مقالات

ثقافة

رواية

أحدث المواضيع

سوف أنبعث- مايا أنجلو

أبريل 08, 2020 اضف تعليق


ترجمة ريم غنايم

قد تكتبوني في التاريخ
بأكاذيبكم المشوّهة المُرّة،
قد تسحقوني في التراب
لكنّي، مثل التراب، سوف أنبعث.

أتُزعجكم وقاحتي؟
لمَ ينتابكم الحزن؟
ألأنّي أسيرُ كما لو أن
آبار نفطٍ تضخّ في صالوني؟

مثل الأقمار والشّموس،
بيقين المدّ والجزر،
مثل آمال تندفع نحو الأعلى،
سوفَ أنبعث.

أردتموني منكسرة؟
محنيّةَ الرأس خافضةَ العينين؟
بذراعين تهويان كالدّمع،
متخنةً بصرخاتي الشجيّة؟

أتستاؤون من خيلائي؟
هوّنوا عليكم
فأنا أضحك كما لو أن مناجم من ذَهَبٍ
في فنائي.

قد ترشقوني بكلماتكم،
قد تقطعوني بعيونكم،
قد تقتلوني بكراهيّتكم،
لكنّي، مثل الهواء، سوف أنبعث.


أتزعجكم جاذبيّتي؟
أيفاجئكم رَقصي
كما لو أنّ ماسةً رَقَدَت
بين فخذيّ؟

من أكواخٍ عارِ التاريخ
أنبعثُ
من ماضٍ تأصّلَ في الألم
أنبعثُ
محيطٌ أسود أنا، وثّابة ورحبة،
في المدّ والجزرِ أندفعُ متدفقًة أتصاعد.

أتركُ خلفي ليال من الذّعر والخوف
أنبعث
في فلقٍ جليّ وأيّ فلقٍ
أنبعث
أحضر عطايا أسلافي،
حُلمُ العَبد وأمله أنا.
أنبعث
أنبعث
أنبعث. عرض أقل

الشّعر-جاين كورتيز

أبريل 08, 2020 اضف تعليق


ترجمة ريم غنايم

في الواقعِ
لن يلوحَ
الشّعرُ
في
أيّ
سربِ دجاجٍ.

القصائدُ اليومَ كالأعلامِ
ترفرفُ فوق سقفِ محلّ للخمور
القصائدُ كالقرود
تنتظر سُيّاحًا يُلقمونها.

وهل يهمّ
كم مجازًا يصلك
عندما تغرب
الشّمس مثل
طيرٍ محنّط في
غابة وحدتك
الاستوائيّة؟

في الواقع
لن ينشدَ الشعرُ
الجازَ
في فمِ
آكلِ النّمل الضيّق
مهما
تبقّى من رموزٍ
لترى القمر
يُحتضر في نثارِ منشار
ظفرك.

جلال الدين الرومي - قصة القرعة والحمار والجارية - مثنوي.

أبريل 08, 2020 اضف تعليق

 ترجمة: ولد جلبي

عوّدت جارية شبقةٌ عظيمةُ الشهوة، حمارًا على أن يأتيها، واعتاد هذا الحمار قرب الإنسان وعُلّمَه
وكان لتلك الجارية حيلة بقرعة اتخذتها كيما يقربَها الحمار بقياسٍ معين
فكانت تضَعُ القرعةَ على كير الحِمار، تفعل ذلك كي يلج نصف أيره أثناء إتيانِه لها
فلو ولج كل أير الحمار لتقطع رحمها ولمُزِّقَت عروقها
كان الحمار في ضعف مستَمِر وهِزال دائم
وكانت المرأةُ صاحبةُ الحمارِ تعجب قائلة : لم يضُعفُ هذا الحمار !
لِمَ يهزل هكذا كالعود ! وما كانت تعرف السبب .
سألت السُّواسَ وأرتهم الحمار ليعرفوا علّته وسببه
لكنهم لم يجدوا فيه مرضًا ظاهرًا ولم يخبرها أحد بخبيء الأمر .
فبحثت الأمر مجتهدة فيه، تروم معرفة الذي جعل حمارها هزيلا،
فأصبحت تراقبه عن كثب ، و من يصبح عبدًا للبحث الجاد .
فإنه سيجد ما يبحث عنه في النهاية .
وبينا تراقب أحوال الحمار إذ بها ترى الجارية
تنام تحته ! فيـا لما رأت !
رأت هذا من شِقّ الباب فلشدّ ما عجبت لما رأت
الحمار يأتي الجاريةَ كما يأتي الرجالُ النساءَ مِثلا بمِثل !
فوقعت المرأة في الحسد قائلة : هذا الحمار لي، فكيف يحدث هذا ؟!
ينبغي أن يُفعل هذا الأمر بي ولأنا أكثر جدارة منها .

فتظاهرت بأنها لم تر شيئا ودقت باب الاسطبل قائلة :
يا بنت ! إلى متى تمكثين في الاسطبل تكنسينه ؟!
قالت هذا كمن يقول جئت فافتحي الباب
تُعَمّي عن مقصدها
وسكتت ولم تفاتح الجارية بشيء، خبأت في نفسها الأمر لأنها طمعت فيه !
فتحت الجارية الباب بعد أن دسّت جميع آلات الفساد !
وراحت تقطِّب وجهها، وتدمع عينيها وتحرك شفتيها وكأنها تقول : إني صائمة .
وتظاهرت بكنس الاسطبل كي تنام الإبل فيه وعند فتحها الباب وبيدها المكنسة
قالت المرأة في نفسها :
يالك من ممثلة محتالة ! أخذتِ المكنسة وقطبتِ وجهك حسنا :
ولكن ما حال الحمار الهزيل هذا ؟ قد قُطِعَ عليه عمله غضبانٌ يتحرك أيره
وعيناه على الباب ينتظرك !
قالت هذا في نفسها وخبَّأتهُ عن الجارية
وخاطبتها قائلة لها وكأنها بريئة : أسرعي فضعي الخمار على رأسك
واذهبي إلى بيت فلان وسلمي عليهم وقولي : كذا وافعلي كذا وكذا
كائنًا ما قالت فإني مختصرٌ
خذ الخلاصة واللب كائنا ما كان !
ولما أرسلتها المرأة المتظاهرة بعدم رؤية أي شيء غلَّقت الباب وقالت وقد أسكرتها الشهوة : أوه !
قد بقيت وحدي فلأصرخ شكرا لذلك .
فقد عوفيتُ من جماع الرجال الكامل تارة والناقص أخرى .
بلغت فرحة المرأة غايتها
ومع بلوغ الحمار قمة الشهوة ما قرّ لها قرار
وأي فرحة تلك ؟ فقد جعلها قربها من الحمار كالأتان !
ولا عجب أن يصيّرها حمقها وخستها بمنزلة الأتان
فعندما تَصُمُّ الشهوةُ القلبَ وتُعمِيه فإنها ترى الحمارَ في جمال يوسف تمثالا من البدر يتلألأ
كم ترى من سكارى النار أسكرتهم وهم يبحثون عنها ويخالون أنفسهم النور المطلق !
الحرص يُظهِرُ القبيحَ جميلا وليس في عقبات الطريق أسوأ من هذه الشهوة
قد سوّدت أسماءَ مئاتٍ من الآلاف وجعلت مثلهم من عقلاء الناس حيارى
وإن كانت -المرأة- قد رأت حمارا في صورة يوسف
فما الحال لو أريتها يوسف بحق ؟
تريك بسحر منها القذر عسلا فكيف بك لو أرتك العسل !
فتأمل.
غلّقت المرأة الباب
وجذبت الحمار إليها وهي جذلة مسرورة ولقد ذاقت وبال فعلتها
جعلت تُجاذب الحمار حتى أتت به وسط الاسطبل
ونامت تحتَ ذاك الفحل الحمار
نامت تلك القحبة لتنالَ مُرادَها في الموضِع المرتفع الذي رأت الجارية تنام فيه
رفع الحمار رجله وأوعب أيره
فما هي إلا نار خرجت مع أيره ووقعت داخل المرأة
وما كان من الحمار المدرَّب إلا أن اتكّأ على المرأة وأولج أيره إلى خصييه
و لحظتئذ هلكَت المرأة
وتقطعت كبدها من سرعة أير الحمار
وتمزقت أوردتها وفصلت عن بعضها بعضا
ماتت ولم تستطع أن تُعاودَ النفس
سقطت على جانبٍ وسقطت المِنصَةُ على جانب
و امتلأ الاسطبل بالدماء وسقطت المرأة على رأسها ميتة
كانت ميتة سوء هي التي أخذت روحها

فهل رأيت إنسان يقع شهيدا بأير حمار !

اعلم أن هذه النفس البهيمة حمار فحل
أما الوقوع تحتها فهي أشد قبحا وأسوأ مصيرًا
واعلم أنك لو مت في سبيلِ أنانية النفس
فأنت في الحقيقة مثل تلك المرأة

أيها الرجل الطَمِعُ كل لشبعك ولو كان طعامك حلوى وفالوذجًا
قد أعطى الله للميزان لسانا فارجع لعقلك واقرأ سورة الرحمان
ارجع لنفسك ولا تترك من طمعك الميزان
فالجشع والطمع هما العدو المحرض عليك
الجشع يطمعك في الجميع بيد أنك تحرم اللذائذ كلها
يا فجل بن فجل لا تعبد الجشع.

كانت الجارية تمشي وهي تُحدِّث نفسها قائلة :
آه يا لك من امرأة أرسلت الخبير
وأردت أن تعملي في غيبته فبجهل ما حاولت اللعب بروحك
سرقت مني علما بيد أنك سرقته وخجلت أن تسألي عن أحوال المصيدة
كالطير يجمع من الحصاد الحَب ويحذر أن يقع الحبل في عنقه

العلم والقناعة هما الموجبان لذلك
والمرء العاقل لا يجلب الغم بل النعم
أما الجهلة فيبقون في ندامتهم محرومين
فإذا ما التف حب المصيدة على أعناقهم
عاد أكل الحب عليهم جميعه ممتنعا
كيف يروم العصفور أكل الحبة وهي في المصيدة ؟
إنه لو رامها لتحولت لسم زعاف
يأكل العصفور الغافل الحبة في المصيدة كما يأكل الناس النعم من مصيدة الدنيا
عمياء هي العصفورة التي تطلب الحب من المصيدة

وخلاصة القول أنه عندما رأت الجارية سيدتها من شق الباب ميتة تحت الحمار
قالت : يا حمقاء أية حال هذه !
أإن أرتك معلمتك شيئا انخدعت بالظاهر منه فقط ؟
والواقع أن خبئ الأمر قد عَمِيَ عليك
لقد فتحت دكانا قبل أن تُحكِمِي الصَنعَة !
حسنا قد رأيت أيرَ الحمارِ الذي هو كالعسل والفالوذج
فلم لم تري يا جشعة القرعَةَ أيضا ؟!
أتراك غرقتِ في عِشقِ الحمار بالقدر الذي صدّ عينيكِ عن رؤية القرع ؟!
قد رأيت من معلمتك ظاهرَ الصنعةِ، فحاولت
والسرور يغالبك تقليدَ الخبير !

