مقالات

شعراء

رواية

أحدث المواضيع

إلهي إلهي لماذا تركتني...

يونيو 15, 2020 اضف تعليق


  أسعد قطّان

يفيدنا دارسو الكتاب المقدّس بأنّ أوثق مخطوطات إنجيل مرقس لا تنطوي على المقطع السرديّ عن ظهورات القائم من بين الأموات الذي نجده في معظم ترجمات العهد الجديد. الإنجيل، كما خطّه مرقس الإنجيليّ، ينتهي إذاً بخوف النسوة أمام القبر الفارغ: «فخرجن وهربن من القبر لأنّ الرعدة والحيرة أخذتاهنّ، ولم يقلن لأحد شيئاً لأنّهنّ كنّ خائفات». إنجيل مرقس، بخلاف الأناجيل القانونيّة الأخرى، لا يشتمل على أيّ ظهور ليسوع بعد قيامته من بين الأموات.

ينتج من هذا أنّ كلمات يسوع الأخيرة في هذا الإنجيل هي جملته على الصليب: «إلهي إلهي لماذا تركتني؟». كم رواية أو أقصوصة أو قصّة قصيرة قرأتم في حياتكم، كلمات «بطلها» الأخيرة هي مجرّد سؤال؟ لا شكّ في أنّنا هنا أمام ظاهرة نادرة جدّاً لا في الأدب القديم فحسب، بل في الأدب الحديث والمعاصر أيضاً. الشخصيّة الرئيسيّة في الإنجيل، أي يسوع الذي من الناصرة، تختتم كلامها في هذا النصّ الأدبيّ الرفيع بسؤال يعبّر عن خوف الإنسان الذي يحسّ بأنّه متروك فيما هو يواجه الموت. العبارة مستمدّة من سفر المزامير طبعاً. ولكنّ هذا لا يقلّل من وقعها، ومن قوّتها الجارحة. يسوع على الصليب في إنجيل مرقس متضامن مع كلّ المقتولين على وجه الأرض، ومع كلّ الذين يموتون وهم يشعرون بالمتروكيّة، أي بأنّ الله تخلّى عنهم في كارثة الموت. هذا هو «ردّ» إنجيل مرقس على معضلة الموت. يسوع على الصليب في هذا الإنجيل يكشف لنا أنّ ابن الله لا «يتفلسف» على الناس في لحظات الموت، بل يقف إلى جانبهم ويطرح الأسئلة معهم، لأنّه يعرف تماماً معنى أن يموت الإنسان، ومعنى أن يخاف من الموت.

طبيعة المسيح البشريّة هي ما يجعل هذه الخبرة ممكنة. يسوع كان إنساناً حقيقيّاً حتّى درجة الموت والخوف من الموت. ولكنّ بنوّته لله هي ما يجعل موته على الصليب حدثاً فريداً، حدثاً ذا معنى خلاصيّ، وما يجعل السؤال عن المتروكيّة على لسانه ذا وقع مختلف، بمعنى أنّ هذا السؤال يصبح ذا دلالة لكلّ إنسان يواجه الموت. هذه البنوّة لله تظهر بقوّة في حادثة الصليب المرقسيّة. مَن يكتشفها هو قائد المئة، أي الضابط الرومانيّ الذي لا ينتمي إلى شعب الله، ولا يفقه أيّ تفصيل من حكاية الله مع شعبه: «حقّاً كان هذا الإنسان ابن الله». حدث الصليب يفتح إنجيل يسوع على مصراعيه للأمم، للخوارج، للهامشيّين، لمن يمتلكون حكايات أخرى لا نقرأ عنها بالضرورة في الكتب التي تعوّدنا أن نقرأها. في إنجيل مرقس، تُظلم الدنيا قبل موت يسوع وينشقّ حجاب الهيكل بعد هذا الموت «من فوق إلى أسفل». ولكنّ قائد المئة يكتشف أنّ يسوع هو ابن الله لا بسبب الظلمة ولا بسبب الزلزلة: «ولمّا رأى قائد المئة الواقف مقابله أنّه صرخ هكذا وأسلم الروح قال حقّاً كان هذا الإنسان ابن الله». صرخة الموت التي أطلقها يسوع هي التي كشفت للرجل الذي يراقب الحدث «من الخارج» أنّ المصلوب ليس مجرّد إنسان عاديّ، بل هو أيضاً ابن الله. الله لا يقيم في الخوارق التي نبحث عنها كلّ يوم، بل في صرخات الموت التي تحيق بنا ولسنا بحاجة لأن نبحث عنها. ظهور الله على الصليب في إنجيل مرقس يحمل إذاً ختم الموت، ذلك بأنّ الله يتراءى في الموت. الموت، هذا «المكان» الذي هو عنوان غياب الله يصبح عنوان حضوره. هناك، في نفق الموت، في «حضرة الغياب»، كما كتب محمود درويش، يلاقينا الله بواسطة ابنه، ويمنحنا تعزيةً مفتوحةً على خبرة من نوع آخر، خبرة النور الذي ينبثق من الظلمة، خبرة القبر الفارغ الذي به يختتم مرقس إنجيله. غياب ظهور القائم من بين الأموات في إنجيل مرقس ليس صدفة. من يطلب هذا الظهور، يجب أن يبحث عنه عند قدمي المصلوب...

(الصورة: المصلوب، المتحف الفاتيكانيّ)

"قيصر" لن يحمي السوريين... فهل يأتي بـ "عدالة" ما؟

يونيو 14, 2020 اضف تعليق


عبدالوهاب بدرخان

عندما كان النظام السوري يحكم لبنان على نحو يومي ومتدخّل في كل التفاصيل، استطاع فرض قاعدة "تلازم المسارين" السوري واللبناني في تعاطي مسألة "السلام" مع إسرائيل. لم يكن "التلازم" تعاهداً بين دولتين أو حكومتين، بل إرادة "نظام وصاية" على نظام تابع. وعندما أن

جز المؤتمرون اللبنانيون "اتفاق الطائف" عام 1989 بقيت فيه بنود معقّدة تتعلّق بالوجود/ الاحتلال السوري وسلاح المقاومة ضد اسرائيل، ولأنها تفوق قدرتهم و"صلاحيتهم" فقد تولّى الاميركيون والسعوديون بلورة صيغة نهائية ترضي دمشق وتزكّي دورها، ثم صادر النظام الاتفاق وتطبيقه انتقائياً بما يناسبه. وبعد الانسحاب السوري (2005) أخذ وريثه في الوصاية، "حزب الله"، على عاتقه جعل "التلازم" تماهياً مع أجندة طهران ودمشق وتحويل "المقاومة" أداة في أيديهما لا لمحاربة إسرائيل بغية "تحرير فلسطين" بل للتناوش معها سعياً الى مكاسب إقليمية. وإذ أبقى نظام دمشق على "اتفاق الطائف" شكلياً فإن وريثه يعمل بدأب على إلغائه لاستنباط صيغة تكرّس حكمه للبنان.
في "قانون قيصر" تبدو الإدارة الأميركية كأنها تتّبع قاعدة "تلازم المسارين"، مستهدفة نظام بشار الأسد بعدما أصبح هيكلاً صوريّاً مهلهلاً ونظام "حزب الله" الذي اكتملت هيمنته على لبنان. تعتبر واشنطن معاقبة نظام الأسد مزدوجة، له ولإيران، كذلك معاقبة الحكم الحالي في لبنان، له ولـ "الحزب"، لأن رئيسه ميشال عون تجنّد في تمكين "الحزب" ويدين بكرسيّه له، كذلك بتلاعبه بكرسيّه وبالدولة وبالبلد. وعلى رغم التلويح بقسوة عقوبات "قيصر" إلا أن الاستثناءات تبدو مرتسمة، فما سيوجّه منها ضد روسيا سيكون مصمّماً للإبقاء على قنوات تفاهم ومساومة بالنسبة الى سيناريوات حل الأزمة السورية، وما يمكن أن يوجّه ضد الميليشيات الإيرانية في العراق لن يضايق الحكومة الحالية التي لن ترضخ لضغوط طهران ولن تساهم في دعم نظام الأسد إسوةً بحكومات سابقة.
لماذا "قانون قيصر"، وهل من قيمة أو أهمية لعنوانه الآخر: "حماية المدنيين السوريين"؟ لا شك أن هذه "الحماية" تأخرت ثمانية أعوام منذ طلبتها تظاهرات الشعب السوري، ولم تعد لها الآن أي فاعلية ملموسة. كان يُفترض أن تأتي عبر قرار من مجلس الأمن الدولي حين كان لا يزال في الإمكان إنقاذ مئات آلاف الأرواح، ومنع تشريد ملايين السوريين، والحؤول دون تدمير بعض أقدم الحواضر في تاريخ البشرية. لكن ما يؤمل اليوم من هذا القانون هو أولاً تحقيق شيء من العدالة لشعب سورية، وثانياً أن يكون فعلاً مساهمة في إنهاء الحرب وإيجاد ولو بداية حلٍّ سياسي يبقي سورية موحّدة ويبقي بريق أمل في عودة أبناء شعبها الى تعايشٍ كان حاصلاً على رغم السموم التي ضخّها النظام في أوصال الوطن.
أيّاً تكن نيات الولايات المتحدة وأهدافها، وأيّاً تكن خيبات الأمل العربية من سياساتها طوال القرن الماضي وصولاً الى "صفقة القرن" ومحاولتها إلغاء شعب فلسطين، ينبغي الاعتراف بأن "قانون قيصر" شكّل الاستجابة الصحيحة الوحيدة المتاحة في نظام دولي سمح للأسد بارتكاب أفظع المجازر والجرائم وباستخدام السلاح الكيماوي، رافضاً أي حلول سلمية، ومطمئناً الى أن "فيتوات" روسيا والصين تحصّنه من أي ادانة أو عقاب، بل إنه وحليفه الإيراني اعتقدا أن "خدعة الإرهاب" انطلت على العالم وأقنعته ببراءتهما الى حدّ التفكير بإعادة تأهيل النظام والاعتراف لإيران بنفوذها أينما شاءت.
لم يتوقّع النظام ولا الروس أو الإيرانيون أن ينبري شخص واحد - "قيصر" - ليقلب الطاولة عليهم، بل حتى على الاميركيين أنفسهم، فالكونغرسيون يشترعون عادةً بدافع من مصالحهم الشخصية والانتخابية، أو بغريزة الانحياز لإسرائيل، لكنهم هذه المرّة وجدوا أنفسهم إزاء آلاف من الصور لآلاف السوريين الذين قضوا تحت التعذيب. كانت تلك الوثائق مجرّد عيّنة من إجرام الطاغية، ولم يكن في الإمكان تجاهلها، فالتجاهل تزكية للمجرم وإدانة للمتجاهل، ومع ذلك استهلك إقرار القانون أربعة أعوام قضى خلالها عشرات آلاف السوريين في سجون النظام، كما وثّقت "منظمة العفو الدولية" وسواها، وعشرات الآلاف من المدنيين ببراميل النظام وغارات الطيران الروسي. وها هو "قيصر" يصبح الآن في صلب السياسة الاميركية ورأس حربتها، لكنه لن يبلغ غايته الموثّقة (حماية المدنيين السوريين) ما لم يلتزم إنهاء الحرب وبلورة "الحلّ" الذي يتطلع إليه المدنيون السوريون، فهذا هو التعويض الوحيد عن التقصير في حمايتهم عندما كانت واجبة، بل عن خذلان العالم لهم وتركهم فريسة لنظام وحشي وحلفائه الأكثر وحشية.
منذ 2011 كانت هناك خشية من تداخل الوضع السوري الذاهب الى كارثة مع وضع لبناني مأزوم منذ 2005 (اغتيال رفيق الحريري وما عناه داخلياً واقليمياً، بسبب تورّط "حزب الله" في هذا الاغتيال والاغتيالات التي تلته) ومأزوم أكثر منذ استباحة "الحزب" لبيروت عام 2008. لذلك وجب على جميع سياسيي لبنان اتّباع قاعدة درء تداعيات الحدث السوري على بلدهم، وهو ما عُرف لاحقاً بسياسة "النأي بالنفس" التي أيده "الحزب" (اعلان بعبدا) وفي اللحظة نفسها كان يورّط لبنان في الحرب السورية. كان ينفّذ أوامر إيرانية ويبرّرها بحماية "المقاومة" من "المؤامرة الكونية" التي استهدفت سورية، ثم أنه استخدم استقواءه بالقتال الى جانب نظام الأسد ليفرض انتخاب رئيس لبناني يشاطره التخديم للمصلحة الإيرانية. وما يشهده لبنان اليوم من تفكّك للدولة وانهيار مالي واقتصادي هو النتيجة العملية لحكم قاده ويقوده "حزب الله" (و"حركة أمل") مع "التيار العوني"، قدّم ويقدّم كل أشكال الدعم والتسهيلات لنظام الأسد، خصوصاً بتهريب الأموال والوقود والسلع الى الحدّ الذي بدأ يلحق أفدح الأضرار والخسائر بالاقتصاد اللبناني.
وكما أكّد جيمس جيفري، المبعوث الأميركي الخاص بسورية أخيراً، دور حكومته في انهيار الليرة السورية، يمكن القول إنها تساهم بمشاركة من خصومها في انهيار الليرة اللبنانية. صحيح أن العقوبات الأميركية فُرضت على سورية للضغط على النظام، وصحيح أيضاً أن هذا النظام وحلفاءه الإيرانيين استخدموا لبنان للتخفيف من تأثير تلك العقوبات، إلا أن ضررها واقع أولاً وأخيراً على اللبنانيين والسوريين، وليس واضحاً كيف ستؤثّر في النظامَين اللذين يطبّقان دروس خبرة إيران في التعامل مع العقوبات، وأهمها عدم الاكتراث بآلام الشعب والاستعداد لقمعه بشدّة إذا حاول الاحتجاج. في سورية القمع طبيعة أولى للنظام، أما في لبنان فيحاول "حزب الله" التذاكي باصطناع فتنة طائفية أو مذهبية لتخويف الحراك الشعبي.

  • قبل أن يبدأ تنفيذ "قانون قيصر" بادر نظام الأسد الى مصادرة الكثير من أموال الذين ساعدهم على صنع ثرواتهم في الداخل، أم داعموه من الخارج فسيكون عليهم أن يتخلّوا عنه كي ينقذوا شركاتهم وأعمالهم للهروب من مصيدة "قيصر"، لكن هل يستطيعون، هل يجرأون، وهم الذين حققوا مكاسبهم سواء بالتواطؤ مع الدولة (لبنان، العراق...) أو بالاحتيال على القوانين بمعرفة الدولة؟ لا شك أن "قانون قيصر" يقفل الكثير من الأبواب والنوافذ أمام النظامين السوري واللبناني، وطالما أن الشعب موجع ومنكوب في كل الأحوال فلعل التضييق على النظامين يفتح نافذة أمل بالخلاص من الأسد وإيران ومن عصاباتهما. هذه تبقى فرضية، ولا يزال أمامهما وقت ليواصلا جرائمهما من دون أن يتمكّنا من تغيير مجرى الأحداث

آدم فتحي / الشيخ إمام في ذكراه

يونيو 05, 2020 اضف تعليق


سارق النار حارس الزهرة صوتُ المقاومة زمنَ الاستسلام
*

ما أمكر الميّتين.

