728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الثلاثاء، 16 يناير 2018

    راقصة في الرمال... محمد سويد





    "في بيروت الكثير من الضوضاء والقليل من النجوم"، قال الفرنسي جان المنقّب عن الأورانيوم في صحراء بعلبك. جان مغامر وزير نساء. عبارته، النامّة عن ضيق صدره من مدينة بولغ في مديحها، ألقاها في حضرة السيدة أورلوف، خالبة الألباب والأفئدة، حاضنة الطبقة السياسيّة ورجال الشرطة والجواسيس المعششين في بيروت، وشهرتُها الكونتيسة.

    جاء جان إلى لبنان صحبة صديق في مهمّة شملت الصحارى العربية النائمة على ثروات دفينة. وقع صديقه في مصيدة عشائر بعلبك وقطّاع الطرق. اختُطف إثر عثوره على موقع الأورانيوم وتكتّمه عنه. صار التحرّي عنه مدار دسائس دوليّة. من أجل تحريره، يغادر جان إلى بيروت. زيارته لها سبقتها روحات وغدوات لم يؤثر تكرارها في تخفيف انقباضه من ضجيجها. حين أعرب عن استيائه من ضوضائها وقلّة نجومها، كان يعني أرضها وسماءها. لا يسع هاوي الصحراء، مثله، المعتاد على رحابة المدى والأفق غير هجاء المدن الصغيرة ورثاء النجوم. خلافاً له، لا تضمر الكونتيسة ضغينة لبيروت. المدينة والبلد بأسره في قبضتها، مقيمة فيهما منذ أزلٍ يفوقهما قدماً، كأن وجودها سابق عليهما، غادة بيروت ولياليها، ضيفة شرف الساهرين في داراتها الفارهة، سميرة الأثرياء، أنيسة المقامرين، ساحرة الساحرات، كاتمة الأسرار، همزة الوصل برجال المال والجريمة. لا يجرؤ أحد على مسّ شعرة منها، لا قريب، لا غريب، لا يطعن بها العمر ولا تُطعَن من الخلف. تغدُر ولا تُغدَر. خالية الرحمة، دونها الحنين إلى بشر وزمان وأمكنة. أناسها عشّاقها، زمنها لحظة، وأمكنتها بيروت والبحر والجرد والجبل. على رأس الجبل، تسرح في فناء القصر الشوفيّ، تتمشى في أروقته، تنام في أجنحته، تستقبل طالبي عطفها وسائلي معروفها. قصر بيت الدين ملكها ومليكها، ليس من تراث بل من إرثها وأثرها ومجهول أصلها منبتها. أجنبية ظهرها لماضٍ وكنية غامضين. الكونتيسة أورلوف. في اسمها ملمح الشرّ الروسي في سينما الحرب الباردة. الاسم مركّبُ وهم وإيحاء. ما همّ أن يكون روسياً؟ الكونتيسة تحيا بلقبها، سيّدة القصر، سيّدة لبنان في عرف العارفين. كي لا يستغرقني السرد ورشّ الفلفل والبهار على القصّة تحريفاً لوجهتها، ألفُت عناية القارئ البخيل، أقصد الكريم مع رجاء عدم المؤاخذة، إلى أن جان والكونتيسة محض خيال، ورد وصفهما في فيلم مقتبس من رواية كتبها بيار بنوا، نقلها المخرج النمسوي المولد، الفرنسيّ الإقامة والمهنة، ريشار بوتييه إلى الشاشة، معيداً إنتاجها للمرّة الثالثة ملوّنةً بتقنية "سينما سكوب" (1956) بعد النسختين، الصامتة لماركو دو غاستين (1927) والناطقة للسينمائي الطليعي جان إبشتاين (1934). حملت الأفلام الثلاثة مسمّى الرواية "La Châtelaine Du Liban"، وتولّيت تعريبه بما يتلاءم ومضمونه فجعلتُه "كونتيسة لبنان".

    الخيل والإبل والبغدادي
    تحوي نسخة ريشار بوتييه تصنيفاً غريباً للمناطق. تضع جرود بعلبك والبقاع وكثبانهما الرملية ومضارب عشائرهما في خريطة الصحراء العربية. عندما شاهدتُها للمرّة الأولى، التبست عليَّ الخريطة. خلتُ أن البحث عن الأورانيوم واختطاف شريك جان، يدوران في مكان ما من شبه الجزيرة العربية. ودفعت حادثة الخطف جان إلى بيروت. زار خطيبته وتبخّرت سريعاً من حياته، وممّا تبقّى من الفيلم، ما إن ارتمى في حضن الكونتيسة. تجواله في بيروت والجبل وركوبه والكونتيسة موكباً من النوق والأحصنة في البقاع، لا يتركان محلاًّ للريبة في أن الفيلم لم يبدأ من خارج لبنان. جغرافيا الحوادث واحدة في البقاع وبيروت والشوف. عن علم أو جهل، يزيّن الفيلم أن لبنان ليس بلداً وإنما بلاد. في مشهد الراقصة، والعازفين المتحلقين حولها جلوساً على الأرض في الزيّ العربي التقليدي وخلفهم البُسط، تنشغل الراقصة بالموسيقى أكثر مما تكترث للكاميرا وزاوية تصوير الرقصة في المربع الليلي. كأن المصوّر في باريس والراقصة في بيروت، والمشهد مشهدان، أحدهما مرئي والآخر محسوس من بعد.