كم من المرائين و ممن لا يخبر شيئا من الحمقى من لا يرى من نهج الأولياء إلا قماش الصوف ؟
كم من الشرهين بخبراتهم القليلة من لم يُفد من الملوك إلا الكلام
غدا كل واحد منهم يقول عن نفسه أنا موسى وأمسَكَ بالعصا
وخرج كل واحد منهم يقول : أنا عيسى وراح ينفخ على الحمقى

يومًا ما ستطلب منك حقيقة الحقائق حجر المِحَكّ
الويل من ذاك اليوم
أما البقية فاسأل عنها الخبير
هؤلاء الجشعون كُلّهم عُمي وصُم
رأيتَ صورةً فرحتَ تردد كلامها
إنك كالببغاء لا تدري ما تقول .

* المثنوي - جلال الرومي - ج5 - 1333
ترجمة ولد جلبي

أنيس الرافعي... أرخبيل الفزع (5) وباء يوفر السكن للجميع في مقبرة جماعية

أبريل 08, 2020 اضف تعليق


خامس تنصيبات هذا المعرض الإفتراضي الجائل، الذي لا يروم استنباط محتوى الحقيقة في العمل التشكيلي، بقدر ما يطمح إلى استخلاص واستقطار ظلال التخييل منه بالاستناد إلى رؤية سردية صرفة ، هي لوحة الفنانة المصرية الصاعدة والموهوبة جدا فيروز الطويلة (19 سنة) ، التي تم تعميدها بتكنية رهيبة تترجم وقع الكارثة الفظ والأليم لتصدع الحياة و لحبسة التعزيل الإرادي ، هي تكنية " الاحتجاز". ففيروس "كورونا" في صورته المخبرية الأصلية دهم العالم بعجلته القاسية الدوارة مسننة المراوح، ثم دفع البشرية قاطبة إلى اعتقال نفسها بنفسها داخل زجاجة " كوكاكولا " مدعوكة منبعجة مثل حنجور معجون أسنان ضغطت عليه بعنف قبضة متهورة ، تلك التي تبدل كذلك اسمها إلى شطر من كلمة " كوارانتين " (العزل الطبي بالإنجليزية ). الخلق في داخلها .خلق " اللا-نظام الصحي " و " الضحايا المحتملين للمعارك منخفضة الحدة " كما أطلق عليهم المفكر المستنير نعوم تشومسكي، مصابون بالبارانويا الحادة ،و على رؤوسهم الطير ، من جراء الوجل و عصاب الوباء الطاعن في حصد طرائده من الأبرياء تباعا . إنهم سكان قبر عمومي مشترك و ضحايا حالة النبذ الطوعي المقيمون في زمن التكرار الجامد و الدائري و المغلق كبيضة طائر الرخ ، المكدسون، المتلاصقون، المكممون، في أجواء جحيمية تهدد باستشراء تفشي العدوى فيما بينهم ، تحف بهم من الخارج بقعة حبر سوداء قاتمة كأنها الشر الجذري أو ليل الوباء القدري الذي يهدد بابتلاع الجميع . بلا مندوحة ، إنها بقعة عنيدة ستظل ذكراها راسخة في القلوب و العقول مقضة للوجدان الجمعي حتى بعد انتهاء الحرب الوبائية العالمية الأولى ، ومن هنا الحاجة الملحة لطبيب بالمعنى النيتشوي لمعالجة حضارتنا ، التي ستغدو عليلة مدنوفة لسنوات طويلة قادمة . حضارتنا التائهة ، التي غيرت ملامح قاعات التزلج كي تصبح صالات لحفظ جثامين الموتى، و صالات الألعاب كي ترتد قاعات للعناية المركزة للمفورسين . ترى ، هل ستنفتح في القريب العاجل سدادة تلك الزجاجة المغلقة بإحكام بعد أن يستقيم عوجها و تطيب رضوضها ،ثم يتعافى الكون من وعثاء هذا الأسر اللارحيم الذي حرم الكائن من عالمه القديم وانتزعه منه عنوة..من يدري ؟

أنيس الرافعي... أرخبيل الفزع (4) المستجد الكوفيدي بوصفه قاتلا متسلسلا

أبريل 07, 2020 اضف تعليق


 الإختيار الرابع ضمن هذا الأرخبيل المنتمي بجدارة إلى" نظام القسوة " بمعناه الدولوزي العميق، ينصب على لوحة " الوباء يحوم حولنا كالدبابير" للفنان العراقي اللامع و الإستثنائي سيروان باران. بورتريه إنساني تبعا لتقنية ومنظور الإتجاه التعبيري المستدعية لروح بول سيزان وتولوز لوتريك وبول غوغان ولوسيان مايكل فرويد،  بألوان بنية طينية وسوداء داكنة، تشوبها بعض لمسات الفرشاة الصفر، لوجه شخص منقبض التقاطيع شاحب التقاسيم، تطبق على فمه وأنفه من كل الأنحاء كمامة طبية خضراء كما لو أنها كماشة حيوانية صارمة تحاصر أحاسيسه و انفعالاته وعواطفه الموشكة على الإنفجار . بيد أن المثير في هذا  الظاهر العادي الماثل أمام المشاهد، هو ما يضمره من بواطن لاشعورية تتبأر بالدرجة الأولى في نظرة الرجل . نظرته الغائمة  الشاردة الأسيانة القلقة. نظرته الأليغورية ، التي تكشف متلازمة الإبتعاد القسري الطوعي للذات ، استحالتها  إلى مادة للغياب بمحض الإرادة ، ثم دخولها منطقة قصية لامدركة ، حيث الإقامة القهرية في معزل أو معسكر عقاب رمزي، تغيب فيه كرامة الحرية و تلقائية الحركة و متع الحياة اليومية المرجأة ، لدرجة أن لغة التواصل نفسها تصبح غير موجهة للخارج ، بل منفية و أسيرة بداخل الأعماق  المرتعبة المحتجزة . إنها نظرة مجروحة من الداخل النازف مثل صنبور دم يقطر وئيدا في جوف الروح، تمر الآن  في هذي الأيام العسيرة المنكوبة من تجربة آلة تعذيب سيكولوجية فظيعة.نعم ، فهذا الفيروس المستجد الكوفيدي، ماهو إلا جهاز  لا أخلاقي كافكاوي لإنتاج قتلة متسلسلين متخصصين في إرهاق السويداء و إزهاق الأنفس و إهراق الأمل عبثا على بلاط الترقب غير المجدي، شأنه شأن إخوته و أنداده الجرثوميين "سارس" و "إنفلونزا الطيور والخنازير "و"إيبولا" و فيروس جنون البقر و الرضيع الصغير حديث الولادة " هانتا". للحظة ، خلت مفترضا بأن هذه النظرة / الرؤية بمقدورها أن تدرج أهوال هذا الفيروس / المجرم ضمن أحد فروع " أدب التخييل العلمي " بممكناته البديلة و احتمالاته الإستباقية .. من يدري ؟  

حياة عارية وبربرية بوجه إنساني: جدل “كورونا” بين أغامبين وجيجيك

أبريل 06, 2020 اضف تعليق


ترجمة: سولارا شيحا
إعداد وتقديم: محمد سامي الكيال
كتب الفيلسوف الإيطالي الشهير “جورجيو أغامبين” مقالة قصيرة آواخر شهر شباط/فبراير الماضي، ينتقد فيها اجراءات الحكومة الإيطالية في مواجهة انتشار فيروس “كورونا”، ويرى أنها تعميم لـ”حالة الاستثناء”، لتصبح وضعاً طبيعياً يحدّ من حريات وحقوق البشر، وهو بحسبه ميل واضح لدى السلطات في عصرنا.
مقالة أغامبين جاءت في وقت مبكر، قبل ظهور التداعيات الكارثية لتفشي الوباء في إيطاليا، وأثارت كثيراً من الردود والانتقادات، لعل أكثرها أهمية مقالتان كتبهما المفكر السلوفيني “سلافوي جيجيك”، ينتقد فيهما ميل جانب من اليسار إلى “نموذج اختزالي”، يعتبر كل الظواهر بناءً اجتماعياً مرتبطاً بتقنيات السلطة والتطويع، وهو نموذج تم تعميمه فكرياً منذ آواخر الستينيات، بفضل كتابات المفكر الفرنسي “ميشيل فوكو”، ويُعتبر أغامبين أبرز ممثليه المعاصرين. يؤكد جيجيك أن هذا المنظور عاجز عن تحديد الفروقات والتمايزات الدقيقة في عمل وتدخلات السلطة. “كورونا” أدى إلى أشكال جديدة من التضامن الاجتماعي والدولي، كما طرح  مسألة التحكم بفائض القوة التي تملكها الدول الحديثة. العالم، بحسب جيجيك، قد يكون على أعتاب ثورة فكرية وسياسية بسبب التغيرات التي فرضها الوباء. وهو ما لن يستطيع المتمسكون بالنماذج اليسارية التقليدية إدراكه.
أغامبين من جهته كتب مقالة ثانية، رد فيها بشكل غير مباشر على منتقديه، متحدثاً عن قيام السلطة بردّنا إلى وضعية “الحياة العارية”، وإلغاء “جيرتنا الإنسانية”، عن طريق إجراءات العزل والحظر والإغلاق. وحذّر من تطبيع هذه الاجراءات الاستثنائية، فمثلما خلّفت الحروب تقنيات سلطوية ثقيلة، ظلت مستمرة في أوقات السلم، يمكن أن يستمر “الاستثناء” الذي أدى إليه انتشار “كورونا” حتى بعد انتهاء حالة الطوارئ الصحية.
ردود جيجيك لم تتوقف، أعلن من جديد “اتخاذ مسافة” من آراء أغامبين، فالتضامن اليوم بحسبه لا يكون باستمرار “الجيرة الإنسانية” كما نعرفها، بل ربما كان التباعد والانفصال بين البشر، رغم كل ما يسببه من ألم، الشكل الأسمى والأكثر رقياً للتعاضد الاجتماعي. وتحدّث عن نمط ما من “الاشتراكية الاضطرارية”، التي لم يستطع حتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجنّبها، فقد اقترح الأخير مشروع قانون “تولي مسؤولية إدارة القطاع الخاص” لمواجهة الأزمة وتبعاتها الاقتصادية. هذه الاجراءات، كما يرى جيجيك، قد تصبح حتمية، وهي تشبه “شيوعية الحرب”، أي النمط الاضطراري من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي الذي عرفته روسيا في فترة الثورة البلشفية والحرب الأهلية. السؤال الآن: لمصلحة من ستكون هذه “الاشتراكية”، الفئات الأغنى كما حدث في الأزمة المالية عام 2008، عندما صيغت خطط الانقاذ الحكومية لمساندة المؤسسات المالية الكبرى، أم عموم المجتمع، الذي سيدفع الثمن الأكبر في مواجهة الوباء؟
يبدو أن الوباء ستكون له آثار كبيرة على الفلسفة السياسية المعاصرة، فهو يضع كثيراً من نظرياتها أمام اختبار عملي: هل أصبح النموذج النظري عن عمل السلطة الحيوية مُتجاوزاً فعلاً كما يرى جيجيك؟ أم أن “الثورة الفلسفية”، التي يبشّر بها في وعينا لذواتنا، وعلاقتنا مع بيئتنا وظروفنا الاجتماعية، ليست أكثر من تصور طوباوي؟ إلى أي مدى يُغفل أغامبين الوقائع الموضوعية بإصراره على المنهج البنائي في التفكير، وهو المنهج الذي يعتبر ما يحسبه البعض “طبيعياً” بناءات اجتماعية متعلقة بتقنيات السلطة والمعرفة؟ قد تعطينا الأشهر والسنوات القادمة بعض الأجوبة، ولكنها بالتأكيد ستكون أجوبة قابلة للتأويل، ما سيفتح مجالاً لمزيد من الجدل، وتعديل النماذج الفكرية القائمة.
فيما يلي ترجمة لمقالة جورجيو أغامبين الثانية، التي نُشرت ترجمتها الألمانية في جريدة NZZ السويسرية، تليها ترجمة مقالة سلافوي جيجيك المنشورة مؤخراً في صحيفة Die Welt الألمانية.