كم أعذرهم اليوم وأفهم أولئك الذين يفتتحون صباحاتهم بقراءة الجرائد بدايةً من صفحة الوفيات.
*
أشهد أنّي تعلّمت هذه «العادة» منذ رحيلك يا شيخ. كنّا نرقص حولك وبك وفيك مثلما ترقص الفراشات مع الربيع. كنتَ الدليل الحيّ على أنّ الخطاف الوحيد يستطيع أن يصنع ربيعًا بحجم الكون، شرط أن يكون لهذا الخطاف اسمك. وَهَبْنَاكَ الأسماء كلّها التي هبطت علينا من أغانيك كائناتٍ من لحم ودم تشبهنا وتطلب القوت وتسعى في الأسواق وتلهث وتتنهّد وتهمس وتهتف وتعشق وتغنّي وتسأل وتحلم.
امّحت الفروق بينك وبيننا وبين ياسين وبهيّة والزناتي وفلاّحي غيطان الجنوب وعصافير سجن القلعة وسكّان القرافة ولم يعد فرقٌ بين سكّان قفصة والغوريّة وحُوشْ قَدَمْ والسيجومي الذين اعتادت عيونهم أن تدمع كلّما ارتفع دخان اللحمة وهي تُشوى على الرصيف وتُشوَى على حرمانهم دون أن تسمع جوعهم يصرخ.
أصبح للبذلة الكاكي لون مفضوح وسطعت في أزقّة الحسين والسيّدة نجوم تشبه أزقة كلّ الجغرافيا العربية وتمشي على الأرض وتسند السماء.. أصبح أيّوب صديقنا وصار عبد الودود واحدًا من حرّاسنا الواقفين على الحدود في عباءته الفضفاضة يطبخ الشاي ويسمع عواء الذئاب البعيدة وينصت إلى حفيف المجهول وينظر إلى صحراء التتر وكأنّه «الأصل» الذي استنسخه دينو بوزاتي.
دخلنا معك قهاوي القاهرة وقهاوي تونس وجبنا حاراتها وحارات دمشق وطنجة وطرابلس وأكلنا فولها وطعميّتها في لفافات من الكاغذ والأحلام الذبيحة واستقبلنا مع فقرائها فاليري جيسكار ديستان والستّ بتاعه كمان بالسخرية نفسها، تلك القادمة من شكاوى الجريح الفصيح ومن «كتاب الموتى» الأحياء الماكرين ومن ألواح جلجامش ومن آثار خطى ديدون وهي تفرش جلد الثور لقرطاج.
وحدها السخرية تجعل الحياة ممكنة في كلّ ما يجعلها مستحيلة وتجعل الزمن ربيعًا في كلّ ما يريده صحراء.
*
كم أعذرهم اليوم وأفهم أولئك الذين يفتتحون صباحاتهم بقراءة الجرائد بدايةً من صفحة الوفيات. يفتتحون صباحاتهم باستراق النظر من وراء تلك السطور الصغيرة ناحيةَ ذلك الثقب الغامض.
*
لا أدري لماذا أذكر الربيع كلّما ذكرتك أنت الذي لم أسمع له صوتًا إلاّ وهو مضمّخ بحشرجة العمر في خريفه. «حشرجة» أو بحّة أو سعال لا يخلو منها شريط من شرائط حفلاتك، كانت تزعجك في البداية ثمّ سرعان ما تعايشتَ معها على عادتك مع كلّ ما ليس لك قدرة على ردّه.
«هو زيّ ما تقول توقيعي الشخصيّ.. » هكذا قلت لي حين أخذتُك ذات مساء إلى «قهوتي التونسية» المفضّلة وقتها، «مقهى الباطنيّة» في شارع فلسطين بالعاصمة تونس، وطلبتُ من صديقي مبارك صاحب المقهى «أرجيلتين» واحدة لي والأخرى لك، كي أجعلك «تستنشق» المكان وتحسّ بأنّك لم تخرج من بلدك وبأنّ الشوارع العربيّة كلّها متاهةٌ يفضي بعضُها إلى بعض.
سحبتَ نفَسًا ثمّ جرّنا الحديث إلى علاقتك بالتدخين وغيره.. فحدّثتَنِي عن ضرورة الإقلاع عنه وحدّثتَنِي عن أيّام كان لا يجرؤ أحد على مفاتحتك بكلمة قبل أن تدخّن الحجر العاشر أو الحادي عشر.. «آهِي فَوْرة الشباب يا آدم.. لكن الصُّوتْ دَه دِينْ في رقَبْتِي...وانا كلّ اللي عملتُهْ وكلّ اللي راح اعملُه، طريقة لتسديد هذا الدين.. »
وكنت أنصت إليك مبتسمًا وأنا أراك تتلذّذ بالنفس تلو الآخر في انسجام تامّ مع كلماتك المحذِّرة!
وأصدقك القول إنّي كثيرًا ما ألوذ بك اليوم كلّما حاصرتني طفلتي بإيعاز من أمّها أو من تلقاء نفسها الماكرة، بقائمة من الأهوال والأغوال المحدقة بالمدخّنين، في محاولات يائسة لإقناعي بالإقلاع عن تدخين الشيشة...فإذا أعوزتني الحيلة أسمعتها أغنية من أغانيك مشيرًا إليك من هنا يا شيخ، من هذا العالم السفليّ العابر، قائلاً لنفسي بشيء من اللعب الجادّ: أيّتها النفس الأمّارة بالتدخين، أَعِدُكِ بأن تكون هذه آخر شيشة إذا أجبتِنِي عن هذا السؤال: هل عاش صاحبي كلّ هذا العمر وهل كان له هذا الصوت على الرغم من كلّ ما دخّن من «الأراجيل» أم بفضل كلّ ما دخّن من «الأراجيل»؟؟
*
كم أعذرهم اليوم وأفهم أولئك الذين يفتتحون صباحاتهم بقراءة الجرائد بدايةً من صفحة الوفيات. يفتتحون صباحاتهم باستراق النظر من وراء تلك السطور الصغيرة ناحيةَ ذلك الثقب الغامض الذي يبتلع حبّات العنقود الواحدة تلو الأخرى، دون رأفة، ودون أن يُسْمَعَ صَوْتٌ لارتطامها بأيّ قاع.
*
أعود بين الحين والحين إلى صورة التُقطت لنا يومها في ذاك المقهى، في بداية ثمانينات القرن العشرين، فتدهشني سيماء الطفولة التي كانت تغلب على وجهي وأنا قربك.. طفولة في غير أوانها الطبيعيّ ما كنتُ لأنتبه إليها لو لم تثبتها عدسة المصوّر.
شيئًا فشيئًا استقرّ لديّ إحساس بأنّ السيماء الطفوليّة نفسها تعلو وجهي كلّما استمعت إلى أغانيك الآن وتعلو وجوه كلّ الذين ظلّوا مثابرين على الاستماع إليك.. هل يكون للفنّ (أم لفنّك أنت تحديدًا) علاقةٌ مَا بعشبة الخلود؟ هل يتوفّر الغناء (الشبيه بغنائك تحديدًا) على إكسير خفيّ يُبقِي على الطفولة فينا على الرغم من مرور السنوات؟
كنّا أطفالاً ثمّ اشتدّ العُودُ وذهب بنا الشباب مذاهب شتّى ونحن نستمع إليك وحدانًا وجماعاتٍ خفيةً ومتظاهرين.. كنّا نضع شرائطك تحت معاطفنا حيث توضع الممنوعات كي لا تلتهمها العيون التي لا تنام، فإذا بَلَغْنَا مَأْمَنًا «اختلينا بك» مجتمعين خاشعين صاخبين في تلك الحلقات الحميمة الشبيهة بالصلوات.
ثمّ خرجتَ من قفصك وسافرت وزرتنا ورأيناك واختلفنا إليك ووضعنا أيدينا في يديك.. وكنتَ بين هذا وذاك تتحدّانا بطفولتك ومرحك ودفئك وشبابك من أعلى سنواتك الستّين ثمّ السبعين.. كنت أكثرنَا شبابًا أيّها الشيخ.. كنتَ أكثرَنا ربيعًا ودفاعًا عن الربيع فيما كانت أحلامنا نحنُ تُكْسَرُ وتُقاوِمُ وتُجهَضُ وتُقاوِم وكأنّنا نريد لها أن تتفتّح وتزهر وتنطلق فيُراد لها أن تتجعّد داخلنا وتهرم وتشيخ.. وها أنت إلى اليوم لم تَعْلُ أغانيكَ شعرةٌ بيضاء واحدة.. وها أنت إلى الآن تهزّنا هزًّا فيتساقط عنّا ما جفّ من أوراق العمر.. فهل يكون في داخل كُلٍّ منّا طفلٌ كامِنٌ ينصت إليك فيفيق؟
ثمّ رحلتَ فكيف استطعت أن ترتكب هذا الرحيل؟ وأنا؟ كيف هان عليك أن تتركني وحيدًا أو أكاد؟ كيف هان عليك أن توقظني من حلمي بلقائك قبل أن أصدّق أنّه حدث بالفعل؟
كيف استطعت أن تغافلني وترحل بعد أن صنعت منّي مدمنًا على فنٍّ نَفَقَتْ سُوقُهُ أو تكاد، فنّ يزوّج الجمال إلى الحريّة ويَجِدُّ بِلَعِبٍ ويجرؤ على الموقف ويأبى إلاّ أن يطير بجناحي المتعة والمعنى؟
ثمّ كيف استطعت أن تروّضني على أسوأ العادات: قراءة الجريدة بداية من صفحة الوفيات، خشية أن أُفْجَعَ في حبيب آخر، في رفيقٍ آخر، في صديقٍ آخر، في حبّة أخرى من حبّات العنقود، تمامًا مثلما فُجِعْتُ فيك وأنا أقرأ جريدتي ذات صباح قبل سنوات؟؟
عزائي أنّك تولد أبدًا في كلّ أغنية من أغانيك، مع كلّ مريدٍ جديد يأخذه فنُّكَ إلى «خلوتك» المفتوحة على شوارع الدنيا كلّها.. فما أمكرك أيّها الشيخ.. ثمّ ما أمكر الفنّ الصادق العظيم.. ثمّ..