    فوق العاصمة، تحوم الهليكوبتر ملتفّةً حول فندقي فينيسيا وسان جورج ومنهما إلى "المارتينيز" في عين المريسة. تتركّز عدسة الكاميرا على بقعة زرقاء شبه كوكب الأرض، كما تُرى من عل في مجموعتها الشمسيّة، زرقة الماء في مسبح يتوسط مقهى شاسعاً لمّ حشداً من روّاده البيارتة المنصرفين في خمسينات القرن الماضي إلى رغد وهدوء، أنيقي الملبس، رقيقي المعشر، فيما يغلي وادي البقاع بمغامرات جان ورفيقه والمؤامرات المموّهة بجمال الكونتيسة.
    يخضع إخراج بوتييه لتأثير الأفلام الغربية المتهمة بتركة الاستشراق والمحمّلة انطباعات الرحّالة والإرساليين الأوائل. يتميّز عمله عنها نسبيّاً بازدواجيّة اللوحة الاجتماعيّة والثقافيّة، مازجاً بداوة الجرد اللبناني في حضرية بيروت وزمنها المديني وسياحية الجبل وأثريّة الشوف، من غير أن يخالف كليشيهات الأفلام السابقة عليه في إحالة البيئة العربية على بادية وإبل وجياد ورجال، يستحوذهم عداء الأجنبي والعنف والغضب السريع من التماس بما يغاير تفكيرهم وأساليب عيشهم. نمطية النظرة في "كونتيسة لبنان" ليست بعيدة من صحراوية المنظر العربي وغرائبيته في أفلام الآباء المؤسسين. إذا ما طُرح اليوم مشروع إعادة إنتاج "كونتيسة لبنان" وجيء بمخرج فرنسي لتنفيذه، أخال أن توأمة المنظرين القبلي والمديني في اللوحة اللبنانية لن تكون مدعاة اهتمام. ستُقصى المدينة عن اللوحة أو تُقلّص بنقل دفّة التصوير من بيروت إلى جرود السلسلة الشرقيّة. بيروت أضحت، في شحّ مائها وكهربائها، صحراء موقوفة. لن يُعفَى المخرج المفترض من شبك رواية البحث عن الأورانيوم بالتطرّف الإسلامي عبر ربط الأورانيوم بسعي "داعش" و"القاعدة" إلى استعماله مصدر دخل يدرّ تهريبه أموالاً طائلة موازية للنفط والمخدرات أو استغلاله في تأسيس ترسانة نووية. كلّ السيناريوات قابلة للتحقّق في السينما. لا أنوي ممّا تقدّم، لوْك النقد الدائم عن صورة العربي وبيئته في الغرب. العكس صحيح. يمكن ابرهيم عوّاد ابرهيم علي البدري السامرائي، الملقّب أبو بكر القريشي الحسيني البغدادي، أن يتطابق والعربي الملعون وأفعاله البربريّة في محفوظات هوليوود من أفلام الصحراء. ويمكن محاولته، ردّ الحياة إلى ما كانت عليه من البداوة والحكم بالسيف والحرم، أن تكون ملمحاً من فيلم أميركي موصوم بالسوء في لغة نقّاده العرب. بيد أنه ليس صنيعة هوليوود. البغدادي وليد بيئته، ابن سامراء، وإن أدّى دوراً كما لم يؤدِّه أعتى أشرار أفلام الصحراء. تاريخ الصحراء في السينما من تاريخ هوليوود. دأب منتجو مصنع الحلم الأميركي وكتّابه ومخرجوه على استيهام ألف ليلة وليلة وحكايات بغداد والخلافة والصحراء العربيّة. استولت عليهم ثنائية الرمل والدم. تفننوا في أسلبتها. ثمّة فيلم كلاسيكيّ صُوِّر وأعيد إنتاجه مراراً، "دماء ورمال"، لا علاقة له بالكلام الآنف خلا توحّد الوجد والموت دماً وتراباً. يميل الرمل في أفلام الصحراء إلى الاحمرار، مشبعاً بحمرة الغروب وحماوة الرغبة. تحرق الشمس الأميركيّ، أو الأوروبي، المسافر إلى الصحراء، يدرك بعد فوات الأوان أنه جاء في رحلة بلا عودة، ناشداً مغامرة الموت في لظى الرغبة وهشيمها. الصحراء حاضرة في بروباغندا "داعش"، الأشرطة المبثوثة على الإنترنت تحديداً، صورتها غير مزوّقة، باهتة، وشخصيّتها بلا لون. فراغ. كأنها الفراغ. في أشرطة التعبئة العسكرية، يتسع حجم اللقطة وسع المدى بغرض توجيه الاهتمام صوب كبر عدد مقاتلي التنظيم وتراتبيّة حركتهم واستعراض قواهم ومهاراتهم، على أن الصحراء أكبر من أن يحدّها عددٌ أو حركة. بملابسهم الداكنة يمسي المقاتلون أجساماً سوداء مشلوحة في العراء.