جورجيو أغامبين: لسنا أكثر من حياة عارية
لايكتفي الفيروس بإصابة الأفراد فحسب، وإنما يمتدّ ليصيب كامل المجتمع. ها نحن نعتاد على حالة طوارئ لا نهاية قريبة لها. فما الذي سيترتب على ذلك؟
الخوف مستشار سيء، إلا أنه يكشف كثيراً من الأمور التي يود المرء تجاهلها عادةً. أول ما كشفته موجة الذعر التي أصابت إيطاليا بالشلل هو أن مجتمعنا لم يعد يؤمن إلا بالحياة العارية. وبات جلياً أن الإيطاليين تفادياً لالتقاط العدوى، مستعدون عملياً للتضحية بكل شيء: ظروف الحياة الطبيعية، العلاقات الاجتماعية والعمل، وحتى الصداقات والعواطف والقناعات الدينية والسياسية. ليست الحياة العارية، والخوف من فقدانها، أمراً يوحّد البشر ويجمعهم، بل يفرّق بينهم ويصيبهم بالعمى.

القيمة الوحيدة: البقاء
كما الحال في رواية ألساندرو مانزوني “المخطوبون”، التي تصف الطاعون الكبير الذي أصاب مدينة ميلان، يُنظر فجأة للآخرين على أنهم مجرّد ناشرين مُحتَمَلين للفيروس، يجب تجنّبهم بأي ثمن، والابتعاد عنهم مسافة أمان لا تقلّ عن متر. وليس للموتى، مَوتانا، الحق في جنازة، ومن غير الواضح بعد ماسيحل بجثث أحبابنا. مُحيَت الجيرة الإنسانية، ومن الغريب أن تلتزم الكنيسة الصمت حيال ذلك.
ماذا سيحلُّ بالعلاقات الإنسانية، في بلد اعتاد العيش بهذه الطريقة لفترة لا أحد يعرف لها نهاية؟ وماهذا المجتمع المتجرّد من كل القيم عدا محاولته البقاء؟
يكشف الوباء حقيقة ثانية ليست أقل إثارة للقلق: حالة الاستثناء، التي حرصت الحكومات أن نعتادها منذ بعض الوقت، تحوّلت فعلاً إلى الوضع الطبيعي الجديد. لقد انتشرت أوبئة أكثر خطورة في الماضي، ولكن أحداً لم يفكر وقتها في إعلان حالة طوارئ، مثل التي نشهدها اليوم، تعيقنا حتى عن التحرك بحرية.

إنها الحرب
اعتاد الناس العيش تحت وطأة الأزمة وحالة الطوارئ الدائمة. ولا يبدو أنهم لاحظوا أن حياتهم اختزلت إلى وظيفتها البيولوجية فقط، وخسرت بذلك ليس بعدها الاجتماعي أو السياسي فحسب، وإنما الإنساني والعاطفي أيضاً. لا يمكن لمجتمع يعيش حالة استثناء دائمة أن يكون مجتمعاً حراً. نحن نعيش فعلاً في مجتمع ضحّى بالحرية في سبيل مايسمى “دواعٍ أمنية”، وحكم بذلك على نفسه بالحياة في ظل حالة دائمة من الخوف وانعدام الأمن.
ليس غريباً أن يذكر المرء الحرب عندما يتعلق الأمر بالفيروس، تجبرنا تدابير الطوارئ في الواقع على العيش تحت قوانين حظر التجول. إلا أن حرباً مع عدو لامرئي، عدو يمكنه أن يعشش داخل كلٍّ منّا، هي الأكثر عبثية بين كل الحروب، إنها في الحقيقة حرب أهلية. العدو ليس في الخارج وإنما يكمن داخلنا.
ما يُثير القلق ليس الحاضر بالدرجة الأولى، أو ليس الحاضر فقط، وإنما ما يحمله المستقبل. مثلما تُخَلِّفُ الحروب لأوقات السلم سلسة من التقنيات المشؤومة، فمن المرجح أيضاً استمرار التجارب والإجراءات الناتجة عن الأزمة الصحية الطارئة، والتي لم تكن الحكومات من قبل قادرةً على فرضها. سواء تمثلت بإغلاق الجامعات والمدارس، وإعطاء المحاضرات والدروس حصراً عن طريق الانترنت، أو حظر التجمّعات واللقاءات لنقاش أي موضوع، سياسياً كان أم ثقافياً، أو إلزامنا بالرسائل الالكترونية وسيلة تواصل وحيدة فيما بيننا، وجعل الآلة بديلاً لكل لقاء-عدوى بين الناس.