... ما أمْكَرَ المَيَّتِينْ
يَسْبِقونَ الجميعَ ويختبئون هُنَا أو هُناكْ
ويظلّونَ في مَوْتِهِمْ كامِنِينْ
خَلْفَ مُنْعَطَفٍ في دروب الهَلاكْ
يَرْقُبُونَ لِحِينْ
فإذا شَرَّدتْنَا القُرَى
أوْ رمتنا الشِباكْ
حَمَلُوا نَعْشَنَا
ومشوا في جَنازتنا ضاحِكينْ..
*
كم أعذرهم اليوم وأفهم أولئك الذين يفتتحون صباحاتهم بشجاعة من لا يخاف أن يعترف بالخوف. يتفقّدون العنقود من وراء دخان السيجارة ورشفة القهوة وخشخشة الصفحات.. ستائر يتدارون بها عن العيون كي لا تداهمهم في هلعهم اليوميّ ذاك.. هلع يتقاسمونه عن بعد، في شكل صومعات من العُرْيِ والطفولة والهشاشة يسكنها كلّ منهم دون أسلاك تربط بين هذه وتلك.
*
أين أنت الآن يا معلّم؟ هل تذكر لقاءنا الآوّل في قفصة؟ في قصر قفصة تحديدًا.. انتهى الحفل وتَرَكَتْ أغانيكَ المكانَ لحفيف الرياح تداعب جريد النخل.. كنّا كثيرين حولك: أنا ونبراس وخالد وسائر الأحبّة.. كان المكان مضمّخًا بروائح الجنوب وكنّا نقول أشياء لتأثيث الفضاء ككلّ من يخاف الصمت في حضرة من يحبّ...وكنت أنت تسمع وتهزّ جذعك ذهابًا وإيابًا مثل من ينصت إلى إيقاع داخليّ بعيد.
فجأة ارتفع صوتك بإحدى قصائدي وكنت سمعتني أقرأها في الأمسية.. ثمّ سألتني في حياء معتذرًا عن أيّ خطأ قد تكون ارتكبتَه في حقّ القصيدة.. وكأنّ لمثلك أن يعتذر لمثلي.. وكأنّي لم أكن مستعدًّا لرؤيتك تخطئ في القصيدة كلّها وفي أمّها وأبيها إذا لزم الأمر شَرْطَ أن أسمع كلماتها تُشرِق من بين شفتيك.. ثمّ أسرعتَ تمازحني معلنًا أنّك عثرتَ أخيرًا على «والدك» في تونس.. سألتك كيف؟ فأجبتني: «قصيدتك عنوانها يا ولدي، وأنت أبونا آدم أليس كذلك؟ عليك أن تناديني من اليوم بـِ.. يا ولدي.. » وضحكنا حتّى مطلع الفجر.
كم أحببتُ بِكَ الدنيا لحظتها يا شيخ.. كم وقفتُ على المسافة الفاصلة بين العمالقة والأقزام: هشاشة الروح والقدرة على الخجل والقدرة على الضحك والقدرة على الدهشة والحبّ والاعتذار والعطاء والنضال.
*
لا تَبْـكِ فأحلامُ الصِغَرِ تمضي كالحُلْمِ معَ الفجرِ
وقريبًا تَكْبُرُ يا ولـدي وتٌريدُ الدمْعَ فلا يجْرِي
كانت تلك أوّل قصيدة من قصائدي تشرّفني وتسعدني بتلحينها.. كانت تلك قصّة «مولد» أغنيتك التونسيّة الأولى.. ثمّ تتالت الأغاني وتتالت الأماكن وتتالت اللقاءات وتتالت الدروس.
لم يكن لي من شغل أهمّ من ملازمتك كلّما احتضنتك تونس، ملازمةَ المريدِ شيخَه.. جُبْنَا البلادَ طولاً وعرضًا.. نِمْنَا في بيوت الطيّبين والطيِّباتِ وفي الفنادق وفي السيّارات.. أكلنا على قارعة الطريق وفي المطاعم الصغيرة ومستندين إلى جدار.
لم أسمعك تذمّرتَ يومًا ولم أرَكَ شكوت.
كنّا نقطع مئات الكيلومترات أحيانًا فتلحّن الأغنية ضاربًا بكفّك على ركبتك منصتًا إلى موسيقى داخليّة لا يسمعها غيرك، فإذا بَلَغْنَا مقصدنا أخذتَ العود فامتحنتَ عليه لحنك.. وقد أعلمتني بعد ذلك انّها طريقتك الخاصّة في تلحين أغلب أغانيك، ثمّ همست لي ضاحكًا «إنّها طريقة الذين يخافون إزعاج الآخرين».
هكذا علّمتني أنّ الفنّ لا يحفر في الروح والعقل والجسد إلاّ إذا كان ثمرة الروح والعقل والجسد.. كنت تلحّن بجسدك كلّه لا بالعود فحسب.. كنت تلحّن بلحمك ودمك أيضًا.. لذلك كانت أغانيك أكثر من أغانٍ نضاليّة أو سياسيّة أو فنيّة.. كانت أغانيك فنًّا أصيلاً قريبًا من ذاك الذي أفلح سيّد درويش في تأسيس انطلاقته المشرقة: فنّ يصالح بين الغناء المتقن والغناء الشعبيّ.
كان سيّد درويش قد توسّل إلى تلك المصالحة بالموهبة والمعرفة أمّا أنت فقد توسّلت إليها بهذا ثمّ بلحمك ودمك.. لقد جعلت من جسدك جسرًا بين العامّة والنخبة، فإذا بأغانيك شيء آخر تستجيب له الأرواح والعقول والأجساد لأنّها تحسّ بأنّه قادم منها مضمّخ برائحتها وإيقاعها الذي لا تعرفه أغاني «السوق» اليوم، هذه التي لا جذور لها ولا أجنحة لذلك فهي نادرًا ما «تعيش» إلاّ كما تعيش الفقاعات.
كم أنا سعيد بتلك اللحظات معك يا شيخ.. لحظات أكاد أمسكها باليد الآن فأرى لها طعمًا ولونًا ورائحة لا يعرفها سواي.. صُوَر تؤثّث روحي وتضمّد أحلامي وتلملم شظاياي.
تغيّرَ الزمنُ وغادَرْتَ قَفَصَيْكَ الأصغرَ والأكبرَ فكُنْ للجماهير ما شئتَ.. ستظلّ تلك الصُور من ممتلكاتي الخاصّة التي أستطيع أن أفخر بأنّي أحتفظ بها لنفسي بأنانيّة لا أستحي منها.
ماذا يملك الواحد منّا في هذه الحياة (إذا امتلكَ شيئًا) غير بعض الصُوَر وبماذا يخرج (إذا خرج بشيء) إن لم يكن ببعض الصُوَر وماذا يترك (إذا ترك شيئًا) غير بعض الصُوَر؟؟
*
كم أعذرهم اليوم وأفهم أولئك الذين يشترون الجريدة في الصباحات، يتّخذون مكانهم المألوف من المقهى حيث يطلّون من وراء البلّور على الشارع وهو يتمطّى وينفض عنه ثوب النوم، ينصتون إلى زعيق السيّارات تزعج العصافير في أعشاشها الدبقة، وينظرون إلى سيقان الرائحات ترشو تجاعيد المدينة بالجمال. تتنهّد النهود وتترادف الأرداف وهم يسترقون النظر بشراهةِ مَنْ يَمْتَحِنُ نَفْسَهُ ليرى إن كان لم يمت بعد، وإن كان في نفسه الأمّارة بالشهوة بقيّةٌ باقيةٌ من الحياة. يطلبون قهوتهم ثمّ يشرعون في قراءة الجريدة بدايةً من صفحة الوفيات، كي يبدؤوا أيّامهم بالاطمئنان على أنّ المنجل لم يحصد منهم اسمًا آخر، وقد اجتازوا الخطّ الوهميّ الذي يفصل بين أكثر الحياة المدبر وأقلّها المقبل.
*
أمّا أنتَ فلم يكن يخيفُكَ الموتُ ولا كنتَ تحفل بحديث الموت. عرفتَ مبكّرًا وبالفطرة أنّ الحياة صمتٌ تؤبّدُهُ الكلمات، فاخترتَ حريّتَكَ ومنحتها صوتَك وأوتارَك واتّخذتَ لها الشعرَ أنيسًا يشهدُ على اللحظة ويخترق بها الأزمنة والمسافات.
غنّيتَ الحبّ والصبر ونفاد الصبر.. غنّيتَ العشق والمقاومة.. غنّيتَ الفرح والدموع.. غنّيتَ انكسارَ الأحلام وضرورةَ التمسّك بالأحلام حتّى وهي إلى انكسار.. غنّيتَ التلامذة وعمّ حمزة والعمّال والفلاّحين والطلبة وغيفارا وهوشي منه والصعيديّ عبد الودود وفرحات حشّاد التونسيّ وجميلة الجزائريّة وابنة العشرين الفلسطينيّة والأديب الأدباتيّ وآكل الفول وآكل اللحوم البشريّة.
لم يكن الإنسان بعيدًا عنك حيثما كان.. عرفت كيف تطيح بذلك «الجدار الخاسر» الفاصل بين النضال والفنّ لأنّك لم تر فاصلاً بين إنسانيّتك وفنّك.. لم تسقط في فخّ الإنسان المشروخ المقسوم إلى فنّان من جهة ومواطن من جهة أخرى، إلى آلة حاسبة من جهة وآلة كاتبة من الجهة الأخرى.
لم يكن الفنّ في نظرك تعاليًا بالضرورة عن واجبات المُواطَنة.. كنتَ ترى في كلّ ألمٍ ألَمَكَ وفي كلّ أمَلٍ أمَلَكَ وفي كلّ قضيّةٍ عادلةٍ قضيّتَك.. هكذا استطعت (كما لم يستطع غيرك) أن تغنِّيَ الحياة بأبعادها وأن تحفر في الذاكرة وأن تؤالف بين المتناقضات من المثقّف إلى الأمّي ومن النخبة إلى الجمهور بل إلى الجماهير.
*
لم تتعامل مع شعراء كثيرين.. رفيق دربك نجم وعدد قليل من الكبار بيرم وفؤاد قاعود وفؤاد حدّاد وتوفيق زياد.. لقد فهمتَ مبكّرًا وبالفطرة أنّ التجربة الفنيّة لابدّ لها من «فريق عمل» أساسيّ، لابدّ لها من «عمود فقريّ» كي تتفرّد بملامح ومذاقات خاصّة.. كان هذا أحد دروسك وواحدًا من دروس سيّد درويش والرحابنة وغيرهم من الكبار.
كما تعلّمتَ مبكّرًا بالفطرة ثمّ بالتجربة والإنصات إلى الآخرين أنّ للمبدع تجلّيين: المستوحد والحادي.. أمّا المستوحد فينصت إلى فجيعته ويوغل في الضباب ويطلّ على ما يسمّيه سيوران «الهُوِيّ الحميمة». إنّه كشّافٌ يفتح الطريق بعيدًا عن الكوكبة ليس له في الوحشة من مؤنس غير وقع خطاه. فيما يرافق الحادي القافلةَ ويصاحبها في حلّها وترحالها شاهدًا محفّزًا مؤنسًا مهمومًا بما يهمّها متعرّضًا إلى ما تتعرّض إليه من تيه إذا تاهت أو نَهْبٍ إذا نُهِبَتْ وطلع عليها أنواع الشطّار والعيّارين.
يحلّق الفنّ بجناحين: جناح المستوحدين وجناح الحُدَاة.
ولا يعدم المستوحدون الصادقون أن يتواصلوا مع الكوكبة وإِنْ بصعوبة، وإِنْ بعد حين، حين تلتحق بهم القافلة حيث هم وتكتشف ما كان خافيًا منهم.. كما يمكن للحداة الأفذاذ أن يخترقوا لحظتهم وأن يكونوا كائنات عابرة للتاريخ.
كم تحدّثنا في تلك الليالي الطويلة عن الفنّ والأدب وكم خضنا في الشعر والشعراء.. كنت أقرأ عليك من الكثير من نصوصي معتذرًا بأنّ بعضَها غيرُ صالحٍ للغناء لأنّي أؤمن بأنّ الأغنية جنسٌ أدبيّ خاصٌّ يُكْتَبُ بجماليّةٍ خاصّة تستحضر صوت المغنّي وإحساسَ المُلحّن.. وكنتَ تستزيدني غير حافلٍ برأيي وكنتُ أحبّ أن تخالفني الرأي.
حدّثتُك عن أبي نواس وبودلير ورامبو وجبران وسان جون بيرس والشابّي وأراغون ونيرودا ومختار اللغماني وريتسوس وطاغور وجلال الدين الرومي والسورياليّين.. قرأتُ عليك الكثير من شعر البرغوثيّ وغيره من شعراء الدارجة التونسيّة.
قلت لك إنّ هؤلاء الشعراء وغيرهم على اختلاف تجاربهم هم أهلي وأثاث روحي وإنّي أراهم يشتركون في الكثير وأرفض أن تكون الأغنية بعيدة عمّا أنجزوه وعمّا تمّ إنجازه في الشعر بشكلٍ عامّ.
كنت (ومازلت) أرى كتابتي للأغنية جزءًا من تجربتي الشعريّة ككلّ.. وكنت (ومازلت) مختلفًا عن أولئك الحمقى الذين يعتبرون الكتابة للأغنية تهمة أو نقيصة ويحاولونها في السرّ ويلعنونها في العلن لأنّهم عاجزون عن ترويض ذُراها العالية.
كانت «ذائقتي الغنائيّة» قد استبدّت بها نهائيًّا تجارب مجنونة، تجارب جورج براسانس وليو فيري وجاك برال وبوب ديلان وبوب مارلي وغيرهم من فنّاني الجاز والأوبرا والغناء الشعبيّ.. وأشهد أنّي كنت أوشكت على اليأس نهائيًّا من «الأغنية العربيّة» التجاريّة الرائجة في مختلف أجهزة الإعلام.. ولم أعد أجد ضالّتي إلاّ في ما كان يقدّمه الفنّانون الملتزمون فرادى وجماعات.
وأذكرُ أنّك كنت تسأل وتستفسر وتوافق وتعترض.. ثمّ ذكّرتَنِي ذات ليلة وكنّا في طريقنا من جبنيانة إلى قابس، بعبارة وردت في حوار لنا سابق، وكأنّها لم تغادر ذاكرتك على امتداد الأيّام والأسابيع:
«يحلّق الفنّ بجناحين: جناح المستوحدين وجناح الحداة. الأوّل يُقرَأ والثاني يُغَنَّى. أليس هذا ما قلتَ لي ذاك اليوم؟»
ثمّ أضفتَ بصوتك المنغّم النفّاذ الذي عسّله «المعسّل» وعتّقته السنوات: «أنا معك، لكن ما رأيك في من يجمع بين المستوحد والحادي، فيُقْرَأ ويُغَنَّى في الوقت نفسه. خذ مثلاً هذه القصيدة.. » وقرأتَ عليّ رائعة الكبير فؤاد قاعود:
الشجرة بتخضرّ
لو عشّش فوق منها
عصفورة وعصفور..
كم اخضرّت أرواحنا بأغنيتك تلك ونحن نحلّق بها في برامج صديقنا حبيب بلعيد. لم يكن بين يديك طيلة حياتك حقل كبير من هذا الشعر الذي يطير بجناحين لا ينفصلان، لكن يكفيك أنّ الكثير ممّا غنّيته يصحّ فيه رأي أحمد شوقي حين وصف شعر بيرم التونسي بالخطر الكبير على شعر اللغة الفصحى...
لم يقل شوقي هذا الكلام انخراطًا في الخصومة المُصطَنَعة بين العاميّة والفصحى أو تفضيلا للعاميّة على الفصحى، بل تثمينًا لعاميّة بيرم وتحفيزًا لهمّة «الفصحاء» كي يعتنوا بلغتهم أكثر:
ـ لأنّ عاميّة بيرم أخذت أجمل ما في العربيّة وخلّصتها ممّا ترهّل فيها وممّا أبقت عليه أو عادت إليه مدرسة الديوان في ذلك الوقت من حذلقةٍ وثرثرةٍ بلاغيّة.
ـ لأنّ شعراء العربيّة في ذلك الوقت كانوا في الأغلب على صلة بالبلاط أوبالاستعمار وفي مثل تلك المراحل تصبح العاميّة عنصرًا من عناصر المعارضة الشعبيّة.
ـ لأنّ العاميّة استطاعت في ذلك الوقت أن تجد نقطة التماهي مع روح العامّة: السخرية والنكتة التي خلا منها الشعر العربيّ الفصيح إلاّ حين كان الفرق متقلّصًا بين لغة الشاعر ولغة الشارع.
وكأنّي بك خبرت هذا كلّه يا شيخ، فأين تعلّمته؟ ومن أيّ كونسرفاتوار سريّ تخرّجت كي يصبح الشعر بك، وأنت «الضرير»، عيونًا تعمّقُ رؤية المبصرين؟؟
*
كم أفتقدك اليوم يا معلّمي.. وكم أوشِكُ على اليأس لولا أنّي أشمّ رائحتك في حفنة من الذين سلكوا الطريقَ كلٌّ من جهته:
توائم روح تناثروا هنا وهناك أجد في صداقتهم أو في إبداعهم ما به يقتات الأمل وما به يَصْدُقُ الفرح.. يجمع بيننا الأفقُ نفسُه والهشاشةُ نفسُها والإصرارُ نفسُهُ، والخوف على النار الأخيرة وعلى سرّاق النار الأخيرين، وأنّنا عرفنا أصدقاءنا وعاكسنا صديقاتنا وعشقنا زوجاتنا وأنجبنا أولادنا وبناتنا على إيقاع أغانيك وأغاني أمثالك.
أَنْظُرُ إلى ابنتي اليوم فأسأل على إيقاع أيّ الأغاني سيتعارف أبناء جيلها ويغازِلون ويعشقون ويتزوّجون وينجبون؟ على إيقاع هذه الأصوات (السياط) العجيبة؟ على إيقاع هذه الكلمات (اللكمات) الغائبة عن العالم، دافنة رأسها في اللاشيء كما تدفن النعامة رأسها في التراب؟ على إيقاع هذا «الجديد» التي يكاد يجبرنا (مع حفظ المقامات واحترام الاستثناءات والتنويه بما في بعضه من إبداعات) على الضيقِ بكلّ جديد والتنكّر لأنفسنا نحن عشّاق الحريّة المجانين؟؟
ماذا فعلوا بنا بعدك يا شيخ.. ماذا فعلوا بنا بعدك؟؟
لكأنّي بك «تنظر» إليّ الآن من أولمبك مبتسمًا محرّكًا جذعك مثل بندول ساعة من لحم ودم تشير عقاربها إلى زمن عابر للزمن، ولكأنّي بسيّد درويش وعاصي الرحباني عن يمينك وعن يسارك، وربّما كان من حولكما الدوعاجي ونجيب سرور وناجي العليّ وصالح القرمادي وحسين مروّة وجان دمّو وسعد الله ونّوس وغسّان كنفاني وبلقاسم اليعقوبي وغيرهم، ولعلّكم تطلّون علينا من بعيد وتسألون:
ما الذي يحدث باسم الزمن الجديد؟ سقط جدار برلين فهل تحرّر العالم؟ سقط آلاف الأطفال شهداء فهل تحرّرت فلسطين؟ سقط التمثال فهل تحرّرت بغداد؟ رحل الشيخ إمام فهل عوّضه شعبان عبد الرحيم؟ ولعلّكم لا تفهمون بعد كلّ ما غنّيتم وكتبتم وفكّرتم وناضلتم وضحّيتم، كيف لم تتحرّر العقول وكيف لم تنهض الشعوب وكيف عادت الأرض إلى قانون الغاب وكيف زهق الحقّ وكيف عجز المواطن عن سكنى وطن؟
ولعلّ أحدكم تجرح أزهارَهُ الدموع ويذهب به الظنّ كلّ مذهب، فيدفعكم إلى السؤال إن لم يكن فنّكم ومبادئكم ومناهجكم فشلت في قراءتنا وتغييرنا وتغيير واقعنا المزمن؟ وإن لم يكن معنى هذا كلّ هذا أنّكم فشلتم في «مهمّتكم»؟ وأنّنا نحن أيضًا، من بعدكم، فشلنا في مهمّتنا؟
قل لرفاقك ألاّ يخافوا يا شيخ.. قل لهم إنّ الأرض الصلبة قد تتأخّر بالزرع لكنّه لابدّ أن يزهر.. قل لهم إنّ عثرات الطريق ليست حجّة على خطأ الطريق.. نحن أيضًا نبكي هنا لكنّنا لا نجد لدموعنا زهورًا أفضل من أغانيكم وأغانينا.. لن تصبح العبوديّة أفضل من الحريّة ولن تصبح القوّة مصدر الحقّ ولن تتربّع ثقافة الهزيمة على العقول والأرواح.
لتطمئنّ قلوبكم يا شيخ ففي ورثتكم وأحفادكم بعض العزاء.. هم قِلَّةٌ أي نعم.. قِلّةٌ من «الواقفين» في مستنقع «الانبطاح» هذا الذي يحاول أن يحبس الأرض في زريبة أو خيمة.. لكنّهم سيكثرون ويتكاثرون.. سيحلمون وتنكسر أحلامهم فيحلمون.. سيحاولون ويفشلون ويحاولون.. سيخوضون «حروب المواقع» كلِّها بكلّ ما لديهم من حِيلة.. لن يتخلّوا عن ثقافة المُقاومة كُلٌّ بطريقته وكلٌّ بما يقدر عليه.. لن يغادروا الأوطان مثلما تغادر الفئران السفن.. ولن يفارقوا العنقود طالمَا ظلّت منهم حبّات ترقص في الهواء مثلما رقصت النجوم طويلاً في كفّيك.
*
كم أعذرهم اليوم وأفهم، أولئك الذين يترشّفون قهوة الصباح ودون أن ينبس أحدهم بكلمة، يلقون نظرة على الجريدة، فإذا طالعهم اِسْمُ صديق أو رفيق كَمَشُوا الجريدة صامتين، وقد مات فيهم شيء، ثمّ حاذروا أن تطفر الدموع من أعينهم خوفًا من أن يُقبض عليهم متلبّسين بجرم الحياة، الحياة بعد الآخرين. فإذا خلت الصفحة من أحبّائهم رقصت قلوبهم في الصدور وكادت تطير، ثمّ تنفّسوا الصعداء، هكذا دون أن يُشعِروا أحدًا ولا حتّى أنفسهم، يتنفّسون الصعداء في شهقةِ من يسترجع الروح، شهقة تذهب إلى الداخل كي لا ينتَبِهَ إليها أحد، آهة تتخفّى وتنهدّ فيما لسان حالها يقول: لم تنقص من العنقود حبّة هذا اليوم.
*
إلى اللقاء أيّها الشيخ الإمام
أيّها الضرير الذي منحنا عيونًا تغنّي.
إلى اللقاء يا سارق النار يا حارس الزهرة.
إلى اللقاء يا معلّمي وصديقي.