    السابقون
    حجم اللقطة مختلف في أشرطة نحر الرهائن، يضيق أمام كاميرا ثابتة على مسافة من سفّاح ملثّم يستعد لذبح ضحيّة سافرة الوجه، جاثمة على ركبتيها، موثوقة الأطراف. تتراجع الصحراء إلى الخلفيّة. السفّاح باللباس الأسود، والضحيّة بالبرتقالي. عزا كثرٌ البرتقاليَّ إلى الثأر من غوانتانامو ورمزيّته. البرتقالي، في مشهديته "الداعشية"، يخطف النظر، يحاكي اللهب الذاوي لشمس مؤذنة بالغروب، وهج يلفح عين الرائي ونقطة الارتكاز في اللقطة والتركيز عليها. حجم اللقطة متوسّط. والبرتقالي واسطة العقد بين لونين سائدين في  أشرطة "داعش"، الأسود والأحمر، ثوب القاتل ودم القتيل. البرتقالي، في بساطة، لون الرمق الأخير. قضت العادة، في تنفيذ أحكام الإعدام، بمنح المستهدف بالحكم حقّ الرغبة الأخيرة. في إعدامات "داعش"، تُعطى الضحيّة إشارة البدء في الكلام، يليها السفّاح مهدّداً ومتوعّداً. في المضمون، يتشابه كلام الجلاّد وضحيّته في لوم الولايات المتحدة وبريطانيا وتحميلهما مسؤولية الإعدام. بالإكراه، لُقّنت الضحيّة نصّها. غير أن التحدّث بلسان القاتل لن يعفيها من المصير المحتوم. القاتل والعالم أجمع يتحدّثان بالأصالة عن أنفسهما. وحده القتيل لا يتحدّث عن نفسه. إذا وسعه الارتجال والحيلة، مرّر خاطرة سريعة في الثواني القليلة المتاحة له. دوره أن يمثّل فحسب. كأنه الجزء الروائي من شريط وثائقي. بين القاتل والقتيل لغة مشتركة، الإنكليزيّة. النتيجة أنّ المشاهد يتلقّى شريطاً ناطقاً الإنكليزيّة ومترجماً إلى العربيّة. شيءٌ من قبيل الإنتاج المشترك. أساساً، "داعش" خليط جنسيّات تقاطرت من مشارق الدنيا ومغاربها إنتاجاً لدولة الخلافة الموعودة. أحد الاختلافات البنيويّة بين تنظيمي أبي بكر البغدادي وأيمن الظواهري أن "القاعدة" أقرب ما يكون إلى شركة عبر البحار. أسامة بن لادن، في تكوينه، رجل أعمال واتخاذه السودان مقرّاً، سبق تأسيس "القاعدة" في أفغانستان، قام على دمج عمله الجهادي بمشاريع اقتصادية. "القاعدة" شركة عبر البحار بفروع عالميّة. لمّا أعلن أيمن الظواهري، في 3 أيلول المنصرم، أن تنظيمه سيضمّ شبه القارة الهندية إلى نشاطاته، قال بالحرف إنه سينشئ فرعاً له في الهند. "القاعدة" يتمدّد في العالم. "داعش" يطلب من العالم المهاجرة إليه. مسعاه أن يكون دولة العالم وداره وشريعته.
    بعد تصريح رئيس الوزراء جيمس كاميرون بأنّ لقاتل جيمس فولي لكنة قاطني شرق لندن وترجّح أنه بريطاني الجنسيّة، صار مغزى عمليّة إعدام جيمس فولي أن غربيّاً يذبح غربيّاً. في أشرطة دعائية أخرى بينها ما أظهر احتفال مقاتلي "داعش" بعيد الفطر، أجرى المعدّون مقابلات حصرية مع المهاجرين الأجانب. مغمورين بسعادتهم في الهجرة إلى أرض الإسلام، شرحوا، كلٌّ على حدة، دوافع مغادرتهم بلادهم وإقبالهم على الجهاد في سوريا والعراق. أتوا أفراداً وعائلات، مزّقوا جوازات سفرهم وبايعوا أبا بكر البغدادي. بالتركيز على شهادات الغربيين مستثنياً حملة جنسيّاتهم من مغاربة وأفارقة وباكستانيين، رأيت البعض منهم فرحاً بالتنزّه في الشارع على صهوة حصان. بركوب الخيل وممارسة العادات المحليّة والتوق إلى حواري الجنّة، يستعيدون مراجع الافتتان بصور الشرق ومحفّزات الاستشراق. ينقلهم تعدّد الزوجات إلى مُتع الجواري. تُعجبهم غرائبيّته وجوازها واقعاً أكثر من جوازه شرعاً. أوروبيّو "داعش" في الصحراء العراقيّة طبعة غير محدثّة من الاستشراق الغابر، توغل في القدم باعتناق الإسلام وإحيائه على صورة السلف وحياة الأوائل. يحسبون أنهم وفدوا إلى الإسلام من ناحيته السلفيّة فإذا بهم في الجانب السلفي من الاستشراق، يصلحون للظهور في نسخ مجدّدة من أفلام الصحراء. أطاح أبو بكر البغدادي استشراق إدوارد سعيد بالاستصحار العربي. أفنى سعيد جهده مدبّجاً مقالات عن الصورة السيّئة للعربي في السينما والتلفزيون الأميركييْن، ومثله فعل نقّادٌ كثر وما زالوا، وما سئموا. كان الأوْلى نقد نظرة العرب بعضهم إلى البعض الآخر وصور السوداني والشامي واللبنانيّة الشقراء الغاوية ونمطيّتها في السينما المصريّة. غربيٌّ يذبح غربيّاً؟ الفرضيّة ناقصة. للاستشراق رحّالته. عندما أخرج الراحل مارون بغدادي "خارج الحياة" (1991)، استناداً إلى واقعة خطف الصحافي الفرنسي الراحل روجيه أوك في بيروت، على يد "حزب الله" مموّهاً باسم منظمة جهادية إسلاميّة، في كانون الثاني 1987، قال إن الاستشراق في معناه الكلاسيكيّ تغيّر ورحّالته المأخوذين بسحر الشرق تبدّلوا. رحّالته الجدد مراسلون حربيون وأطباء بلا حدود وعمال إغاثة منغمسون في مشكلات المنطقة العربيّة وعذابات أهلها. جيمس فولي، ستيفن سوتلوف، ديفيد هيغنز وأمثالهم نماذج رحّالة جدد. ذبح بريطاني للأميركيين فولي وساتلوف ولمواطنه هيغنز يأتي بحدّ الشرخ بين خارج من الاستشراق وخارجين عليه. كأنّ لا وعي القاتل بالتأثيرات المكوّنة لشخصيّته يقترح استيعاب "داعش" لاستشراق سلفيّ. استكمالاً للصورة في وجهها الآخر، تضمنّت تحقيقات حصريّة بثتها شركة "فايس نيوز" على الإنترنت منذ فترة، مشهداً لمقاتلي "داعش" يزيلون الحواجز ويفتحون الحدود بين العراق وسوريا شاتمين سايكس – بيكو. برسم خطّ في الرمل، قسّم الإنكليز والبريطانيّون الخريطة العربيّة وتوزعوا بلدانها. قبل عامين من الاحتفال بمئويّته، شتم عرب "داعش"، في المشهد المذكور، اتفاق سايكس – بيكو. لعنوه ونعوه. في داعش أيضاً قوميّون عرب وعلمانيّون تحوّلوا إلى الإسلام لألف سبب وظرف. بين الخارج من الإستشراق والخارج من القوميّة والماركسيّة واليسار والأفغان العرب وقدامى "القاعدة" وعشائر الصحوات والبعث والجيش العراقي المنحل والصوفيين والنقشبنديين وأصحاب السوابق، يتسع داعش لكلّ "السابقين". داعش تنظيم الـــ"Ex" بلا منازع.

    قهر والبلوى
    يحيل سينمائيّو الغرب ومقلّدوهم في الشرق شغفهم بالصحراء على السحر. الظاهر في أفلامهم أن السحر وقفٌ على الصورة. وفي المضمر، السحر ثمرة الشعوذة. "الراقي" لوليم فريدكن، واحدٌ من أشهر أفلام الرعب. لدى إطلاقه عام 1973، أثار ضجة وبلبلة قارعت الذعر أينما عرض. في لبنان، طرحه جهاز المراقبة على السلطات الروحيّة قبل الترخيص لسينما سارولا بعرضه. عبرة "الراقي"، أمس واليوم، أن حوادثه الجارية في أميركا ترجع بخلفيّة بطله الأب ميرين (ماكس فون سيدو) طارد الشيطان والأرواح الشريرة إلى مشاهداته المفزعة في موقع للحفريات الأثريّة في العراق. الآثار فاتحة شهيّة صانعي أفلام الرعب وهواتها. تجذبهم مومياءات مصر ولعناتها. تفتنهم الخرافة، تفتنهم الشعوذة. العام الفائت، شاهدتُ فيلم رعب متواضعاً، "الشعوذة" لجيمس وان. يهمنّي من ذكره تحديده الشعوذة بثلاث كلمات: الابتلاء، القهر والاستحواذ. أعاد "الراقي" منشأ الرعب إلى العراق. منذ صعوده حتّى قيام التحالف الدولي لمحاربته واجتثاثه، كتب وصرّح كثرٌ بأن "داعش" "منّا وفينا". على قدر ما يتوخّاه الكتّاب والمصرِّحون من موضوعيّة في توصيف الحال، تعكس معادلة "منّا" و"فينا" تداخل العلاقة وتؤكّد أنّ ما فات قد فات وأنّ الراهن والمُنتظر والآتي في حياتنا سيكون موسوماً بالابتلاء، القهر والاستحواذ.
    يمضي "داعش" في صنع صحرائه وأسطورته. بمصادرته عمق المنظر وانتحال شخصيّاته أشرار هوليوود من عرب الخلافة البغدادية، يستحيل إنتاج الجديد من أفلام الصحراء في معزل عن المنظر "الداعشي". على مساوئه، تثير مشاهدة "كونتيسة لبنان" اليوم شجناً وحنيناً ليس في الإمكان تفاديهما. ربّما لأن الفيلم أُنتج في فترة وداعة ووداع سبقت منازعاته الأهليّة.

