الاسم؟ لتجمع ثلة من الضباط مختلفي الإيديولوجيات والمواهب؟
إن الضباط الأحرار لا تعني سوى أنهم حاملو لواء حرية مصر. حرية مصر من قيدين، قيد التبعية لانكلترا، وقيد الملكية الفاسدة الراضية بالانكليزية، والتي هُزم جيشها في حرب 1948.
عبد الناصر زعيم الضباط الأحرار رجل مغامر، صادق نزيه، ذكي مثقف حالم، خبيث، وفوق هذا وذاك منتم إلى روح الشعب المصري. إذ لأول مرة منذ حكم المماليك، مروراً بحكم محمد علي باشا وعائلته، يحكم مصر مصري من صعيد مصر ومن الشعب المصري.
لماذا تعلق معظم الشعب المصري بعبد الناصر؟
أدخل عبد الناصر الفلاحين إلى التاريخ، ادخل القرويين الفقراء إلى عالم الوعي الذاتي بأهميتهم، حطم هيمنة باشوات مصر الإقطاعيين، وحدَّ من العائلات الباشاوية المدنية. وغير الطبيعة الطبقية للنخبة العسكرية كلياً، هذا التغير الذي بدأ بعد حركة عرابي باشا،خاطبهم مباشرة باللغة الشعبية دون ترفع،أظهر كرامة المصريين عبر ظهور كرامته أمام الغرب.
لماذا تعلق به الناس عربياً؟ مصر الدور والدولة الأكبر والثقافة والحضور حملت عبد الناصر لتبني الفكرة القومية العربية التي اعتملت في ذهنيته أيام الفالوجة وحرب فلسطين، مصر الدور كانت دائماً قومية لكن عبد الناصر جعل من ذاته مخلّصاً قومياً عربياً.
الحدث الأبرز في صعود صورة المخلص العربي القوية ، العدوان الثلاثي على مصر وانتصاره النهائي على التبعية للغرب. انتصر عبد الناصر على الاستعمار وقناة السويس التي كانت رمزاً للاستعمار صارت شركة وطنية.
إنه وقد انتصر على الاستعمار في مصر، قرر أن يخوض حرباً إيديولوجية على مستوى الأمة. كانت مفاهيم الإستعمار والصهيونية والإمبريالية والرجعية مفاهيم خطابه السالب لأعدائه هذه المفاهيم التي راح عبد الناصر يكررها دائماًَ بارتباط بنقيضها: الأمة والشعب والحرية والقومية والعروبة والتقدم والإشتراكية والوحدة.
الملايين العربية الخارجة من نتائج الحرب العالمية الثانية والتي تعيش في دول جديدة أفرزها التقسيم الاستعماري لم يخالجها أي شك بقدرة المخلص على تحقيق الوحدة العربية. أما الجرح العربي العميق الذي مثلته نكبة فلسطين، فقد حمل الملايين لوضع ثقتهم بعبد الناصر مخلصاً ومحرراً.
لقد انتصر عبد الناصر في الوعي العربي مخلصاً، مما دفع عسكر سوريا الحاكمين فعلاً في سوريا للوحدة مع مصر بقيادة عبد الناصر بسهولة لا مثيل لها في التاريخ، ليصير المخلص حاكماً فرداً في دولة الوحدة.
لم يكن الوعي الشعبي السوري والمصري والعربي عموماً ،معنياً بمفاهيم الديمقراطية وحرية الفرد وحرية الصحافة والقول والمجتمع المدني، حتى الشعبان المصري والسوري اللذان خبرا الحياة الديموقراطية لم يكترثا بزوال النظام الديموقراطي فيهما، ذلك أن الوعي بالمخلص الوعي بالخلاص قاد طبيعياً الوعي الشعبي أن يكون المخلص حاكماً فرداً، وأعداؤه يجب أن يسجنوا بل ويقتلوا.
لم تكن أجهزة الأمن عموماً التي أسسها عبد الناصر أجهزة امن تقنية، بل أجهزة امن مؤمنة إيماناً مطلقاً بصوابية المخلص، والمختلفون معه ليسوا مختلفين معه، بل أعداء الأمة وعملاء للاستعمار والرجعية ولهذا كان قمعها شديداً يصل حد القتل.
يكتسب المخلص لدى جمهور عربي عريض ذي وعي ديني صفة القداسة فالمخلص هنا يستند إلى وعي ديني بالأصل. إن قال فهو قول فصل، وإن فعل ففعله الصواب، لقد صار معصوماً كعصمة الإمام عند الشيعة، ولهذا فعندما انهزم المخلّص أمام إسرائيل وأعلن عن استقالته خرجت الجماهير بصدق إلى الشوارع تطالب المخلص بالبقاء، لأنها لم تعد تتصور حياتها بلا عبد الناصر المخلص،خيث الهزيمة عثرة أمام طريقه الطويل.
فلقد دفن مفهوم المخلص مفهوم الدكتاتور،ولهذا فإن الدين الشعبي رفع عبد الناصر إلى درجة الملهم .
عبد الناصر الذي سكن الوعي الشعبي العربي، عالم من الوقائع والأساطير والحب والأمل. إنه كما وصفته الأغاني والقصائد التي كانت ترددها الملايين بكل حب مع أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم يصدحون بالأغاني الأجمل «ثوار مع البطل اللي جابو القدر».»ناصر كلنا منحبك».»صرخة أطلقها جمال»، لقد صار الوعي بعبد الناصر وعياً دينياً صرفاً.
لقد سلب هذا البطل التراجيدي،الذي وصفته الأغنية بالبطل الذي من به القدر علينا، عقول الناس وقلوبهم، ولم يكن أعداؤه قادرين على زعزعة هذا الوعي الديني به، حتى هزيمة حزيران لم تفلح في النيل منه كما قلنا.
عبد الناصر المخلّص صار ـ في حياته ـ الناصرية حين مات البطل التراجيدي، والتراجيديا تنتهي دائماً بموت البطل، أخذت الناصرية ملامحها النهائية.
كان موت عبد الناصر في الوعي الشعبي العربي مأساة من أكبر المآسي التي أتباع المخلص، مأساة لا تساويها أية مأساة على ارض الواقع. كيف لا؟ وقد فقد الشعب مخلصه، مات المخلص .
ظل الجيل الذي عاصر عبد الناصر وأحبه على حبه للمخلص، لكن الجيل الذي عايش عبد الناصر لا يستطيع أن يورث حزنه وشعوره المأساوي إلى الأجيال الأخرى. لا سيما ان جهوداً جبارة بذلت لدفن إرث عبد الناصر، عبد الناصر التجربة صار الناصرية والناصرية ليست أفكار المخلص فحسب، بل تجربته الذاتية وحياته العملية وقيمه الأخلاقية وأقواله وخطاباته.
لم تكن الناصرية تتفوق بالأفكار كالقومية العربية والاشتراكية والوحدة وتحرير فلسطين ومقاومة الاستعمار، فهذه أفكار قد شاعت وأشاعها البعث العربي الاشتراكي، بل كانت تتكئ على القيمة المعنوية لرجل رحل عن السلطة فقيراً وعاش نزيهاً خاض معاركه متحدياً شجاعاً مغامراً ظهر على الناس مهيباً وساحراً.
أعداؤه يواجهونه بأمر واحد وحيد: كان عبد الناصر ديكتاتورياً. لم يفعل هذا المطعن فعله الكبير في الجيل الناصري. لأن الرد كان جاهزاً عبد الناصر وطني قومي حطّم أغلال العبودية، رفع راية العرب عالياً، حرر الطبقة الفلاحية، أسس نهضة مصر الصناعية، قام بدور عالمي، أحبه الشعب، وأحب الشعب،وهو رمز للكرامة.
الناصرية المحدودة الآن ، المستمرة بهذا الشكل أو ذاك، لدى جيل على وشك النضوب، وخاصة في مصر وبلاد الشام والعراق ما زالت تستمد قوتها من رمزية المخلص البطل التراجيدي الذي قضى في ساح الكفاح دفاعاً عن المقاومة أيلول 1970، لقد منح الموت المبكر عبد الناصر القدرة على بقاء الناصرية حيث العنصران الحاسمان في تشكيل صورتها الوطنية ـ القومية والنزاهة.
في الناصرية انتقل المخلص بعد مماته إلى البطل الخالد الذي تستمد منه الحركة حسن سلوكها مهما، كان أداؤها السياسي سيئاً . حيث البطل الشجاع القومي الزاهد مثلٌ أعلى تستمد منه الحركة قيمتها الأخلاقية.
وعندي أن القوة الأخلاقية لعبد الناصر هي العامل الأهم لاستمرار الناصرية في قوى الزهد الثوري بعد عبد الناصر تأكيداً للترابط المطلق بين الزهد والثورة، ولأنه أكد هذا الترابط صار جزءاً من ذاكرة التائقين إلى الخلاص.
لكن هناك أمراً مهماً يجب عدم نسيانها ألا وهو:إن استعادة تاريخ عبد الناصر وتجربته أمر محال. ولم تعد دكتاتورية المخلص تغري أحداً. ونقد تجربة الماضي سبيل للتجاوز. ذلك إن الحقيقة التي لا جدال فيها الآن هي: إن الدولة القمعية بكل أشكالها هي الدمار الحقيقي للحياة والإنسان.

حرب بين الحروب... وحروب لتجنّب "الحرب"

يوليو 19, 2020 اضف تعليق
عبدالوهاب بدرخان

اعتمدت إسرائيل لغاراتها على المواقع الإيرانية وأحياناً الأسدية في سورية مصطلح "الحرب بين الحروب"، على رغم أنها لم تعترف رسمياً بأنها تخوضها لكنها تترك إعلامها يتحدّث عنها. وبين مئات الهجمات الجوية حصل مرّة واحدة أن أسقُطت مقاتلة "اف 16" (شباط/ فبراير 2018). أما "الحروب" المشار إليها فيُقصد بها تلك الجارية داخل سورية (إدلب، "داعش"، شرق الفرات وغربه، وكل ما سبقها)، وشُمل بها لاحقاً ما دار في العراق ولا يزال (2019) بعدما تركّز الاشتباه على إسرائيل باستهداف فصائل "الحشد الشعبي"، من دون استبعاد الولايات المتحدة. وبدت هذه "الحروب" دائماً، أو هكذا صُوّرت، كأنها مجرّد سياق يقود، أو يجب أن يقود، الى "الحرب" ضد إيران.
في غضون ذلك كانت إيران تخوض كل تلك "الحروب" وتعتبر الضربات التي تتعرّض لها ميليشياتها ضريبةً لا بدّ منها للنفوذ الذي تبنيه في سورية والعراق واليمن ولبنان، ونتائج محسوبة لديها تفادياً لـ "حرب" على أرضها، وسبق أن كرّر مسؤولون أن إيران تقاتل في دمشق أو بغداد "دفاعاً عن طهران". لكن، منذ منتصف العام الماضي، مع الحشد البحري الأميركي في الخليج وتصاعد التوتر بعد تشديد العقوبات، أصبحت احتمالات تلك "الحرب" ممكنة، محتملة، حتميّة، وأحياناً وشيكة، وبلغ التصعيد ذروته مرّتين: أولى، بعد الهجوم الصاروخي على المنشآت النفطية في السعودية. وثانية، بعد تكرار القصف الصاروخي على قواعد عراقية توجد فيها قوات أميركية.
لم يكن هناك ردٌّ على ضرب المنشآت النفطية، لكن واشنطن أرسلت إنذارات عبر قنوات عدّة الى طهران، التي اعتبرت أن تكتيك "الحروب بالوكالة" لا يزال سائداً ومقبولاً، فضاعفت تنشيط الحوثيين في اليمن ثم دفعت أحد الفصائل العراقية الى مواصلة استفزاز الاميركيين. صمت هؤلاء الى أن قُتل متعاقد مع قواتهم، فقصفوا مواقع لـ "كتائب حزب الله العراقي" في مناطق على جانبَي الحدود العراقية - السورية. قُتل عشرات من عناصر "الكتائب"، وقاد قادة "الحشد الشعبي" تظاهرة غاضبة أمام السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء محاولين اقتحامها... بعد أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة شكّل اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بقصف من طائرة مسيّرة أميركية، فجر الثالث من كانون الثاني (يناير) هذه السنة فور خروجهما من مطار بغداد، صدمة شديدة لإيران. برّرت واشنطن هذا الاغتيال بسيل من "المعلومات" عن مخطط كان يعدّه سليماني ضد قواتها. لكن الأهم أنها اعتبرته هجوماً رادعاً، وبدا رادعاً فعلاً حتى مع اتاحتها ردّاً صاروخياً إيرانياً محدوداً من دون أن تردّ عليه.
كيف بدا ذلك رادعاً؟ لأن طهران أدركت في تلك اللحظة أن أي خطوة تالية غير محسوبة قد تُشعل "الحرب" التي تريدها، ومنذ الاغتيال حتى الآن لم تعد تحدّيات إيران كما كانت، سواء في مياه الخليج أو داخل العراق حيث تلقّت "كتائب حزب الله العراقي" ضربة أخرى موجعة في بابل. ومع استمرار العقوبات التي دأبت طهران على تحدّيها، بل روّجت أن ثأرها لسليماني لن يكون أقلّ من طرد الاميركيين من المنطقة، إلا أنها تبادلت معتقلين مع واشنطن، كذلك مرّر "حزب الله" اللبناني تهريب العميل عامر فاخوري وردّت واشنطن بالإفراج عن عميله المالي قاسم تاج الدين. وترافق ذلك مع تسريبات غير مؤكّدة عن اتصالات غير رسمية مستمرة لكن من دون حلحلة لعراقيل التفاوض، وينسحب هذا الجو أيضاً على الوساطة الأميركية لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل بناء على مرونة مستجدة يبديها "حزب الله".
حتى قبل الاغتيال الرادع، كان نفوذ إيران اهتزّ بفعل الانتفاضتين الشعبيّتين في العراق ولبنان، إذ انطلقتا أساساً من نقمة عارمة على فشل دولتين واقعتين تحت هيمنتها وعلى أزمة اقتصادية متفاقمة. الفشل كان انكشافاً سياسياً لإيران، والتدهور الاقتصادي كان انكشافاً لعجزها عن المساعدة. صحيح أنها لا تزال قادرة على تلبية الحدّ الأدنى من احتياجات ميليشياتها، لكن أتباعها يعيشون في مجتمعات تعددية ولا يمكن أن يتجاهلوا وقع الأزمة المعيشية على جمهورهم المباشر الذي يعاني كبقية المكوّنات. ثم أن الأزمات معقّدة ومفتوحة، ولا أفق زمنياً واضحاً لتجاوزها، لذلك اضطرّت طهران لقبول رئيس وزراء عراقياً من خارج وسطها وكلّما حاولت تحدّيه وعرقلة عمله كلّما انعكس ذلك سلباً على أتباعها، ولذلك أيضاً يواجه "حزب الله" تغيّراً جذرياً في نظرة المسيحيين اللبنانيين إليه حتى داخل "التيار العوني" المتحالف معه، الذي خسر ويخسر الكثير بسبب هذا التحالف.
هناك معالم ارتداع، إذاً، ربما عمّقتها أزمة وباء كورونا، لكنها لا تعني أن إيران باتت بلداً ضعيفاً أو مستضعفاً، فهي تملك أيضاً مقومات ردع أي "حرب" عليها، ولا تزال إمكاناتها كبيرة لتحريك ميليشياتها وتخريب أي استهداف لها. لكن السقوط الاقتصادي الذي منيت به بفعل العقوبات يجعل عدداً متزايداً من المحللين والخبراء يعتبرون أن أهدافها الاستراتيجية الكبرى تأثّرت ولم تعد الرياح تهبّ لمصلحتها. فعدا لبنان والعراق حيث أقتربت ميليشياتها من خيار الحرب الأهلية للدفاع عن وجودها، لم يعد مستقبل وجودها المسلح في سورية مضموناً، أما حوثيّوها في اليمن فمن المؤكّد أنهم لم يتمكّنوا من إقامة نموذج قابل للبقاء تحت قيادتهم مهما طالت الأزمة.
لعل أكثر ما يشير الى معالم الارتداع هذه ما تشهده إيران منذ أواخر حزيران (يونيو) الماضي من تفجيرات وحرائق طاولت منشأة ناطنز النووية وعدداً من محطات الطاقة في مواقع موزّعة بين طهران وأصفهان وميناء بوشهر والأحواز. تردّد أن مصانع أو مستودعات للصواريخ استُهدفت، وقالت السلطات أنها توصلت الى تحديد أسباب ما حصل في ناطنز. لكن بمعزل عن تسريبات ملحّة أرادتها إسرائيل لتأكيد مسؤوليتها فإن ثمة دوراً أساسياً لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي أي) بعد منحها صلاحيات للتحرك. لا شك أن هذه العمليات حملت رسائل عدّة لإيران، منها أن محاولاتها لتنشيط برنامجها النووي وتسريعه ستستدعي مزيداً من الضربات المباشرة، كذلك برنامجها الصاروخي. لكن الرسالة الأهم التي بلغتها أن نمط "الحرب" تغيّر، فلا جيوش ستهاجمها داخل حدودها، ولا طائرات ستغير على منشآتها، بل إن أسلحة ذكية وسيبرانية وربما فرق عمل سرّية صغيرة يمكن أن تقوم بما يضاهي عمل الجيوش من دون مواجهات ولا حتى ضحايا، لتستكمل مفاعيل العقوبات التي باتت إيران تعيش قسوة انعكاساتها العميقة. وإذ انطلق الجدل في شأن ردّ إيران على العمليات في داخلها، فإن أي ردّ محتمل يتطلّب أسلحة وقدرات متماثلة، أما الردّ بالوسائل والأسلحة المعروفة فقد يستدعي خيار "الحرب" التي لا تريدها، وأما عدم الردّ فسيبرهن أن الردع الأميركي بات سارياً.