جورجيو أغامبين: ضرورة التفكير في كورونا

جورجيو أغامبين: ضرورة التفكير في كورونا

يونيو 05, 2020 اضف تعليق


- سعدون يخلف

يواصل جورجيو أغامبين (1942)، الفيلسوف الإيطالي، انتقاده لسياسات بلاده التي أقرت الحجر الصحي، وفرضت الإغلاق العام على المدن والمطارات والموانئ، واعتمدت التباعد الاجتماعي بين الأفراد، كاستراتيجية وعقيدة، لكبح جماح هذا القاتل المتسلل، وتوقيف هذا العدو غير المرئي، (كوفيد -19)، معتبراً أن كل هذه الإجراءات، حتى إن بدت بأنها ذات أهداف إنسانية، إلا أنها تخفي، في الحقيقة، هدفها الأساسي، ألا وهو الحد من حرية الناس، الذي ينتج عنه، في نهاية المطاف، نشوء مجتمع شمولي، لكن هذه المرة، بخلاف المرات السابقة، توجد قابلية من طرف هؤلاء الناس أنفسهم في التفريط في حريتهم بسهولة، إذْ يقول: «فرط مواطنو الديمقراطيات الليبرالية بحرياتهم، بين عشية وضحاها، وعلى الرغم من التناقض الظاهري، فإن عقيدة التباعد الاجتماعي الجديدة، تؤدي إلى نشوء مجتمع شمولي من الأشخاص غير الفاعلين».
يمكن الإشارة هنا إلى أن أغامبين لا ينفي وجود المرض، أو يقلل من خطورته، بل ينتقد الإجراءات الوقائية المبالغ فيها، مدللا على ذلك بما حدث في التاريخ، بحيث «انتشرت أوبئة أكثر خطورة في الماضي، ولكن أحداً لم يفكر وقتها في إعلان حالة طوارئ، مثل التي نشهدها اليوم».

استثمار الخوف

استغلال الوباء بهذه الطريقة المسعورة والمتطرفة، يبرز، مرة أخرى، كيفية استثمار الحكومات للكوارث والأزمات من أجل تمرير مشاريع جديدة، هي بالطبع ليست في مصلحة المجتمعات، بقدر ما تخدم الطبقة الحاكمة، وتزيد من سطوتها وجبروتها. لا شك في أن الكوارث، من هذا القبيل، تتسبب في إطلاق موجة من الذعر، تجعل الناس في حيرة من أمرهم، لا يستطيعون تحديد خياراتهم، ولا ترتيب أولوياتهم، أقصى أمانيهم أن يبقوا أحياء، لأن الخوف، كما يقول أغامبين، «مستشار سيئ»، لاسيما بعد الإجراءات التي تتخذها الحكومات، لأجل مواجهة هذا الوباء كـ»حالة الاستثناء»، حظر التجول والطوارئ والإغلاق العام، التي، مع مرور الوقت، تغدو قاعدة، والدليل على ذلك أن مثل هذه الإجراءات، كما تدل وقائع التاريخ القريبة، تُسن لكي تبقى، حيث يقول: «ما يُثير القلق ليس الحاضر بالدرجة الأولى، أو ليس الحاضر فقط، وإنما ما يحمله المستقبل، مثلما تُخَلفُ الحروب لأوقات السلم سلسلة من التقنيات المشؤومة، فمن المرجح أيضاً استمرار التجارب والإجراءات الناتجة عن الأزمة الصحية الطارئة، التي لم تكن الحكومات من قبل قادرةً على فرضها، سواء تمثلت بإغلاق الجامعات والمدارس، وإعطاء المحاضرات والدروس حصراً، عن طريق الإنترنت، أو حظر التجمعات واللقاءات لنقاش أي موضوع، سياسياً كان أم ثقافياً، أو إلزامنا بالرسائل الإلكترونية وسيلة تواصل وحيدة، في ما بيننا، وجعل الآلة بديلاً لكل لقاء- عدوى بين الناس»، تكون النتيجة، في التحليل الأخير، هو تضحية المجتمع بحريته لأجل البقاء.

ضرورة التفكير

يدعو أغامبين الناس إلى تدريب عقولهم على تمرين التفكير الجاد، فبدلا من القلق المفرط الناتج عن الذعر من كورونا، ينبغي الاحتكام إلى منطق التفكير، لفهم ما وراء القصة، بحسب ما أشار إليه من خلال عنوان مقاله: «عن كورونا: علينا أن نقلق أقل ونفكر أكثر»، حيث دعا فيه إلى ضرورة التفكير بجدية في ما يجري، لأن آثاره المترتبة ستكون عميقة في المستقبل المنظور، لا على الأفراد فحسب، إنما على المجتمع ككل، من حيث علاقة الناس بعضهم ببعض، وعلاقة الفرد مع نفسه أيضاً، على أن التساؤل الذي يطرح وفقاً لأغامبين هو: كيف وصلت الأمور إلى الحد الذي تسممت فيه حياة الناس، وتلوثت العلاقات بينهم بسبب مواجهة المرض؟

إن شعور «مجتمع بأكمله بأنهُ مسمومٌ وملوثٌ في مواجهة المرض»، أمرٌ مرعب، وغير مبرر على الإطلاق، ولمواجهة هذا المرض يتحتم على الجميع أن يعزلوا أنفسهم في المنازل، ويعطلوا سير حياتهم الطبيعية كـ»العمل والصداقة وعلاقات الحب، وحتى المعتقدات الدينية والسياسية»، والأفظع، من كل هذا، هو الشك في النفس أو في الآخرين، باعتبارهم، هم الجحيم، أو مصدر الخطر المحدق، أي ناقلين للعدوى، «فجأةً ينظر إلى الآخرين، وإلى نفسه، على أنهم، أنه، مجرد ناشرين للعدوى، يتوجب تغطية وجوههم بالأقنعة، والابتعاد عنهم مسافة أمان لا تقل عن مترين». يبدو أن «الحاجة إلى الأمن» في زمن الإرهاب، استبدلت اليوم في ظل الوباء بـ»الرغبة في السلامة». هل كل هذه الأمور طبيعية ومعقولة ومبررة؟ ينبغي إعمال التفكير بجدية في هذا الموضوع، كما يقول أغامبين.

الحاجة إلى الدين

يُظهر مثل هذا الوضع المأساوي حاجة البشر إلى الدين، يتجلى ذلك في «الاستخدام المتكرر والمهووس للمفردات والاستعارات الأخروية»، بحيث يتصدر الحديث عن «نهاية العالم والقيامة»، كلام الناس ووسائل الإعلام، وبما أن الكنيسة (رمز الدين) عاجزة عن إشباع هذه الحاجة، وإرواء هذه الرغبة، يبحث الناس عما يخفف من قلقهم، ويقلل من معاناتهم، في مواطن أخرى، لعلهم يجدون الترياق، الذي قد يشفيهم من هذا القلق والمعاناة؛ فيلجأون إلى العلم، الديانة الجديدة، إذْ «وجدته (البشرية) في ما بات منذ زمن الدين الحقيقي في عصرنا: العلم»، غير أن العلم كأي دين آخر، ينتج هو الآخر «الخرافات والمخاوف المألوفة في الأديان أوقات الأزمات، وما تجلبه من آراء وقوانين مختلفة ومتضاربة»، بحيث تتعدد الآراء بين «أقلية مهرطقة» و»خطاب أرثوذكسي سائد»، الأولى تنكر خطورة المرض، بينما الثاني؛ يؤكد نقيض ذلك، ما يؤدي، والحال هذه، إلى الاختلاف في الآراء حول «كيفية مكافحة المرض».
ليس رجال الدين (الكنيسة) وحسب، من تخلوا عن دورهم الإنساني في مساعدة الضحايا، وجبر خواطرهم في هذا الوضع المأساوي؛ فكذلك رجال القانون، إذ باتوا، بين عشية وضحاها، مجرد خدم لرجال المصالح، يشرعون حالات الاستثناء والطوارئ في البلاد، من دون أي مبرر معقول أو مقبول.

الحياةُ العارية

ثمة ظاهرة أخرى، بحسب أغامبين، تستدعي إعمال التفكير فيها، ففي وضع كهذا، تتفكك القناعات، ويهتز الإيمان واليقين، وتقل الخيارات المتاحة، فتجد الناس لا يؤمنون إلا بالحياة البيولوجية العارية، التي من شأنها أن تبقيهم أحياءً، «إن أول ما يظهره بوضوح موجة الذعر التي شلت البلد هو أن مجتمعنا لم يعد يؤمن بأي شيء سوى الحياة العارية»، هذا الخوف من فقدان الحياة لا يؤدي، في الأخير، إلا إلى تأسيس سلطة الاستبداد والطغيان، والدولة هي الكيان الوحيد، القادر على القيام بهذه المهمة، يؤكد ذلك بالقول: «فقط (ليفياتان) المتوحش»، من يستطيع «بسيفه المشهر» إخضاع من يريد الخروج عن السيطرة.

التباعد الاجتماعي

إن التباعد الاجتماعي، بحسب أغامبين، هو لفظة ملطفة، وكلمة مخففة، للمصطلح القاسي المتمثل في «ترسيم الحدود»، بمعنى أن العلاقة بين الأفراد لا يحكمها قانون إنساني قائم على التعايش والاحترام، بل قانون يعمل على إنتاج العداوة والخوف، هو قانون الفصل يفرق لا يجمع، هنا يثير سؤالا في غاية الأهمية: «ما نوع النظام السياسي الذي قد يترتب عن هذا المفهوم؟». ربما تكون عقيدة التباعد الاجتماعي إستراتيجية صحية مفيدة، غير أن ذلك لا ينفي استغلالها من طرف جماعات المصالح لغاياتٍ أخرى، بعيدة كل البعد، عن غايتها السامية المعلنة، فهي، كغيرها من الإجراءات الأخرى، «مختبر تجرّب فيه حالات وأوضاع سياسية واجتماعية جديدة، تنتظر الإنسانية في المستقبل»، من هنا، ينشأ الخوف من ضياع المعنى الحقيقي للاجتماع الإنساني، لافتاً النظر، إلى أن المجتمع القائم على التباعد الاجتماعي هو، في واقع الأمر، مجتمع غير صالح سياسياً وإنسانياً.

الجماعية الجديدة: الحشود

على ضوء ما سبق، تغدو الجماعية، أي الجماهير، الجديدة، التي خلقها الذعر وتدابير التباعد الاجتماعي، على شكل حشود، تتميز بالسلبية والركود، وتفتقد إلى القدرة على اتخاذ القرار، ببساطة، هي جماهير أكثر انضباطاً وخضوعاً، تنتظر في كل اختبار إلى من يوجهها، ويلهمها بالأفكار الصحيحة، يقول أغامبين مستشهداً بكلام إلياس كانيتي:»الحشود الراكدة تنتظر، تنتظر رأساً يمنح لها»، حتى لو كانوا مجتمعين، في الظاهر، فإنهم سيرفضون القيام بأي فعل، نتيجة سلبيتهم، «يرفضون، وهم مجتمعون معاً، القيام بأفعال كانوا يقومون بها أفراداً حتى تلك اللحظة، الحظر يأتي مفاجئاً، يقومون بفرضه على أنفسهم، بكل الأحوال، فإن الحظر يضرب بأقصى قوة، يملك طبيعة أمر مطلق لا مشروط، إلا أن الشيء المميز له هو طابعه السلبي» (إلياس كانيتي).
تجدر الإشارة، في الأخير، إلى أن هناك فرقاً بين المجتمع القائم على التباعد الاجتماعي والفردانية، لهذا ينفي أغامبين أي علاقة بين المجتمع القائم على التباعد، وذاك الذي يقوم على الفردانية، التي يحتفي بها البعض؛ فالفردانية تنتج أفراداً فاعلين إيجابيين، بينما المجتمع القائم على التباعد ما هو، في الأخير، سوى «حشود مميعة، مبنية على أساس حظر، وهي لهذا السبب بالذات متراصة وسلبية بشكل خاص».