سلافوي جيجيك: بربرية بوجه إنساني
أجد نفسي مؤخراً راغباً بالإصابة بالفيروس، سأتخلّص وقتها على الأقل من حالة الارتياب المنهكة التي أعيشها. علاقتي بالنوم تشكّل هي الأخرى علامة واضحة على قلقي المتزايد. قبل حوالي أسبوع، كنت انتظر المساء بلهفة: وأخيراً!  يمكنني الهرب إلى عالم الأحلام وترك كل مخاوف حياتي اليومية خلفي. والآن، على العكس تماماً، أخشى النوم لأن الكوابيس تلاحقني ليلاً وتوقظني مذعوراً، كوابيس عن الواقع الذي ينتظرني.
عن أي واقع أتكلم؟ نسمع كثيراً هذه الأيام عن حاجتنا الماسة لتغيّرات اجتماعية راديكالية، في حال أردنا حقاً التعامل مع تبعات الوباء الحالي (وأنا من الذين يروّجون لهذا)، إلا أن تغييرات جذرية تحدث بالفعل. يواجهنا فيروس “كورونا” اليوم بما اعتبرناه مستحيلاً: لم نكن لنتخيل أبداً هذا الانقلاب الذي شهدته حياتنا اليومية.
توقف العالم الذي عرفناه عن الدوران، بلدان بأكملها مغلقة بالكامل، وكثيرون منّا محتجزون في منازلهم (عدا عن أولئك المحرومين حتى من هذا الحد الأدنى من الوقاية). نجد أنفسنا في مواجهة مستقبل غامض، وحتى في حال نجاة معظمنا، ستبقى الأزمة الاقتصادية الهائلة تلوح في الأفق.
كل هذا يعني أن رد فعلنا يجب أن يحقق المستحيل هو الآخر: ما يبدو غير ممكن ضمن إحداثيات النظام العالمي الحالي.
المستحيل قد حدث بالفعل، وعالمنا توقف عن الدوران، والمستحيل هو بالضبط ماعلينا تحقيقه لتفادي الأسوأ: ما هو الأسوأ؟
لا أعتقد أن التهديد الأكبر يتمثل بانتكاسة إلى بربرية صريحة أو صراع وحشي على البقاءـ بما يرافقه من اضطرابات عامة، وإعدامات ميدانية مذعورة، إلخ (بالرغم من امكانية حصول شيء شبيه في حال انهيار النظام الصحي وغيره من الخدمات العامة). ما أخشاه أكثر من الوحشية الصريحة هو البربرية بوجه إنساني: إجراءات قاسية لحفظ البقاء، تُطبّق بشيء من الأسف وحتى التعاطف، ولكنها تستمد شرعيتها من آراء الخبراء.
يمكن لمراقب يقظ أن يلحظ بسهولة تبدّل نبرة من هم في السلطة أثناء مخاطبتهم لنا: لا يحاولون فقط إظهار الهدوء والثقة، وإنما يتفوّهون باستمرار بتنبؤات مرعبة: من الوارد استمرار أزمة الوباء لعامين، وسيصيب الفيروس في المحصلة من ٦٠ إلى ٧٠ بالمئة من سكان الكوكب، حاصداً ملايين الأرواح.
باختصار، رسالتهم الحقيقية هي وجوب بتر وتقليص الفرضية الأساسية لأخلاقنا الاجتماعية: رعاية المسنين والضعفاء (أعلنت إيطاليا فعلاً عن إمكانية حرمان المصابين بأمراض عضال، والمسنين الذين تجاوزوا الثمانين، من الرعاية الصحية في حال تفاقم الوضع، أي سيُتركون ببساطة للموت).
يمكننا ملاحظة كيف ينتهك قبول منطق “البقاء للأقوى” المذكور أبسط مبادئ الأخلاق العسكرية، والتي تنصّ، بعد المعركة، على وجوب معالجة المصابين بجروح خطيرة أولاً، حتى لو كانت فرص نجاتهم ضئيلة (إلا أن نظرة أقرب تقلّص المفاجأة، فلطالما تصرّفت المستشفيات بذات الطريقة مع مرضى السرطان).
لتجنّب سوء الفهم، أنا واقعي تماماً هنا، يجب برأيي حتى تأمين أدوية تساعد على موتٍ دون ألم للمرضى الميؤوس من شفائهم، لتجنيبهم المعاناة غير الضرورية. ولكن عوضاً عن التوفير والاقتصاد، يجب أن يكون هدفنا الأول تقديم المساعدة غير المشروطة للمحتاجين لضمان نجاتهم، وبغض النظر عن التكاليف.
لذا اختلف، بكل احترام، مع جورجيو أغامبين، الذي يرى في الأزمة الجارية علامةً على أن: «مجتمعنا لم يعد يؤمن إلا بالحياة العارية. وبات جلياً أن الإيطاليين، تفادياً لإلتقاط العدوى، مستعدون عملياً للتضحية بكل شيء: ظروف الحياة الطبيعية، والعلاقات الاجتماعية والعمل، وحتى الصداقات والعواطف والقناعات الدينية والسياسية. ليست الحياة العارية، والخوف من فقدانها ـ أمراً يوحّد البشر ويجمعهم، بل أمراً يفرّق بينهم ويصيبهم بالعمى». إلا أن الوضع أكثر غموضاً بكثير: إنها تقوم بتوحيدهم أيضاً! ترك مسافة أمان، والبُعد الجسدي، هو أيضاً نوعٌ من ابداء الاحترام للآخرين، فقد أكون أنا نفسي حاملاً للفيروس. يتجنّب ولديَّ لقائي هذه الأيام، لخشيتهما إصابتي بالعدوى (المرض قد يكون عابراً في حالتهما ومميتاً في حالتي).
نسمع مؤخراً مراراً وتكراراً أن كلّ فرد منا مسؤولٌ شخصياً، ويتوجب عليه التقيّد بالقوانين والقواعد الجديدة. وتعجّ وسائل الإعلام بأخبار عن أناس أساءوا التصرّف، وعرّضوا أنفسهم والآخرين للخطر (دخل رجل إلى سوبرماركت وبدأ بالسعال، وما إلى ذلك). المشكلة هنا شبيهة بتناول وسائل الإعلام للقضايا البيئية من منظار المسؤولية الفردية (هل قمتَ بإعادة تدوير جميع الصحف والمجلات القديمة؟ الخ). التركيز على المسؤولية الفردية، بالرغم من أهميته، يتحوّل لأيديولوجيا بمجرّد أن يشرع بالتعتيم وتوجيه الاهتمام بعيداً عن السؤال الكبير حول كيفية تغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي. لا يمكن خوض المعركة ضد كورونا إلا يداً بيد مع النضال ضد التهويمات الأيديولوجية، وباعتبار هذه المعركة جزءاً لا يتجزأ من النضال البيئي الأوسع. تخبرنا” كيت جونز” أن انتقال الأمراض من الحيوانات البرية إلى الإنسان هو «الثمن الخفي للتنمية الاقتصادية البشرية. أعدادنا كبيرة في كل مكان، ننتشر في بقاع كانت إلى حد ما غير مضّطربة، ونعرّض نفسنا للخطر أكثر وأكثر. نقوم بخلق مواطن ملائمة لانتقال سلس للفيروسات، ومن ثم نصاب بالذهول عندما تنشأ فيروسات جديدة».
لذا لا يكفي تنظيم نوع ما من الرعاية الصحية العالمية للبشر، بل يجب أخذ الطبيعة بعين الاعتبار: تهاجم الفيروسات النباتات أيضاً، التي تشكّل مورد الغذاء الرئيسي لنا، مثل البطاطا والقمح والزيتون. علينا التفكير بالصورة الكبيرة لعالمنا، بكل ماتحتويه من مفارقات وتناقضات.
من المهم، على سبيل المثال، معرفة أن الإغلاق العام في الصين، جرّاء فيروس كورونا، أنقذ أرواحاً أكثر من عدد ضحايا الفيروس نفسه (في حال صدّقنا الإحصائيات الرسمية لعدد الضحايا): يقول “مارشال بوركه”، اقتصادي الموارد البيئية، إن هناك علاقة مؤكدة بين تلوّث الهواء والوفيات المبكرة نتيجة التعرض لهذا التلوّث. «عند أخذ هذا العامل بعين الاعتبار، فمن الطبيعي، مع الاعتراف بغرابة الأمر، أن نتساءل ما إذا كانت الأرواح التي ينقذها هبوط مستويات التلوث، بعد عرقلة الاقتصاد جراء كوفيد-١٩،  تتجاوز عدد ضحايا الفيروس نفسه؟ حتى في ظل فرضيات محافظة للغاية، أعتقد أن الجواب هو “نعم” مدوّية». خلال شهرين فقط، يجزم بوركه أن هبوط مستويات التلوث أنقذ حياة أربعة آلاف طفل دون سن الخامسة، وحياة ثلاثة وسبعين ألف مسن، فوق عمر السبعين، في الصين وحدها.
نجد أنفسنا في مواجهة أزمة ثلاثية الأبعاد: بُعدٌ طبي (انتشار الوباء)، بُعدٌ اقتصادي له تبعات قاسية بمعزل عن نتيجة الوباء، إضافةً لأزمة صحة عقلية علينا عدم الاستهانة بها. تتفكك الإحداثيات الأساسية لعالم وحيوات الملايين من الناس، وسيرمي هذا بثقله على كل شيء، من الطيران في الإجازات والعطل إلى تواصلنا الجسدي اليومي. علينا التفكير خارج إحداثيات سوق الأسهم والربح، وإيجاد طريقة أخرى لإنتاج وتقسيم الموارد اللازمة. في حال دراية السلطات، على سبيل المثال، بأن شركةً ما تقوم بحجز الملايين من الأقنعة الطبية، منتظرة اللحظة المناسبة لبيعها، يجب ألا يتم التفاوض مع الشركة المذكورة، يجب ببساطة مصادرة الأقنعة.
أفادت وسائل الإعلام أن ترامب قدّم عرضاً بقيمة مليار دولار أمريكي لشركة الأدوية الحيوية الألمانية” CureVac”، بغرض تطوير اللقاح للولايات المتحدة بشكل حصري. صرّح ينس شبان، وزير الصحة الألماني، أن محاولة إدارة ترامب احتكار الشركة أمر مرفوضٌ كلياً وغير قابل للنقاش: «”CureVac” ستستمر بمحاولة تطوير لقاح لكل العالم، وليس لبلدان بعينها دون غيرها». نرى هنا مثالاً نموذجياً عن الصراع بين البربرية والحضارة.
إلا أن ترامب ذاته اضطر إلى الاستعانة بقانون “الإنتاج الدفاعي”، الذي سيتيح للحكومة ضمان استجابة القطاع الخاص لإنتاج المعدات الطبية الطارئة بالكميات الضرورية: «أعلن دونالد ترامب عن اقتراح قانون لتولي القطاع الخاص. الرئيس الأمريكي صرّح بأنه سيلجأ إلى بند فيدرالي يتيح للحكومة قيادة وتنظيم القطاع الخاص استجابة للأزمة الوبائية» حسب تقرير وكالة “أسوسشيتد برس” ،و«صرّح ترامب بأنه سيوقع على قانون يمنحه سلطة التحكم بالإنتاج الصناعي المحلي وتوجيهه، في حال استلزم الأمر».
عندما استخدمتُ مصطلح “شيوعية” قبل عدة أسابيع، تعرّضتُ للسخرية، ولكن، هاهو ترامب يُعلِن «عن اقتراح قانون لتولي القطاع الخاص»، هل كان بإمكان أحد تخيل عنوانٍ كهذا قبل أسبوع فقط؟ وما هذه سوى البداية، سيتوجب علينا اتخاذ المزيد من التدابير المشابهة في الفترة القادمة. أضافةً لما سبق، يجب التنبيه لضرورة التنظيم الذاتي المحلي للمجتمعات، في حال تعرّض النظام الصحي العام لضغط شديد.
ليس الانعزال لأجل النجاة كافياً، كي تنجح محاولات العزل يجب أن تعمل الإمدادات والخدمات العامة الأساسية بنجاح: الكهرباء، الغذاء والأدوية (سنحتاج عمّا قريب لقائمة بالمتعافين، الذين شكّلوا مناعة ولو مؤقتة ضد الفيروس، بغرض حشدهم للعمل العام العاجل).
هذه ليست تصورات عن شيوعية مثالية، وإنما عن شيوعية تفرضها ضرورات البقاء العاري. إنها للأسف، نسخة مما كان يُعرف عام ١٩١٨ في الإتحاد السوفييتي السابق بـ”شيوعية الحرب”.
«في الأزمات كلنا اشتراكيون»، حتى ترامب يفكّر  بتطبيق نوع من الدخل الأساسي غير المشروط: شيك بمبلغ ألف دولار لكل مواطن بالغ.
سيتم إنفاق تريليونات الدولارات، في انتهاك صريح لكل قوانين السوق، والسؤال الملح: كيف؟ من أين؟ ولمصلحة من؟
هل ستكون هذه الاشتراكية الاضطرارية اشتراكيةً للأغنياء؟ (لنتذكر خطة إنقاذ البنوك في الأزمة المالية عام ٢٠٠٨، في حين خسر ملايين الناس مدّخراتهم الصغيرة)، هل ستُختَزل موجة الوباء هذه إلى فصل جديد في الرواية الطويلة التي أطلقت عليها “ناعومي كلاين” مصطلح «رأسمالية الكوارث»؟ أم سينشأ نظام عالمي جديد، أكثر تواضعاً ربما، ولكن أكثر توازناً؟

أنيس الرافعي...أرخبيل الفزع (3) الحياة تحت تهديد الرذاذ الجرثومي

أبريل 06, 2020 اضف تعليق


ثالث قطع هذه المجموعة الفنية المتقاربة ذات النسب المشترك، لوحة " الإبداع زمن الكورونا " للفنان المغربي الملتزم سعيد حجي، الذي يشحن عمله التصويري التلويني بحمولة سياسية و انتقادية وأدلوجية غير خافية، تتجسد جماليا و تركيبيا من خلل عناصر التضاد والتوازن والإنسجام والمساحة و الترابط والعلاقات اللونية. أيضا ، عبر "المباينة " كما يسميها " جاك دريدا " في كتابه "الحقيقة في الرسم". المباينة التي تنشئ التوازن العصيب بين البناء و الهدم ، وبين الناجز والمتصدع، و بين الجرح والبلسم. فالدنيا في عرفه الفلسفي النائس كأرجوحة "جان جونيه " في " راقص الحبل " بين التمثل و التمثيل، وهي في حالة حصار مغلولة حتى عنقها بسلاسل الفيروس المهيمن ، اختلت موازينها و اضطربت مقاديرها و فقدت مانويتها الطبيعية ، مما نجم عنه حدوث تداخل و تضارب وتبادل غير منطقي للأدوار والوظائف و الأولويات بهدف المحافظة على البقاء و حفظ النوع . الكائن المجبول على الخير والمقيم داخل المنطقة البيضاء الآمنة "المعقمة رمزيا " أضحى فجأة عرضة لسواد قاتم ينذر بالشر المستطير، مهددا في اطمئناناته و حيازاته المكتسبة عبر محطات و حقب تاريخية مديدة . والكرسي الذي يرمز لسيادة العالم غدا منزاحا صوب المساحة المدلهمة الحابلة بأعباء الخسارة الأكيدة والفاجعة المطلقة. الفيروس العابر للقارات و للأجهزة التنفسية و المناعية الهشة ، وهو يبسط جبروته على وجه الزمن ، على قفا العصر ، وهو يضع الحياة تحت إمرة التهديد الصريح السافل، قلب كل الموازين وضرب كافة المسلمات البدهية في الصميم. لقد قام بتعنيف البداهة و تمريغ كرامتها في الوحل. هزم اليقين وقسى على البراهين، راغبا في أن يفرض السيناريو الأكثر قتامة للوجود . سيناريو صفرة الفناء الغامقة، و الرذاذ/البغش الدموي الجرثومي الأحمر القاني، واحتلال كرسي القيادة لسوق البشرية نحو هاوية الهلاك. لكن ، ماذا لوِ امتدت يد غامضة من الخفاء نظير كائنات الشطرنج و حركت شتى هذي الموتيفات الفاعلة صوب اتجاهات أخرى داخل إطار اللوحة، ألا نهدد دهشتنا بأن نكون قاطبة ضحية وهم جماعي هستيري، صرعى لخيال مخبول جبار، أو وسيلة مثلى لتسلية و إطعام لعبة جهنمية فائقة الذكاء مهمتها الأساس خلق الإرتياع والهول بين الأفئدة والجوانح ..(لعبة / فيروس)على نهج روايات " ستيغن كينغ" المخيفة، تتصرف على نحو جماعي منظم مثل خلية نحل أو مستعمرة نمل ، تقدم نفسها بوصفها المرحلة القادمة من التطور البشري، تبرمج جنودها الفيروسات و تربط فيما بينهم بتقنية التخاطر كأنهم شبكة عضوية لعقل واحد يتطلع لتقويض الحياة وغزو الكون ؟.. من يدري ؟