    مصريّان في الغربة
    قبل عامين من فتنة 1958. أخرج ريشار بوتييه طبعته الخاصّة من رواية بيار بنوا. وقبل عام من حرب 1975، تعاون مصريون ولبنانيون وسوريون على إنتاج "حبيبتي"، بطولة فاتن حمامة ومحمود ياسين، وإخراج بركات. في جنينة الصنائع، تجمع الغربة والوحدة رسّاماً فاشلاً وموظفة مكتبة من مصر، يعملان ويقيمان في بيروت. داخل شقته المطلة على مقهى الحاج داود، يفوز مجدي بقبلته الأولى. ينقطع التيار الكهربائي! "الدنيا ظلمة"، تقول ساميا. تسأله أن يشعل الضوء. يجيب، "ده بيحصل دايماً كده في بيروت". لو بُعث المخرج بركات والسيناريست عبد الحيّ أديب حيّيْن وقدّما نسخة محدّثة لأضافا إلى جواب مجدي أن العتمة ستطول لأن مياومي شركة كهرباء لبنان يحتلونها احتجاجاً على عدم تثبيتهم. وإذا أصرّ كاتب السيناريو على مراعاة الدقّة في الصفة المهنيّة للمياومين، فلا أدري إن كان في استطاعة محمود ياسين لفظ "جباة الأكراء" بلهجته المصريّة. حوارات الممثلين ليست مشكلة. يمكن حلّها على الورق. الصعب عودة فريق التصوير إلى مواقع بات الوصول إليها متعذراً. في النسخة القديمة من "حبيبتي"، تزور ساميا مقام السيدة زينب في دمشق. في حال رجوعها اليوم إلى المرقد المقدّس، ستجده في عهدة "حزب الله" و"عصائب الحقّ" والشبّيحة. لن يكون في وارد المنتجين تحويله عملاً تجريبيّاً يجعل مشهد الزيارة فاصلة وثائقية أفلتت من سينما الخيال إلى سينما الحقيقة، سينما المباشرة. لن يعمدوا إلى مخالفة أصول الصنعة متفادين الذمّ بالمعتقدات والأخلاق والآداب العامَّة. لنجوم الأغنية والمسلسلات والأفلام الرائجة في العالم العربي شعبيّة واسعة ومشاهدون وقرّاء يتابعونهم في برامج تلفزيونية وعلى غلف مجلات زاخرة بأخبارهم. لا تتوانى الأمم المتحدة عن تعيين المشاهير منهم سفراء للنيّات الحسنة. محببون ومحبوبون ومستحبون. يحبّون المعجبين بهم ولا يحبّون بعضهم بعضاً. يحرقهم الحسد والغيرة. تشجعهم الصحافة الصفراء على التجريح  بمنافسيهم وتعييرهم. يتسلّى الناس بفضائحهم ما داموا في مأمن منها. حياتهم الشخصيّة ملكٌ عام. وحياة الجمهور حقّ عليهم. زلاّت ألسنهم حيال مواطنيهم غير مغفورة. يعرفون القاعدة جيّداً. يزنون كلماتهم. لا يصرّحون بغير المتفق عليه، ويذكّرون دوماً بمآثر أوطانهم في أخوية الدم والعروبة وتسامح أهلها وتعايشهم بأديانهم سواسية كأسنان مشط. ليس أقلّ المفاخر بلاغةً، اضطرار المخرج بركات منذ البدايات إلى إقناع نفسه بحكمة حذف اسمه الأول، هنري، وتوقيع أعماله بشهرة عائلته. ماذا كان فعل المسكين المعثّر لو أنه من آلِ جرجس، أو غرغس على نطق المصريين للجيم؟ ما كان تخلّى عن سكوته. سكت. على ضَيْم، هرب مع الهاربين من تأميم السينما وفرض الحراسة على الممتلكات الخاصة في عهد عبد الناصر. أسس في بيروت شركة "بركات - شويري" للإنتاج والتوزيع. قرب المبنى الحالي لجريدة "السفير"، فتح مكتباً. أرضاه رصيده من الاحترام وامتياز أنه آخر مخرج اطمأنت فاتن حمامة إلى العمل في معيّته. "حبيبتي" ليس أفضل أعمالهما. شريطٌ ساير موجة من الميلودراما العاطفية، انتشرت منذ النجاح الخرافي لفيلم أحرق القلوب، "قصّة حب"، أخرجه آرثر هيلر عام 1970، مع ريان أونيل وآلي ماكغرو. وتميّزت أفلام الموجة بسدل ستارها على ضربة قدر تردي المرأة العاشقة بسرطان خبيث وتعقب وفاتها احتضاراً طويلاً مسيلاً للدموع. لم يشذّ "حبيبتي" عن مألوف موضته بسوى استعارة نهايته من بدايات فيلم آخر من كلاسيكيات هوليوود، "علاقةٌ للذكرى"، مع كاري غرانت وديبورا كار ومن إخراج ليو ماكاري عام 1957. بدل موتها بمرض عضال، تدهس سيارة ساميا أثناء اجتيازها الطريق راكضةً لموافاة مجدي. كان مقبولاً إنتاج شريط متواضع تدور مشاهده بين حديقة الصنائع وشارع الحمرا وكورنيش المنارة وشقّة ومستشفى. وكانت فاتن حمامة في غنى عن العَدْو إلى مرقد السيدة زينب في دمشق لولا اضطرار بركات إلى إقناع نفسه مجدّداً بوحدة الحال والإيمان.