هل الحب شعورٌ بالنقص أم بالابتهاج؟

يونيو 05, 2020 اضف تعليق
 

- أندريه كونت سبونفيل
ترجمة: أيوب هلالي

الحب: استجابة موازية للفعل العاطفي والإرادة في كل شيء معروف أو محسوس بأنه جميل أو جيد، هي حركة وجدانية تقود نحو قداسة ما، لكل ما هو مثالي، لشخص ما، هي مشاعر قوية تربط بين شخصين، وتشمل الرقة والحنان والجاذبية نحو الجسد، وهي أيضا ذوق موسوم ومولع بشيء ما.
– أحبَّ، بمعنى ارتبطَ، والارتباط هو قيد أي ألم، معاناة، وفي هذه الظروف كيف يمكننا إدراك تلك الحالة من الحب المليئة بالسعادة؟
– سبق لرولان بارت أن لاحظ أن المفكرين المعاصرين يعتبرون «الحب» هو الموضوع الأكثر بذاءة من الجنس، بل هو الموضوع الأكثر إزعاجا، الأكثر حميمية والأصعب تعبيرا وبرهانا، وأعقد فكريا، لنقل بأن الجنسانية أصبحت نوعا ما، قاعدة يجب الانصياع لها، بينما سيكون «الحب» بالأحرى استثناءً، الجنسانية هي جزء من حياتنا الصحية، لكن «الحب» سيكون نوعا ما مرضاً، أو في جميع الأحوال اضطرباً، إذا كانت الجنسانية قوة، فالحب ضعف أو هشاشة، أو على الأعم جرح، الجنسانية هي شيء بديهي، الحب هو إشكال أو يمكن القول بأنه أحجية، وفي مقدورنا القول بأن لدينا القدرة على أن نشك فيه، بل حتى في وجوده، أو على الأقل في حقيقته، إذا كان مجرد حلم أو وهم أو كذبة، ماذا في وسعنا أن نقول في هذه الحالة؟ أو إذا سلمنا بأنه لا يوجد شيء اسمه «حب» يوجد فقط الجنس والأنانية والباقي هو مجرد تصورات أدبية له، فهل هذا صحيح؟
إذا لم يكن هناك وجود لشيء اسمه «الحب» ، فكيف استعرضه لاروشفوكو (فرنسوا) بالحدة نفسها التي نطرحه بها الآن؟
غير أن هذا الجهد الذي بذلناه إلى حد الآن لن يذهب سدى، ما دمنا نتحدث عنه بالفعل، ولا يمكننا غض الطرف عنه، إذا أخذنا «الأنانية» فهي بحد ذاتها تعبير عاطفي عن الحب ـ حب الذات ـ إذا افترضنا أننا لا نحب أنفسنا، فكيف يمكننا أن نفضلها على الآخرين؟ وهناك شيء آخر نقوم به تقريبا بشكل دائم ـ إذا صح افتراضنا – هو لماذا نحن دائما نود أن نكون محبوبين؟ ثم أطفالنا، إذا كنا لا نحبهم فعلا، فهل هذه النقطة تشكل خطرا؟ بالإضافة إلى أصدقائنا: هناك منهم من كنا لا نحبهم إلا لأنفسنا، وهذا بالفعل قابل للإدراك، والذين هم لن يكونوا أكثر قيمة في أعيننا من أعدائنا الذين نكرههم، أو هؤلاء الذين يختلفون عنا وأعدادهم لا حصر لها، وبالتالي يجب ألا نعتبر «الحب» شيئا تافها، لأنه مبدئيا يولد في علاقتنا هذه المفارقة الواضحة: بين من هم أعزاء ومن هم لا شيء.
وبعد ذلك هناك أشياء نحبها، وهي ملقاة على عاتقنا: حب المال، حب السلطة، حب المجد، بالإضافة إلى تلك الأمور الأخرى التي تسرنا: مثل الطاولات الممتدة والمملوءة بالأطعمة الشهية، متعة تذوق، متعة الحياة.. وهناك سؤال آخر: ما الذي نرغبه من الجنس، حتى إن كنا لا نحبه؟
وإلى هنا، يمكننا القول بأن الأمر يتعلق بالاختلاف الذي نلحظه في درجات حبنا، التي لا يمكننا وضعها في مستوى واحد مع الحب الذي نكنه لشيء ما (مثلا الطعام أو النبيذ) أو شعورنا تجاه موضوع ما، ولكن لا يمكننا تمييز هذه الفوارق والاختلافات، إلا بشرط واحد وهو المقارنة بينها أولاً، واللغة تتيح لي الحق في ذلك، في أغلب اللغات: «يقول أفلاطون: العاشق، يحب الطفل كطبق يريد أن يلتهمه، أو مثل الذئبٍ يحب حَمَلا»، ويرد نيتشه ساخراً من هذا «الحب» الذي تبنوه الفلاسفة بعد أفلاطون: «كيف لا يحب النسر لحم الحمل وهو لذيذ جدا؟».
سأتناول مفهوم «الحب» في أقصى درجات وجوده، وسأحاول فهمه كما هو. أحب النبيذ والجعة، موزارت وفيرمير (يوهانس)، أحب النساء وأيضا هذه السيدة… ما هو الشيء المشترك بين مختلف هذه الأشياء التي أحبها؟ من المؤكد أنني أتوق إلى متعة أو أجد تسلية معينة فيها، شيء من المرح، وأيضا أجد فيها أحيانا تلك السعادة الممكنة. أن تحب، هي تلك القدرة على الاستمتاع أو على الفرح والابتهاج بشيء ما أو شخص ما، وبالتالي هي أيضا القدرة على المعاناة والألم، وبما أن المتعة والمرح تتعلق هنا، حسب تعريفها، بشيء خارجي، الذي من الممكن أن يكون حاضراً أو غائباً، يعطي أو يرفض.
يقول سبينوزا في كتابه «رسالة في إصلاح العقل»: «الشيء غير المحبوب لن تنشأ حوله خصومة؛ فلو هلك هذا الشيء، ما شعرنا بالحزن؛ ولو أصبح بحوزة غيرنا، ما حسدناه عليه، وما شعرنا لا بالخوف ولا بالكراهية، وبإيجاز، ما حصل في أنفسنا أي اضطراب»، نحن بعيدون عن ذلك، بمعنى أنه بقدر ما نحن نتعلق بـ«الحب» بقدر ما هو يحملنا. إذا كنا لا نحب شيئاً بل حتى أنفسنا، حياتنا ستكون أكثر هناءً وراحةً، مما هي ليست عليه، ولكننا ـ في هذه الحالة ـ سنكون ميتين بالفعل.
لا يمكننا العيش بدون «حب» يقول سبينوزا، لأن «الحب» هو الذي يجعلنا نعيش، في مؤلفه «رسالة مختصرة عن الله والإنسان» يضيف: «نظرا لضعفنا في الطبيعة، وبدون ذلك الشيء الذي ننعم به ونستمتع به، عن طريق ماذا يمكننا أن نكون متحدين، وبماذا سنكون محصنين، في هذه الحالة لن نستطيع المقاومة». «الحب»، قوة ـ قوة الاستمتاع والمرح ـ ولكنها محدودة. لهذا السبب أيضا ينبه سبينوزا إلى ضعفنا، هشاشتنا، فنائنا. قوة المتعة هي موازية لقوة المعاناة، مثل الفرح والحزن، وهذا ما يدل عليه لفظ «الحب»: ذلك أنه تعين علينا نحن أن نعيش في حالة ينعدم فيها الاستقرار، بين الأمل والخوف، بين الشعور بالمتعة والشعور بالنقص، وأخيرا من المأساة (تراجيديا) إلى استياء، إذن فما نتيجة؟ هل من الواجب فقط حب الخالق أو كل شيء، وهو الشيء الذي يرجع إلى نفسه، وهو نفسه الذي أطلق عليه سبينوزا لفظ « الحكمة»، ما هو الحب؟ سبينوزا يعطي تعريفا جميلا له «الحبُ هو فرحٌ مصحوبٌ بفكرةِ عِلّةٍ خارجيةٍّ»، أن تُحبَ هي أن تستمتع بـ…، ولكن إذا كانت العلة أو السبب بها خلل أو عيب؟ وهنا فلن يبقى إلا الحزن والنقص.
يمكننا أن نحصر تفكيرنا على تعريفين اثنين للحب، وهما اللذان يهيمنان على تاريخ الفلسفة، الأول لسبينوزا، والتعريف نفسه لأرسطو فهذا الأخير يقول «أن تحب يعني أن تشعر بالسعادة»، وأيضا هناك معنى آخر أدلى به أفلاطون، وأظن بأنه يناقض كل هذا. الحب بالنسبة لأفلاطون ليس هو الشعور بالسعادة، بل هو شعور بالافتقار، بالإحباط وبالألم. يقول في محاورة «المأدبة»: «الحب هو الرغبة، وأن الرغبة هي النقص أو الافتقار، فما لا نملكه، وما لا نستطيع أن نكونه، ما ينقصا، تلك هي أغراض الرغبة، تلك أغراض الحب»، هما نوعان من الحب وقد شكلهما اليونان بكلمتين: فيلياphilia ، لوصف السعادة في الحب، وإيروس Eros لوصف النقص. الصداقة إذا أردنا القول والشغف (الافتقار الشَّرِه للآخر). سنكون مخطئين إذا قلنا بأنهما متضادان قطعياً، في أغلب قصص الحب لدينا خلط بين هذين الشعورين، وفي العمق هناك سعادة: بما أننا مكرسون في النقص وفي المحدودية، ونحن نعلم أيضا بأن السعادة هي وحدها الكفيلة بجعلنا مرتاحين… الجنس على سبيل المثال، يمكن أن يعيش في ظل النقص والحرمان، كما يمكن أيضا أن يعيش في ظل السعادة، والأكثر من هذا فلن يكف عن مرافقتنا من هذا إلى ذاك.
السعادة والافتقار (النقص) فيليا وإيروس، هما مختلفان أيضا، الإيروس يأتي في المرتبة الأولى، طبعا، لأن الشعور بالنقص يأتي أولاً، لنأخذ مثلا الطفل الرضيع، أنظر إليه حينما يبحث عن ثدي أمه، فهو يجهش في البكاء عندما ننزعه منه.. إنه الحب الذي يأخذ، والذي يريد الحيازة على الشيء، الحفاظ عليه، الحب الأناني، حب بدافع العاطفة، وكل عاطفة هي افتراس، نهم. أحبك بمعنى أريدك، كيف لهذا الحب أن يكون سعيداً؟ أن تحب هي أن تعشق ما ليس لديك، وتعاني من هذا النقص، أو أن تحصل على ذلك الشيء وهنا ينجلي الشعور بالنقص (لأنه لديك) وبالتالي يتضاءل حبك له يوما بعد يوم (لأننا لا نحب ولا نرغب إلا في ما ليس لدينا). المعاناة العاطفية هي عدو الأزواج. ولهذا يجب أن نحب بشكل آخر تماما: ليس في الشعور بالنقص ولكن في الشعور بالمرح، ليس في العاطفة، ولكن في الفعل ـ ليس عند أفلاطون، ولكن عند سبينوزا. أحبك: أنا سعيد لأنك موجود. كل الأزواج السعداء ـ وهم موجودون طبعا ـ يمثلون نفياً للأفلاطونية.
إيروس هو نقص وفقر، أما الشغف العاطفي، فهو ذلك الحب الذي يأخذ أو يريد أن يأخذ. فيليا هي تلك القوة أو ذاك المرح الشديد تجاه الآخر: هو حب ممتع ومشارك مع الآخرين. فلتلحظوا الأم والرضيع. فهذا الأخير يأخذ ثدي أمه: (إيروس)، الحب الذي يأخذ، وهو مبدأ الحياة نفسها، والأم تعطي ثديها له: (فيليا)، الحب الذي يعطي، لماذا يتم هذا التبادل والاستمرار في العملية؟ لأن الأم بدورها كانت رضيعاً في البداية: بدأت بالأخذ أيضا مثل الجميع، ولكنها تعلمت أن تعطي، على الأقل لأطفالها (ما نسميه بالشخص الراشد). في بادئ الأمر لم يكن إلا إيروس ـ الأخذ ـ (ولم يكن إلا هذا، يقول فرويد) وبدون شك لن نخرج من هذه الحالة: كل بداية تبدأ بالأخذ والسلب لا تنتهي بتاتا. ولكن في الأخير يتعلق الأمر بتعلم العطاء ولو قليلاً، أو أحياناً، أو على الأقل للأشخاص الذين نحبهم ويشعروننا بالمتعة والارتياح.
لن نخرج من مبدأ اللذة والمتعة: دائما الأمر متعلق بالاستمتاع قدر الإمكان وبالمعاناة بأقل قدر ممكن، وليس الشيء نفسه بأن نستمتع إلا بما نأخذ، أو أن نعي كيف نستمتع أحياناً، بالشيء الذي نعطيه ونشاركه.
كيف سيكون الأمر إذا أعطينا وشاركنا بدون أن نأخذ؟ بمعنى أن نستمتع بدون أن نأخذ، أو أن نحصل على شيء؟ في هذه الحالة ستكون فيليا محررة من إيروس، سيكون هو الحب المحرر من سلطة الأنا، المتعة المحررة من الشعور بالنقص، وهذا ما كان يطلق عليه المسيحيون الأوائل ـ عندما يكون من الواجب ترجمة رسالة المسيح إلى اليونانية ـ باللفظ agapè ، ويمكننا أن نترجمه بشكل لآخر بالحب أو الإحسان ، أو الحب المحرر من الأنا ((ego، بدون حدود، بدون نهاية… هل لدينا القدرة على ذلك. أنا أشك في ذلك كثيرا.
ولكن هذا في الأخير يحدد لنا على الأقل الطريق، وهو طبعاً الطريق المُوجِّه للحب: الحب ليس هو ضد الأنانية، بل على العكس هو موجههٌ لها، مثل ذلك النهر الذي يصب في البحر، هو علاجها، وكما قال سبينوزا هو خلاصها. هل ستمضي حياتك باحثا عن ثدي ما، أم أنك تريد أن تحافظ عليه، أو أن تندم عليه عندما يكون عالم بأكمله يستلطفك لأن تحبه؟ لا نحب بشكل مبالغ فيه، بل نحب بشكل سيئ وقليل.