أنيس الرافعي... أرخبيل الفزع (2) الفيروس / الأخطبوط

أبريل 06, 2020 اضف تعليق


لوحة أخرى، تحت مسمى " كورونا "، تنطوي في سمتها الدلالي ونظامها الترميزي و جوهرها التأويلي على الفاجعة غير المرتقبة التي تزلزل الوجود والكينونة، من توقيع الفنان العراقي اللامع صدام الجميلي. الفيروس الجانج الجائح الجاني، وقد اشتد واشتط وجاوز قدر الأثر المدمر القابل للإصلاح في المدى القريب المنظور، فصرت تراه بعين الخيال الوثاب المخاتل - طورا - خودة معدنية غير ناصعة البياض، أقرب ما تكون إلى الرمادية المتسخة، تبتلع تقاسيم وجه المريض بأتمها حد الخنق وشد التلابيب الممضين، أو ربما على الأرجح هو -في طور ثان من طفرته الجينية الذكية - أخطبوط متسلط يهيمن على كافة تقاطيع الوجه ويمد إلى الأسفل في الفراغ الحفي مجساته الصفراء المرقطة، التي هي خير عون له على الظهور والخفاء والكمون والانتشار مثل ثعلب محمد زفزاف مثل فضيحة في شارع ضيق. وخلف ظهر البدن السقيم، الأعزل، المصحوب بعريه فقط، غير المدرك لما يحاك ضده من كمائن بيولوجية كونية خبيثة، يتموقع الطبيب أو الممرض بنظرته المتوجسة الحذرة، وبيديه اليائستين من جدوى وضع قطعة الشاش المعقمة على هذا المحيا الغائب منمسخ الملامح والهوية بفعل سطوة و قهر الكمامة المتحولة. تلك هي المأساة المضاعفة للكارثة لما تصير الفرد لونا ارتكاسيا. هاوية مضطربة الأعصاب منذرة باختلال التوازن المبيد الضروس . علامة ملغزة غير قابلة للتفسير. مساحة مقفلة من دون مخرج ولامدخل. أملا سجينا في إحداثياته الشحيحة و متمنعا عن الحركة نحو الخارج . نحو رحابة الحياة . نسيانا كاسحا من دون أمارة أو كسرة ذكرى . ليلا مجردا من الظلام أو الضياء . طريقا تقود إلى السديم و العدم الشاملين. إشارة ضامرة على ذات الطريق لاتفضي إلى أي مكان أو بالحري- حسب منطوق كتاب " فرنسيس بيكون: منطق الحساسية "- إلى مكان تسوده الفوضى الكاسحة. لكن ، ألا يمكن في طرفة عين أن تنقشع الخودة الخناقة/القناع الزائف/ الكمامة القامعة و يتحرر أخيرا الوجه الأسير من ربقة الأخطبوط الجاثم على الأنفاس .. من يدري ؟

أنيس الرافعي... أرخبيل الفزع (1)

أبريل 06, 2020 اضف تعليق

ديستوبيا الحجر الصحي أحسب أن لوحة المبدع الخلاق و الفنان العراقي الكبير سنان حسين، ذات المياسم السريالية و التفاصيل الغرائبية المغلفة بأجواء الغموض و الواقعية غير العادية، تلك الموسومة ب " الحجر الصحي"، تختزل بشكل رمزي دال وفادح، حالة الكائن الآدمي في مواجهة خطر هذا الفيروس الديستوبي الداهم. الجسدالساكن الذي لاحركة أو حياة تصدر عنه، المكمم، المتوحد في ملمته ومحنته الوبائية، الأعزل إلا من عريه و من نور المصباح الأصفر الممتد ضياؤه المكعب الخافت في مساحة زرقاء كأنها السماء الميتافيزيقية وقد صارت - في إطار نوع من السخرية السوداء الخشنة - أقل انخفاضا وأكثر ضيقا بعد حدوث الفجيعة، تلك التي رمت الوجود برمته في أتون الحيرة المدوخة. الجسد ذاته المسجى، المنكفئ كالهزيمة على جنب، والمقدم على افتراش قطعة قصدير باردة مثلما لو أنها القبر الوشيك الذي ينتظره عند الناحية الأخرى من الأمل المغتال، على اعتبار أن موت شخص واحد هو كارثة حقيقية، أما انهيار العالم فهو مجرد كلمة ضمن قاموس البلاغة وتخرصات السياسة وتحولات مزاج الإقتصاد . وفوق سحابة هذا المشهد الجنائزي الجليدي، المعبر عن موت الجميل وصعود المريع بالمعنى "الأدورني" (نسبة إلى فيلسوف مدرسة فرانكفورت "تيودور أدورنو")، يلوح الأفق المغبش المكتظ بهوام شائهة وبمخلوقات غروتيسكية ووحوش مائعة أنجبتها حداثتنا السائلة الطافحة بالباكتيريا الانتهازية والتجارب المخبرية الشاذة، تحيل جميعها على كل الخيفات الصغيرة والكبيرة، وعلى كافة الأشباح والطيوف، التي تلتهم روح وسويداء هذا الإنسان المتجبر المتغطرس الذي يغدو ضئيلا ورعديدا وثرثارا يلهج بالشكوى والأنين في مواجهة المنية الشاحذة لنصلها البتار. وماذا عن الهيئة الواجمة الصامتة المريبة حد القلق، هاتيك التي تقتعد كرسيا على اليمين، وتضع قناعا عجائبيا أحمر من دون وجه مكشوف يومئ على ذاتها أو صفاتها أو نواياها الظاهرة أو المبيتة، كما لو كانت أحد آلهة مصر الفرعونية الطالعة لتوها من كتاب "الخروج في النهار"؟ أتراها شهيق الفيروس الذي صنع كل هذا الخراب و الهلع القياميين.. صنع جميع هذه "التراجيديا الرائعة" (نيتشه)، و"نزع القداسة عن العالم " (ماكس فيبير )، وأعاد الإعتبار لـ"النفي الإستطيقي" (بيير زيما) كيما يصون "الجميل" قيمته "السلبية" حتى وهو يواجه الفجائع بأسلحة المشوه والمتشظي والمتشيء والمرعب؟ أم هو زفير الأمل المنعش الذي سيهب لينهض الكائن مجددا لاعتناق عقيدة الحياة ومعانقة الجوهري وهو أقل طغيانا وتفاهة وزعيقا، وأكثر إيمانا بأن تعنته وصلفه هما من سيقودانه يوما إلى إفناء ذاته بذاته ؟.. من يدري؟

العالم إزاء الفيروس (وليس أميركا) كقوة عظمى وحيدة

أبريل 05, 2020 اضف تعليق


عبدالوهاب بدرخان

لم يعد هناك لبس، فالقوة العظمى الوحيدة اليوم، في هذه اللحظة، هي الفيروس "كوفيد 19" الذي استطاع أن يهزم القوى كافةً وتقزّم أمامه كلّ الترسانات العسكرية كمعيار للجبروت. لم يُنظر الى السوابق، كالإنفلونزا والطاعون والإيدز في القرن العشرين، على رغم حصيلة الموت الهائلة، باعتبارها سبباً في شلّ التجارة، تقويض الاقتصاد، تهديد وجودي للدول، وتغيير جذري عميق في النظام الدولي. دائماً ما كانت الفيروسات موجودة بيننا، لكن نمط الحياة العصري سريع التطوّر انعكس أيضاً على حركتها وفاعليتها، هذا ما نتعلمه خلال الحجر المنزلي إذ لا يغيب "كورونا" لحظة عن انشغالاتنا وبتنا جميعاً في حاجة الى أن نعرف أكثر، فبمقدار ما أن ثورة التكنولوجيا والانترنت جعلت حياتنا أكثر يسراً في نيل المعرفة بمقدار ما أن عنصراً طارئاً من خارج هذه التطوّرات يكشف هشاشة هذه الحياة.
في ظرف أسابيع معدودة أصبح هناك ما يشبه الإجماع على أن الولايات المتحدة مندفعة الى الأفول، وأن الصين منطلقة الى "زعامة" العالم، وأن روسيا جاهزة لاستعادة أمجادها "السوفياتية" مع بعض التنقيح، وأن القوى التقليدية القديمة في أوروبا تتساقط من موازين القوى. انه الفيروس في صدد حسم معركة تبديل المراكز في "القطبية" الدولية وبقدرة صامتة وخفيّة ما كانت لتتوفّر للصين وروسيا مهما أوتيَتا من قوّة. ومع أن موجات غزو "كورونا" لا تزال دائرة فإن ثمّة حروباً متعدّدة تتداخل في غمرة الارباكات التي أحدثها: حرب كمامات تخللها نوع من قطع الطرق والقرصنة، وحرب نفط لا تخلو من "انتحارية" في خفض الأسعار برفع الإنتاج، وحرب تجارية لا يهدّئها اغلاق المنافذ، وحرب اللقاح السحري الذي لم يظهر بعد ويخضع لكل أنواع التجسّس... والأهم فيها هو السباق الى اعلان التعافي والأولوية في استئناف الحركة، فقط لتبديد التوقعات السوداوية ولو بأخبار كاذبة. لكن، قبل ذلك، تبقى أسئلة كثيرة مطروحة على بكين التي لم تُبد أي نوع من الاعتراف بالمسؤولية ولا أي تعهّد في شأن مستقبل "سلالة كورونا" دائمة الاختمار في مزارعها وأسواقها ومآكلها، إلا أنها بدت راغبة في اتهام الولايات المتحدة بتصنيع الفيروس وزرعه في بؤرها الصناعية.
في حضرة هذا العدو الاستثنائي بطغيانه لم يعد صلف رجل الأعمال الأميركي مفيداً، ولا ألاعيب رجل الـ "كي جي بي" مثيرة للإعجاب، ولا حذاقات كادر الشيوعي الصيني موضع ثقة بخلوّها من الفيروسات. فجأة بدا دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وشي جين بينغ في سفينة فشل واحدة وتائهة، ويمكن ضم آخرين إليهم من مستويات مختلفة كحكام ايران وكوريا الشمالية وسورية واسرائيل، كما لو أنهم فشلوا جميعاً في الاختبار، ولم يعودوا صالحين للحكم، لأن "ما بعد كورونا" يتطلّب عقليات ومفاهيم مختلفة تماماً، وإلا فإن الفيروس التالي في السلالة سيكون بفعل سياساتهم أشد شراسةً.
تلك السياسات ذهبت بعيداً في جشعها، فاتكةً بالإنسان والطبيعة والأرض والمناخ، الى أن جاء الفيروس ليدق جرس الإنذار، فأصبح مستقبل العالم رهن القرارات التي يتخذونها تحت وطأة الجائحة أو يتهيّأون لها بعد العاصفة. صحيح أن الاستنتاجات التي تربط الوباء بـ "غضب السماوات" أو تعطيه تفسيرات دينية ليست كافية ولا مقنِعة، لكن المثير أن حتى التحليلات العلمية تكاد تلامس الغيبيات كالقول بأن الفيروس نتاج الغلاف الكهرومغنطيسي المحيط بالأرض لخدمة "جي 5" أو الجيل الخامس من ثورة الاتصال والمعلوماتية، وعلى افتراض صحّته فإن الأقل اثارة هو التبشير بوجوب "التضامن الدولي" للقضاء على الوباء، وبالأخص لمواجهة ما بعده. فمنذ أسابيع يجري تداول فكرة جلسة مخصصة لـ "أزمة كورونا" في مجلس الأمن. ذاك أن هناك صعوبات شديدة، وأن الانقسامات في قمة المجتمع الدولي لا تتيح سوى "تضامن" لفظي كاذب، فالجميع يعاني كارثية الوباء ولا يريد الاعتراف بوطأته واستثنائيته لئلا يضطر الى تنازلات.
لعل التفكير في قمة للدول الخمس الكبرى يحاول استنساخ نوع من "يالطا جديدة" كما لو أن هذه الدول تعيش نهاية مرتقبة لحرب عالمية. غير أن الصراع قائم فعلياً بين ثلاثة منها هي اميركا والصين وروسيا، وهو ما عطّل المجتمع الدولي والقانون الدولي. فرنسا وبريطانيا موجودتان ومؤثّرتان في المعادلة لكنهما لا تتحكّمان بالاستراتيجيات بل تتفاعلان معها سلباً أو ايجاباً. "يالطا" قد تعني تقاسماً جديداً للنفوذ، ولا تبدو اميركا (+ الاتحاد الأوروبي) جاهزة له، كما أنه لم يعد يقتصر على الجوانب السياسية والعسكرية فحسب بل يمتد الى المجالات الاقتصادية. لكن "يالطا" هذه لا تعني "الوفاق الدولي" الذي يجري البحث عنه، لأن أي وفاق حقيقي سيضع على المحك جملة استحقاقات: التعاون للقضاء على الفيروس بعد محاصرته والاستباق المستقبلي لأي أوبئة، السباق الى أسلحة الدمار الشامل، مصير سياسة العقوبات كرديف للحروب المباشرة وبديل منها، تحكّم اميركا بالنظام المالي العالمي، استجابة متطلبات معالجة أزمة المناخ، النظام الاقتصادي وهيكلة قطاعات الصناعة والطاقة والتجارة...
في كلٍّ من هذه المجالات يبدو العالم مرشّحاً لتغييرات واسعة، وإذ ركّز هنري كيسنجر على أولويتي التعامل مع الوباء وأضراره الاقتصادية، إلا أن حضّه اميركا على "حماية مبادئ النظام العالمي الليبرالي" كأولوية ثالثة شكّل إشارة الى مخاطر تهدّد الحفاظ على هذا النظام وحمولتيه الرئيسيتين (الديموقراطية والحرّيات). ولا شك أن انكفاء هذا النظام سيكون من أسوأ الانعكاسات على الدول التي تشهد نزاعات مسلحة وسعياً الى أنظمة غير استبدادية. هذه الدول قد تفقد في السياق الكوروني الكثير من الاهتمام الدولي، فقضاياها أصبحت لتوّها ثانوية، ومن شأن أي ترتيبات دولية لمرحلة "ما بعد كورونا" أن تدفع الى تسويات الأمر الواقع لتسكين النزاعات من دون حلّها. هذا مع افتراض أن القوى الكبرى لن تعود بحاجة اليها كساحات لحروبها بالوكالة...