عيسى الحجيري... الكرة الأرضية في إجازة قسرية

يوليو 15, 2020 اضف تعليق

تُتحفنا الطبيعة بين الفينة والأخرى بكل ما هو جديد، وتَصدمنا بما هو طارئ نادر الحدوث، على شكل ظاهرة فريدة خارقة، أو كارثة طبيعية هائلة، وذلك هو ما يجعل منّا نحن سكان هذه الكرة من الكون الفسيح مذهولين مدهوشين، ومربكين هلعين، أسرى للحيرة ومرمى للشك والظنون؛ وهو كذلك ما ينبهنا من غفلتنا، ويهز سكوننا ويكسر خمولنا وكسلنا، ويكشف استسلامنا لرتابة الحياة اليومية وانقيادنا مع مسرى معطيات الواقع الروتينية، ويعرقل انسياقنا مع بلادة القواعد العادية والمتكرة، وهذا أيضاً ما يفتح عيوننا وأذهاننا على تحديات ومصاعب لم تكن في دائرة التفكير قبلاً، ولا في مجال التأمل والحسبان، فيحل القلق، وتقع البلبلة  مكان الاستقرار، ويسود الخوف مكان الراحة، والتردد مكان الوثوق؛ فكأنه لا يوجد أمان ولا اطمئنان لما تخبئه لنا الطبيعة والحياة من صروف الأيام ومفاجآت الزمان، وكأنه لا صدق نهائي لما أبدته وتبديه معارفنا ومعطيات وعينا وتوقعات علومنا الماضية والحاضرة، كما وكأنه لا يمكن الركون التام إلى ما اظهرته لنا هذه الطبيعة  من أسرار قوانينها حتى الآن، وما ضمنته منظومة الثوابت القائمة في العلوم أو في المعرفة والفكر، وأيدته قواعد العقل والمنطق. أوليس هذا ما خلفته فينا مستجدات الأشهر الستة الماضية مذ برزت ظاهرة الوباء المستجد كورونا "كوفيد- 19"؟. والذي لم تكتمل فصول اجتياحه الدرامي للعالم بعد؟.
لم أجد ما هو التفسير الممكن للتوافق الصدفي بين عظمة الملوك ورمزية التيجان والصراعات الطاحنة التي دارت عليها عبر التاريخ ، وما سببته من حروب وغزوات وما أثارته من دسائس ومجازر دامية للوصول إليها، ومن أهوال للاحتفاظ بها أو للإستيلاء عليها، فلم أجد غير  الترادف في التسمية مع غازينا الرهيب الجديد المسمى بالفيروس التاجي؟(corona - coronne) وهل من تفسير لهذا التوافق غير الشكل الخارجي لهذا الضيف الثقيل القاتل؟.
ومما يجدر التنويه به أننا تعاطينا ونتعاطى مع هذا الغازي، هذا الجائح العدواني، التاجي الخطير، بكثير من المهابة والرهبة، بل قل بكثير من الخضوع والانصياع تجنباً لبطشه وفتكه بنا، بما يشبه الركوع أمام جبروت وهيبة الملوك والأباطرة والقياصرة وتيجانها، وإن دلّ ذلك على شيء فإنما يدل على أن الناس مهما علا شأنهم ومهما عظمت مراتبهم وتعاظمت كياناتهم فإن بطش الأقوياء والجبابرة بهم، سواء الجبابرة الغامضين منهم  أوالمشهورين البارزين منهم، يبقى هو الرادع الذي يجعل من هؤلاء الناس صالحين أتقياء ملتزمين الانصياع لأوامر أهل السلطات مذلولين أمامهم، وعبيداً صاغرين في مواجهة حضرتهم، وطائعين للقواعد والقوانين من شرائعهم؛ والمرجّح أن تكون الغريزة الأصل في الحفاظ على الحياة وحب البقاء في مواجهة الموت والفناء، هي التي تتحكم بردات فعلنا هذه أمام مثل هذه التحديات الرهيبة والكوارث الداهمة.
علمتني خبرتي في الحياة أن مقولة فلان "لا يهاب الموت" هي دعاية خرقاء، وأنه لا يوجد أي كائن حيّ لا يتملكه الخوف من الموت ولايسيّره حب الحياة، ويتساوى في هذا المجال الأبطال والشجعان مع الجبناء الرعاديد، ويتعادل فيها العظماء في سيرتهم بالمغمورين في سراديب ومستنقعات الحياة، من أعلى مراتب الوجود المتمثلة بالأحياء المدرِكة والعاقلة إلى أدنى أشكال هذه الحياة والذي تمثله المايكروبات والباكتيريا والفايروسات من الجرائيم، والخمائر كأبسط أشكالها ويمثل كورونا نموذجاً لها في تكاثره وانتشاره وانتقاله الذاتي الوبائي؛ فهذا القانون يسيطر ويحكم عالم الأحياء، فإن كل حيّ ينحو إلى حفظ وجوده وإكثار شبيهه من نسله، وهو قانون صارم وقاسي وشامل لا يقف في وجهه عائق ولا تحبسه سدود ولا حواجز. 
 لذلك نحن عندما نستعيد اليوم ما جرى، ونتأمل في ما حلّ بنا و بالبشرية حولنا، نجد أنفسنا عاجزين عن الجزم  في تحليل النتائج الحاصلة أو تلك المرتقبة المترتبة على ظاهرة فيروس كورونا-19، اللهم إلاّ الإحصاءات لأعداد الملايين من المصابين ومئات الآلاف من الضحايا أو المتعافين في عدّاد لم تهدأ حركته بعد، يرافقه السباق المحموم لإنتاج لقاح ناجع له،  كما لا يمكننا الجزم حول طبيعة النتائج التي سببها هذا الوباء حتى الآن، هل كانت رذيلة أم فضيلة أم فضيحة ؟، ضارة أم نافعة ؟ مفيدة أم فاسدة؟؛ فأين ذهبت فورة الأرض وأين اختفى ضجيج الحياة ؟ كيف خبا صخب المدن وتدفق نهر البشرية الهادر؟  أين تلاشت زحمة الطرق والمطارات والمرافئ البرية والبحرية والنهرية؟، أين ضجيج الملاعب والنوادي والملاهي والشواطئ؟ وكيف خفت نبض الحياة على هذه البقعة الفريدة من الكون فأدخل كرتنا الأرضية في إجازة قسرية؟.
 لقد ضرب الفايروس التاجي ضربته  في خنق أنفاس الناس وكمّ أفواههم وتحطيم طموحاتهم ومشاريعهم  وشل حيويتهم وأشغالهم، وخلّف آثاراً واضحة وترك خدوشاً عميقة  محفورة على جبهة البشرية قد لا تندمل ندوبها في وقت قريب.
فمن الإيجابيات الجلية لجائحة هذا الفيروس المستجد الخطير، وغزوة هذا الكائن الغريب العجيب، أنها أصابت مراكز حساسة وأصلية من ثوابت أفكارنا ومعرفتنا وطاولت حتى يقينيات عقائدنا ومسلمات مقدساتنا، فزلزلتها وعصفت بها، كإعصار حل بسكينة جريانها، من غير أيّة اعتبارات لموازين القوى العالمية، ولا أيّة مراعاة للقوى العظمى أو الصغرى، ولا احترام لأي اصطفافات عالمية ومراتب دولية، ومن غير أي اعتبار لمناطق النفوذ والسيطرة، أممية كانت أم قومية، سياسية واجتماعية أو عسكرية. فبدت كل القوى سواء، الجبارة منها أوالهزيلة ، المقدرة أم المهمّشة، تقف جميعها عاجزة مذهولة، بل مكبلة حائرة أمام عدو خفي يدخل دون استئذان من حيث لا ندري ولا نتوقع، وهذا ما حفز العقل البشري ونبهه على المخاطر الطارئة التي تهدد البشرية متجاوزة المستوى الرفيع الذي بلغته هذه البشرية في رقيها وتقدمها .
 ومن بين أبرز القضايا التي طالها الفيروس الخطير هي المعتقدات والثوابت الإيمانية كالقضاء والقدر، والمقامات والكرامات وأهل الشفاعات والقداسة، وكل أشكال وألوان السحر والتنجيم وأثر الأرواح المفارقة للوجود المادي روحانية كانت أم شيطانية، أُنسية أم جنية؛ وما ينسب إليها من آثار عجائبية خارقة في شفاء كل عاهة أو مرض، وتبخر الطب المقدس التاريخي قديمه ومستحدثه فثبت بالتجربة بطلانه وتهافته.

 ولم تقتصر أضرار هذا الوباء على الضحايا البشرية  بل تعدتها إلى بُنى إجتماعية أخرى فجعلت صورة العالم سوريالية مأساوية، فمن أبرز ما تراجع صيته وشهرته هو موضوع الإرهاب، مع أنه من المفترض أن يكون كورونا قد فتح عيون العالم على خطر إرهاب أخطر وأدهى من المعهود بافتراض أن يقوم طاغية من الحكام الفرديين المسكونين بجنون الإجرام بتصنيع كورونا كسلاح بيولوجي وأن يقوم باستخدامه ضد شعبه أو ضد أعداء مفترضين من شعوب أخرى؛ وهذا ما يرتب على الإنسانية جمعاء وفي مقدمها العالم الحر مسؤوليات جسيمة حيال التغاضي عن بقاء حكام ورؤساء وساسة مهووسين بجنون العظمة، يتحكمون بدول وشعوب مغلوبة على أمرها ومحرومة من حقوقها في العيش وحرية الرأي والتعبير والمعتقد والعيش الكريم. 
أما مسألة التقارب الإجتماعي والتجمعات التي تعتبر مكوناً أصيلاً في العلاقات المتبادلة بين البشر وميزة خاصة للكائنات العاقلة وتشكل أساس العادات والتقاليد والفنون والتراث والقيم والإحتفالات الشعبية في الواجبات والمناسبات العامة والخاصة فكلها تعرضت لانتكاسة وخلخلة عميقة قد تظهر نتائجها تباعاً في المديين القريب والبعيد. 
كما أن الثروات والأموال والرساميل، كبيرها وصغيرها، والعصبيات والأعراق أصيلها ووضيعها، الزعامات والقيادات من ملوك ورؤساء وقادة أحزاب وجمعيات ونقابات ونوادي، كل تلك البنى والهيئات وقفت عاجزة لا حيلة لها ولا قدرة أمام الضيف الخطير الفايروس (كوفيد- 19)

*– مختص بشؤون الفلسفة والعلوم الإنسانية.

بوب ارت ام كلثوم لمحمد الحجيري

يوليو 15, 2020 اضف تعليق


«بوب آرت أم كلثوم ـــ الحب، الصوت، السلطة» هو عنوان المؤلّف الجديد لمحمد الحجيري الذي صدر أخيراً عن «منشورات الجمل». يرصد الصحافي اللبناني حضور أم كلثوم في لوحات وصور فن البوب العربي في بلدان عدّة منها مصر ولبنان والمغرب العربي، ويوغل من خلال هذه الصورة في قراءة جماليّة بصريّة، وأخرى سياسية لاستخداماتها. في انتقال صورة أم كلثوم من التراث الطربي إلى البوب آرت، هناك طبقات متعدّدة من المعاني التي تقوم على تناقضات يتوقّف عندها الكاتب في مؤلّفه.
من الكتاب
في بداية اندفاعي إلى الكتابة، قبل أنْ تكونَ مهنةً وعملاً يومياً، منذ نَحو عقدين ونيف، دوّنت مقالاً هزيلاً في إحدى الصحف المحلية اللبنانية، أو هكذا أصفه اليوم، عن ذكرى رحيل أم كلْثوم. كانَ هدفي أنْ أكتبَ وأرى اسمي مطبوعاً في جريدة، من بابِ اثبات وجودي واكتشاف ذاتي، في زمنٍ كانَ للورق وقعه وناسه وطقوسه وغلاته. أوردتُ في المقال ما كتبه إدوارد سعيد، المفكّر الأميركي من أصلٍ فلسطيني، في مقاله "تحيّة إلى تحيّة" وجاءَ فيه: "خلالَ حياتها (أمّ كلْثوم) كانَ هنالك سجالٌ ما إذا كانتْ أو لم تكنْ أمّ كلْثوم مثليّة الجنس ("سحاقيّة" بحسب ترجمة مجلة الآداب)، لكنْ يبدو أنَّ قوّة وسحرَ أدائها جعلَ الجمهور يتجاهل ذلك"... لمْ أفهمْ يومها هل كان هذا الكلام مديحاً أم ذمّاً لـ"السّتّ"؟ هل كان متناً أم هامشاً؟ لكنd أوردته في مقالي الهزيل، وحذَفته الصّحيفة اللبنانيّة الاسلاميّة "المتزمّتة" والتّقليديّة. لمْ أكن حينها عارفاً بقَضِيّة المثليين، ولمْ يكنْ الإنترنت قد انتشرَ وسمحَ للجميع، مِنْ مختلف المجالات والانتماءات والهويّات، بتعويم كلّ قَضِيّة شائكة وساخنة، سواءً أكانتْ صغيرة أم كبيرة، حقيقية أم مزيّفة، "محرّمة" أم مسموحة.