* المصدر: المجلة الأسبوعية الفرنسية « لو نوفيل أوبسرفاتور L’Obs »

صباح الكاكاو/ بوب كاوفمان

مايو 24, 2020 اضف تعليق


ترجمة ريم غنايم

تنويعاتٌ على اللحنِ صباحًا

وعصفورتانِ تتحرّكانِ في المدى.

يلوحُ سجنٌ رماديّ، يغتسل بنورِ الشّمس.

ألسنةُ كمانٍ، تتهامسُ.

.

طبّالٌ، يترنّمُ، على الأرضِ،

يحلمُ بضرباتٍ جامحة، وخفيضة،

أيّها الصّباحُ المنعتقُ عن صَخَبِ المَدينة العاصف،

أرجوك،

ابقَ هنا للأبد.

سوناتا الى الزنجيّ في الهارلم/ هيلين جونسون

مايو 24, 2020 اضف تعليق


ترجمة ريم غمايم

إنّك أبيٌّ وبهيٌّ—

جسدُكَ المكتملُ ومشيتكَ المختالةُ،

عيناكَ الدّاكنتان تلمعانِ بالكراهيةِ بهَيبةٍ،

لا عَجَبَ أنّك غيرُ كفءٍ

لتُحاكي مَن تحتقرُهم—

ذراعاكَ سامقتان فوق الحشد،

رأسُكَ يُرجع أغنيةً بربريةً زخمة،

أشجارُ النّخيل والمانجا تتمدّد أَمام ناظِرَيك.

دَع الآخرين يكدَحون وَيَعرقون في سبيلِ العَمل

وانتزِع مِن أيديهم حصّتهم منَ الذَّهب

لمَ تحثّ قَدَمَيك المترفَعتَين؟

سيمحُو الازدراءُ آثارَ قَدَمَيك.

كم أعشقُ ضحكتكَ المُتغطرِسَة والجريئة.

كم أنتَ عظيمٌ على شارعِ هذه المدينة.

أحبوا عدّوكم/يوسف إيمان

مايو 24, 2020 اضف تعليق

ترجمة ريم غنايم
أحضروكم هنا في مراكب العبيد وألقوا بكم جانبًا.
أحبوا عدوّكم 
تُسلب اللغة، تسلب الحضارة
أحبوا عدوّكم
اعملوا من الشروق وحتى الغروب
أحبوا عدوّكم
أوّل من استأجركم، وآخر من استأجركم
أحبّوا عدوّكم
اغتصِبوا عدوّكم
أحبّوا عدوّكم
اعدِموا آباءكم
أحبّوا عدوّكم
فجّروا كنائسكم
أحبّوا عدوّكم
اقتلوا اولادكم
أحبّوا عدوّكم
حاربوا عنه حروبه
أحبّوا عدوّكم
ادفعوا أعلى أجر
أحبّوا عدوّكم
بيعوا طعامكم الفاسد
أحبّوا عدوّكم
وأنتم مرغمون على العيش في أحياء الفقراء
أحبّوا عدوّكم
مدارسُ مهدّمة
أحبّوا عدوّكم
يُزجّ بكم في السّجون
أحبّوا عدوّكم
لقد عضّتكم الكلاب
أحبّوا عدوّكم
تغتسلون بخرطوم الماء
أحبّوا عدوّكم
أحبّوا 
أحبّوا 
أحبّوا 
أحبّوا كل آخر،
لكن متى سنحبّ انفسنا؟

الزّنجيّ يحكي عن الأنهار/ لانغستون هيوز

مايو 24, 2020 اضف تعليق

ترجمة ريم غنايم
عرفتُ أنهارًا:
عرفتُ أنهارًا قديمة قِدم العالَم، أقدمَ من
دفقِ الدّم في عروقِ الإنسان.
.
تعمّقت روحي كالأنهار
.
اغتسلتُ في نهرِ الفُرات حين كان الفجرُ غرًا.
بنيتُ لي كوخًا بالقرب من الكونغو وأركنني إلى النوم.
تأمّلت النّيل ورفعتُ أهراماتٍ فوقه.
سمعتُ موسيقى الميسيسيبي عندما هبط إيب لينكولن
إلى نيو اورليانز، ورأيتُ حضنه الموحلَ
يصيرُ ذهبيًا وقت الغروب.
عرفتُ أنهارًا:
 أنهارًا قاتمةً قديمة.
تعمّقت روحي كالأنهار

دراسة شاملة بالفرنسية عن أعمالها الشعرية . اندريه شديد شاعرة واحدة ومتعددة ..."من هنا وهناك"

مايو 21, 2020 اضف تعليق

أنطوان جوكي 
لا تضم سلسلة "شعراء من اليوم" الشهيرة لدى دار "سيغير" الفرنسية باستثناء الشاعر المصري الكبير جورج حنين، سوى اسمٍ عربي واحد هو أندريه شديد الشاعرة بالفرنسية. والمثير أن الدراسة التي وضعها الشاعر البلجيكي جاك إيزوار عام 1977 عن شعرها، استُنفِدت نسخها قبل فترة من المكتبات، ما اضطُر دار النشر أخيراً إلى طبعها من جديد بعد قيام إيزوار باستكمال بحثه عن المرحلة الأخيرة والمثمرة من مسار الشاعرة.

يتوقف الشاعر البلجيكي أولاً عند هوية أندريه شديد المتعددة وانتمائها إلى الشرق والغرب معاً، خارج أي ازدواجية مؤلمة. ففي مكان ما تقول: "ليس لدي شعور بانقطاع أو تمزّق ما، وإنما بعالمٍ أكثر التحاماً، لا حدود داخله، وأعتقد بأن الحواجز بين البشر مزيّفة ومختلقة وبأن الأساس هو أرض مشتركة". وتظهر هذه الوحدة منذ دواوينها الأولى، وكانت الشاعرة لا تزال قريبة من مرحلة الصبا تنتظر ملء السعادة وتنشد يقينها بذلك. وفي هذه الدواوين، يلاحظ إيزوار على الفور حساسيتها ازاء النص كنص، ومفهوم كلمة "نص" وبنيته، من خلال الأهمية الجوهرية التي تُعيرها شديد لعملية ولادة القصيدة كانبثاق سحري ولكن بخاصة كعمل حرفي على كل كلمة. وبذلك تكون من بين الشعراء الفرنسيين الأوائل الذين تجرأوا على الإلحاح على مفهوم البنية النصية، كما يبدو ذلك جلياً في عناوين هذه الدواوين: "نصوص لوجه"، "نصوص لقصيدة"، "نصوص للكائن الحَي" و"نصوص للأرض الحبيبة". والمقصود في ذلك تعرية القصيدة من ثوبها الرومانسي، وكأن شديد شعرت منذ بداياتها بضرورة رد الكلمات إلى الكلمات والنظر إليها على أساس متانتها ورسوخها كحبرٍ على الورق. ولا نعجب حين ندرك مدى ثقة الشاعرة بالكتابة، بصقل الكلمات، ورغبتها في معانقة كل شيء، أرضاً وبشراً، بهذه الوسيلة النبيلة. فمشروعها الأول، الذي حققته بمهارة وجرأة يشهد عليهما مسارها الفريد، هو "رواية الحياة".
وفعلاً، منذ ديوانها الأول "نصوص لوجه" 1949، يلاحظ إيزوار كتابة مذهولة بكلماتها الخاصة، وأناشيدها الخاصة، تستشعر كل شيء من خلال نوعٍ من المعرفة الصافية. وستتخلى شديد بسرعة عن غنائية فائضة في النصوص الأولى، فتضبط وترصّ كل كلمة منذ ديوانها الثاني، "نصوص لقصيدة" 1950، ما يترجم ميلها الداخلي وإرادتها في الحضور داخل الطبيعة. ولهذا نجدها فيه تنظر في كل مكان وتصف كل ما يقع تحت أنظارها. وقد يبدو هذا المسعى بسيطاً للغاية، ولكن بتعبيرها عن الأشياء بهذه البساطة تتمكن شديد من عيش هذه الأشياء وإحيائها تحت أنظارنا، بكامل تفاصيلها. وتقدّم في هذا الديوان قصائد قصيرة تقوم ظاهراً على محاصرة وقائع عادية، كالنورَس أو العُلّيق أو البحر أو الجزيرة. لكن وراء نُدرَة كلماتها يتبيّن تأمّلها للنور الخفي داخلها، وتحت اختلاج عباراتها الحيّة تسوَدّ أحياناً رؤيتها ويظهر القلق والشك وألم الفناء. ويجب انتظار ديوانها الثالث "نصوص للكائن الحَي" 1955 كي تواجه الشاعرة الموت وجهاً لوجه. ففي نص "رفيق الساعة الأخيرة"، يهزّنا ذلك النحيب الصافي أمام قدر الإنسان الفاني، والذي تحاول شديد من خلاله فهم هذه الحال والتآلف معها. ولكن من أبحاثها المؤلمة وتأمّلاتها المُرّة، ومن تدفُّق كلماتها بالذات، ينبثق سكونٌ يخفف الألم ويسمح لها بإدراك الصحو.
وتساهم مشاهدتها للموت عن قرب بتصفية نظرتها وبجعلها تتأمّل الواقع بكامل عريه. كما يتبيّن منذ هذا الكتاب قدرة شديد على إهمال ما نأسف عليه عبثاً وتحويل اهتمامها إلى المذهل في كل يوم.
عام 1960، يصدر ديوانها "وحده الوجه"، فيكتب الشاعر الفرنسي إيف بونفوا لها: "يا للوحدة المنعشة التي تعززها الكلمات المختبَرة ويأتي بها الصوت الخفيض والفاتن الذي يقود حقاً إلى الواقع! كما لو أن كلماتك من دون تكبّر تبدد الضجيج المألوف". ويشير بونفوا بدقة عبر هذا القول إلى ما يجعل شعر شديد قريباً منا: حس الواقع، حتى في التفاصيل الزهيدة ظاهراً، وهو يحاذي واقع القصيدة الثاني، ذلك الذي يستقبلنا ويسحرنا لدى كل قراءة جديدة. ويكتب الشاعر الفرنسي الكبير رنيه شار عن هذا الديوان قائلاً: "يتضمن "وحده الوجه" قصائد غير مستقلة كانت حاضرة في "الأنا" المستمرة قبل أن يقرأها الآخرون ونخطّها نحن. كلها قصائد محبوبة في المستقبل". وبهذه الجملة يبيّن شار أهمية هذا الديوان الحسية والعاطفية وحدوده التي تقع بعيداً في الماضي وتغرس في المستقبل رقّة ساطعة. عام 1925، يصدر لها ديوان "بلد مزدوج"، وتبدو قصائده مفتوحة على كل الفرص ويبرز فيها يسر عفوي في التعبير وكتابة أصبحت مألوفة لدى القارئ. وتبرع شديد داخله في تحميل الكلمات ما تتطلّب بدقة من معنى في شكلٍ يهتز فيه القارئ على طريقته ويتلقى تبعاً لمستواه "العسل والنسغ".
نشيد معاكس
وتقوم في ديوانها "نشيد معاكس" 1968 بإظهار الآخر في كل انسان، وهو هدف جلي لديها وأحد وجوه سعيها الطويل في تعرية الكائن. وتعكس هذه الضرورة الجانب الآخر من مشروعها، تأمّلها الفلسفي حول الكتابة وعملية تكوين القصيدة. وتدفعنا الشاعرة في هذا الديوان إلى طرح عدد من الأسئلة، مثل: من يفعل داخل القصيدة؟ هل الشاعر الذي يكتب؟ ألا يُغيّر النص فعل الكتابة، لدى كتابته؟ ألا يُملي النص الذي يُكتَب شروطه على الكاتب؟
في ديوان "وجه أولي" 1972، تقارب الشاعرة من جديد موضوع الوجه كمرآة للإنسان جسداً وروحاً. وكما في دواوينها السابقة، نجدها لا تُهيّئ اكتشافاتها وتعجّباتها وبساطة مفرداتها انطلاقاً من منهج محدد، وإن بدا التمييز بين المقاربة النظرية والوصف المحسوس دقيقاً للغاية وغير واضح في معظم أعمالها الشعرية. وفي هذا الكتاب بالذات، تحاكي شديد القارئ مباشرة وتوجه إليه رسائل سلام وحنان، وفي الوقت ذاته تبقى حريصة جداً على محاصرة مفهوم القصيدة وتحديد عملية خلقها. ففي القسم الثاني منه، تُحرِّر نحو ثمانين مقطعاً تحاول من خلالها تحديد عملها الشعري وقول ما تمثّل القصيدة بالنسبة إليها: "أيها الشعر/ تقودنا/ إلى جوهر العالم". ولا بد من الإشارة هنا إلى كتابها "أرض وشعر" الذي يتألف من ملاحظات وتأملات حول ولادة القصيدة، كتبتها بين عامَي 1955 و1965.
وقصيدة شديد، وإن حافظت على تقليدٍ شكلي في ظاهرها، تتضمن غلياناً وتمرّداً لا يظهران إلا للمتمعّن في قراءتها. فالشاعرة هي على خلاف الكاتب المعزول في برجه العاجي وداخل أعماله الشعرية. فهي تسافر طوال حياتها وتلتقي بشعراء آخرين وتلبي دعوات الشعراء الشبان وتنشر القصائد والنصوص في الكثير من المجلات الشعرية. ومن هذا النشاط تغذي فضولها الذي لا ينضب. وممارسة الشعر لديها تطغى على الجهد النقدي الذي لا يظهر إلا في كتاب "أرض وشعر" وفي شكل متقطّع. وهذا يدل على انعدام هاجس مراقبة الشعر لديها ورغبتها في صوغ الكلمات من داخل جسد القصيدة فحسب، ما يؤدي إلى قصيدة معاشة، مُستشعَرة يوماً بعد يوم ومنبهرة. ويعتبر إيزوار ديوان "اتخاذ جسد" قصيدةً عن ولادة الشاعرة الثانية، عن سيرورة مجيئها الطويل والمدهش والمؤلم إلى العالم: "بالعنف/ في الجروح/ تأتي".
لكن شعر شديد لن يلبث أن يتخلى عن رقّته أو حنوّه ليواجه البداهة المؤلمة. ففي ديوانها "تآخٍ في الكلمة" 1975، ترى الشاعرة في الكلمات أدواتٍ بائسة أمام ما يحيط بنا وما نحن عليه: "ما فائدة الكلمات/ أمام الموت المحتم". ولكن داخل هذا الديوان، تفضي الأسئلة المتعلقة بالجسد والحياة والموت إلى نصٍ رائع عنوانه "من عمرٍ واحد"، تستقبل شديد فيه ميولاً ورغبات وأصواتاً، وتبدو البشرية جمعاء قريبة منها. وهذا الاندفاع نحو الآخرين يُحْييها ويفتنها: "البارحة وغداً/ هما من عمرٍ واحد". وبين ارتفاعٍ وسقوطٍ، بين انسياخ وتوهّجٍ، تصرّ نصوص هذا الكتاب على شق طريق التشابهات وإحصاء براهين اشتراكنا في أرضٍ واحدة وكشف آثار تآخينا. لكن حرب لبنان لن تلبث أن تفاجئها، فتُصدر عام 1976 ديوان "طقوس العنف"، وهو كناية عن صرخة عميقة تنسج الألم والثورة داخله قصيدة ذات حدّةٍ لم نعهدها في دواوينها السابقة. وإذ تفقد كلماتها فجأةً براءتها ورقّتها لتظهر مثقلة بالرصاص والغضب والإحباط، تبدو قصائدها مثيرة للسخرية بالنسبة إليها. إذ ما نفع الكتابة حين تخرّب الحرب كل شيء وتمزّق البشر والحجر؟ وخلف هذه القصائد، يتراءى لنا تاريخ زمننا ككل. فمن خلال حرب لبنان، تعبّر شديد بقوة عن رفضها لكل أعمال العنف في العالم. ومن عمق انفعالها كامرأة نجدها تتطلّع بجرأة نحو المستقبل آملةً منه إزالة الخيبة الراهنة. فكلماتها الأخيرة في هذا الكتاب تقول: "لتأسيس الغد/ استقبل على طاولة مفتوحة/ أطفالك مجموعين".
بعد هذا الديوان، تتوقف شديد عن كتابة الشعر، كما لو أن فظائع حرب لبنان جرّدتها من صوتها الغنائي. ويجب انتظار سنوات عدة بعد نهاية هذه الحرب كي تعود إلى الشعر من جديد، فتُصدر خمسة دواوين، هي: "ما وراء الكلمات" 1995، "الحديقة المفقودة" 1997، "أراضي النفَس" 1999، "يبقى القلب" 1999 و"إيقاعات 2003، وأوّل ما يستوقف إيزوار في هذه الدواوين هو تغيّر نبرتها وتنوّعها، في ما وراء الكلمات، كما تشير بنفسها. فمن العنصر البسيط والخاص والدقيق منذ 1950، حين كانت تصوّر طيور النورس والعلّيق والحدائق وتخاطب الأزهار والبحر والثلج، تنتقل شديد تدريجاً إلى التساؤلات الوجودية في نصوصها الحديثة التي تتميّز بصوتٍ غني ومضبوط تنقى داخله عبقريتها ولغتها، وبنظرة يقظة ومشحوذة تتفحّص بدقة واقعنا اليومي، من دون تجميلٍ أو تهويل.
ويدهش إيزوار التواصل بين أعمالها الشعرية القديمة والحديثة على المستويين الشكلي والمعنوي، وكأنها جسدٌ واحد يتنفّس وينام ويستيقظ ويسير نحو أراضٍ مجهولة. وإن أشارت قصائدها إلى أحداث أو مآسي عصرنا، إلا أنها تتمكّن دائماً من الخروج من الرتابة اليومية البائسة لمنح ذاتها حضوراً متجدداً. فما وراء العذابات المحتومة والموت السائر بمكر، عرفت شديد كيف تخلق فضاء حرية خاصاً بها: فضاء قصيدة تسيل كالمياه الجارية. وما يمنح أعمالها طابعاً راهناً، هو في النهاية ذلك التراث الرهيف بين شرقٍ وغرب الذي نستشعره فيها. ولعل الشاعرة لا تبحث، بحسب إيزوار، إلا عن هويتها الأساسية. فطوال مسارها الشعري، يظهر هاجس التعريف عن ذاتها. وفي ديوانها الأخير تقول بلا مواربة: "أنا متعددة/ أنا واحدة/ أنا من هناك/ أنا من هنا".
نشر في الحياة يوم 06 - 08 - 2004

