عن الشاعر اللبناني الراحل محمد العبد الله قبل ثلاث سنوات

نصري حجاج

في لقاء أخير، حدث مصادفة قبل عامين، أو أقل، في شارع الحمراء في بيروت، دعانا محمد العبدالله إلى الخيام، بلدته الجنوبية الشهيرة، بلدة شعراء ومثقفين كثيرين. كان يحلو لمحمد أن يقول لي إن الخيام رمية حجر من بلدكو يا خيي.. كانت تلك الدعوة ذروة ما يمكن أن تصل إليه محبة غير معلنة، كنت أخشى، في أوقاتٍ سابقة، من أنها غير موجودة أصلاً. تحدثنا في تلك الأمسية عن الشعر، وعن ياسر عرفات، وعن حقوق الشعراء المهدورة لدى المغنين. كنت أتابع ما يكتب محمد العبدالله شعراً ومقالاتٍ في الصحف، وكنت دائماً أرى تميّزه بين الشعراء، فقد استطاع أن يكمش بين يديه كل حميمٍ وشخصيٍّ ورقيق وحزين، يغلي في جسده المهيب. كلما رأيته جالساً في مقهى، أو حانةٍ، أتذكّر إرنست همنغاوي. كان يشبهه إلى حد كبير، وكأن همنغاوي يحمل سمات وجه فلاح جنوبي، لوّحت شمس الجنوب وجهه، وتسرّب التراب الأحمر في الظلال التي تحيط بالحيّز الذي يحتله في المدينة. كانت العلاقة مع بيروت لكثيرين من مثقفي الجنوب، في الستينيات والسبعينيات، ملتبسةً يتخللها خليط من مشاعر الخوف والصراع والجموح، ومحاولة تأكيد الذات، ليس ضمن فئةٍ ثقافيةٍ، بقدر ما كانت مع صورة المدينة عن نفسها. صورة بيروت التي صنعتها رياحٌ هبّت من كل صوبٍ وحدبٍ، حتى ولو لم تكن، في أحيان كثيرة، رياحاً عاصفةً، أو حاملةً لبذور الخصب. 
كنت أحب هذا الشاعر الوسيم، بجسده الضخم وضحكته الصاخبة المحببة، وشهيته الحيوية للطعام والشراب. يجلس هناك في "شي أندري"، يأكل ويحتسي العرق، بمتعةٍ لا حدود لها، وكأن العرق صُنع، منذ الأزل، لمتعته هو لا غيره، ويضحك فيهتز بدنه كله دفعة واحدة، وكأن الضحك لا يكون ضحكاً عبقاً، إذا لم يخرج من صدر عريضٍ كصدره، كي يدل الفرح، المؤقت ربما، إلى دروب الندماء الجالسين في ظلال بؤسهم. وحين تأتي امرأةٌ يحبها، يتحول إلى عاشقٍ رقيقٍ، وفي لحظة يصير طفلاً وديعاً. 
لم أذهب إلى الخيام لزيارته، فقد أخذتني الحياة بعيداً عنه، وعن الخيام. لكني تابعت، بكل الحزن، ما أصابه في الشهور الأخيرة، إلى أن جاء خبر موته الفاجع، فندمت، لأنني لم أذهب إلى الخيام. ليس من السهل أن تكتب عن شعره غير جملة واحدة. أنا أحب شعر محمد العبدالله، وأحب لغته، وأحب الينابيع التي سقى منها كلماته، لتصير بهذه البراءة والشجن العصيّ على شعراء.كثيرين. وهو الذي تكرّرت، في قصائده، جملة سيلتفت إليها قراء شعره والنقاد اليوم، وهي تفصح عن وجله وبراءته في الكتابة، وصدقه وشفافية روحه. انظروا إلى وصفه ما يريد أن يقول: كما يكتب الشعراء، أو كما يصف الشعراء! وكأن محمد العبدالله ينسحب من بوتقة الشعراء، ليُبرز تفرّده وخصوصيته، أو ليقول إن ما يكتبه أبعد من الشعر، وأقرب إلى الروح الصافي والعذوبة الخالصة في اختلافها، وقربها من الأرواح المحيطة به. 
ربما يصنّف محمد العبدالله ضمن دائرة الوصف المستهلك منذ زمن، أي شعراء الجنوب، لكنه وإن كان يغرف بيديه الكبيرتين من مفردات التراب والهواء والحدود القاسية، فهو، في كتاباته المتنوعة السمات والأشكال، يختلف عنهم جميعاً في محامله اللغوية، والأسرّة التي صنعها للقصيدة كي تنام هادئةً مطمئنة، لتعيش أحلامها التي لا تشبه غير حلم الذوبان في مداراتٍ زاهيةٍ بأحزانها الخفية، ومزهوةٍ برغبتها في الحياة، بكل متعها وشبقها ورشفاتها من كأسٍ سوف تشعر بالوحدة على رحيل صاحبها. 
هذا شاعر وإنسان رحل، وكنت أتمنى لو أنني كنت قادراً على الإيغال في كل كلمةٍ من الكلمات التي تركها، تلك الحزينة في صفائها، والصافية في حزنها، لأكتب رثاءً يليق بما وصل إليّ منها من حزن، لكنني أجد نفسي عاجزاً تماماً.

ليست هناك تعليقات