وخلال السنوات القليلة الماضية، تحوّلت "الإشارة" السعيديّة العابرة عن أمّ كلْثوم "سنداً" ومفتاحاً لعشرات المقالات، المفتعلة أو الرصينة التي، تتحدّث عن "ثقافة الجندرة" و"جنسانيّة أمّ كلْثوم". مجرّد أن ذكر إدوارد سعيد مقولة الـ"سجال ما إذا كانت أو لم تكنْ"، صارَ ينبغي، في عُرف "جماهيره" وعشاق ثقافته، التطرّق إليها، على نحو ما كتبَ عن "نضال" الرّاقصة تحيّة كاريوكا، فوجدَ مجموعة من المثقفين واليساريين، مبرراً "شرعياً" لإعلان حبّهم لهز البطن وللرّقْص الشّرقي والراقصات والكتابة عنهن وعن رغباتهن أو عما شابه، وهذا وجهٌ من وجوه الثقافة النمطيّة ومآلها القائمِ على التحزّب والعصبية...

وباتَ الحديثُ عنْ "مثليّة" أمّ كلْثوم مُوْضَة رائجة شفاهياً وكتابياً. بالطبع في الجانب الشفاهي، قدْ نَسمعُ نمائمَ، تتّهمُ عشرات الكتّاب والممثلين والشعراء بالمثليّة، والقصد بـ"الاتّهام" في جانب منه، هو محاولة الحطّ من شأن الشّخص، لكن هذه النمائم تتقلّص كتابياً إلى حدّ الندْرة. أمّ كلْثوم التي تزوجتْ مرتين بشكل معلن (في الواقع هناك تضارب في المعلومات حول عدد زيجاتها ومن هم أزواجها، وليس هذا موضع بحثنا) ولم تكن أي زيجة منهما تقليديّة، فقد فسخ الزواج الأول خلال أيام، وفي المرة الثانية تزوجت وهي في الخمسين من عمرها رجلاً أصغر سناً ولديه أطفال من زوجته السابقة. في سيرتها الذاتية، ثمّة من يستسهل الحديث عن مثليتها، وهناك من يحاول حجب أي إشارة تلمح إلى ذلك. وعُشَّاق الحديث عنْ مثليّة أمّ كلْثوم، عشرات الكتّاب والكتبة، والمواقع التي تبحثُ عن جمهور، وتحاولُ اختزال مطربة فذّة ونادرة، لم تعشْ "حياةً واحدةً"، ولا يمكنُ اختزالها أو تقزيمها.. وهم يلجأون إلى البرهان مرّة بصورة معجبة مجهولة الهوية والاسم، تُقبّل أمّ كلْثوم في لحظة غِرّة، على فمِها، وتلتقط الكاميرا الصورة التقاطاً فجّاً، كأن الصورة تقول بـ"الجرم المشهود"، ويصعب تفسير لحظتها. وإن كانتْ في معانيها الآن تشير إلى نوع من الحبّ المثليّ، فهي ربّما تكون اعجاباً عادياً وليس تحرشاً أو حباً، وفي ذلك الزمن كان تقبيل أنثى لأنثى على الشفاه أمراً عادياً ومألوفاً ونراه في الأفلام... و"المعجبة" (لا نعرف ان كانتْ الصورة حقيقية أم مركّبة) تمسكُ خديّ أمّ كلْثوم الجالسة لتخطف قُبْلة، ويبرّر البعض أنّ قُبْلَة الفَم بين الأصدقاء_ الصديقات، تحصلُ أحياناً من دون أنْ تكونَ لها دوافع مثليّة أو غرامية، أو ما يدعو إلى الشَّكِّ.

وليستْ هذه الصورة وحدها التي يستعملها الكتبة والكتّاب للإفاضة في الكلام عن موضوع مثيرٍ للجدل، فأحدهم يعتبرُ أن وقوفَ أمّ كلْثوم على المسرح وإطلاقها أُغْنِيَة "اعطني حريتي أطلق يديّ"، هو تمرّد على الواقع، وليس مجرّد طربٍ وجذلٍ ولهوٍ وإرضاءٍ للجمهور، فأمّ كلْثوم المرأة تريدُ حريتها في هذا العالم. وباتَ البعض الآخر يتفحّص نوايا أمّ كلْثوم وهي تنظر بإعجاب إلى إحدى المراهقات النوبيات، أو تتأملُ فتاةً تقدّم الرّقْص الشّرقيّ في أحد المنازل، وتذهبُ النوايا أبعد من ذلك إلى صورة "ثومة" مع عاملة منزلها وهما يجلسان على مقعدٍ في حديقة الدّار... وتتحوّل النظرة الكلْثومية "شهوة أثمة" في رأي بعض الصحافيين والمحلّلين... ولا ضير في التذكير أن الكاتبة الجزائرية - الفرنسية، إيزابيل صياح – بوديس في كتابها "أمّ كلْثوم.. كوكب الشّرق" ذكرتْ أنّ "السّتّ" كانتْ "لا تشعر بأنوثتها إلا مع النساء الصّديقات، تحبّ أنْ تصغي إلى حديث المجوهرات والموضة والطبخ... فتخلع عنها كفيتها، وتبدو كنساء القصص التي تقرأها سراً في غرفتها"... وتعاود إيزابيل صياح، الرّهان على أهمية الصداقة النّسائية لدى أمّ كلْثوم، صداقتها مع حورية اليونانيّة التي تفسّر الاحلام، وعائشة في طماي الظواهرة بلدتها...

محمد خضير... السكيج القصصي نوعاً أدبياً

يوليو 15, 2020 اضف تعليق

  لم احتط بما يكفي كي لا يُحتسَب تمريني القصصي (الحاجز)- المنشور على صفحة الفيسبوك بتاريخ ٤ يونيو/ حزيران ٢٠٢٠- نزوةً افتراضية فحسب، إنما يأخُذ مدارَه السردي الحقيقي بين أنواع هامشية من السرد، أهمها النوع الذي ساد في منتصف القرن الماضي، وسُمي ب (السكيج) أي (التخطيط الاولي) لنماذج بشرية، أو لموقف وتجربة شخصية، شجّعت على شيوعه وتأطيره الصحافةُ بصورة خاصة. أما اليوم فإنّ وسائل الاتصال الإلكترونية الواسعة الانتشار كالفيسبوك والتويتر والمدونات الشخصية، تقوم برعاية مثل هذه الأنواع الصحفية المنقرضة (الخاطرة، الصورة القلمية، لقطة الرصيف، حقيبة المتجول، صندوق البريد، المفكرة اليومية..) التي تندرج بشكلٍ سرديّ ما تحت مفهوم "السكيج" المستعار من فنّ الرسوم التخطيطية. أما قيمة هذا النوع فلا تتحدد بحجمٍ أو مقياس او معيار، أي لا تُقدَّر أهميتُها بدرجة العمل الكامل (القصة أو اللوحة أو الفيلم). وهناك تخطيطات فنية ظلّت على نقصها دليلاً على قمة الانجاز والابداع (البورتريهات الخطّية بقلم فناني العالم المعروفين) وأفلام تسجيلية قصيرة دالة على عبقرية المكان وتنوع الطبيعة البشرية (أفلام فيرتوف وجريرسون وفلاهرتي). وقد يفكر كاتبو السكيجات الصحفية والشبكية بتطويرها او استثمارها في عمل لاحق أكثر كمالاً (اصبحت مفكرة جوزيه سارماغو المنشورة في كتابٍ واحدةً من الأمثلة الفريدة، حوَت محاولاته التوثيقية المؤرخة التي بدأها على مدونته الإلكترونية بعد العام ٢٠٠٣).
    لم تحصل لكتّابنا - الصحفيين- جرأةُ الاعتراف بقيمة محاولاتهم التخطيطية (السكيجات) سابقاً. ففي أيام محمد روزنامجي الأخيرة، اكتشف محرّرُ مجلة ألف باء الأدبي أن القاصّ الذي أجرى معه مقابلة صعبة، يخفي في ذاكرته عشرات (السكيجات) التي كتبها عن نماذج بشرية زاملَها سنوات عمله الوظيفي والصحفي، لكنّه أهمل جمعها في كتاب ظانّاً أنها أقلّ أهمية من قصصه التي اعتزَّ بجمعها في كتاب وحيد له بعنوان (أرض وبشر وزمن). ظلّت سكيجات روزنامجي حبيسةَ الأرشيف الصحفي، واكتفى الرجل بحظّ "الرجل الصغير" من النصَّ القصصي الذي قاربَه بحاسة "الرزّام" السرّية، ودسيسة النفس المرتابة في نماذجها، وهاجس الزمن المبعثر حولهما. وربما كان هذا مزاجَ قاصّ الخمسينات الآخر (نزار عباس) الذي اعترف مثل صاحبه روزنامجي، في مقابلة صحفية أيضا، أنه أخفى نصوصاً من ذكرياته في دفتر كان يخبئه تحت وسادته، لكنّه ضاع منه، أو أتلفه خوفاً من أن تطغى مادةُ سكيجاته الصحفية على خيال قصصه القصيرة المسترسل، الذي لم يُفلح إلا في إصدار مجموعة واحدة منها فقط عنوانها (زقاق الفئران). وأظنّ أنّ شعراء العقدين الأربعيني والخمسيني الماضيين، السياب والبياتي وحسين مردان والصكار وسعدي يوسف وعبد الرزاق عبد الواحد، جرّبوا حظهم في تأليف سكيجات قصصية، لم يعترفوا بها في قائمة مؤلفاتهم. كان هذا النوع- التخطيطي- وليداً غير شرعي يجب التكتّم عليه ونُكرانه، واعتبروه حفراً حذراً في جحور الفئران.
   لكن كتّابا عرباً، كان لهم قصب السبق في خرق العادة السردية الغالبة، احتسبوا هذا النوع من المهملات إرثاً خاصاً، له جذوره التقليدية في تراث السردية العربية، فافردوا له كتباً في منتصف شهرتهم الأدبية او في ذيلها القصير. وأذكر هنا أنموذجين رائدين ، لا يزالان يوجّهان أنظارنا نحو الحديث/ القديم من التخطيطات السردية "السكيجات" ويوثّقون وجودَها بين متون المؤلفات الأدبية الكاملة. كان الأول طه حسين الذي جمع محاولاته "هوامله" في مجموعة (جنّة الشوك) منتصف حياته ١٩٤٥. والثاني نجيب محفوظ الذي اختار من "شوامله" الروائية نصوصاً قصيرة غير مجنَّسة، أخذت تأكل ذيولَها الطويلة وتكتفي بأقصر السكيجات، حتى انحصرت في كتابين تخطيطيين هما "أصداء السيرة الذاتية" و"أحلام فترة النقاهة" حينما قاربَ التسعينَ من عمره. عاش الأديبان العظيمان في عصر ما قبل النصوص الإلكترونية، إلا أن تذييل تجربتهما بهذه الأدلة التخطيطية، يؤكد بيّنتهما على السير عكس الاتجاه والتقليد، ويختم تجربتهما الكاملة والشاملة بنصوص هامشية. 
   إضافة إلى (مفكرة ساراماغو) التي تضمّ هوامل مدوّنته الإلكترونية، فإنّ الكاتب العالمي الآخر الذي حشَرَ مدوناته الثانوية (التخطيطات والسكيجات) بين اعماله الكاملة، هو الكاتب الكولومبي غابرييل ماركيز، صاحب السرديات الغرائبية. فقد حاول ماركيز استرجاع أربع وستين فكرة قصصية - ملاحظات ومسودات- دوّنها في دفتر مدرسي، أعاره إياه ابناه، خلال رحلة بين عدة مدن اوربية، العام ١٩٧٤. ولكن لصدفةٍ ما، يفقد ماركيز الدفتر، وسط عاصفة من الاوراق على منضدته، في نيو مكسيكو بعد انتهاء الرحلة، فصمّم على استرجاع الأفكار الأولى واصطفائها من ذاكرته في قصص قصيرة خلال ١٩٨٠- ١٩٨٤، فلم تبق منها إلا اثنتا عشرة قصة، تلك التي نشرها تحت عنوان (اثنتا عشرة قصة قصيرة مهاجرة) العام ١٩٩٢. (صدر الكتاب بترجمة صالح علماني عن دار الأهالي ١٩٩٥ ودار طوى، العام ٢٠١٥. وهناك كتاب آخر لماركيز عنوانه: قصص ضائعة، بترجمة علماني أيضاً، صدر أول مرة عن دار أزمنة ١٩٩٠. علماً أن محتويات الكتاب الثاني الذي اتخذتُه مرجعاً لهذه المقالة مختلفة عن محتويات الكتاب الأول الذي استندتُ إلى مقدمته في سرد قصة ضياع دفتر الملاحظات). إنّ الدليل على تبلور رحلة الأفكار خلال هذه المدة الطويلة، في عدد قليل من النصوص، يؤكد حالة "الاصطفاء" الملازمة لكتابة السكيج القصصي، إذ لم يستطع ماركيز استرجاع غير عدد قليل من الأصول المفقودة، بينما استعصت السكيجاتُ الأخرى على التطويع والتصيّر في نصوص قصصية كاملة. وأحسبُ دفاتر ملاحظات الأدباء، من نوع دفتر ماركيز المفقود، قد انطوت على عدد غير محدود من السكيجات التي أبَت التخلي عن وضعها المصمَّم عند حدودها الأولى.
   سنصل أخيراً الى الحالة الأنموذجية لكتابة السكيج القصصي في أعمال الأرغواني أدواردو غاليانو. فليس في كتبه السردية العديدة ما يُستثنى او يُستبعد لأنه لم يبلغ مستوى القصة الكاملة والرواية والقصيدة والسيرة. فهذه الاجناس الكبيرة كلها انحنَت طائعة أمام رغبة غاليانو في الاحتفاظ بتجاربها القصيرة، الحرّة من التجنيس، ولم يستجب نصٌّ منها لدافع التعديل أو الإضافة على أصولها الأولى، التي تبدو تخطيطات صحفية أو تدوينات مفكرة يومية (وتتخذ ثلاثيتُه الشهيرة- ذاكرة النار- شكلَ التوثيق التاريخي المتسلسل لوقائع القرن العشرين في مقاطع قصيرة). بعد أعمال غاليانو "الوقائعية" سيصبح السكيج الشكلَ الأوثق لنصّ أساسي، خال من الزوائد البلاغية، والأساليب الشخصية، والظلال الدلالية الغاشية وجه الحقيقة. وهذا أيضاً ما طلبه الروائي التركي اورهان باموق في توثيق أعماله كلها بأمانة فكرية وأخلاقية مفرطة. لا شيء يُلفَظ ويُرمى جانباً، بل على الراوي المعاصر أن يوثِّق وقائعه، المهمة والتافهة، في "متحف البراءة" الخاص به، ويرصَّ اختباراته التجريبية جنباً إلى جنب في صحيفة اعماله. 
   إلى أيّ الحدود وصلَ السكيج، بعد انتهاء مرحلة المتحف الوثائقي البريء؟ أظنّ أنّ شبكة التواصل الإجتماعي الإلكترونية، بروابطها الإتصالية العديدة، وغرضيتها الافتراضية الشائعة، رفعت الحظرَ كلّياً (بمعناه المضاف الى استعماله الاصطلاحي السياسي) عن خصوصية المفكرة الورقية، والصحيفة اليومية، والرسائل المتبادلة، بإباحة تخطيطاتها للملأ المستطلِع في أكثر من مكان وموقع اتصالي. إنّ الشهرة التي تتوّج رؤوسَ الأدباء المعاصرين (ساراماغو- باموق- موراكامي- كونديرا- آدونيس- سعدي يوسف- عباس بيضون- علي بدر- لطفية الدليمي- احمد سعداوي- زاهر الغافري- نصيف الناصري) فضلاً عن عشرات المفكرين والمدوّنين السياسيين، والفنانين التشكيليين والمسرحيين، ألزمت كلَّ مستخدمٍ للوسائل الحديثة تدوينَ ملاحظاتٍ سريعة على وقائع عصره/ عصر العولمة الكولنيالية، والواقع الافتراضي، والنص المترابط، والسينما الرقمية، والجمال السوبريالي، والاقتصاد ما بعد الرأسمالي، والوباء الفيروسي المستجدّ.. صار السكيج نوعاً يتخطّى المحظورات المكانية والإجناسية، ليصبح العادةَ التدوينية الأولى على الشبكة العالمية، بعد السباحة في الفضاء إلى حدودٍ يجهلها الإنسان، ويحاول غزوها بإصرار عجيب.