    "حبيبتي"، عيّنة صغيرة من جزية التذكير بآخر ما يودّ مفجوعو الحروب الأهلية مشاهدته وسماعه عن أواصر المودّة والقوميّة. عيّنة برّر تركيبها على أسس الإنتاج المختلط عربيّاً تضمينها "رسالة" قوميّة جامعة تسهّل خروجها من أسوار الصنائع وأرصفة الحمرا وشاطئ المنارة. الرواية في بيروت، ينطق الفيلم لهجة ساميا ومجدي إلى أن ينعم السيناريست على ساميا بصديقين مسيحيين خطيبين، أنطوان وجورجيت، يؤدي دوريهما ممثلان سوريان، هاني الروماني ولينا باتع. تعرّفهما ساميا إلى مجدي على أنه خطيبها. يركب الأربعة في سيارة أنطوان في نزهة إلى مصيف سوري. يعلم مجدي من ساميا أن لها أختاً متزوجة في حلب وأن لمقام السيدة زينب في القاهرة نظيراً في دمشق. للاختلاء بساميا، لن يعدم حيلة في اصطناع حجّة ترغمه والشلّة على المبيت في المصيف. يعبث بمحرّك سيّارتهم ويجدّون في طلب ميكانيكي يعتذر عن ضيق الوقت والتريّث في إصلاح العربة حتّى صباح اليوم التالي. يسلّمونه المفاتيح وينزلون في فندق. منعاً لاختلاط الجنسين، يتوزعون على غرفتين، مجدي وأنطوان على حدة، وساميا وجورجيت معاً. بالتواطؤ مع شريكه في الغرفة، يدبّر مجدي خدعة. يتمارض أنطوان. تهرع جورجيت إليه. يخرج مجدي. يدق على باب ساميا. تفتح. تراوده عن نفسه. ينقضّ عليها. تردّه. الحبّ في رأيه رغبة، وفي نظرها عطاء، على ما جاء في المقدّمة الإعلانية للفيلم. تنفر منه. تطلق ساقيها للريح. تصحبها الكاميرا وموسيقى الياس رحباني إلى مزار الست زينب. تتشفّع بها تصلّي أن تقيها وتبقيها، مثلها، "طاهرة وشريفة". رجاؤها عفّتها. تبكي. لا يدري أحد ماذا جرى بين أنطوان وجورجيت في الليلة نفسها. يتركهما الفيلم في حجرتهما. لا يلمّح إلى استياء جورجيت من مكروه وهرولتها إلى أقرب مزار للسيدة العذراء. تُقلب الصفحة سريعاً. تُكلّل جورجيت في زفاف كنسي. ساميا ومجدي حاضران. ازدادا حبّاً. ما حدث غيمة صيف وعبرت. بتقطيع مقتضب، قال الفيلم ما قاله في الرحلة السورية. في سبعينات القرن العشرين، تأدّى عن هروب الرساميل المادية والبشرية من مصر الناصريّة دخول السينما المصرية في مشاريع إنتاج مشترك، عمقها التجاري لبنان وسوريا. تأميناً لرواجها، عمد منتجوها إلى تطعيمها بلهجات محكيّة متعدّدة الجنسيّة. ومدّ مناطق تصويرها امتداد البلدان المساهمة في إنتاجها. ضمّنها خطب إعجاب ومودّة حيثما حلّت الكاميرا. بتقطيع مقتضب استلزم تصوير مشاهد إضافيّة في سوريا، دفع بركات ضريبة الوحدة الجامعة بين المصريين واللبنانيين والسوريين وتنوّع أديانهم وائتلاف قلوبهم وانشدادهم في ما بينهم غراماً وهياماً... وعزوفاً عن الزواج المختلط! يحاكي مديحهم شعار "البعث"، "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة". في المحصلة، أتى البعث السوري، فتك بالبعث العراقي، أصبح وحده وهزم الأحزاب وحده. طغى وتجبّر. كان "حبيبتي" من آخر شواهد لبنان الواحد. بعد أقلّ من عام على عرضه في الصالات، اشتعلت الحرب وهجّرت هنري بركات. واصل نشاطه في القاهرة من عمارة الإيموبيليا. في أوج القصف والدمار، لم تتزحزح آرمة مكتبه في نزلة السارولاّ. صمدت على حائط الباحة الخارجية لمبناه.
    "كونتيسة لبنان" و"حبيبتي" فيلمان من عشايا محنتَين في بيروت، حربَيْ 1958 و1975. مات الكثير ممّن عملوا في الفيلمين، أودعتهم بيروت سحرها ورحلت معهم. بيروت ابتلتهم، قهرتهم، استحوذتهم. عام 1997، رحل هنري بركات. لحق به هاني الروماني عام 2010، مضيفاً إلى سيرته الحافلة على الشاشتين الكبيرة والصغيرة وخشبة المسرح عضويته المتواصلة في مجلس الشعب السوري. قبله بعام، توفيت كونتيسة لبنان الفاتنة الإيطاليّة جيانا ماريا كانالي وسبقها معظم العاملين في الفيلم وفي مقدمهم مخرجه ريشار بوتييه وجان - كلود باسكال الشاكي من ضوضاء بيروت ونجومها. على رغم مصرعه على الشاشة، استمرّ موكرير مغامر الأورانيوم في سجلّ الأحياء. لم يختر بوتييه ممثلاً فرنسياً أو أوروبياً لتمثيل دوره. وهب الفرصة إلى ميشال شلهوب، الشاب الإسكندراني المولد، المدعوّ عمر الشريف. كان في مستهل شهرته العالمية المتوّجة لاحقاً في "لورنس العرب".