في ترجمة أندريه شديد نعمة التوسط والتعدد

مايو 21, 2020 اضف تعليق
 
 ترجمة: شربل داغر

ففي الوقت الذي نعمت به قطاعات اللغة، في موادها وأوصافها وتراكبيها ومستوياتها بعناية لافتة هي أخص ما كرسته لها النظريات اللسانية الحديثة على أنواعها من جهود، نجد الترجمة، كإحدى تحققات اللغة في نصوص وأوجه استعمال، تفتقر الى مثل هذه الدراسات، وتبدو أشبه بالقريب الفقير للنظريات المحيطة بـ" النص". ولا يأتي تدني العناية بها، والتفكير بمسائلها، سوى تأكيد متجدد على تدني الرتبة الموضوعة للترجمة في الحساب الاعتباري لا اللغوي الصرف، وهو أنها «خادمة» لغيرها، لا «أصلية» أو "أصيلة".

ومع ذلك تستحق الترجمة، في تحققاتها النصية أو في المدونات التي تجعلها مادة لتفكير، عناية أكبر لا لضمان وجودها وحسب بين النتاجات اللغوية حيث لها أن تكون، وإنما أيضا لتفكير مزيد في مسألة "النص" نفسها. وهو ما تدعونا اليه في صورة عفوية وتلقائية قراءة بعض الترجمات، سواء في اللغات الأجنبية أو في العربية ذاتها أحيانا.

ذلك أننا لا نتوانى عن الوقوف على ظواهر لا نصرف لها التفكير اللازم، مثل انتباهنا العجول، على سبيل المثال، إلا أن النص المترجم يبدو، في كله أو في بعضه، في بعض الأحيان أقوى تعبيرا عما هو عليه في أساسه "الأصيل"، ولا يخفف من تكرار مثل هذه الظواهر تقيد المترجم بـ "الأمانة"، شرط الترجمة التقني في أساسه الأخلاقي. ولو ذهب الناظر الى الترجمات بالتفكير بعيدا وتوقف في صورة أطول عند اعراضها ومسائلها، لتنبه أكثر الى أن الدراسات اللسانية لم تأخذ بمقتضى ما تقول به (في معرض دراستها للغات) في مسألة الترجمة. إذ أن الدراسات اللسانية لا تقر في غالبها بالتطابق بين اللغات، بل بـ «الفروق» (كما تقول العربية)، وأنها في أساس تكوين أية لغة. فكيف تقول الترجمة بأنها تطمح الى تحقيق التطابق (مع النص الذي تعمل على ترجمته)، فيما تقول النظرية اللسانية غير ذلك. ولعلها تقول أو تقوى على قول ذلك لو اقتصرت الترجمات على المواد العلمية أو القانونية، لكنها لا تقوى على ذلك من دون شك في النصوص الأدبية، ولاسيما الشعرية منها، التي تقوم على استعمال بل على تبديل استعمال سياقات اللغة ودلالاتها في حدودها المتواضع عليها. وأية قراءة لترجمات الشعر تظهر لنا أنهالا "تخون" (مثلما روجت العبارة الايطالية القديمة لذلك) النص الذي تعمل عليه في غالب الأحيان، بل «تكثره» أحيانا وبالضرورة، طالما أنها لا تنجح – حتى حين تطلب ذلك – في تحقيق التطابق المتوهم والقاصر بالضرورة الذي تنهض عليه نظرية الترجمة، ولاسيما في أسسها العملانية.

أن أسباب هذه الملاحظات وغيرها تعود الى ضرورات واقعة في القواعد التي يطلبها المترجم في النقل والى مقتضيات ناشئة عنها بالتالي، وهي تكشف وهم التكافؤ، أو حدوده على الأقل. فبمجرد ان يطلب المترجم نقل نص من لغة الى أخرى، وان وفق موازين متكافئة وحسابات سليمة تنشأ وضعية تكوينية، إذا جاز القول تجعل النص المطلوب نقله نصا – أصلا، بل أصليا، معززا بالعديد من الصفات التي تصونه وتحدده في صورة حاسمة على أنه «الأول» و "المتفرد" و«المرجع» وتجعل النص الآخر في وضعية الاستقبال والتتبع والتقيد، على أنه صيغة أو نسخة وحسب، حتى لو كانت أمينة.

والحديث عن الأمانة في النقل وعن سلامة الترجمة وصحتها، لا يعدو كونه في نهاية المطاف، حديثا لا يعزز النص الثاني على ما يبدو ظاهرا، بل النص الأول، إذ يؤكده في حصانته الطبيعية ويثبتها بالأحرى. وهو ما يدفعنا الى طرح السؤال : الا تكون الترجمة (أو النقل) أسلم لو أخل المترجم بمبدأ الأمانة، وسلك سبيل إنتاج نص آخر، له ما يبرره في انشائيته المخصومة ؟ ولكن أيكون المترجم مترجما في الحالة هذه أم منتج نص آخر انطلاقا من نص أول، وهو ما يدخل في حسابات «القناص» لا الترجمة في هذه الحالة ؟

النقاش مفتوح طبعا، إلا أن هز الأسئلة وغيرها تدعونا الى الوقوف على حال الترجمة على أنها مخصومة بين النصوص وتتطلب معالجات تنأى بها عن النقاشات التقنية ذات الحسابات الاخلاقية هل أحسن المترجم أو أجاد أو تقيد بالنص – الأصل ؟ هل كان أمينا أم خائنا؟ وتدعونا بالتالي الى الوقوف على نصوص الترجمة، لا على أنها من الدرجة الثانية، 1و صيغ او نسخ اصطناعية، وإنما على كونها نتاجات نصية، مثلها مثل النصوص الأصلية والأصيلة، لها ما يحددها كلها في «تناصيتها» المعلنة أو المضمرة، القسرية أو الاستنسابية.

ذلك أن النص المعد للترجمة لا يقع في فراغ، ولا تستقبله حيادية لغوية ما، بل «يملي شروطه»، إذا جاز القول، وان كان النص الثاني والتابع والمطلوب تقيده باقتضاءات النص الأول الأصل، و "الخلاق" بالضرورة. ذلك أن النص المستقبل لا يكفى النص الأول إلا وفق امكانات بنيته اللغوية، طالما أن اللغات ليست متطابقة الا في بعض موادها. وما نجده غنيا ودقيقا في اللغة قد لا يكون كذلك في لغة أخرى: فألفاظ الأسد والجمل والسيف والنظر وغيرها في العربية لا نلقاها وفق الاتساع والتنوع عينهما في الفرنسية أو الانجليزية، وهذا يعني ان اللغة لا تستقبل بالمعلق، بل بما هي عليه وبما تقدر عليه.

وهذا يعني كذلك أن علينا أن ننظر الى الترجمة من جهة المترجم، فمهما قلنا عن أمانته وغيرها من الصفات فإن ذلك لا يغيب كون المترجمين يخطفون في الملكات كما في الأداء، ولا يسعون الى الترجمة ولا يحققونها إلا بما وسعت أيديهم. ونخلص من هذا الى القول إن أساس النظرية التقليدية في الترجمة (وشعارها: الأمانة الخلقية) مضلل، ولا يؤدي الى الحل المنشود، وهو حل كمالي مستحيل التحقق في نهاية المطاف. وهو يتطلب من المترجمين – حتى لو تساووا في الملكة والأداء – ما لا تقوى عليه اللغات بوصفها ثقافات وأوجه استعمال في نهاية المطاف.

وعلينا البحث بالتالي عن نظرية أخرى للترجمة :

– أن تكون أكثر واقعية ولكن من دون أن يعني ذلك اجتنابها للتشدد في تطلباتها اللغوية والفنية والثقافية.

– ان تكون أكثر قربا كذلك من أحوال اللغات في تبادلاتها، من دون أن يعني هذا، لا التخالط التبسيطي ولا التباين الافتعالي بينها.

– أن تكون أكثر قربا من احوال اللغات في تناقل حمولاتها، فتكون دورة التناقل حيوية وتخصيبية.

وهو ما نجده في مفهوم "التوسط" لا الترجمة. ويعني «التوسط» إنهاء علاقة الأول بالثاني، والأصل بالتابع وأن نعتبر النصين (المطلوب ترجمته وترجمته) متوازنين ومستقلين في آن، على الرغم من ادراكنا بوجود نص للترجمة وبوجود نص مترجم عنه. ويؤدي الى النظر الى «التوسط» على أنه واقع بين نص الترجمة، من جهة، وبين بنية لغوية ومترجم محدد ذي أداء لغوي، من جهة بانية، والتوسط في هذه الحال يعني الانفصال والاتصال في آن، على أن الاتصال، هنا يتخذ شكلا وحيدا، وهو انتقال النص من لغة باتجاه لغة أخرى، هو لا ينتقل بل يتجه، وهو يصل من دون أن يحل في عين المكان، بل فيه وخارجه في آن. وهذا يعني أن علينا أن ننظر الى النص الذي نترجمه على أنه تحقق نصي للممكنات الموجودة في اللغة، ما يدعو المترجم الى دراسة هذه الممكنات في لغة الاستقبال. وهذا يؤدي أحيانا – كما نعرف، وكما يحدث لبعض المترجمين أحيانا – الى أن يكون النص المستقبل ابلغ وأجمل وأمكن، في مجموعه، في بعضه، مما هو عليه النص الذي نترجمه. ونكون بذلك قد قلبنا قلبا تاما نظرية الترجمة التقليدية، إذ ان الأول أصبح الثاني، والثاني أصبح الأول، ولم يعد التباين قائما على الأمانة في النقل، بل على التفاضل، إذا جاز القول، بين الممكنات التعبيرية، ووفق هذا المنظور تصبح الترجمة أقرب الى التأليف منها الى النقل، ويدخل نقد الترجمة، وفق مقتضيات هذه النظرية الجديدة، في نقد النصوص عموما، بما فيها من جانب «تناهي» كذلك.

هذا ما خبرته في الترجمة عموما، ولاسيما في ترجمة شعر شديد نضمه، إذ بدا لي أنني أزيد عليه، وأنني أتخفف منه، من دون أن أقصد ذلك. وهذا يعود الى أن التركيب في شعرها يستند الى مواد غزيرة في منطلقها، وشديدة الحذف في حاصلها، ما يجعل العبارة الشعرية محدودة العدد وقوية الدلالة، أشبه بأحجار قليلة ذات احتمالات تركيب وتعيين في المكان، عديدة ومتنوعة. هذا لا يعني أن شعرها ينهل من الفكري، أو الذهني، بل من «تحققات» تلحظها العين واللمسة أحيانا، أي من تحققات تؤدي اليها اعتقالات الذات في المشاهد البشرية، يوميا وفي حركاتها المستديمة والمتتابعة، هكذا نراها تتوقف عند «المدن» أو عند "الطعوم" وعند موضوعات يمكن لنا أن نعتبرها موضوعات مدبرة ومختارة للمعالجة والصياغة إلا أننا نتحقق، في حاصل الأسطر الشعرية، مما تحمله وتعرضه، من كونها قد نهلت من معين مشاهداتها وانفعالاتها ومما جرى في هذه اللحظة، أو في سابقاتها. بل يبدو لنا أن قراءة شعرها، والقيام بترجمته خصوصا، يوضحان لنا حقيقة التركيب الشديد الذي تقوم عليه القصيدة، والذي يخفي غالبا العمليات العديدة التي قامت عليها توليدات القصيدة وتدفقاتها وعروضاتها، وتوضح لنا قراءة شعرها، وترجمته خصوصا، أن التركيب ذد البناء التجريدي أحيانا أو الذي لا تتضح حسيته أو مشهديته التامة في قصائدها يخفي في «الطرق المختصرة »، طرق التركيب والتكثيف التي انتهت اليها معالجات الشاعرة لشعرها في «مختبرها»، العديد من المعاينات الحسية والمعايشات الحارة وترددات التجربة.