إلهي إلهي لماذا تركتني...

يونيو 15, 2020 اضف تعليق


  أسعد قطّان

يفيدنا دارسو الكتاب المقدّس بأنّ أوثق مخطوطات إنجيل مرقس لا تنطوي على المقطع السرديّ عن ظهورات القائم من بين الأموات الذي نجده في معظم ترجمات العهد الجديد. الإنجيل، كما خطّه مرقس الإنجيليّ، ينتهي إذاً بخوف النسوة أمام القبر الفارغ: «فخرجن وهربن من القبر لأنّ الرعدة والحيرة أخذتاهنّ، ولم يقلن لأحد شيئاً لأنّهنّ كنّ خائفات». إنجيل مرقس، بخلاف الأناجيل القانونيّة الأخرى، لا يشتمل على أيّ ظهور ليسوع بعد قيامته من بين الأموات.

ينتج من هذا أنّ كلمات يسوع الأخيرة في هذا الإنجيل هي جملته على الصليب: «إلهي إلهي لماذا تركتني؟». كم رواية أو أقصوصة أو قصّة قصيرة قرأتم في حياتكم، كلمات «بطلها» الأخيرة هي مجرّد سؤال؟ لا شكّ في أنّنا هنا أمام ظاهرة نادرة جدّاً لا في الأدب القديم فحسب، بل في الأدب الحديث والمعاصر أيضاً. الشخصيّة الرئيسيّة في الإنجيل، أي يسوع الذي من الناصرة، تختتم كلامها في هذا النصّ الأدبيّ الرفيع بسؤال يعبّر عن خوف الإنسان الذي يحسّ بأنّه متروك فيما هو يواجه الموت. العبارة مستمدّة من سفر المزامير طبعاً. ولكنّ هذا لا يقلّل من وقعها، ومن قوّتها الجارحة. يسوع على الصليب في إنجيل مرقس متضامن مع كلّ المقتولين على وجه الأرض، ومع كلّ الذين يموتون وهم يشعرون بالمتروكيّة، أي بأنّ الله تخلّى عنهم في كارثة الموت. هذا هو «ردّ» إنجيل مرقس على معضلة الموت. يسوع على الصليب في هذا الإنجيل يكشف لنا أنّ ابن الله لا «يتفلسف» على الناس في لحظات الموت، بل يقف إلى جانبهم ويطرح الأسئلة معهم، لأنّه يعرف تماماً معنى أن يموت الإنسان، ومعنى أن يخاف من الموت.

طبيعة المسيح البشريّة هي ما يجعل هذه الخبرة ممكنة. يسوع كان إنساناً حقيقيّاً حتّى درجة الموت والخوف من الموت. ولكنّ بنوّته لله هي ما يجعل موته على الصليب حدثاً فريداً، حدثاً ذا معنى خلاصيّ، وما يجعل السؤال عن المتروكيّة على لسانه ذا وقع مختلف، بمعنى أنّ هذا السؤال يصبح ذا دلالة لكلّ إنسان يواجه الموت. هذه البنوّة لله تظهر بقوّة في حادثة الصليب المرقسيّة. مَن يكتشفها هو قائد المئة، أي الضابط الرومانيّ الذي لا ينتمي إلى شعب الله، ولا يفقه أيّ تفصيل من حكاية الله مع شعبه: «حقّاً كان هذا الإنسان ابن الله». حدث الصليب يفتح إنجيل يسوع على مصراعيه للأمم، للخوارج، للهامشيّين، لمن يمتلكون حكايات أخرى لا نقرأ عنها بالضرورة في الكتب التي تعوّدنا أن نقرأها. في إنجيل مرقس، تُظلم الدنيا قبل موت يسوع وينشقّ حجاب الهيكل بعد هذا الموت «من فوق إلى أسفل». ولكنّ قائد المئة يكتشف أنّ يسوع هو ابن الله لا بسبب الظلمة ولا بسبب الزلزلة: «ولمّا رأى قائد المئة الواقف مقابله أنّه صرخ هكذا وأسلم الروح قال حقّاً كان هذا الإنسان ابن الله». صرخة الموت التي أطلقها يسوع هي التي كشفت للرجل الذي يراقب الحدث «من الخارج» أنّ المصلوب ليس مجرّد إنسان عاديّ، بل هو أيضاً ابن الله. الله لا يقيم في الخوارق التي نبحث عنها كلّ يوم، بل في صرخات الموت التي تحيق بنا ولسنا بحاجة لأن نبحث عنها. ظهور الله على الصليب في إنجيل مرقس يحمل إذاً ختم الموت، ذلك بأنّ الله يتراءى في الموت. الموت، هذا «المكان» الذي هو عنوان غياب الله يصبح عنوان حضوره. هناك، في نفق الموت، في «حضرة الغياب»، كما كتب محمود درويش، يلاقينا الله بواسطة ابنه، ويمنحنا تعزيةً مفتوحةً على خبرة من نوع آخر، خبرة النور الذي ينبثق من الظلمة، خبرة القبر الفارغ الذي به يختتم مرقس إنجيله. غياب ظهور القائم من بين الأموات في إنجيل مرقس ليس صدفة. من يطلب هذا الظهور، يجب أن يبحث عنه عند قدمي المصلوب...

(الصورة: المصلوب، المتحف الفاتيكانيّ)

"قيصر" لن يحمي السوريين... فهل يأتي بـ "عدالة" ما؟

يونيو 14, 2020 اضف تعليق


عبدالوهاب بدرخان

عندما كان النظام السوري يحكم لبنان على نحو يومي ومتدخّل في كل التفاصيل، استطاع فرض قاعدة "تلازم المسارين" السوري واللبناني في تعاطي مسألة "السلام" مع إسرائيل. لم يكن "التلازم" تعاهداً بين دولتين أو حكومتين، بل إرادة "نظام وصاية" على نظام تابع. وعندما أن

جز المؤتمرون اللبنانيون "اتفاق الطائف" عام 1989 بقيت فيه بنود معقّدة تتعلّق بالوجود/ الاحتلال السوري وسلاح المقاومة ضد اسرائيل، ولأنها تفوق قدرتهم و"صلاحيتهم" فقد تولّى الاميركيون والسعوديون بلورة صيغة نهائية ترضي دمشق وتزكّي دورها، ثم صادر النظام الاتفاق وتطبيقه انتقائياً بما يناسبه. وبعد الانسحاب السوري (2005) أخذ وريثه في الوصاية، "حزب الله"، على عاتقه جعل "التلازم" تماهياً مع أجندة طهران ودمشق وتحويل "المقاومة" أداة في أيديهما لا لمحاربة إسرائيل بغية "تحرير فلسطين" بل للتناوش معها سعياً الى مكاسب إقليمية. وإذ أبقى نظام دمشق على "اتفاق الطائف" شكلياً فإن وريثه يعمل بدأب على إلغائه لاستنباط صيغة تكرّس حكمه للبنان.
في "قانون قيصر" تبدو الإدارة الأميركية كأنها تتّبع قاعدة "تلازم المسارين"، مستهدفة نظام بشار الأسد بعدما أصبح هيكلاً صوريّاً مهلهلاً ونظام "حزب الله" الذي اكتملت هيمنته على لبنان. تعتبر واشنطن معاقبة نظام الأسد مزدوجة، له ولإيران، كذلك معاقبة الحكم الحالي في لبنان، له ولـ "الحزب"، لأن رئيسه ميشال عون تجنّد في تمكين "الحزب" ويدين بكرسيّه له، كذلك بتلاعبه بكرسيّه وبالدولة وبالبلد. وعلى رغم التلويح بقسوة عقوبات "قيصر" إلا أن الاستثناءات تبدو مرتسمة، فما سيوجّه منها ضد روسيا سيكون مصمّماً للإبقاء على قنوات تفاهم ومساومة بالنسبة الى سيناريوات حل الأزمة السورية، وما يمكن أن يوجّه ضد الميليشيات الإيرانية في العراق لن يضايق الحكومة الحالية التي لن ترضخ لضغوط طهران ولن تساهم في دعم نظام الأسد إسوةً بحكومات سابقة.
لماذا "قانون قيصر"، وهل من قيمة أو أهمية لعنوانه الآخر: "حماية المدنيين السوريين"؟ لا شك أن هذه "الحماية" تأخرت ثمانية أعوام منذ طلبتها تظاهرات الشعب السوري، ولم تعد لها الآن أي فاعلية ملموسة. كان يُفترض أن تأتي عبر قرار من مجلس الأمن الدولي حين كان لا يزال في الإمكان إنقاذ مئات آلاف الأرواح، ومنع تشريد ملايين السوريين، والحؤول دون تدمير بعض أقدم الحواضر في تاريخ البشرية. لكن ما يؤمل اليوم من هذا القانون هو أولاً تحقيق شيء من العدالة لشعب سورية، وثانياً أن يكون فعلاً مساهمة في إنهاء الحرب وإيجاد ولو بداية حلٍّ سياسي يبقي سورية موحّدة ويبقي بريق أمل في عودة أبناء شعبها الى تعايشٍ كان حاصلاً على رغم السموم التي ضخّها النظام في أوصال الوطن.
أيّاً تكن نيات الولايات المتحدة وأهدافها، وأيّاً تكن خيبات الأمل العربية من سياساتها طوال القرن الماضي وصولاً الى "صفقة القرن" ومحاولتها إلغاء شعب فلسطين، ينبغي الاعتراف بأن "قانون قيصر" شكّل الاستجابة الصحيحة الوحيدة المتاحة في نظام دولي سمح للأسد بارتكاب أفظع المجازر والجرائم وباستخدام السلاح الكيماوي، رافضاً أي حلول سلمية، ومطمئناً الى أن "فيتوات" روسيا والصين تحصّنه من أي ادانة أو عقاب، بل إنه وحليفه الإيراني اعتقدا أن "خدعة الإرهاب" انطلت على العالم وأقنعته ببراءتهما الى حدّ التفكير بإعادة تأهيل النظام والاعتراف لإيران بنفوذها أينما شاءت.
لم يتوقّع النظام ولا الروس أو الإيرانيون أن ينبري شخص واحد - "قيصر" - ليقلب الطاولة عليهم، بل حتى على الاميركيين أنفسهم، فالكونغرسيون يشترعون عادةً بدافع من مصالحهم الشخصية والانتخابية، أو بغريزة الانحياز لإسرائيل، لكنهم هذه المرّة وجدوا أنفسهم إزاء آلاف من الصور لآلاف السوريين الذين قضوا تحت التعذيب. كانت تلك الوثائق مجرّد عيّنة من إجرام الطاغية، ولم يكن في الإمكان تجاهلها، فالتجاهل تزكية للمجرم وإدانة للمتجاهل، ومع ذلك استهلك إقرار القانون أربعة أعوام قضى خلالها عشرات آلاف السوريين في سجون النظام، كما وثّقت "منظمة العفو الدولية" وسواها، وعشرات الآلاف من المدنيين ببراميل النظام وغارات الطيران الروسي. وها هو "قيصر" يصبح الآن في صلب السياسة الاميركية ورأس حربتها، لكنه لن يبلغ غايته الموثّقة (حماية المدنيين السوريين) ما لم يلتزم إنهاء الحرب وبلورة "الحلّ" الذي يتطلع إليه المدنيون السوريون، فهذا هو التعويض الوحيد عن التقصير في حمايتهم عندما كانت واجبة، بل عن خذلان العالم لهم وتركهم فريسة لنظام وحشي وحلفائه الأكثر وحشية.
منذ 2011 كانت هناك خشية من تداخل الوضع السوري الذاهب الى كارثة مع وضع لبناني مأزوم منذ 2005 (اغتيال رفيق الحريري وما عناه داخلياً واقليمياً، بسبب تورّط "حزب الله" في هذا الاغتيال والاغتيالات التي تلته) ومأزوم أكثر منذ استباحة "الحزب" لبيروت عام 2008. لذلك وجب على جميع سياسيي لبنان اتّباع قاعدة درء تداعيات الحدث السوري على بلدهم، وهو ما عُرف لاحقاً بسياسة "النأي بالنفس" التي أيده "الحزب" (اعلان بعبدا) وفي اللحظة نفسها كان يورّط لبنان في الحرب السورية. كان ينفّذ أوامر إيرانية ويبرّرها بحماية "المقاومة" من "المؤامرة الكونية" التي استهدفت سورية، ثم أنه استخدم استقواءه بالقتال الى جانب نظام الأسد ليفرض انتخاب رئيس لبناني يشاطره التخديم للمصلحة الإيرانية. وما يشهده لبنان اليوم من تفكّك للدولة وانهيار مالي واقتصادي هو النتيجة العملية لحكم قاده ويقوده "حزب الله" (و"حركة أمل") مع "التيار العوني"، قدّم ويقدّم كل أشكال الدعم والتسهيلات لنظام الأسد، خصوصاً بتهريب الأموال والوقود والسلع الى الحدّ الذي بدأ يلحق أفدح الأضرار والخسائر بالاقتصاد اللبناني.
وكما أكّد جيمس جيفري، المبعوث الأميركي الخاص بسورية أخيراً، دور حكومته في انهيار الليرة السورية، يمكن القول إنها تساهم بمشاركة من خصومها في انهيار الليرة اللبنانية. صحيح أن العقوبات الأميركية فُرضت على سورية للضغط على النظام، وصحيح أيضاً أن هذا النظام وحلفاءه الإيرانيين استخدموا لبنان للتخفيف من تأثير تلك العقوبات، إلا أن ضررها واقع أولاً وأخيراً على اللبنانيين والسوريين، وليس واضحاً كيف ستؤثّر في النظامَين اللذين يطبّقان دروس خبرة إيران في التعامل مع العقوبات، وأهمها عدم الاكتراث بآلام الشعب والاستعداد لقمعه بشدّة إذا حاول الاحتجاج. في سورية القمع طبيعة أولى للنظام، أما في لبنان فيحاول "حزب الله" التذاكي باصطناع فتنة طائفية أو مذهبية لتخويف الحراك الشعبي.