ما الذي سوف يُولَد؟

أبريل 04, 2020 اضف تعليق


جاك أتَّالي 
ترجمة غازي ابو عقل  
لا يوجد اليوم ما هو أكثر إلحاحاً من السيطرة على الجائحتين، الصحية والاقتصادية، المُنهالتَين على العالم كما تسونامي. وليس من المضمون أن نتوصَّل إلى السيطرة عليهما، ولئن أخفقنا فإن أعواماً كالحة جداً تنتظرنا. وقد لا يكون حدوث الأسوأ مؤكداً، ومن أجل استبعاد الأسوأ ينبغي لنا النظر بعيداً، وراءنا وأمامنا من أجل فَهم ما الذي يحدث هنا.
أدّى كل وباء كبير منذ ألف عام إلى تبدلات جوهرية في التنظيم السياسي للأمم، وفي الثقافة التي تُوجهه.
على سبيل المثال (ومن دون الرغبة في إزالة تعقيدات التاريخ) يمكننا القول إن الطاعون الهائل الذي حدث في القرن الرابع عشر والذي قضى على ثلث سكان أوروبا، قد أسهم في تجريم المكانة السياسية لما هو ديني وإلقاء تَبِعة ما جرى للقارة العجوز عليه. كما أدى إلى إحداث الشرطة POLICE كشكل وحيد فاعلٍ. قادرٍ على حماية حياة البشر.
وُلدت عندئذ الدولة الحديثة والتفكير العلمي كنتيجة لموجات الصدمة التي أطلقتْها هذه المأساة الصحية الهائلة. يُحيلنا هذان الحدثان إلى المصدر نفسه: اتهام سلطة الكنيسة الدينية والسياسة العاجزة عن إنقاذ حياة الناس، كعجزها عن إعطاء  معنى إلى الموت. هكذا حَل الشرطي محلٍ الكاهن.
وسار الأمر على المنوال نفسه في نهاية القرن الثامن عشر عندما حَلَّ الطبيب محلَ الشرطي لكونه أفضل واقٍ ضد الموت.
انتقلنا إذن في بضعة قرون من السلطة المؤسسة على الإيمان إلى السلطة المؤسسة على احترام القوة، ثم إلى سلطةٍ فاعلةٍ قائمة على احترام دولة القانون.
بوسعنا تقديم أمثلة أخرى، لنجد أنه في كل مرةً حلَّت فيها جائحةٌ في قارةٍ ما، يقضي الوباءُ على رصيد أُنظومتيّ الاعتقاد والسيطرة، لعجزهما عن منع موت أعداد ضخمة من الناس، فينتقم الناجون من أسيادهم ويقلبون العلاقة بالسلطة والسيادة.
وإذا تبين اليوم أيضاً عجزُ السلطات القائمة في الغرب عن السيطرة على المأساة التي بدأت، فإن أنظومة السلطة والأسس الإيديولوجية التي تسندها سوف توضع موضع الاتهام لكي يتم استبدالها بعد مرور مرحلة مظلمة، بأنموذج جديد قائم على سلطة مختلفة، وعلى الثقة بأُنظومة قيم مختلفة.
بتعبير آخر، فإن أنظومة السيادة المؤسَسة على حماية الحقوق الفردية يمكن أن تنهار، ومعها الآليتان (التركيبتان) اللتان وضعتهما موضع التطبيق: السوق والديموقراطية. هذه وتلك من طرائق إدارة تقاسم المصادر النادرة مع احترام حقوق الأفراد.
لئِن أخفقت الأنظومات الغربية فقد نشهد قيام أنظمة سيادية للرقابة تستعمل بفاعلية كبيرة تقانات الذكاء الاصطناعي، لا هذه فحسب، بل قد نشهد قيام أنظمة سلطوية لتقاسم المصادر. (بدأ هذا الأمر في أقل الأماكن استعداداً لقبوله والأقل شبهة بوجود التقنين: في مانهاتن نيويورك، ففي يوم أمس ما كان يحق لأي شخص شراء أكثر من حصتين من الرز). لحسن الحظ هناك درس آخر مُستخلص من هذه الأزمات، هو أن الرغبة في الحياة هي الأقوى دائماً. وأن البشر في نهاية المطاف يقلبون كلَ ما يمنعهم أو يُعيق تَمتعهم باللحظات القليلة التي يعيشونها على هذا الكوكب.
عندما يبتعد الوباء أيضاً، هل سنرى ولادة شرعية جديدة للسلطة لن تكون مؤسسة لا على الإيمان ولا على القوة ولا على العقل ولا على المال الذي يُعَد التحول النهائي للعقل (أو التجسيد الأعلى له). (لكننا لن نراها إلا بعد مدةٍ من وضع السلطة موضعَ اتهام عميق، وبعد طَور من نكوصٍ وتقهقر سيادي لأجل الحفاظ على بقاء حلقات الحُكْم في مكانها، وبعد شعور مائعٍ بالارتياح).
سوف تعود السلطة السياسية إلى أولئك الذين يعرفون أن يبرهنوا أكثر من غيرهم عن التعاطف الوجداني مع الآخرين. وسوف تكون القطاعات الاقتصادية المهيمنة هي أيضاً الأكثر تعاطفاً: الصحة والاستضافة والتعليم والغذاء والبيئة. بالاعتماد بشكل مؤكد على الشبكات الكبرى لانتاج الطاقة والمعلومات وتداولهما، وهو الأمر الضروري في سائر الاحتمالات.
سوف نكف عن شراء الحاجات غير المفيدة بشكل جنوني، ونعود إلى المهم والحيوي وهما استعمال وقتنا على أفضل الأشكال ونحن على هذا الكوكب بعد أن نكون قد تعلَمّنا الاعتراف بأنه أندر الامور وأثمنها. 
إن دورنا هو العمل على أن يكون هذا الانتقال بصورة معتدلة، من دون المرور في أرض يباب ملآى بالأنقاض. وكلما أسرعنا في وضع هذه الخطط بعيدة المدى (الاستراتيجيات) موضعَ التنفيذ كلما تخلصنا بنجاح من هذه الجائحة ومن الأزمة الاقتصادية الرهيبة التي سوف تأتي بعدها.
ترجمة غازي أبو عقل
*جاك أتالي: مستشار الرئيس الفرنسي ميتيران سابقاً*