    ستريبتيز في روما
    بخلاف "حبيبتي" والإنتاجات العربية والغربية المصوَّرة في لبنان، كادت لائحة ممثلي فيلم بوتييه وفنيّيه تخلو من اللبنانيين. أُسندت شخصية الضابط مالك، قائد مخفر الدرك في ساحة البرج، إلى الفرنسي روبير دالبان. اقتصر الحضور اللبناني على راقصة بار. سمراء غاوية العينين والشامة، ممشوقة، رشيقة، دوّارة. المعلومات المتوافرة عنها شحيحة. يحتاج تحصيلها إلى لملمة نتف معدودة الكلمات، مبعثرة بين المطبوعات والمواقع الإلكترونية. ولدت في شباط 1936 في بيروت باسم كياش ناناه، أصلها تركيّ من جذور أرمنيّة. تعمّدت فنيّاً باسم عائشة نان، وكان يُكتب في اللاتينيّة وتُحرّك حروفه في ثلاث صيغ مختلفة. عُرفت أيضاً بعائشة نانا نور. بدأت احتراف الرقص مبكراً في الرابعة عشرة من عمرها. وفي العشرين، منحها "كونتيسة لبنان" فرصة ظهورها الأوَّل على الشاشة، تلاه "لمسة شمس" بفارق زمني قصير جدّاً لا يتجاوز الشهر. من المحتمل أن الفيلمين صُوِّرا في فترة واحدة تقريباً بدليل خروج الأوّل إلى الصالات في أيلول والثاني في تشرين الأوّل 1956. تطلّب إنتاج "لمسة شمس" وجودها في بريطانيا. من لندن، تنقلت بين فرنسا وإيطاليا. وداعاً بيروت. استقرت في روما واختلطت بالأثرياء والفضوليين. ككلّ الساعين إلى الشهرة، كانت في حاجة إلى إثارة صدمة. الخامس من كانون الأول 1958 تاريخ محفوظ في أرشيف الشرطة الإيطاليّة. ليلتها، شاركت في الاحتفال بعيد ميلاد أريستوقراطي من روما. أقيمت سهرة باذخة في مربع "روغانتينو" وتسلّل إليها المصوّر تازيو سيتشيارولي. كانت الممثلة الأسوجية أنيتا أكبرغ موجودة. رقصت حافية. نزلت عائشة إلى الحلبة. ألهبت الحاضرين. تعرّت من ثيابها. هاجت القاعة. على عجل، دهمت مفرزة الآداب المكان وقفلته بداعي خدش الحياء العام. خرج سيتشيارولي بعشرات الصور. نشرتها الصحف. ضجّت روما. ألهمت الحادثة فيدريكو فيلليني. عام 1960، أعاد في تحفته "لا دولتشي فيتا"، مع مارشيللو ماستروياني وأنيتا أكبرغ. ومن سيتشيارولي، صمّم المخرج الكبير شخصيّة المصوّر باباراتسو - واشتقاقاً "باباراتسي" أو "باباراتزي" وفق الوصف الشائع لمصوّري الفضائح.
    أضافت عائشة إلى رصيدها من الرقص الشرقي الستريبتيز. خلّدتها صور سيتشيارولي. لم يطلبها فيلليني للعمل في أفلامه. ظلت حتّى آخر أيامها ملهمته. في بيروت، لبست بذلة الرقص الشرقي. وفي روما، تعرّت. روما ابتلتها، قهرتها، استحوذتها. ما عاد يكفيها هزّ البطن ورنّة الخلخال وكشف المفاتن. بعد تسعة أعوام على "كونتيسة لبنان" و"لمسة شمس"، واتاها الحظّ في السينما الإيطالية. عام 1972، تزوجّت من سرجيو باستوري، صحافي وكاتب سيناريو ومخرج أفلام ضئيلة الموازنات والأهمية. لم تنجب منه. تطلّقا. واصلت عملها في السينما واحترفت الكتابة. مجموع أفلامها خمسة عشر وأدوارها ثانوية في الغالب، باكورتها وسترن إيطالي - إسباني، "الشريف لا يطلق النار" (1965). لها فيلم مأخوذ عن قصّة بقلمها، "إديبيون" (1970). أشهر أعمالها "الوحوش الجدد"، إثنا عشر سكتشاً تقاسم إخراجها الثلاثي دينو ريزي وإيتوري سكولا وماريو مونيتشيللي (1977)، و"قصة بييرا" لماركو فيراري (1983)، و"الملك داود" للأوسترالي بروس بيريسفورد مع النجم الأميركي ريتشارد غير (1985). منذ فيلمها الأخير، انكفأت إلى عزلة لا رادّ عنها. طوال الأعوام الماضية، حاولت العثور على أفلامها، وإن تيسّر، كتاباتها. وفّقت في القليل، وأقلّه إقامتها في لاتسيو، أحد أقاليم العاصمة الإيطالية، وعنوان حيّرني، مؤلف من كلمة فحسب، "أورليا". أهدرتُ الوقت منقّباً عن العنوان. وجدتني أمام عنوان آخر. في "كونتيسة لبنان" لقطة لملصق إعلاني عن عرض الفيلم المصري "صراع في الوادي" ليوسف شاهين مع فاتن حمامة وعمر الشريف. يذكر الملصق اسم صالة العرض، "سلوى"، ويغفل عنوانها. خدمة للمعرفة،  أتبرّع بالآتي: تقع سينما سلوى في المزرعة، مدخل حيّ آل العرب، قرب مطعم منصور وعلما، أحد أقدم باعة النيفا في بيروت. أتكون سلوى نفسها أورليا؟ سلوى مكانها معلوم وأورليا مجهولة المكان. لا يجوز تحميل سلوى أكثر من حجمها في لقطة برزت فجأة، وحشرها المخرج ريشار بوتييه حشراً، على سبيل تبييض الوجه، تحيّةً إلى ممثله الصاعد الشاب العربي الأسمر المنقّب عن الأورانيوم في وادي البقاع. لو عاد أمر تكريم ممثل من طاقم "كونتيسة لبنان" إليّ، لما توانيتُ عن خصّ بنت البلد عائشة نانا بالتحيّة عن إطلالتها السينمائية الأولى، وإن في مشهد يتيم غير متكلم يتحرّك بعينَي راقصته ناطقاً جسداً سلسبيلاً. مشهد أسرني بحثاً عن صاحبته عائشة. عائشة ابتلتني، قهرتني، استحوذتني. أتكون أورليا عائشتي، أم أنهما سلوى وشاشتها مجتمعتان؟ أمضيت مراهقتي في عتمة سينما سلوى مجاوراً ساحة البربير وتظاهراتها المدويّة. كانت واحدة من صالات الترسو. بدأت بفيلمين في عرض متواصل. وتدهورت حالها في الحرب وراحت تعرض ثلاثة أفلام في حفلة ثم أربعة فخمسة تتخللها لقطات مقتطعة من أشرطة جنسية أمر الأمن العام بحذفها. تفتح الصالة أبوابها من التاسعة أو العاشرة صباحاً وتستمر من دون استراحة إلى منتصف الليل. أيام الحرب، أُمطر محيطها بالقذائف العشوائيّة وأصابت قذيفة هاون من عيار 82 ملم مطعم النيفا، أردت طبّاخه وصاحبه ومزّقته إرباً. لم يتأثر العرض. استمرّ. واستمرّ في أسفاري ومناماتي. تشدّني "سلوى" دوماً إلى زيارتها، وغالباً ما أمتنع. منذ بضعة أسابيع حاولتُ وأحجمت. لم أشأ المرور برؤوس النيفا. كفاني ما رأيته أخيراً من رؤوس محزوزة. عوض الذهاب إلى منطقة البربير، اخترتُ البحر. رأيته يتماوج راقصاً على كتفي عائشة نانا. لم يعد يشغلني عنوانها. تبدّد لغزه آنئذ، تحديداً صباح الخميس 30 كانون الثاني من السنة الجارية، مع ورود نبأ وفاتها في "الغارديان". بثماني عشرة كلمة اختُصرت حكايتها. تحت عنوان "الراقصة التي ألهمت "لا دولتشي فيتا" ترحل عن 78 عاماً"، ذكرت الصحيفة البريطانيّة أن "عائشة نانا اشتهرت بفضيحة تعرّيها في روما وأعاد فيدريكو فيلليني خلقها في فيلمه الكلاسيكي". من تداول الخبر في بعض المواقع الإلكترونية، عُلِمَ من محامي الفقيدة أنها أسلمت الروح ليل الأربعاء 29 كانون الثاني 2014 في مستشفى "أورليا"، وعانت مرضاً لم يكشف عنه.
    من المنارة صعوداً إلى شارع الحمرا، مررتُ في عين المريسة وسرتُ في شارع فرعي متجهاً إلى حيّ خلفي من منطقة الفنادق، سبق تصويره من الجوّ في "كونتيسة لبنان". حلّ فندق "راديسون بلو" محل "المارتينيز"، محاذياً معالم ناشئة حديثاً، تحوطها جدران مزدانة بملصقات حركة "أمل" وصور رئيسها نبيه بري، ومطلية بألوان رايتها. على طول الطريق حفريات ترميم مجاري المياه المبتذلة. لا رصيف. علقتُ وبعض المارّة بين السيّارات المزدحمة صعوداً ونزولاً. ما بدا من الجوّ قبل زهاء ستين عاماً كوكباً مائياً أزرق، ليس الآن إلاّ حفراً رملية في مدينة جفّ ماؤها وخبا ضوؤها. وجدتُ الحيّ أكثر ترهّلاً ورخصاً في ما تبقّى من بارات ومطاعم وملاهٍ. "في بيروت الكثير من الضوضاء والقليل من النجوم"، قال جان الفرنسي. لم يعلم جان أن عائشة نانا نجمة ضالّة في سماء بيروت. الصارخ والجميل فيها أنه بينما كان القتلى يسقطون في بيروت 1958، كانت ملابس نانا تتهاوى قطعةً قطعة فوق حلبة الرقص في روما. بيروت – روما كانت بيروت - نانا. ونانا بنت بيروت، لمسة شمس ليلها ونور ظلمتها.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: راقصة في الرمال... محمد سويد Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top