  • قبل أن يبدأ تنفيذ "قانون قيصر" بادر نظام الأسد الى مصادرة الكثير من أموال الذين ساعدهم على صنع ثرواتهم في الداخل، أم داعموه من الخارج فسيكون عليهم أن يتخلّوا عنه كي ينقذوا شركاتهم وأعمالهم للهروب من مصيدة "قيصر"، لكن هل يستطيعون، هل يجرأون، وهم الذين حققوا مكاسبهم سواء بالتواطؤ مع الدولة (لبنان، العراق...) أو بالاحتيال على القوانين بمعرفة الدولة؟ لا شك أن "قانون قيصر" يقفل الكثير من الأبواب والنوافذ أمام النظامين السوري واللبناني، وطالما أن الشعب موجع ومنكوب في كل الأحوال فلعل التضييق على النظامين يفتح نافذة أمل بالخلاص من الأسد وإيران ومن عصاباتهما. هذه تبقى فرضية، ولا يزال أمامهما وقت ليواصلا جرائمهما من دون أن يتمكّنا من تغيير مجرى الأحداث

آدم فتحي / الشيخ إمام في ذكراه

يونيو 05, 2020 اضف تعليق


سارق النار حارس الزهرة صوتُ المقاومة زمنَ الاستسلام
*

ما أمكر الميّتين.

كم أعذرهم اليوم وأفهم أولئك الذين يفتتحون صباحاتهم بقراءة الجرائد بدايةً من صفحة الوفيات.
*
أشهد أنّي تعلّمت هذه «العادة» منذ رحيلك يا شيخ. كنّا نرقص حولك وبك وفيك مثلما ترقص الفراشات مع الربيع. كنتَ الدليل الحيّ على أنّ الخطاف الوحيد يستطيع أن يصنع ربيعًا بحجم الكون، شرط أن يكون لهذا الخطاف اسمك. وَهَبْنَاكَ الأسماء كلّها التي هبطت علينا من أغانيك كائناتٍ من لحم ودم تشبهنا وتطلب القوت وتسعى في الأسواق وتلهث وتتنهّد وتهمس وتهتف وتعشق وتغنّي وتسأل وتحلم.
امّحت الفروق بينك وبيننا وبين ياسين وبهيّة والزناتي وفلاّحي غيطان الجنوب وعصافير سجن القلعة وسكّان القرافة ولم يعد فرقٌ بين سكّان قفصة والغوريّة وحُوشْ قَدَمْ والسيجومي الذين اعتادت عيونهم أن تدمع كلّما ارتفع دخان اللحمة وهي تُشوى على الرصيف وتُشوَى على حرمانهم دون أن تسمع جوعهم يصرخ.
أصبح للبذلة الكاكي لون مفضوح وسطعت في أزقّة الحسين والسيّدة نجوم تشبه أزقة كلّ الجغرافيا العربية وتمشي على الأرض وتسند السماء.. أصبح أيّوب صديقنا وصار عبد الودود واحدًا من حرّاسنا الواقفين على الحدود في عباءته الفضفاضة يطبخ الشاي ويسمع عواء الذئاب البعيدة وينصت إلى حفيف المجهول وينظر إلى صحراء التتر وكأنّه «الأصل» الذي استنسخه دينو بوزاتي.
دخلنا معك قهاوي القاهرة وقهاوي تونس وجبنا حاراتها وحارات دمشق وطنجة وطرابلس وأكلنا فولها وطعميّتها في لفافات من الكاغذ والأحلام الذبيحة واستقبلنا مع فقرائها فاليري جيسكار ديستان والستّ بتاعه كمان بالسخرية نفسها، تلك القادمة من شكاوى الجريح الفصيح ومن «كتاب الموتى» الأحياء الماكرين ومن ألواح جلجامش ومن آثار خطى ديدون وهي تفرش جلد الثور لقرطاج.
وحدها السخرية تجعل الحياة ممكنة في كلّ ما يجعلها مستحيلة وتجعل الزمن ربيعًا في كلّ ما يريده صحراء.
*
كم أعذرهم اليوم وأفهم أولئك الذين يفتتحون صباحاتهم بقراءة الجرائد بدايةً من صفحة الوفيات. يفتتحون صباحاتهم باستراق النظر من وراء تلك السطور الصغيرة ناحيةَ ذلك الثقب الغامض.
*
لا أدري لماذا أذكر الربيع كلّما ذكرتك أنت الذي لم أسمع له صوتًا إلاّ وهو مضمّخ بحشرجة العمر في خريفه. «حشرجة» أو بحّة أو سعال لا يخلو منها شريط من شرائط حفلاتك، كانت تزعجك في البداية ثمّ سرعان ما تعايشتَ معها على عادتك مع كلّ ما ليس لك قدرة على ردّه.
«هو زيّ ما تقول توقيعي الشخصيّ.. » هكذا قلت لي حين أخذتُك ذات مساء إلى «قهوتي التونسية» المفضّلة وقتها، «مقهى الباطنيّة» في شارع فلسطين بالعاصمة تونس، وطلبتُ من صديقي مبارك صاحب المقهى «أرجيلتين» واحدة لي والأخرى لك، كي أجعلك «تستنشق» المكان وتحسّ بأنّك لم تخرج من بلدك وبأنّ الشوارع العربيّة كلّها متاهةٌ يفضي بعضُها إلى بعض.
سحبتَ نفَسًا ثمّ جرّنا الحديث إلى علاقتك بالتدخين وغيره.. فحدّثتَنِي عن ضرورة الإقلاع عنه وحدّثتَنِي عن أيّام كان لا يجرؤ أحد على مفاتحتك بكلمة قبل أن تدخّن الحجر العاشر أو الحادي عشر.. «آهِي فَوْرة الشباب يا آدم.. لكن الصُّوتْ دَه دِينْ في رقَبْتِي...وانا كلّ اللي عملتُهْ وكلّ اللي راح اعملُه، طريقة لتسديد هذا الدين.. »
وكنت أنصت إليك مبتسمًا وأنا أراك تتلذّذ بالنفس تلو الآخر في انسجام تامّ مع كلماتك المحذِّرة!
وأصدقك القول إنّي كثيرًا ما ألوذ بك اليوم كلّما حاصرتني طفلتي بإيعاز من أمّها أو من تلقاء نفسها الماكرة، بقائمة من الأهوال والأغوال المحدقة بالمدخّنين، في محاولات يائسة لإقناعي بالإقلاع عن تدخين الشيشة...فإذا أعوزتني الحيلة أسمعتها أغنية من أغانيك مشيرًا إليك من هنا يا شيخ، من هذا العالم السفليّ العابر، قائلاً لنفسي بشيء من اللعب الجادّ: أيّتها النفس الأمّارة بالتدخين، أَعِدُكِ بأن تكون هذه آخر شيشة إذا أجبتِنِي عن هذا السؤال: هل عاش صاحبي كلّ هذا العمر وهل كان له هذا الصوت على الرغم من كلّ ما دخّن من «الأراجيل» أم بفضل كلّ ما دخّن من «الأراجيل»؟؟
*
كم أعذرهم اليوم وأفهم أولئك الذين يفتتحون صباحاتهم بقراءة الجرائد بدايةً من صفحة الوفيات. يفتتحون صباحاتهم باستراق النظر من وراء تلك السطور الصغيرة ناحيةَ ذلك الثقب الغامض الذي يبتلع حبّات العنقود الواحدة تلو الأخرى، دون رأفة، ودون أن يُسْمَعَ صَوْتٌ لارتطامها بأيّ قاع.
*
أعود بين الحين والحين إلى صورة التُقطت لنا يومها في ذاك المقهى، في بداية ثمانينات القرن العشرين، فتدهشني سيماء الطفولة التي كانت تغلب على وجهي وأنا قربك.. طفولة في غير أوانها الطبيعيّ ما كنتُ لأنتبه إليها لو لم تثبتها عدسة المصوّر.
شيئًا فشيئًا استقرّ لديّ إحساس بأنّ السيماء الطفوليّة نفسها تعلو وجهي كلّما استمعت إلى أغانيك الآن وتعلو وجوه كلّ الذين ظلّوا مثابرين على الاستماع إليك.. هل يكون للفنّ (أم لفنّك أنت تحديدًا) علاقةٌ مَا بعشبة الخلود؟ هل يتوفّر الغناء (الشبيه بغنائك تحديدًا) على إكسير خفيّ يُبقِي على الطفولة فينا على الرغم من مرور السنوات؟
كنّا أطفالاً ثمّ اشتدّ العُودُ وذهب بنا الشباب مذاهب شتّى ونحن نستمع إليك وحدانًا وجماعاتٍ خفيةً ومتظاهرين.. كنّا نضع شرائطك تحت معاطفنا حيث توضع الممنوعات كي لا تلتهمها العيون التي لا تنام، فإذا بَلَغْنَا مَأْمَنًا «اختلينا بك» مجتمعين خاشعين صاخبين في تلك الحلقات الحميمة الشبيهة بالصلوات.
ثمّ خرجتَ من قفصك وسافرت وزرتنا ورأيناك واختلفنا إليك ووضعنا أيدينا في يديك.. وكنتَ بين هذا وذاك تتحدّانا بطفولتك ومرحك ودفئك وشبابك من أعلى سنواتك الستّين ثمّ السبعين.. كنت أكثرنَا شبابًا أيّها الشيخ.. كنتَ أكثرَنا ربيعًا ودفاعًا عن الربيع فيما كانت أحلامنا نحنُ تُكْسَرُ وتُقاوِمُ وتُجهَضُ وتُقاوِم وكأنّنا نريد لها أن تتفتّح وتزهر وتنطلق فيُراد لها أن تتجعّد داخلنا وتهرم وتشيخ.. وها أنت إلى اليوم لم تَعْلُ أغانيكَ شعرةٌ بيضاء واحدة.. وها أنت إلى الآن تهزّنا هزًّا فيتساقط عنّا ما جفّ من أوراق العمر.. فهل يكون في داخل كُلٍّ منّا طفلٌ كامِنٌ ينصت إليك فيفيق؟
ثمّ رحلتَ فكيف استطعت أن ترتكب هذا الرحيل؟ وأنا؟ كيف هان عليك أن تتركني وحيدًا أو أكاد؟ كيف هان عليك أن توقظني من حلمي بلقائك قبل أن أصدّق أنّه حدث بالفعل؟
كيف استطعت أن تغافلني وترحل بعد أن صنعت منّي مدمنًا على فنٍّ نَفَقَتْ سُوقُهُ أو تكاد، فنّ يزوّج الجمال إلى الحريّة ويَجِدُّ بِلَعِبٍ ويجرؤ على الموقف ويأبى إلاّ أن يطير بجناحي المتعة والمعنى؟
ثمّ كيف استطعت أن تروّضني على أسوأ العادات: قراءة الجريدة بداية من صفحة الوفيات، خشية أن أُفْجَعَ في حبيب آخر، في رفيقٍ آخر، في صديقٍ آخر، في حبّة أخرى من حبّات العنقود، تمامًا مثلما فُجِعْتُ فيك وأنا أقرأ جريدتي ذات صباح قبل سنوات؟؟
عزائي أنّك تولد أبدًا في كلّ أغنية من أغانيك، مع كلّ مريدٍ جديد يأخذه فنُّكَ إلى «خلوتك» المفتوحة على شوارع الدنيا كلّها.. فما أمكرك أيّها الشيخ.. ثمّ ما أمكر الفنّ الصادق العظيم.. ثمّ..