في نهاية المطاف

في طرف الحركة الفارغة

والنظرة المتواضعة

في طرف القلوب المتعبة

والأرق الذي من دون صور

في طرف الصباحات الزنخة

والدروب التي من دون إيمان

 

العين في عين الموت

تجتاح سهول الصمت

وهناك تمردي

 

قوى تمردي

طانة ونشطة

تجتاح سهول الصمت

العين في عين الموت.
   

النوارس

أعطيك ثلاثة نوارس

 

لب الثمرة

طعم الحدائق على الأشياء

 

نجمة مستنقع خضراء

ضحكة القارب الزرقاء

جذور القصب الباردة

 

أعطيك ثلاثة نوارس

لب ثمرة

 

فجرا بين الأصابع

ظلا بين الصدغين

 

أعطيك ثلاثة نوارس

وطعم النسيان.
   

الجبال

تحت سماء متشققة مثل محارة

سلكت درب الجبال

حتى التينة الجافة

 

هنا صنوبرات تنحني

وتسقط في المهاوي

 

الرياح المختبئة تسحب أثر

خطواتي

 

أركض صوب الجسر الصموت

الذي يضم الوهاد

 

(…..)

لا خاتمة أبدا لهذا

حتى لو وقع الحمل من على كتف

الراعي

الذي يهرب تحت دثاره كما لو أن له

جناحي بومة

حتى لو الشجرة ذات الأغصان

تكسرت في وسطها.

 
الآبار

وضعت حبة البخور على السندان

لكي أتنصت الى صوت الآبار

الصوت الذي يحمل الضفاف

طفولة الساقية

رعب الخسوف

وسكر الهجرات

 

أنا الذكرى

وأنا التهديد

 

على كل حجر أطلقت

اسم شمس.

 
زمن موتي

حين سيأتي زمن موتي

ماذا ستقوين، يا صغيرتي، على فعله

مثل ثوب في الريح

يجف البكاء

 

ماذا سأحمل معي

ولا حتى صرختك

التي كانت تتقافز في

مثل جدي صغير

 

صغيرتي ابتعدي

حين أصير ترابا
   

وهذه الأم التي من غياب ومن

عاج

اهربي لم تعد هي أنا.

 
صورة أولى من عصيان

المرأة التي من دون ذكريات

رحلت عن حقل الأسلاف الحزين

صوب الأعشاب العالية

 

في صباحات الغضب

تعدو متشحة بأثوابها المعتمة

بين القطعان المتفرقة

 

لا شيء حولها

وحدها قرية جرداء

تثقل على الرابية.

 

منتصبة في حاضري

منتصبة في حاضري

الماضي والمستقبل أزهار فصولي

كان يمكن ألا أكون

وأن أتجاهل هذه القصة

ومصير الحب

مغامرة من دون أي سبب كان

كان يمكن ألا أكون

وأكون ميتة أكثر من الموتى

 

منتصبة في حاضري

ولا يزال الماضي والمستقبل فصولي.

 
أنا لا أتكلم إلا في الحاضر

بما هو متوافر "هنا"

أبني لغتي
   

وتنقذني كلماتي

من أنفاس المابعد.

 

أنا لا أتكلم إلا في الحاضر

لكن الطرق كلها طرقي.

مروحة باطنية

أصبح الطريق المؤدية إليها.

 

عشت كل عبارة

قبل أن أقولها.

اجتزت كل كلمة

قبل اجتيازها.

 

مقيمة في اللحظة

صمت يصونني-

مدن يعددها

ماء الماضي الغامض

 

هل ينتهي حقلي

إذا امتنعت عن المضي؟

وأين أتوقف

إذا مضيت؟

 
حرية

انهض من بلد لا يسود فيه أحد،

وتعبره شقوتى وعصافير.

اليد ترسم المستقبل، والقلب

أطرافه،

نداء يمنح يدي أشرعة والتكشيرة

تكدرها.

أنهض من بلد لا شعار له، ولا

حبل للرسو،

للموت أحكامه المبرمة، هنا وهناك!

غدا يتحقق مداه، وفي الربيع براهينه

هناك أمكنة في كل مكان قابلة لأن

نثبت فيها.

 
الوجه المنتصر

الظل ينام في سهولنا،

يتمدد في آبارنا، ويلغي بيوتنا

الحياة كثيرة، والقارب هش للغاية

لكي يعبر وحيدا الصور والزمان.

 

أحيانا تصبح نهرا لا ينعكس فيه

شيء.

تصبح رمالا بددتها الرياح.

تحت النجمة الجامدة: هذا العابر

الذي يترنح.

هذه السنديانة التي من دون

عصفور، هذا العصفور الذي من

دون حليف.

ترى ترى من جديد المراعي النازفة،

البؤس مديد، والمدن عابرة

الحب ينحل والشمس تبقى هي

هي،

ولا ترى في أي مكان الجلاد

مصروعا.

 

الحياة كثيرة، والقارب هش للغاية

لكي يعبر وحيدا الصور والزمان

لكننا نجد دوما صوتا لصوته،

لكننا نجد دوما نظرة لمشقته.

أغني الوجه المنتصر.

 
وحده، الوجه

أضاعت الشجرة العصفور

والطريق فجره،

حمامة تحتضر ضد الليل.
   

أين هم رفاقنا؟.

أين هي المملكة إذن؟

لمن تتكلم،

ولماذا أكتب؟

 

نعيش غالب الوقت مثل أخيلة

أخيلة، نحن ثمرتها.

 

الرجل الذي يحارب بأسلحته

وقناديله،

الرجل الذي يسقط طريحا، جريحا في

المغاور،

يعيش من جديد في نيسان المعارك،

في أزرق الدموع، في الزهرة العميقة.

 

نعيش غالب الوقت مثل أخيلة

أخيلة، نحن ثمرتها.

 
لن أعرف أبدا

لن أعرف أبدا من يسكنني

لن أعرف أبدا من يبقيني يقظة

لن أحسن تسمية الطعم

ولن أقوى على قول اتساع الدروب

غير أن الدروب تتسع

وكانون الأول يعدو صوب آيار

 

لا أعرف لأي سبب

تقضم الأقمار الظلال

ولا في أي موت تتجدد الساعات

ولا أعرف لصاح من-

مدفوعين بأي هلع

وبأي جراح منبهة-

نحاصر غدا.
   

أنا

من يرحل عني ويسكننى

من يخرجني من مكمني ويتهرب

مني

من يحول مجراه فيما احتبس

من يتوثق فيما أهرب

من هو- وهو من دون عنقود،

من هو- وهو الطعم نفسه،

الذي يحاصرني ويسلخنى

ويتركني في الوديان

وهو ناشف مثل القشر

ومتواضع مثل الآبار

من هو منقاري أو أرضى البائرة

من يتلقفني ويجتازني؟

من يعصاني ويتحداني؟

من يهدهدني ويخطفنى؟

من يصالحني؟

 
أحبك، أيها العصفور المعادي

لا نموت من الموت

بل من حمل النهار في ألف شظية

وشظية

من كوننا فريسة أحد وجوهنا

وحسب،

ومن جعل بيوتنا المكان الوحيد.

 

لا نموت من الموت

بل من الزبد الذي يفقد ذاكرته التي

لصدغي المحيط

(….)

حياة مخططة على حيواتنا

بأية شباك أصطادك؟

 

أحبك أيها العصفور المعادي.

بأية لعبة نلعب؟

ماذا نفعل غير

تقليب أخيلتنا فى حدائقها،

في الوقت الذي يفرقع الكون

ويهرب في البعيد؟

 

ماذا نفعل غير

زيارة الزمان،

في الوقت الذي يتهندس فيه موتنا

في القريب؟

 

ماذا نفعل غير

قرض الأفق،

فيما في البعيد

في القريب-

 

الصدمة الكبرى.

 

محاولة 1

سعيت الى الالتحاق بأرضي، على

الأرض،

بكلماتي، في حبكة الصمت،

وبعرض البحر، في الغناء المخفي.

تراودني رغبة قول اللقاء الممكن،

وانتزاع المكان من شبكة الملاجيء،

ولوي الكلام حتى تقاسمه.

 

ثم، إلقاء التحية على هذا،

وهو أكثر تحررا منا:

موتنا،

موتنا الأكيد!

 

هو حجر الزاوية الذي يضلل
   

الفصل،

وهو الرفيق الذي يوقع الزمان من جديد.

 

هذا

الذي تمحو صورته الحدود

يستعيد، هنا، وجهنا المشترك،

ويعيد في هذا العالم،

تنظيم أوقاتنا المبددة.

 
عودة الى الوجه

أسهر على بوابة الكلمات

أتبين امبراطورية الصور.

 

محيطات تمسك بب،

حيوات تخصبني.

 

أتقطع في الأراضي المتعادية،

أشع شموسا في كتل.

وإذا ما عدت الى الوجه

فشوقا الى الصلصال الطري.

 

واذا ما احتفلت بالوجه،

فذلك لفتحته على الوحدة.

 
القلب المبحر

بعيدا عن العبادات

التي تحيلنا الى رماد،

وعن المعابد

التي تجهد السماء في فتح طريق اليهما،

بعيدا عن قوى البرونز

التي تدحرها قوى أخرى،

لننتخب الحياة مرة أخرى
   

على قمة النهار الجريح.

الثمرة الخطرة بدلا

عن حروف الرخام،

البحث دائما

من دون أن نعرف أبدا:

 

قوس عبر الأدغال،

وجنات عبر الكمائن،

بدلا عن الجدارية المشؤومة

لحقيقة مخنوقة.

 

يذوب الزمان مثل الشمع،

ولا تنفك القيود

إلا للقلب المبحر.

 
الفارق

غالبا أسكن جسدي

حتى تجويف الإبط

أرتسم في هذا الجسد

حتى أطراف الأصابع

أتبين بطني

أتذوق نفسي

وأبحر في شراييني

في سرعة دمي

 

الى وجناتي ترتكز النسمة

يداي تلمسان الأشياء

وجسدك يقيمني على جسدي

 

غالبا لكي أكون جسدي

عشت

وها أنا أعيش

غالبا من نقطة من دون مكان

أتبين هذا الجسد

مطروقا من الأيام

ومحاصرا من الزمان

غالبا من نقطة من دون مكان

أسبق هذا الجسد

 

ومن الفارق هذا

أعيش

بالتناوب.

 
مواجهة

أحيانا أقف بالمرصاد

للميت الذي سأكون

 

من ناحيته

لا يحتاج السهل لبنائين

ولا الزمان لقياس

نداء الأجساد انقطع

الاشاعات تتبدد

والوجه اكتمل

 

ثم أدور دورتي في حركة واحدة

وألتحق بوقتي

 

كل شىء أمامي

كل الالغاز تسبرني

وأجنحتي تتداعى كلها

 

أدخل

مواجهة

في أموال

الأحياء الصاخبة.

 
حياة 4

حين ينير الحلم أجسادنا الكثيفة

مؤلفات اندريه شديد

من أصول لبنانية، من مواليد القاهرة التي عاشت فيها صباها، قبل أن تعود الى لبنان لسنتين وتستقر في باريس منذ العام 1946 حتى أيامنا هذه. كتبت غير نوع أدبي (الشعر، الرواية، القصة، القصة القصيرة والمسرحية وغيرها)، وفازت بالعديد من الجوائز الأدبية منذ العام 1966 م، سواء في الشعر أو في القصة القصيرة، وأشهرها جائزة مالارميه وجائزة الأكاديمية الملكية البلجيكية وجائزة الأكاديمية الفرنسية وغيرها، من مؤلفاتها:

في الشعر:

نشرت شديد غير مجموعة شعرية منذ العام 1949، تزيد على أربع عشرة مجموعة، وما لبثت أن جمعت مختارات منها في كتابين "النصوص من أجل قصيدة" (1949- 1970) و"قصائد من أجل نص " (1970- 1991).

وهي المجموعات الشعرية التالية "نصوص من أجل وجه" (1949)، "نصوص من أجل قصيدة" (1950)،  "نصوص من أجل الحي" (1953)، "نصوص من أجل الأرض الحبيبة " (1933)، "الأرض المشاهدة " (1937)، "البلد المزدوج " (1965)، "نزوات " (1962)، "غناء مضاد" (1969)، "وجه أول" (1972)، "اخوة الكلام" (1976)، "احتفال العنف" (1976)، "مغاور وشموس" (1979)، "محن الكائن" (1983)، "كم جسدا وكم روحا" (1984- 1991) وغيرها.

ومن الجدير ذكره أن دار "سيجرز" الفرنسية خصتها بدراسة مستفيضة عن شعرها (متبوعة بمختارات من شعرها)، في سلسلتها المرموقة "شعراء اليوم "، وذلك في العام 1977).

في السرد:

أصدرت شديد ما يزيد على ثلاث عشرة رواية وقصة وقصة قصيرة، منها "اليوم السادس " (1960)، "الباقي على قيد الحياة" (1963)، "الآخر" (1969)، "المدينة الخصبة" (1972)، "نفرتيتي وحلم اخناتون " (1974)، "درجات الرمل " (1981)، "البيت من دون جذور" (1983) "الصبي المتعدد" (1989) وغيرها.

ولقد جرى اقتباس روايتين من أعمالها للشاشة الكبيرة "اليوم السادس" (من اخراج: يوسف شاهين، وبطولة داليدا) و "الآخر" (من اخراج برنار جيرودو، وبطولة فرنشيسكو رابال) كما جرى اقتباس روايات وقصص قصيرة للمسرح، مثل: "نفرتيتي وحلم اخناتون "، و"الآخر" و"درجات الرمل"

نشرت فلاماريون في سلسلة " ألف صفحة وصفحة" مجموعة من رواياتها في مجلد واحد، في العام 1998.
في المسرح

وضعت شديد ما يقارب العشر مسرحيات منها "بيرينيت مصر"، والأعداد"، "الشخص "، "المرشح الأخير" وغيرها.

كما ألفت كتبا مختلفة للأطفال
 
 (ناقد ومترجم من لبنان)

مشاركة مميزة

نيل بورتون: الملل نافذة على صباح مشرق

  لوحة أوجوست تولموش، عن wikipedia ما هو الملل بالتحديد؟ هو حالة شديدة الإزعاج تنتج عن الاستثارة غير المشبعة أو الحماس غير المتحقق: فنحن متح...