تجاوز الحدود؛ الخطوة التالية نحو الجحيم!*

أبريل 04, 2020 اضف تعليق

سلمان رشدي
إن أثمن كتاب أملكه هو جواز سفري. وقد يبدو هذا شيئًا مغالًى في تقديره، مثل معظم المزاعم الجلية. فجواز السفر، في نهاية الأمر، ليس إلا غرضًا عاديًا.
ربما لا تولي جواز سفرك كثيرًا من اهتمامك معظم الوقت. إنه وثيقة سفر مهمة، تحاول ألا تفقده، وصورتك فيه مروعة، وتاريخ انتهاء صلاحيته قريب. يتطلب جواز السفر، عمومًا، قدرًا معتدلًا من الاهتمام والرعاية نسبيًا. وحين يتعين عليك إظهاره، في نهاية كل رحلة، فإنك تتوقع أن يؤدي مهمته دون أدنى متاعب. أجل أيها الشرطي، هذا أنا، أنت محق إذ أبدو باللحية مختلفًا بعض الشيء، شكرًا لك أيها الشرطي، نهارك سعيد أنت أيضًا. جواز السفر ليس أمرًا ذا أهمية، فهو غرض عادي، إنه ليس سوى هوية.
صرت مواطنًا بريطانيًا منذ أن كنت في السابعة عشرة من عمري، وقد أدى جواز سفري مهمته بكفاءة وبهدوء لوقت طويل حتى الآن، غير أنني لم أنس يومًا أن ليس كل جوازات السفر تعمل على هذا النحو. فجواز سفري الأول مثلًا، الهندي، كان شيئًا جديرًا بالازدراء. إذ أوضح بلغة بيروقراطية كئيبة أنه صالح للسفر إلى قائمة محددة –وقصيرة للغاية– من البلدان، عوضًا عن أن يتيح لحامله الدخول إلى أي مكان في العالم مثل عبارة "افتح يا سمسم".
وعند التحقق، يكتشف المرء أن هذه القائمة تستثني غالبًا أي بلد يود المرء فعلًا السفر إليه. بلغاريا؟ رومانيا؟ أوغندا؟ كوريا الشمالية؟ لا مشكلة. الولايات المتحدة؟ إنجلترا؟ إيطاليا؟ اليابان؟ نأسف يا صاحبي. هذه الوثيقة لا تخولك بعبور هذه البوابات. ولا بد من التقدم للحصول على إذن لزيارة البلدان الجذابة، وقد قيل بوضوح إن الإذن لا يمنح بسهولة.
كانت العملات الأجنبية مشكلة، إذ تعاني الهند من نقص فيها دومًا، وترفض أن يقل مخزونها أكثر. أما المعضلة الأكبر فقد تجلت في كون كثير من بلدان العالم الجاذبة نافرة من فكرة السماح لنا بالزيارة. وقد خلقت فيما يبدو العرف المربك في أننا لن نرغب بالرحيل عنها حال وصولنا إليها. كان "السفر"، بالمنطق الغربي للبحث عن الحظ السعيد، والسعي وراء اللذة ومتابعة المصالح، والتمتع بالإجازات،رفاهية لا تتهيأ لنا في الهند. فقد نمنح الإذن، إن كنا محظوظين، للذهاب في رحلات ضرورية جدًا. أو ألا نحصل على ذلك الإذن، إن لم يحالفنا الحظ، لأن حظنا سيء فحسب.
في كتاب ﭪ. س. نايــﭘول عن رحلاته في العالم الإسلامي "بين المؤمنين"، يعترف شاب كان يأخذ الكاتب في جولة في أنحاء باكستان بأنه لا يملك جواز سفر، ويصرح بلهفته للحصول على واحد لرغبته الشديدة في السفر خارجًا واكتشاف العالم. فيقول نايـﭘول، بطريقة لاذعة قليلًا، إنه من العار أن تكون الحرية الوحيدة التي يبدو أن هذا الشاب يهتم بها هي حرية مغادرة البلاد.
حين قرأت هذ المقطع أول مرة قبل سنوات، انتباتني رغبة ملحة في الدفاع عن هذا الشاب ضد ازدراء هذا الكاتب الشهير. فمن ناحية أولى الرغبة بالخروج من باكستان، وإن كان خروجًا مؤقتًا، هي رغبة يتعاطف معها الجميع. ومن ناحية أخرى وأهم، الأمر الذي يرغب به الشاب- حرية الحركة عبر الحدود- الأمر الذي يقلل نايـﭘول من شأنه، هو الأمر نفسه في نهاية الأمر الذي مكّنه من تأليف الكتاب الذي ورد فيه الاستنكار.
لقد أمضيت يومًا عند حاجز الهجرة في مطار هيثرو، أراقب معاملة موظف الهجرة للقادمين. ولم يدهشني أن أرى أن معظم المسافرين الذي واجهوا بعض المتاعب في عبور نقطة التفتيش لم يكونوا من البيض، بل كانوا سودًا أو لهم ملامح عربية.
أما الأمر المدهش فقد كان عاملًا واحدًا تجاوز معضلة اللون الأسود أو الملامح العربية. وكان ذاك العامل امتلاك جواز سفر أمريكي. فما إن تظهر جوازًا أمريكيًا، حتى يصاب موظف الهجرة بعمى الألوان ويلوح لك لتمضي في طريقك، مهما تكن ملامحك غير القوقازية مثيرة للريبة. يبدو الانفتاح على هذا النحو مرغوبًا لدى أولئك الذين ينغلق العالم في وجوههم، وقد لا يشعر بقيمة هذا الانفتاح أولئك الذين يرونه من حقهم بموجب القانون. فأنت لا تتوق للهواء إن كان لديك ما يكفي لتنفسك، ولكن ما إن ينقص مقدار الهواء الصالح للتنفس، فسرعان ما تبدأ بملاحظة أهميته. (والحرية مثله أيضًا).
أما السبب الذي كان وراء حاجتي إلى جواز هندي، محدود القدرات كما كان، فهو انبثاق حد جديد بعد ولادتي بثمانية أسابيع، قُسمت عائلتي إلى نصفين بسببه. منتصف الليل، 13-14 أغسطس عام 1947: أعلن انفصال شبه القارة الهندية، وولادة الدولة الجديدة باكستان، قبل أربعة وعشرين ساعة بالضبط من استقلال بقية المستعمرة البريطانية سابقًا.
تأجلت لحظة حرية الهند بناء على نصيحة عدد من المنجمين، الذين أبلغوا جواهر لال نهرو أن التاريخ السابق كان نذير سوء، وسيتيح التأجيل للولادة أن تحدث تحت سماء منتصف ليل أكثر بِشرًا. كان لعلم الفلك حدوده بلا شك، وقد أكد خلق الحد الجديد أن ولادة كلتا الأمتين كانت عسيرة ودموية.
كانت عائلتي الهندية المسلمة محظوظة، إذ لم يصب أحد منا أو يقتل في مذابح الانفصال. غير أن حياتنا جميعًا قد تغيرت، حتى حياة ولد له من العمر ثمانية أسابيع وأخواته اللاتي لم يولدن بعد وأبناء عمومته الأحياء والمستقبليين، وكل أولادنا أيضًا. فلم يكن أحد منا ليكون من هو عليه لو لم يرسم هذا الخط على أرضنا.
كان أحد أعمامي، هو زوج خالتي الصغرى، جنديًا، وكان يخدم في وقت الاستقلال بوصفه ضابطًا مرافقًا للمارشال السير كلود أوشنلك، المسؤول عن مغادرة الجيش البريطاني للهند.
كان أوشنلك، الشهير بـ "أوك"، ضابطًا لامعًا. وقد كان مسؤولًا عن إعادة بناء الجيش البريطاني في شمال أفريقيا بعد خسارته على يد إرون رومل، وبناء معنوياته وتهيئته ليكون قوة حرب جبارة، غير أنه وونستن تشرشل لن يحبا بعضهما بعضًا، فأزاحه تشرشل من قيادته في أفريقيا وأرسله ليشهد زوال الإمبراطورية في الهند، متيحًا لخليفته، المارشال برنارد مونتغمري، أن يجني مجد عمل أوشنلك كله بهزيمة رومل في معركة العلمين.
كان أوشنلك واحدًا من المارشالات القلة الذين شهدوا الحرب العالمية الثانية وقاوموا إغراء نشر مذكراتهم، لذا فإن هذه القصة قد تناهت إلي من عمي، مرافقه، الذي صار لاحقًا جنرالًا في الجيش الباكستاني ووزيرًا في الحكومة الباكستانية لبعض الوقت أيضًا.
أخبرني عمي الجنرال قصة أخرى، أيضًا، أثارت موجة اهتمام حين نشر مذكراته. فقد آمن أوك، بحسب قوله، أنه يستطيع إيقاف مذابح الانفصال إن سمح له بالتدخل، وقد زار رئيس الوزراء البريطاني، كليمنت أتلي، لطلب السماح له بفعل ذلك.
كان رأي أتلي، صوابًا كان ذلك أم خطأً، يقضي بأن مدة الحكم البريطاني في الهند قد انقضت، وأن سلطة أوشنلك لم تكن سوى استشارية انتقالية، ولذا فليس عليه فعل شيء. ليس للقوات البريطانية أن تتورط في هذه الأزمة الهندية الباكستانية، وأن عدم التدخل هذا كان الإجراء الأخير للبريطانيين في الهند. أما رأي جواهر لال نهرو ومحمد علي جنه في عرض مساعدة بريطانية فلم يدون، ومن الممكن أنهما لم يكونا ليوافقا، ولربما لم يسألهما أحد ذلك. أما بخصوص الضحايا، فلا يمكن لأحد أن يتفق على عددهم، مئة ألف؟ نصف مليون؟ لا يمكننا أن نعرف، فلم يكن أحد يحصي الأرواح.
كنا نسافر أنا وأبويّ وأخواتي بين باكستان والهند – بومباي وكراتشي- بحرًا أثناء طفولتي. وكانت الباخرات التي تقطع هذا الطريق زوجًا من الدلاء الصدئة، سابارماتي وساراسـﭭـاتي. كانت الرحلة حارة وبطيئة، وكانت القوارب تقف لأسباب مجهولة لساعات على ساحل ران كوتش، حيث كانت بضائع مجهولة تنقل بين البلدين؛ بضائع مهربة وتخيلت بحماس أنها ذهب أو أحجار كريمة. (كنت شديد البراءة للتفكير بالمخدرات).
حين وصلنا كراتشي، دخلنا عالمًا أغرب بكثير من ران المهربين السبخة الغامضة. إذ كانت صدمة لنا على الدوام، نحن أطفال بومباي، المعتادين على الانفتاح الثقافي السهل وتنوع مدينتنا الحضرية، أن نتنشق هواء كراتشي القاحلة المجدبة، ذات الثقافة الأحادية المنغلقة  ضيقة الأفق. كانت كراتشي مملة (هذا، بالطبع، قبل أن تتحول إلى حاضرة مسلحة كالتي غدتها الآن، يقلق فيها رجال الشرطة والجنود، الذين لم يُشتروا، من أن يكون سلاح مجرمي المدينة أفضل من سلاحهم. ما زالت مملة، فليس من مكان يُرتاد ولا شيء يُفعل، غير أنها صارت مخيفة الآن أيضًا). كانت بومباي وكراتشي قريبتين جدًا من بعضهما بعضًا جغرافيًا، وكان أبي، مثل الكثير من مجايليه، يتنقل بينهما طوال حياته. ثم، فجأة، صارت كل مدينة غريبة تمامًا عن الأخرى عقب الانفصال.
تباعدت المسافة بين المدينة وأنا أكبر، كأنما خط الحدود الذي أوجده الانفصال قد قطع الأرض في جنوب آسيا، مثلما يقطع خيط مشدود قطعة جبن، قاطعًا باكستان حرفيًا من أرض الهند، حتى أنها تستطيع أن تطفو ببطء عبر بحر العرب، كما تطفو شبه الجزيرة الإيبيرية بعيدًا عن أوروبا في رواية خوسيه ساراماغو الطوف الحجري.