... ما أمْكَرَ المَيَّتِينْ
يَسْبِقونَ الجميعَ ويختبئون هُنَا أو هُناكْ
ويظلّونَ في مَوْتِهِمْ كامِنِينْ
خَلْفَ مُنْعَطَفٍ في دروب الهَلاكْ
يَرْقُبُونَ لِحِينْ
فإذا شَرَّدتْنَا القُرَى
أوْ رمتنا الشِباكْ
حَمَلُوا نَعْشَنَا
ومشوا في جَنازتنا ضاحِكينْ..
*
كم أعذرهم اليوم وأفهم أولئك الذين يفتتحون صباحاتهم بشجاعة من لا يخاف أن يعترف بالخوف. يتفقّدون العنقود من وراء دخان السيجارة ورشفة القهوة وخشخشة الصفحات.. ستائر يتدارون بها عن العيون كي لا تداهمهم في هلعهم اليوميّ ذاك.. هلع يتقاسمونه عن بعد، في شكل صومعات من العُرْيِ والطفولة والهشاشة يسكنها كلّ منهم دون أسلاك تربط بين هذه وتلك.
*
أين أنت الآن يا معلّم؟ هل تذكر لقاءنا الآوّل في قفصة؟ في قصر قفصة تحديدًا.. انتهى الحفل وتَرَكَتْ أغانيكَ المكانَ لحفيف الرياح تداعب جريد النخل.. كنّا كثيرين حولك: أنا ونبراس وخالد وسائر الأحبّة.. كان المكان مضمّخًا بروائح الجنوب وكنّا نقول أشياء لتأثيث الفضاء ككلّ من يخاف الصمت في حضرة من يحبّ...وكنت أنت تسمع وتهزّ جذعك ذهابًا وإيابًا مثل من ينصت إلى إيقاع داخليّ بعيد.
فجأة ارتفع صوتك بإحدى قصائدي وكنت سمعتني أقرأها في الأمسية.. ثمّ سألتني في حياء معتذرًا عن أيّ خطأ قد تكون ارتكبتَه في حقّ القصيدة.. وكأنّ لمثلك أن يعتذر لمثلي.. وكأنّي لم أكن مستعدًّا لرؤيتك تخطئ في القصيدة كلّها وفي أمّها وأبيها إذا لزم الأمر شَرْطَ أن أسمع كلماتها تُشرِق من بين شفتيك.. ثمّ أسرعتَ تمازحني معلنًا أنّك عثرتَ أخيرًا على «والدك» في تونس.. سألتك كيف؟ فأجبتني: «قصيدتك عنوانها يا ولدي، وأنت أبونا آدم أليس كذلك؟ عليك أن تناديني من اليوم بـِ.. يا ولدي.. » وضحكنا حتّى مطلع الفجر.
كم أحببتُ بِكَ الدنيا لحظتها يا شيخ.. كم وقفتُ على المسافة الفاصلة بين العمالقة والأقزام: هشاشة الروح والقدرة على الخجل والقدرة على الضحك والقدرة على الدهشة والحبّ والاعتذار والعطاء والنضال.
*
لا تَبْـكِ فأحلامُ الصِغَرِ تمضي كالحُلْمِ معَ الفجرِ
وقريبًا تَكْبُرُ يا ولـدي وتٌريدُ الدمْعَ فلا يجْرِي
كانت تلك أوّل قصيدة من قصائدي تشرّفني وتسعدني بتلحينها.. كانت تلك قصّة «مولد» أغنيتك التونسيّة الأولى.. ثمّ تتالت الأغاني وتتالت الأماكن وتتالت اللقاءات وتتالت الدروس.
لم يكن لي من شغل أهمّ من ملازمتك كلّما احتضنتك تونس، ملازمةَ المريدِ شيخَه.. جُبْنَا البلادَ طولاً وعرضًا.. نِمْنَا في بيوت الطيّبين والطيِّباتِ وفي الفنادق وفي السيّارات.. أكلنا على قارعة الطريق وفي المطاعم الصغيرة ومستندين إلى جدار.
لم أسمعك تذمّرتَ يومًا ولم أرَكَ شكوت.
كنّا نقطع مئات الكيلومترات أحيانًا فتلحّن الأغنية ضاربًا بكفّك على ركبتك منصتًا إلى موسيقى داخليّة لا يسمعها غيرك، فإذا بَلَغْنَا مقصدنا أخذتَ العود فامتحنتَ عليه لحنك.. وقد أعلمتني بعد ذلك انّها طريقتك الخاصّة في تلحين أغلب أغانيك، ثمّ همست لي ضاحكًا «إنّها طريقة الذين يخافون إزعاج الآخرين».
هكذا علّمتني أنّ الفنّ لا يحفر في الروح والعقل والجسد إلاّ إذا كان ثمرة الروح والعقل والجسد.. كنت تلحّن بجسدك كلّه لا بالعود فحسب.. كنت تلحّن بلحمك ودمك أيضًا.. لذلك كانت أغانيك أكثر من أغانٍ نضاليّة أو سياسيّة أو فنيّة.. كانت أغانيك فنًّا أصيلاً قريبًا من ذاك الذي أفلح سيّد درويش في تأسيس انطلاقته المشرقة: فنّ يصالح بين الغناء المتقن والغناء الشعبيّ.
كان سيّد درويش قد توسّل إلى تلك المصالحة بالموهبة والمعرفة أمّا أنت فقد توسّلت إليها بهذا ثمّ بلحمك ودمك.. لقد جعلت من جسدك جسرًا بين العامّة والنخبة، فإذا بأغانيك شيء آخر تستجيب له الأرواح والعقول والأجساد لأنّها تحسّ بأنّه قادم منها مضمّخ برائحتها وإيقاعها الذي لا تعرفه أغاني «السوق» اليوم، هذه التي لا جذور لها ولا أجنحة لذلك فهي نادرًا ما «تعيش» إلاّ كما تعيش الفقاعات.
كم أنا سعيد بتلك اللحظات معك يا شيخ.. لحظات أكاد أمسكها باليد الآن فأرى لها طعمًا ولونًا ورائحة لا يعرفها سواي.. صُوَر تؤثّث روحي وتضمّد أحلامي وتلملم شظاياي.
تغيّرَ الزمنُ وغادَرْتَ قَفَصَيْكَ الأصغرَ والأكبرَ فكُنْ للجماهير ما شئتَ.. ستظلّ تلك الصُور من ممتلكاتي الخاصّة التي أستطيع أن أفخر بأنّي أحتفظ بها لنفسي بأنانيّة لا أستحي منها.
ماذا يملك الواحد منّا في هذه الحياة (إذا امتلكَ شيئًا) غير بعض الصُوَر وبماذا يخرج (إذا خرج بشيء) إن لم يكن ببعض الصُوَر وماذا يترك (إذا ترك شيئًا) غير بعض الصُوَر؟؟
*
كم أعذرهم اليوم وأفهم أولئك الذين يشترون الجريدة في الصباحات، يتّخذون مكانهم المألوف من المقهى حيث يطلّون من وراء البلّور على الشارع وهو يتمطّى وينفض عنه ثوب النوم، ينصتون إلى زعيق السيّارات تزعج العصافير في أعشاشها الدبقة، وينظرون إلى سيقان الرائحات ترشو تجاعيد المدينة بالجمال. تتنهّد النهود وتترادف الأرداف وهم يسترقون النظر بشراهةِ مَنْ يَمْتَحِنُ نَفْسَهُ ليرى إن كان لم يمت بعد، وإن كان في نفسه الأمّارة بالشهوة بقيّةٌ باقيةٌ من الحياة. يطلبون قهوتهم ثمّ يشرعون في قراءة الجريدة بدايةً من صفحة الوفيات، كي يبدؤوا أيّامهم بالاطمئنان على أنّ المنجل لم يحصد منهم اسمًا آخر، وقد اجتازوا الخطّ الوهميّ الذي يفصل بين أكثر الحياة المدبر وأقلّها المقبل.
*
أمّا أنتَ فلم يكن يخيفُكَ الموتُ ولا كنتَ تحفل بحديث الموت. عرفتَ مبكّرًا وبالفطرة أنّ الحياة صمتٌ تؤبّدُهُ الكلمات، فاخترتَ حريّتَكَ ومنحتها صوتَك وأوتارَك واتّخذتَ لها الشعرَ أنيسًا يشهدُ على اللحظة ويخترق بها الأزمنة والمسافات.
غنّيتَ الحبّ والصبر ونفاد الصبر.. غنّيتَ العشق والمقاومة.. غنّيتَ الفرح والدموع.. غنّيتَ انكسارَ الأحلام وضرورةَ التمسّك بالأحلام حتّى وهي إلى انكسار.. غنّيتَ التلامذة وعمّ حمزة والعمّال والفلاّحين والطلبة وغيفارا وهوشي منه والصعيديّ عبد الودود وفرحات حشّاد التونسيّ وجميلة الجزائريّة وابنة العشرين الفلسطينيّة والأديب الأدباتيّ وآكل الفول وآكل اللحوم البشريّة.
لم يكن الإنسان بعيدًا عنك حيثما كان.. عرفت كيف تطيح بذلك «الجدار الخاسر» الفاصل بين النضال والفنّ لأنّك لم تر فاصلاً بين إنسانيّتك وفنّك.. لم تسقط في فخّ الإنسان المشروخ المقسوم إلى فنّان من جهة ومواطن من جهة أخرى، إلى آلة حاسبة من جهة وآلة كاتبة من الجهة الأخرى.
لم يكن الفنّ في نظرك تعاليًا بالضرورة عن واجبات المُواطَنة.. كنتَ ترى في كلّ ألمٍ ألَمَكَ وفي كلّ أمَلٍ أمَلَكَ وفي كلّ قضيّةٍ عادلةٍ قضيّتَك.. هكذا استطعت (كما لم يستطع غيرك) أن تغنِّيَ الحياة بأبعادها وأن تحفر في الذاكرة وأن تؤالف بين المتناقضات من المثقّف إلى الأمّي ومن النخبة إلى الجمهور بل إلى الجماهير.
*
لم تتعامل مع شعراء كثيرين.. رفيق دربك نجم وعدد قليل من الكبار بيرم وفؤاد قاعود وفؤاد حدّاد وتوفيق زياد.. لقد فهمتَ مبكّرًا وبالفطرة أنّ التجربة الفنيّة لابدّ لها من «فريق عمل» أساسيّ، لابدّ لها من «عمود فقريّ» كي تتفرّد بملامح ومذاقات خاصّة.. كان هذا أحد دروسك وواحدًا من دروس سيّد درويش والرحابنة وغيرهم من الكبار.
كما تعلّمتَ مبكّرًا بالفطرة ثمّ بالتجربة والإنصات إلى الآخرين أنّ للمبدع تجلّيين: المستوحد والحادي.. أمّا المستوحد فينصت إلى فجيعته ويوغل في الضباب ويطلّ على ما يسمّيه سيوران «الهُوِيّ الحميمة». إنّه كشّافٌ يفتح الطريق بعيدًا عن الكوكبة ليس له في الوحشة من مؤنس غير وقع خطاه. فيما يرافق الحادي القافلةَ ويصاحبها في حلّها وترحالها شاهدًا محفّزًا مؤنسًا مهمومًا بما يهمّها متعرّضًا إلى ما تتعرّض إليه من تيه إذا تاهت أو نَهْبٍ إذا نُهِبَتْ وطلع عليها أنواع الشطّار والعيّارين.
يحلّق الفنّ بجناحين: جناح المستوحدين وجناح الحُدَاة.
ولا يعدم المستوحدون الصادقون أن يتواصلوا مع الكوكبة وإِنْ بصعوبة، وإِنْ بعد حين، حين تلتحق بهم القافلة حيث هم وتكتشف ما كان خافيًا منهم.. كما يمكن للحداة الأفذاذ أن يخترقوا لحظتهم وأن يكونوا كائنات عابرة للتاريخ.
كم تحدّثنا في تلك الليالي الطويلة عن الفنّ والأدب وكم خضنا في الشعر والشعراء.. كنت أقرأ عليك من الكثير من نصوصي معتذرًا بأنّ بعضَها غيرُ صالحٍ للغناء لأنّي أؤمن بأنّ الأغنية جنسٌ أدبيّ خاصٌّ يُكْتَبُ بجماليّةٍ خاصّة تستحضر صوت المغنّي وإحساسَ المُلحّن.. وكنتَ تستزيدني غير حافلٍ برأيي وكنتُ أحبّ أن تخالفني الرأي.
حدّثتُك عن أبي نواس وبودلير ورامبو وجبران وسان جون بيرس والشابّي وأراغون ونيرودا ومختار اللغماني وريتسوس وطاغور وجلال الدين الرومي والسورياليّين.. قرأتُ عليك الكثير من شعر البرغوثيّ وغيره من شعراء الدارجة التونسيّة.
قلت لك إنّ هؤلاء الشعراء وغيرهم على اختلاف تجاربهم هم أهلي وأثاث روحي وإنّي أراهم يشتركون في الكثير وأرفض أن تكون الأغنية بعيدة عمّا أنجزوه وعمّا تمّ إنجازه في الشعر بشكلٍ عامّ.
كنت (ومازلت) أرى كتابتي للأغنية جزءًا من تجربتي الشعريّة ككلّ.. وكنت (ومازلت) مختلفًا عن أولئك الحمقى الذين يعتبرون الكتابة للأغنية تهمة أو نقيصة ويحاولونها في السرّ ويلعنونها في العلن لأنّهم عاجزون عن ترويض ذُراها العالية.
كانت «ذائقتي الغنائيّة» قد استبدّت بها نهائيًّا تجارب مجنونة، تجارب جورج براسانس وليو فيري وجاك برال وبوب ديلان وبوب مارلي وغيرهم من فنّاني الجاز والأوبرا والغناء الشعبيّ.. وأشهد أنّي كنت أوشكت على اليأس نهائيًّا من «الأغنية العربيّة» التجاريّة الرائجة في مختلف أجهزة الإعلام.. ولم أعد أجد ضالّتي إلاّ في ما كان يقدّمه الفنّانون الملتزمون فرادى وجماعات.
وأذكرُ أنّك كنت تسأل وتستفسر وتوافق وتعترض.. ثمّ ذكّرتَنِي ذات ليلة وكنّا في طريقنا من جبنيانة إلى قابس، بعبارة وردت في حوار لنا سابق، وكأنّها لم تغادر ذاكرتك على امتداد الأيّام والأسابيع:
«يحلّق الفنّ بجناحين: جناح المستوحدين وجناح الحداة. الأوّل يُقرَأ والثاني يُغَنَّى. أليس هذا ما قلتَ لي ذاك اليوم؟»
ثمّ أضفتَ بصوتك المنغّم النفّاذ الذي عسّله «المعسّل» وعتّقته السنوات: «أنا معك، لكن ما رأيك في من يجمع بين المستوحد والحادي، فيُقْرَأ ويُغَنَّى في الوقت نفسه. خذ مثلاً هذه القصيدة.. » وقرأتَ عليّ رائعة الكبير فؤاد قاعود:
الشجرة بتخضرّ
لو عشّش فوق منها
عصفورة وعصفور..
كم اخضرّت أرواحنا بأغنيتك تلك ونحن نحلّق بها في برامج صديقنا حبيب بلعيد. لم يكن بين يديك طيلة حياتك حقل كبير من هذا الشعر الذي يطير بجناحين لا ينفصلان، لكن يكفيك أنّ الكثير ممّا غنّيته يصحّ فيه رأي أحمد شوقي حين وصف شعر بيرم التونسي بالخطر الكبير على شعر اللغة الفصحى...
لم يقل شوقي هذا الكلام انخراطًا في الخصومة المُصطَنَعة بين العاميّة والفصحى أو تفضيلا للعاميّة على الفصحى، بل تثمينًا لعاميّة بيرم وتحفيزًا لهمّة «الفصحاء» كي يعتنوا بلغتهم أكثر:
ـ لأنّ عاميّة بيرم أخذت أجمل ما في العربيّة وخلّصتها ممّا ترهّل فيها وممّا أبقت عليه أو عادت إليه مدرسة الديوان في ذلك الوقت من حذلقةٍ وثرثرةٍ بلاغيّة.
ـ لأنّ شعراء العربيّة في ذلك الوقت كانوا في الأغلب على صلة بالبلاط أوبالاستعمار وفي مثل تلك المراحل تصبح العاميّة عنصرًا من عناصر المعارضة الشعبيّة.
ـ لأنّ العاميّة استطاعت في ذلك الوقت أن تجد نقطة التماهي مع روح العامّة: السخرية والنكتة التي خلا منها الشعر العربيّ الفصيح إلاّ حين كان الفرق متقلّصًا بين لغة الشاعر ولغة الشارع.
وكأنّي بك خبرت هذا كلّه يا شيخ، فأين تعلّمته؟ ومن أيّ كونسرفاتوار سريّ تخرّجت كي يصبح الشعر بك، وأنت «الضرير»، عيونًا تعمّقُ رؤية المبصرين؟؟
*
كم أفتقدك اليوم يا معلّمي.. وكم أوشِكُ على اليأس لولا أنّي أشمّ رائحتك في حفنة من الذين سلكوا الطريقَ كلٌّ من جهته:
توائم روح تناثروا هنا وهناك أجد في صداقتهم أو في إبداعهم ما به يقتات الأمل وما به يَصْدُقُ الفرح.. يجمع بيننا الأفقُ نفسُه والهشاشةُ نفسُها والإصرارُ نفسُهُ، والخوف على النار الأخيرة وعلى سرّاق النار الأخيرين، وأنّنا عرفنا أصدقاءنا وعاكسنا صديقاتنا وعشقنا زوجاتنا وأنجبنا أولادنا وبناتنا على إيقاع أغانيك وأغاني أمثالك.
أَنْظُرُ إلى ابنتي اليوم فأسأل على إيقاع أيّ الأغاني سيتعارف أبناء جيلها ويغازِلون ويعشقون ويتزوّجون وينجبون؟ على إيقاع هذه الأصوات (السياط) العجيبة؟ على إيقاع هذه الكلمات (اللكمات) الغائبة عن العالم، دافنة رأسها في اللاشيء كما تدفن النعامة رأسها في التراب؟ على إيقاع هذا «الجديد» التي يكاد يجبرنا (مع حفظ المقامات واحترام الاستثناءات والتنويه بما في بعضه من إبداعات) على الضيقِ بكلّ جديد والتنكّر لأنفسنا نحن عشّاق الحريّة المجانين؟؟
ماذا فعلوا بنا بعدك يا شيخ.. ماذا فعلوا بنا بعدك؟؟
لكأنّي بك «تنظر» إليّ الآن من أولمبك مبتسمًا محرّكًا جذعك مثل بندول ساعة من لحم ودم تشير عقاربها إلى زمن عابر للزمن، ولكأنّي بسيّد درويش وعاصي الرحباني عن يمينك وعن يسارك، وربّما كان من حولكما الدوعاجي ونجيب سرور وناجي العليّ وصالح القرمادي وحسين مروّة وجان دمّو وسعد الله ونّوس وغسّان كنفاني وبلقاسم اليعقوبي وغيرهم، ولعلّكم تطلّون علينا من بعيد وتسألون:
ما الذي يحدث باسم الزمن الجديد؟ سقط جدار برلين فهل تحرّر العالم؟ سقط آلاف الأطفال شهداء فهل تحرّرت فلسطين؟ سقط التمثال فهل تحرّرت بغداد؟ رحل الشيخ إمام فهل عوّضه شعبان عبد الرحيم؟ ولعلّكم لا تفهمون بعد كلّ ما غنّيتم وكتبتم وفكّرتم وناضلتم وضحّيتم، كيف لم تتحرّر العقول وكيف لم تنهض الشعوب وكيف عادت الأرض إلى قانون الغاب وكيف زهق الحقّ وكيف عجز المواطن عن سكنى وطن؟
ولعلّ أحدكم تجرح أزهارَهُ الدموع ويذهب به الظنّ كلّ مذهب، فيدفعكم إلى السؤال إن لم يكن فنّكم ومبادئكم ومناهجكم فشلت في قراءتنا وتغييرنا وتغيير واقعنا المزمن؟ وإن لم يكن معنى هذا كلّ هذا أنّكم فشلتم في «مهمّتكم»؟ وأنّنا نحن أيضًا، من بعدكم، فشلنا في مهمّتنا؟
قل لرفاقك ألاّ يخافوا يا شيخ.. قل لهم إنّ الأرض الصلبة قد تتأخّر بالزرع لكنّه لابدّ أن يزهر.. قل لهم إنّ عثرات الطريق ليست حجّة على خطأ الطريق.. نحن أيضًا نبكي هنا لكنّنا لا نجد لدموعنا زهورًا أفضل من أغانيكم وأغانينا.. لن تصبح العبوديّة أفضل من الحريّة ولن تصبح القوّة مصدر الحقّ ولن تتربّع ثقافة الهزيمة على العقول والأرواح.
لتطمئنّ قلوبكم يا شيخ ففي ورثتكم وأحفادكم بعض العزاء.. هم قِلَّةٌ أي نعم.. قِلّةٌ من «الواقفين» في مستنقع «الانبطاح» هذا الذي يحاول أن يحبس الأرض في زريبة أو خيمة.. لكنّهم سيكثرون ويتكاثرون.. سيحلمون وتنكسر أحلامهم فيحلمون.. سيحاولون ويفشلون ويحاولون.. سيخوضون «حروب المواقع» كلِّها بكلّ ما لديهم من حِيلة.. لن يتخلّوا عن ثقافة المُقاومة كُلٌّ بطريقته وكلٌّ بما يقدر عليه.. لن يغادروا الأوطان مثلما تغادر الفئران السفن.. ولن يفارقوا العنقود طالمَا ظلّت منهم حبّات ترقص في الهواء مثلما رقصت النجوم طويلاً في كفّيك.
*
كم أعذرهم اليوم وأفهم، أولئك الذين يترشّفون قهوة الصباح ودون أن ينبس أحدهم بكلمة، يلقون نظرة على الجريدة، فإذا طالعهم اِسْمُ صديق أو رفيق كَمَشُوا الجريدة صامتين، وقد مات فيهم شيء، ثمّ حاذروا أن تطفر الدموع من أعينهم خوفًا من أن يُقبض عليهم متلبّسين بجرم الحياة، الحياة بعد الآخرين. فإذا خلت الصفحة من أحبّائهم رقصت قلوبهم في الصدور وكادت تطير، ثمّ تنفّسوا الصعداء، هكذا دون أن يُشعِروا أحدًا ولا حتّى أنفسهم، يتنفّسون الصعداء في شهقةِ من يسترجع الروح، شهقة تذهب إلى الداخل كي لا ينتَبِهَ إليها أحد، آهة تتخفّى وتنهدّ فيما لسان حالها يقول: لم تنقص من العنقود حبّة هذا اليوم.
*
إلى اللقاء أيّها الشيخ الإمام
أيّها الضرير الذي منحنا عيونًا تغنّي.
إلى اللقاء يا سارق النار يا حارس الزهرة.
إلى اللقاء يا معلّمي وصديقي.

جورجيو أغامبين: ضرورة التفكير في كورونا

جورجيو أغامبين: ضرورة التفكير في كورونا

يونيو 05, 2020 اضف تعليق


- سعدون يخلف

يواصل جورجيو أغامبين (1942)، الفيلسوف الإيطالي، انتقاده لسياسات بلاده التي أقرت الحجر الصحي، وفرضت الإغلاق العام على المدن والمطارات والموانئ، واعتمدت التباعد الاجتماعي بين الأفراد، كاستراتيجية وعقيدة، لكبح جماح هذا القاتل المتسلل، وتوقيف هذا العدو غير المرئي، (كوفيد -19)، معتبراً أن كل هذه الإجراءات، حتى إن بدت بأنها ذات أهداف إنسانية، إلا أنها تخفي، في الحقيقة، هدفها الأساسي، ألا وهو الحد من حرية الناس، الذي ينتج عنه، في نهاية المطاف، نشوء مجتمع شمولي، لكن هذه المرة، بخلاف المرات السابقة، توجد قابلية من طرف هؤلاء الناس أنفسهم في التفريط في حريتهم بسهولة، إذْ يقول: «فرط مواطنو الديمقراطيات الليبرالية بحرياتهم، بين عشية وضحاها، وعلى الرغم من التناقض الظاهري، فإن عقيدة التباعد الاجتماعي الجديدة، تؤدي إلى نشوء مجتمع شمولي من الأشخاص غير الفاعلين».
يمكن الإشارة هنا إلى أن أغامبين لا ينفي وجود المرض، أو يقلل من خطورته، بل ينتقد الإجراءات الوقائية المبالغ فيها، مدللا على ذلك بما حدث في التاريخ، بحيث «انتشرت أوبئة أكثر خطورة في الماضي، ولكن أحداً لم يفكر وقتها في إعلان حالة طوارئ، مثل التي نشهدها اليوم».

استثمار الخوف

استغلال الوباء بهذه الطريقة المسعورة والمتطرفة، يبرز، مرة أخرى، كيفية استثمار الحكومات للكوارث والأزمات من أجل تمرير مشاريع جديدة، هي بالطبع ليست في مصلحة المجتمعات، بقدر ما تخدم الطبقة الحاكمة، وتزيد من سطوتها وجبروتها. لا شك في أن الكوارث، من هذا القبيل، تتسبب في إطلاق موجة من الذعر، تجعل الناس في حيرة من أمرهم، لا يستطيعون تحديد خياراتهم، ولا ترتيب أولوياتهم، أقصى أمانيهم أن يبقوا أحياء، لأن الخوف، كما يقول أغامبين، «مستشار سيئ»، لاسيما بعد الإجراءات التي تتخذها الحكومات، لأجل مواجهة هذا الوباء كـ»حالة الاستثناء»، حظر التجول والطوارئ والإغلاق العام، التي، مع مرور الوقت، تغدو قاعدة، والدليل على ذلك أن مثل هذه الإجراءات، كما تدل وقائع التاريخ القريبة، تُسن لكي تبقى، حيث يقول: «ما يُثير القلق ليس الحاضر بالدرجة الأولى، أو ليس الحاضر فقط، وإنما ما يحمله المستقبل، مثلما تُخَلفُ الحروب لأوقات السلم سلسلة من التقنيات المشؤومة، فمن المرجح أيضاً استمرار التجارب والإجراءات الناتجة عن الأزمة الصحية الطارئة، التي لم تكن الحكومات من قبل قادرةً على فرضها، سواء تمثلت بإغلاق الجامعات والمدارس، وإعطاء المحاضرات والدروس حصراً، عن طريق الإنترنت، أو حظر التجمعات واللقاءات لنقاش أي موضوع، سياسياً كان أم ثقافياً، أو إلزامنا بالرسائل الإلكترونية وسيلة تواصل وحيدة، في ما بيننا، وجعل الآلة بديلاً لكل لقاء- عدوى بين الناس»، تكون النتيجة، في التحليل الأخير، هو تضحية المجتمع بحريته لأجل البقاء.

ضرورة التفكير

يدعو أغامبين الناس إلى تدريب عقولهم على تمرين التفكير الجاد، فبدلا من القلق المفرط الناتج عن الذعر من كورونا، ينبغي الاحتكام إلى منطق التفكير، لفهم ما وراء القصة، بحسب ما أشار إليه من خلال عنوان مقاله: «عن كورونا: علينا أن نقلق أقل ونفكر أكثر»، حيث دعا فيه إلى ضرورة التفكير بجدية في ما يجري، لأن آثاره المترتبة ستكون عميقة في المستقبل المنظور، لا على الأفراد فحسب، إنما على المجتمع ككل، من حيث علاقة الناس بعضهم ببعض، وعلاقة الفرد مع نفسه أيضاً، على أن التساؤل الذي يطرح وفقاً لأغامبين هو: كيف وصلت الأمور إلى الحد الذي تسممت فيه حياة الناس، وتلوثت العلاقات بينهم بسبب مواجهة المرض؟

إن شعور «مجتمع بأكمله بأنهُ مسمومٌ وملوثٌ في مواجهة المرض»، أمرٌ مرعب، وغير مبرر على الإطلاق، ولمواجهة هذا المرض يتحتم على الجميع أن يعزلوا أنفسهم في المنازل، ويعطلوا سير حياتهم الطبيعية كـ»العمل والصداقة وعلاقات الحب، وحتى المعتقدات الدينية والسياسية»، والأفظع، من كل هذا، هو الشك في النفس أو في الآخرين، باعتبارهم، هم الجحيم، أو مصدر الخطر المحدق، أي ناقلين للعدوى، «فجأةً ينظر إلى الآخرين، وإلى نفسه، على أنهم، أنه، مجرد ناشرين للعدوى، يتوجب تغطية وجوههم بالأقنعة، والابتعاد عنهم مسافة أمان لا تقل عن مترين». يبدو أن «الحاجة إلى الأمن» في زمن الإرهاب، استبدلت اليوم في ظل الوباء بـ»الرغبة في السلامة». هل كل هذه الأمور طبيعية ومعقولة ومبررة؟ ينبغي إعمال التفكير بجدية في هذا الموضوع، كما يقول أغامبين.

الحاجة إلى الدين

يُظهر مثل هذا الوضع المأساوي حاجة البشر إلى الدين، يتجلى ذلك في «الاستخدام المتكرر والمهووس للمفردات والاستعارات الأخروية»، بحيث يتصدر الحديث عن «نهاية العالم والقيامة»، كلام الناس ووسائل الإعلام، وبما أن الكنيسة (رمز الدين) عاجزة عن إشباع هذه الحاجة، وإرواء هذه الرغبة، يبحث الناس عما يخفف من قلقهم، ويقلل من معاناتهم، في مواطن أخرى، لعلهم يجدون الترياق، الذي قد يشفيهم من هذا القلق والمعاناة؛ فيلجأون إلى العلم، الديانة الجديدة، إذْ «وجدته (البشرية) في ما بات منذ زمن الدين الحقيقي في عصرنا: العلم»، غير أن العلم كأي دين آخر، ينتج هو الآخر «الخرافات والمخاوف المألوفة في الأديان أوقات الأزمات، وما تجلبه من آراء وقوانين مختلفة ومتضاربة»، بحيث تتعدد الآراء بين «أقلية مهرطقة» و»خطاب أرثوذكسي سائد»، الأولى تنكر خطورة المرض، بينما الثاني؛ يؤكد نقيض ذلك، ما يؤدي، والحال هذه، إلى الاختلاف في الآراء حول «كيفية مكافحة المرض».
ليس رجال الدين (الكنيسة) وحسب، من تخلوا عن دورهم الإنساني في مساعدة الضحايا، وجبر خواطرهم في هذا الوضع المأساوي؛ فكذلك رجال القانون، إذ باتوا، بين عشية وضحاها، مجرد خدم لرجال المصالح، يشرعون حالات الاستثناء والطوارئ في البلاد، من دون أي مبرر معقول أو مقبول.

الحياةُ العارية

ثمة ظاهرة أخرى، بحسب أغامبين، تستدعي إعمال التفكير فيها، ففي وضع كهذا، تتفكك القناعات، ويهتز الإيمان واليقين، وتقل الخيارات المتاحة، فتجد الناس لا يؤمنون إلا بالحياة البيولوجية العارية، التي من شأنها أن تبقيهم أحياءً، «إن أول ما يظهره بوضوح موجة الذعر التي شلت البلد هو أن مجتمعنا لم يعد يؤمن بأي شيء سوى الحياة العارية»، هذا الخوف من فقدان الحياة لا يؤدي، في الأخير، إلا إلى تأسيس سلطة الاستبداد والطغيان، والدولة هي الكيان الوحيد، القادر على القيام بهذه المهمة، يؤكد ذلك بالقول: «فقط (ليفياتان) المتوحش»، من يستطيع «بسيفه المشهر» إخضاع من يريد الخروج عن السيطرة.

التباعد الاجتماعي

إن التباعد الاجتماعي، بحسب أغامبين، هو لفظة ملطفة، وكلمة مخففة، للمصطلح القاسي المتمثل في «ترسيم الحدود»، بمعنى أن العلاقة بين الأفراد لا يحكمها قانون إنساني قائم على التعايش والاحترام، بل قانون يعمل على إنتاج العداوة والخوف، هو قانون الفصل يفرق لا يجمع، هنا يثير سؤالا في غاية الأهمية: «ما نوع النظام السياسي الذي قد يترتب عن هذا المفهوم؟». ربما تكون عقيدة التباعد الاجتماعي إستراتيجية صحية مفيدة، غير أن ذلك لا ينفي استغلالها من طرف جماعات المصالح لغاياتٍ أخرى، بعيدة كل البعد، عن غايتها السامية المعلنة، فهي، كغيرها من الإجراءات الأخرى، «مختبر تجرّب فيه حالات وأوضاع سياسية واجتماعية جديدة، تنتظر الإنسانية في المستقبل»، من هنا، ينشأ الخوف من ضياع المعنى الحقيقي للاجتماع الإنساني، لافتاً النظر، إلى أن المجتمع القائم على التباعد الاجتماعي هو، في واقع الأمر، مجتمع غير صالح سياسياً وإنسانياً.

الجماعية الجديدة: الحشود

على ضوء ما سبق، تغدو الجماعية، أي الجماهير، الجديدة، التي خلقها الذعر وتدابير التباعد الاجتماعي، على شكل حشود، تتميز بالسلبية والركود، وتفتقد إلى القدرة على اتخاذ القرار، ببساطة، هي جماهير أكثر انضباطاً وخضوعاً، تنتظر في كل اختبار إلى من يوجهها، ويلهمها بالأفكار الصحيحة، يقول أغامبين مستشهداً بكلام إلياس كانيتي:»الحشود الراكدة تنتظر، تنتظر رأساً يمنح لها»، حتى لو كانوا مجتمعين، في الظاهر، فإنهم سيرفضون القيام بأي فعل، نتيجة سلبيتهم، «يرفضون، وهم مجتمعون معاً، القيام بأفعال كانوا يقومون بها أفراداً حتى تلك اللحظة، الحظر يأتي مفاجئاً، يقومون بفرضه على أنفسهم، بكل الأحوال، فإن الحظر يضرب بأقصى قوة، يملك طبيعة أمر مطلق لا مشروط، إلا أن الشيء المميز له هو طابعه السلبي» (إلياس كانيتي).
تجدر الإشارة، في الأخير، إلى أن هناك فرقاً بين المجتمع القائم على التباعد الاجتماعي والفردانية، لهذا ينفي أغامبين أي علاقة بين المجتمع القائم على التباعد، وذاك الذي يقوم على الفردانية، التي يحتفي بها البعض؛ فالفردانية تنتج أفراداً فاعلين إيجابيين، بينما المجتمع القائم على التباعد ما هو، في الأخير، سوى «حشود مميعة، مبنية على أساس حظر، وهي لهذا السبب بالذات متراصة وسلبية بشكل خاص».