كانت العائلة تجتمع دومًا في طفولتي، مرة أو اثنتين في السنة، في منزل جديّ لأمي في ألغرا في ولاية أتر ﭘاردش شمالي الهند. أبقتنا اجتماعات العائلة معًا، ثم انتقل جداي إلى باكستان، وضاع بيت ألغرا وانتهت الاجتماعات، وأخذ الفرعان الباكستاني والهندي للعائلة يتباعدان. كلما التقيت بأبناء خؤولتي، اكتشفت أكثر مدى اختلافنا، ومدى اختلاف بديهياتنا. صار من السهل ألا نتفق؛ ومن الأسهل أن يطبق المرء فمه، حفاظًا على سلام العائلة.
كنت أرى نفسي، بوصفي كاتبًا، محظوظًا على الدوام، لأنني نشأت عالمًا بشيء عن كل من الهند وباكستان، بفضل أحداث حياة عائلتي. ووجدت نفسي كثيرًا ما أوضح المواقف الباكستانية للهنود والعكس بالعكس صحيح، معترضًا على التحامل الذي غدا متأصلًا في كلا الجانبين حين كانت باكستان تزداد بعدًا عبر البحر. 
لا أستطيع القول إن جهودي كللت بالنجاح الهائل، أو إنني كنت قاضيًا متجردًا تمامًا. كرهت الطريقة التي صرنا بها، هنودًا وباكستانيين، آخرين لكل منا، كل منا يرى الآخر كما يراه عبر الزجاج، مهددًا، وكل منا ينسب للآخر أسوأ الدوافع وأخس الطباع. أكره ذلك، لكني كنت أقف على الجانب الهندي في نهاية الأمر.
كانت واحدة من خالاتي تعيش في كراتشي أثناء الانفصال، وكانت صديقة مقربة لشاعر شهير يكتب بالأردو، فايز أحمد فايز (1911-1984). كان فايز أول كاتب عظيم ألتقيه في حياتي، وقد علمني من خلال أعماله وحواراته مهمة الكاتب التي آمنت بها تمامًا. كان شاعرًا غنائيًا مدهشًا، ولحنت معظم قصائده الغزلية، وتهيأ له ملايين المعجبين، حتى في أغنياته الواقعية غير العاطفية:
لا تطلبي مني يا حبيبتي
 الحب الذي حملته لك يومًا
إنك ما تزالين جميلة يا حبيبتي
لكني عاجز
لأن في العالم أحزان أخرى سوى الحب
ومسرات أخرى أيضًا
لا تطلبي مني يا حبيبتي
الحب الذي حملته لك يومًا
لقد أحب بلده أيضًا، غير أن إحدى أفضل قصائده عن بلده، خيبة أمل غنائية، كانت من وجهة نظر منفيّ مغترب. كانت هذه القصيدة، التي ترجمها آغا شهيد علي، قد طبعت على ملصقات علقت في محطات قطار الأنفاق في نيويورك قبل عدة سنوات، مانحة السعادة لكل من يحب الشعر الأرديّ:
تسألني عن البلد الذي فرت تفاصيله مني
لست أذكر جغرافيته، ولا شيئًا من تاريخه
وإن زرته في ذاكرتي
سيكون مثل حبيب من الماضي
بعد سنوات، ولليلة واحدة، لم أعد جزعًا من الحب
ولا أشعر بالخوف من الندم.
فقد بلغت من العمر الذي يسمح للمرء بزيارة القلب بدافع المجاملة.
إلى جانب كونه شاعرًا صلبًا في الحب العاطفي والوطني، كان فايز شخصية سياسية وكاتبًا معروفًا أيضًا، مركزًا على المسائل الجوهرية في عصره في شعره وخارجه معًا. صار هذا المفهوم المزدوج لدور الكاتب، خاص في جزء وعام في جزء، واضح في جزء وغامض في آخر، مفهومي أنا أيضًا، والفضل في ذلك يعود في جزء كبير منه إلى تأثير فايز. لم أشاركه قناعاته السياسية، وبخاصة إعجابه بالاتحاد السوﭭـييتي الذي منحه جائزة لينين عام 1963، إلا أنني وافقته في رؤيته لمهمة الكاتب، أو ما ينبغي لها أن تكون.
إلا أن هذا كله حدث بعد سنوات عديدة. ربما لم يكن لفايز أن ينجو من أحداث الشغب التي أعقبت الانفصال عام 1947  لولا خالتي.
لم يكن فايز شيوعيًا فحسب، بل كان ملحدًا صريحًا. كانت الأيام التي تلت ولادة الدولة المسلمة أيامًا خطرة، حتى على الشاعر المحبوب جدًا. جاء فايز إلى منزل خالتي عالمًا بوجود عصابة غاضبة تبحث عنه، وأن الأمور لن تكون على ما يرام إن هم عثروا عليه. كان تحت البساط في غرفة الجلوس بويب يقود إلى القبو. أزاحت خالتي البساط ونزل فايز إلى القبو، وأغلق البويب ثم أعيد البساط. وجاءت العصابة في طلب الشاعر ولم تجده.
كان فايز بأمان، وواصل استفزاز السلطات والمؤمنين بأفكاره وقصائده- ارسم خطًا على الأرض وسيشعر فايز أنه ملزم بتخطيه- واضطر فايز نتيجة لذلك أن يقضي أربع سنوات في السجون الباكستانية في الخمسينيات من القرن الماضي، وهي ليست أفضل السجون في العالم. استلهمت بعد سنوات ذكرى ما حدث في بيت خالتي في فصل من روايتي أطفال منتصف الليل، غير أنها قصة حقيقية لشاعر حقيقي، أو بالشكل الذي وصلتني به على الأقل عن طريق أساطير العائلة غير الموثوقة تمامًا، قد تركت أثرًا عميقًا في نفسي.
 ولكوني ولدًا صغيرًا، صغيرًا للغاية لمعرفة عمل فايز أو حبه، أحببت الرجل عوضًا عن ذلك؛ بدفء شخصيته، والجدية الوقورة التي كان يولي بها اهتمامه للأطفال، والابتسامة الملتوية على وجهه الشبيه بوجه الجد في مسلسل الوحوش. بدا لي حينئذ، وأؤمن بذلك الآن، أنني سأعترض قطعًا، أيًا كان الخطر الذي يحدق به. إن كان الانفصال الذي أنشأ باكستان قد أرسل هذه العصبة للقبض عليه، فإنني ضده إذًا. وحين بلغت من العمر ما يخولني قراءة الشعر لاحقًا، وجدت الدليل. يبدأ فايز قصيدته "صباح الحرية"، التي كتبها في الساعات الغراء من منتصف الليل في منتصف أغسطس من عام 1947، بقوله:
هذا الضياء الدنس، هذا الفجر الذي هزمه الليل
هذا ليس الفجر الذي انتظرناه.
تنتهي القصيدة ذاتها بوعيد وإنذار:
زمن تحرر القلب والعقل
لم يحن بعد
امضِ في رحلتك
اضغط زر التشغيل، ما زالت الوجهة بعيدة.
كانت آخر مرة رأيت فيها فايز في حفل زفاف أختي، وآخر ذكرى مبهجة لدي عنه هي اللحظة التي شرب فيها نخب العريسين، رافعًا كأسًا تطفح بالوسكي ومكعبات الثلج، بوجود المتشددين المتزمتين تمامًا الذين حبسوا أنفاسهم.
يبدو فايز في خيالي مثل جسر بين عالم الواقع وعالم المجاز، أو مثل ﭭرجيل يرينا نحن الدانتيين المساكين الطريق نحو الجحيم. إن تجاوز الخطوط المجازية مهم بقدر تجاوز الخطوط الحقيقية.
إن تجاوز الحدود واللغة والجغرافيا والثقافة، وتفحص الحدود بين عالم الأشياء والأفعال وعالم الخيال، وتخفيض الحدود التي أوجدتها مختلف أنواع الرقابة الفكرية في العالم، كانت هذه المسائل هي صلب المشروع الثقافي الذي منحته لي ظروف حياتي، أكثر من كوني اخترته لأسباب ثقافية أو "فنية".
ولكوني ولدت أتحدث لغة "الأردو"، فقد جعلتُ حياتي وعملي بأخرى. سيفهم أي امرئ تجاوز حدود اللغة على الفور أن رحلة كهذه تتطلب شكلًا من التحول أو ترجمة الذات. فتغيير اللغة يغيرنا. تتيح كل اللغات أشكالًا مختلفة من التفكير والخيال واللهو. وأجد أن لساني يفعل أمورًا باللغة الأردية تختلف قليلًا عما أفعله "بلسانك أسفل حنجرتي"، إن أمكنني استعارة عنوان قصة لحنيف قريشي.
عددّ أعظم كاتب على الأطلاق نجح في تجاوز حدود اللغة، ﭭـلاديمير ناﭘـوكوﭪ، في كتابه "ملاحظات على الترجمة"، "درجات الشر الثلاث التي يمكن إدراكها في العالم الغريب للهجرة اللفظية". كان يتحدث عن ترجمة الكتب والقصائد، ولكن حين كنت أفكر وأنا كاتب شاب بترجمة الموضوع الكبير للهند إلى الإنجليزية، وكيف أتيح للهند نفسها أن تقدم على فعل "الهجرة اللفظية"، بدت درجات الشر الناﭘـوكوﭭـية مناسبة.
كتب ناﭘـوكوﭪ: "تتألف أولاها وأدناها من الأخطاء الواضحة العائدة إلى الجهل أو المعرفة المضللة. وهذا خطأ بشري، لذا فإنه مقبول". كانت الأعمال الغربية التي تطرقت إلى الهند مليئة بأخطاء من هذا القبيل. وسأذكر اثنين فقط؛ مشهد في فيلم الطريق إلى الهند لديـﭭد لين الذي يظهر فيه د. عزيز يقفز إلى سرير فيلدنغ ويقاطع ساقيه دون أن يخلع حذاءه، هفوة سيجفل منها أي هندي فزعًا. والمشهد الآخر الأكثر إضحاكًا الذي يجلس فيه ألك غينيس، بشخصية غودبول، على حافة الخزان المقدس في المعبد الهندوسي ويدلّي رجليه في الماء.
يقول ناﭘـوكوﭪ: "الخطوة التالية نحو الجحيم يخطوها المترجم الذي يتجاوز الكلمات أو المقاطع التي لا يتجشم عناء فهمها أو التي تبدو غامضة أو خليعة للقراء المتخيلين". كان الواقع الهندي قد تعرض للتخطي على هذا النحو لوقت طويل، أو هذا ما شعرت به، لدى كتّاب لم يكونوا مهتمين بشيء بسوى التجارب الغربية للفتيات الإنجليزيات في الهند الباحثات عن المهراجا، أو اللاتي اعتدى عليهن، أو لم يعتد عليهن، رجال ليسوا مهراجات، في حدائق ليلية، أو كهوف تردد الصدى، مكتوبة بأسلوب كلاسيكي بارد. وإن كان ثمة شيء لا تتسم به الهند، فهو البرود والكلاسيكية. إن الهند حارة وسوقية، كما أرى، وهي بحاجة إلى "ترجمة" أدبية تحفظ لها طبيعتها الحقيقية.
أسوأ جرائم الترجمة وأشنعها، في رأي ناﭘـوكوﭪ، التي يسعى فيها المترجم إلى تحسين الأصل "مجملًا إياه ليتماشى مع أفكار جمهور مفترض وأحكامه المسبقة". إن إضفاء طابع سحري على الهند، و"تجميل الوضيع فيها" هو أكثر ما بغضه الهنود. وقد انتهى هذا لحسن الحظ، ودفنت الهند بلاد الفيلة والنمور وطيور الطاووس والزمرد والراقصات، إذ يستحضر جيل من الكتاب الهنود الموهوبين الذين يكتبون بالإنجليزية نسخًا متعددة من الواقع الهنديبإنجليزيتهم ، وبدأت هذه النسخ العديدة، بالنظر إليها في مجموعها، بإضافة شيء يمكن للمرء أن يسميه الحقيقة. 
_____
*العنوان مستوحى من النص. 
ترجمة بثينة الإبراهيم

مشاركة مميزة

روجر ألن: حِكايتي العربية

مبارك السريفي روجر ألن من أهم المستعربين الأميركيين المعاصرين. أرتبط اسمه بترجمات ناجحة لعدد من الروايات العربية من بينها روايات نجيب ...