هل الحب شعورٌ بالنقص أم بالابتهاج؟

يونيو 05, 2020 اضف تعليق
 

- أندريه كونت سبونفيل
ترجمة: أيوب هلالي

الحب: استجابة موازية للفعل العاطفي والإرادة في كل شيء معروف أو محسوس بأنه جميل أو جيد، هي حركة وجدانية تقود نحو قداسة ما، لكل ما هو مثالي، لشخص ما، هي مشاعر قوية تربط بين شخصين، وتشمل الرقة والحنان والجاذبية نحو الجسد، وهي أيضا ذوق موسوم ومولع بشيء ما.
– أحبَّ، بمعنى ارتبطَ، والارتباط هو قيد أي ألم، معاناة، وفي هذه الظروف كيف يمكننا إدراك تلك الحالة من الحب المليئة بالسعادة؟
– سبق لرولان بارت أن لاحظ أن المفكرين المعاصرين يعتبرون «الحب» هو الموضوع الأكثر بذاءة من الجنس، بل هو الموضوع الأكثر إزعاجا، الأكثر حميمية والأصعب تعبيرا وبرهانا، وأعقد فكريا، لنقل بأن الجنسانية أصبحت نوعا ما، قاعدة يجب الانصياع لها، بينما سيكون «الحب» بالأحرى استثناءً، الجنسانية هي جزء من حياتنا الصحية، لكن «الحب» سيكون نوعا ما مرضاً، أو في جميع الأحوال اضطرباً، إذا كانت الجنسانية قوة، فالحب ضعف أو هشاشة، أو على الأعم جرح، الجنسانية هي شيء بديهي، الحب هو إشكال أو يمكن القول بأنه أحجية، وفي مقدورنا القول بأن لدينا القدرة على أن نشك فيه، بل حتى في وجوده، أو على الأقل في حقيقته، إذا كان مجرد حلم أو وهم أو كذبة، ماذا في وسعنا أن نقول في هذه الحالة؟ أو إذا سلمنا بأنه لا يوجد شيء اسمه «حب» يوجد فقط الجنس والأنانية والباقي هو مجرد تصورات أدبية له، فهل هذا صحيح؟
إذا لم يكن هناك وجود لشيء اسمه «الحب» ، فكيف استعرضه لاروشفوكو (فرنسوا) بالحدة نفسها التي نطرحه بها الآن؟
غير أن هذا الجهد الذي بذلناه إلى حد الآن لن يذهب سدى، ما دمنا نتحدث عنه بالفعل، ولا يمكننا غض الطرف عنه، إذا أخذنا «الأنانية» فهي بحد ذاتها تعبير عاطفي عن الحب ـ حب الذات ـ إذا افترضنا أننا لا نحب أنفسنا، فكيف يمكننا أن نفضلها على الآخرين؟ وهناك شيء آخر نقوم به تقريبا بشكل دائم ـ إذا صح افتراضنا – هو لماذا نحن دائما نود أن نكون محبوبين؟ ثم أطفالنا، إذا كنا لا نحبهم فعلا، فهل هذه النقطة تشكل خطرا؟ بالإضافة إلى أصدقائنا: هناك منهم من كنا لا نحبهم إلا لأنفسنا، وهذا بالفعل قابل للإدراك، والذين هم لن يكونوا أكثر قيمة في أعيننا من أعدائنا الذين نكرههم، أو هؤلاء الذين يختلفون عنا وأعدادهم لا حصر لها، وبالتالي يجب ألا نعتبر «الحب» شيئا تافها، لأنه مبدئيا يولد في علاقتنا هذه المفارقة الواضحة: بين من هم أعزاء ومن هم لا شيء.
وبعد ذلك هناك أشياء نحبها، وهي ملقاة على عاتقنا: حب المال، حب السلطة، حب المجد، بالإضافة إلى تلك الأمور الأخرى التي تسرنا: مثل الطاولات الممتدة والمملوءة بالأطعمة الشهية، متعة تذوق، متعة الحياة.. وهناك سؤال آخر: ما الذي نرغبه من الجنس، حتى إن كنا لا نحبه؟
وإلى هنا، يمكننا القول بأن الأمر يتعلق بالاختلاف الذي نلحظه في درجات حبنا، التي لا يمكننا وضعها في مستوى واحد مع الحب الذي نكنه لشيء ما (مثلا الطعام أو النبيذ) أو شعورنا تجاه موضوع ما، ولكن لا يمكننا تمييز هذه الفوارق والاختلافات، إلا بشرط واحد وهو المقارنة بينها أولاً، واللغة تتيح لي الحق في ذلك، في أغلب اللغات: «يقول أفلاطون: العاشق، يحب الطفل كطبق يريد أن يلتهمه، أو مثل الذئبٍ يحب حَمَلا»، ويرد نيتشه ساخراً من هذا «الحب» الذي تبنوه الفلاسفة بعد أفلاطون: «كيف لا يحب النسر لحم الحمل وهو لذيذ جدا؟».
سأتناول مفهوم «الحب» في أقصى درجات وجوده، وسأحاول فهمه كما هو. أحب النبيذ والجعة، موزارت وفيرمير (يوهانس)، أحب النساء وأيضا هذه السيدة… ما هو الشيء المشترك بين مختلف هذه الأشياء التي أحبها؟ من المؤكد أنني أتوق إلى متعة أو أجد تسلية معينة فيها، شيء من المرح، وأيضا أجد فيها أحيانا تلك السعادة الممكنة. أن تحب، هي تلك القدرة على الاستمتاع أو على الفرح والابتهاج بشيء ما أو شخص ما، وبالتالي هي أيضا القدرة على المعاناة والألم، وبما أن المتعة والمرح تتعلق هنا، حسب تعريفها، بشيء خارجي، الذي من الممكن أن يكون حاضراً أو غائباً، يعطي أو يرفض.
يقول سبينوزا في كتابه «رسالة في إصلاح العقل»: «الشيء غير المحبوب لن تنشأ حوله خصومة؛ فلو هلك هذا الشيء، ما شعرنا بالحزن؛ ولو أصبح بحوزة غيرنا، ما حسدناه عليه، وما شعرنا لا بالخوف ولا بالكراهية، وبإيجاز، ما حصل في أنفسنا أي اضطراب»، نحن بعيدون عن ذلك، بمعنى أنه بقدر ما نحن نتعلق بـ«الحب» بقدر ما هو يحملنا. إذا كنا لا نحب شيئاً بل حتى أنفسنا، حياتنا ستكون أكثر هناءً وراحةً، مما هي ليست عليه، ولكننا ـ في هذه الحالة ـ سنكون ميتين بالفعل.
لا يمكننا العيش بدون «حب» يقول سبينوزا، لأن «الحب» هو الذي يجعلنا نعيش، في مؤلفه «رسالة مختصرة عن الله والإنسان» يضيف: «نظرا لضعفنا في الطبيعة، وبدون ذلك الشيء الذي ننعم به ونستمتع به، عن طريق ماذا يمكننا أن نكون متحدين، وبماذا سنكون محصنين، في هذه الحالة لن نستطيع المقاومة». «الحب»، قوة ـ قوة الاستمتاع والمرح ـ ولكنها محدودة. لهذا السبب أيضا ينبه سبينوزا إلى ضعفنا، هشاشتنا، فنائنا. قوة المتعة هي موازية لقوة المعاناة، مثل الفرح والحزن، وهذا ما يدل عليه لفظ «الحب»: ذلك أنه تعين علينا نحن أن نعيش في حالة ينعدم فيها الاستقرار، بين الأمل والخوف، بين الشعور بالمتعة والشعور بالنقص، وأخيرا من المأساة (تراجيديا) إلى استياء، إذن فما نتيجة؟ هل من الواجب فقط حب الخالق أو كل شيء، وهو الشيء الذي يرجع إلى نفسه، وهو نفسه الذي أطلق عليه سبينوزا لفظ « الحكمة»، ما هو الحب؟ سبينوزا يعطي تعريفا جميلا له «الحبُ هو فرحٌ مصحوبٌ بفكرةِ عِلّةٍ خارجيةٍّ»، أن تُحبَ هي أن تستمتع بـ…، ولكن إذا كانت العلة أو السبب بها خلل أو عيب؟ وهنا فلن يبقى إلا الحزن والنقص.
يمكننا أن نحصر تفكيرنا على تعريفين اثنين للحب، وهما اللذان يهيمنان على تاريخ الفلسفة، الأول لسبينوزا، والتعريف نفسه لأرسطو فهذا الأخير يقول «أن تحب يعني أن تشعر بالسعادة»، وأيضا هناك معنى آخر أدلى به أفلاطون، وأظن بأنه يناقض كل هذا. الحب بالنسبة لأفلاطون ليس هو الشعور بالسعادة، بل هو شعور بالافتقار، بالإحباط وبالألم. يقول في محاورة «المأدبة»: «الحب هو الرغبة، وأن الرغبة هي النقص أو الافتقار، فما لا نملكه، وما لا نستطيع أن نكونه، ما ينقصا، تلك هي أغراض الرغبة، تلك أغراض الحب»، هما نوعان من الحب وقد شكلهما اليونان بكلمتين: فيلياphilia ، لوصف السعادة في الحب، وإيروس Eros لوصف النقص. الصداقة إذا أردنا القول والشغف (الافتقار الشَّرِه للآخر). سنكون مخطئين إذا قلنا بأنهما متضادان قطعياً، في أغلب قصص الحب لدينا خلط بين هذين الشعورين، وفي العمق هناك سعادة: بما أننا مكرسون في النقص وفي المحدودية، ونحن نعلم أيضا بأن السعادة هي وحدها الكفيلة بجعلنا مرتاحين… الجنس على سبيل المثال، يمكن أن يعيش في ظل النقص والحرمان، كما يمكن أيضا أن يعيش في ظل السعادة، والأكثر من هذا فلن يكف عن مرافقتنا من هذا إلى ذاك.
السعادة والافتقار (النقص) فيليا وإيروس، هما مختلفان أيضا، الإيروس يأتي في المرتبة الأولى، طبعا، لأن الشعور بالنقص يأتي أولاً، لنأخذ مثلا الطفل الرضيع، أنظر إليه حينما يبحث عن ثدي أمه، فهو يجهش في البكاء عندما ننزعه منه.. إنه الحب الذي يأخذ، والذي يريد الحيازة على الشيء، الحفاظ عليه، الحب الأناني، حب بدافع العاطفة، وكل عاطفة هي افتراس، نهم. أحبك بمعنى أريدك، كيف لهذا الحب أن يكون سعيداً؟ أن تحب هي أن تعشق ما ليس لديك، وتعاني من هذا النقص، أو أن تحصل على ذلك الشيء وهنا ينجلي الشعور بالنقص (لأنه لديك) وبالتالي يتضاءل حبك له يوما بعد يوم (لأننا لا نحب ولا نرغب إلا في ما ليس لدينا). المعاناة العاطفية هي عدو الأزواج. ولهذا يجب أن نحب بشكل آخر تماما: ليس في الشعور بالنقص ولكن في الشعور بالمرح، ليس في العاطفة، ولكن في الفعل ـ ليس عند أفلاطون، ولكن عند سبينوزا. أحبك: أنا سعيد لأنك موجود. كل الأزواج السعداء ـ وهم موجودون طبعا ـ يمثلون نفياً للأفلاطونية.
إيروس هو نقص وفقر، أما الشغف العاطفي، فهو ذلك الحب الذي يأخذ أو يريد أن يأخذ. فيليا هي تلك القوة أو ذاك المرح الشديد تجاه الآخر: هو حب ممتع ومشارك مع الآخرين. فلتلحظوا الأم والرضيع. فهذا الأخير يأخذ ثدي أمه: (إيروس)، الحب الذي يأخذ، وهو مبدأ الحياة نفسها، والأم تعطي ثديها له: (فيليا)، الحب الذي يعطي، لماذا يتم هذا التبادل والاستمرار في العملية؟ لأن الأم بدورها كانت رضيعاً في البداية: بدأت بالأخذ أيضا مثل الجميع، ولكنها تعلمت أن تعطي، على الأقل لأطفالها (ما نسميه بالشخص الراشد). في بادئ الأمر لم يكن إلا إيروس ـ الأخذ ـ (ولم يكن إلا هذا، يقول فرويد) وبدون شك لن نخرج من هذه الحالة: كل بداية تبدأ بالأخذ والسلب لا تنتهي بتاتا. ولكن في الأخير يتعلق الأمر بتعلم العطاء ولو قليلاً، أو أحياناً، أو على الأقل للأشخاص الذين نحبهم ويشعروننا بالمتعة والارتياح.
لن نخرج من مبدأ اللذة والمتعة: دائما الأمر متعلق بالاستمتاع قدر الإمكان وبالمعاناة بأقل قدر ممكن، وليس الشيء نفسه بأن نستمتع إلا بما نأخذ، أو أن نعي كيف نستمتع أحياناً، بالشيء الذي نعطيه ونشاركه.
كيف سيكون الأمر إذا أعطينا وشاركنا بدون أن نأخذ؟ بمعنى أن نستمتع بدون أن نأخذ، أو أن نحصل على شيء؟ في هذه الحالة ستكون فيليا محررة من إيروس، سيكون هو الحب المحرر من سلطة الأنا، المتعة المحررة من الشعور بالنقص، وهذا ما كان يطلق عليه المسيحيون الأوائل ـ عندما يكون من الواجب ترجمة رسالة المسيح إلى اليونانية ـ باللفظ agapè ، ويمكننا أن نترجمه بشكل لآخر بالحب أو الإحسان ، أو الحب المحرر من الأنا ((ego، بدون حدود، بدون نهاية… هل لدينا القدرة على ذلك. أنا أشك في ذلك كثيرا.
ولكن هذا في الأخير يحدد لنا على الأقل الطريق، وهو طبعاً الطريق المُوجِّه للحب: الحب ليس هو ضد الأنانية، بل على العكس هو موجههٌ لها، مثل ذلك النهر الذي يصب في البحر، هو علاجها، وكما قال سبينوزا هو خلاصها. هل ستمضي حياتك باحثا عن ثدي ما، أم أنك تريد أن تحافظ عليه، أو أن تندم عليه عندما يكون عالم بأكمله يستلطفك لأن تحبه؟ لا نحب بشكل مبالغ فيه، بل نحب بشكل سيئ وقليل.

* المصدر: المجلة الأسبوعية الفرنسية « لو نوفيل أوبسرفاتور L’Obs »

صباح الكاكاو/ بوب كاوفمان

مايو 24, 2020 اضف تعليق


ترجمة ريم غنايم

تنويعاتٌ على اللحنِ صباحًا

وعصفورتانِ تتحرّكانِ في المدى.

يلوحُ سجنٌ رماديّ، يغتسل بنورِ الشّمس.

ألسنةُ كمانٍ، تتهامسُ.

.

طبّالٌ، يترنّمُ، على الأرضِ،

يحلمُ بضرباتٍ جامحة، وخفيضة،

أيّها الصّباحُ المنعتقُ عن صَخَبِ المَدينة العاصف،

أرجوك،

ابقَ هنا للأبد.

مشاركة مميزة

نيل بورتون: الملل نافذة على صباح مشرق

  لوحة أوجوست تولموش، عن wikipedia ما هو الملل بالتحديد؟ هو حالة شديدة الإزعاج تنتج عن الاستثارة غير المشبعة أو الحماس غير المتحقق: فنحن متح...