«الحزن الذي لا مفر منه» في روايات كازو إيشيغورو

3:38:00 م




سينثيا. إف. وونج

في يوم رطب من أيام أكتوبر/تشرين الأول عام 2006، رافقت كازو إيشيغورو بصحبة ابنتي البالغة من العمر 10 سنوات (جريس) إلى طاولة خلفية في مقهى صاخب في لندن، لإجراء مقابلة معه. وأثناء إجابة إيشيغورو على أسئلتي، أوضح لي كيف أنه يجري اختبار تمثيل audition لشخصياته على مستوى الصوت والخصائص في ذهنه قبل أن تظهر هذه الشخصيات في رواياته، وتحدث بصراحة عن عمل الكاتب الفوضوي. الآن هو الحائز جائزة نوبل في الأدب، بسب ما أشادت به الأكاديمية السويدية في قرار منحه الجائزة بمقدرته غير المعتادة على تصوير «الجحيم وراء شعورنا الوهمي في علاقتنا بالعالم». إن في ذلك إيماءة إلى الوهم الذاتي الذي يسيطرعلى العديد من شخصيات إيشيغورو، إحدى الشخصيات، على سبيل المثال، يسوغ خدمته في موالاة الفاشية، وشخصيات أخرى ترى ماضيها من خلف عدسة مضببة. وإذا كنا نريد نزع قشرة الخداع الذاتي المشوه، فقد نجد حفرة عميقة من اليأس.
في تلك المقابلة قبل سنوات، تحدث إيشيغورو عن التشويهات المؤلمة التي تصيب شخصياته، وطريقة حماية أنفسهم منها، وذلك بإخفاء أخطائهم. ولكن عندما يبدو كل شيء ميؤوسا منه، فإن الشخصيات غالبا ما تلجأ في شجاعة إلى خيالها لإقامة اتصال افتراضي بالحياة. وعند القيام بذلك يهيئون القراء لتخيل شيء ما أفضل أيضا. 
عندما سألت إيشيغورو عن روايته ضد اليوتوبيا الصادرة عام 2005 «لا تدعني أرحل» تغيرت لهجته. وخفّض صوته عندما حدثني عن الطلاب في تلك الرواية، وكيف أنهم يموتون في نهاية المطاف، إلا أنه أصيب بالدهشة عندما قلت له إنني وجدت الرواية محزنة. فاعترف قائلا: 
– هناك حزن لا مفر منه، من ناحية أخرى، لا يمثل الحزن وجهة نظر قاتمة عن الطبيعة البشرية.
استطعت أن أشعر بقلق إيشيغورو على ابنتي من الاستماع إلى ملاحظاته عن الموت واليأس. ثم تابع قائلا: 
- السؤال هو ماذا نستفيد؟ ذلك هو السؤال الذي تطرحه ابنتك جريس، وهو السؤال نفسه لشخصيات مثل «تومي» و«كاثي» في رواية «لا تدعني أرحل». تقول بعض الأنظمة الباردة أن «تومي و«كاثي» سوف يكونان مفيدين (للعالم)، وهو الشيء نفسه في نظام آخر، يقول لجريس إنها في يوم من الأيام سوف تكون مفيدة للاقتصاد العالمي. 
الأنظمة الإنسانية في جميع روايات إيشيغورو- سواء أكانت حكومات أو مجتمعات أو عائلات – في كثير من الأحيان نظم فاسدة، ومع ذلك على البشر أن يتحركوا في نطاقها. يحاولون إصلاحها أو إنقاذ أنفسهم. وقد اختبر إيشيغورو جوانب وحقائق كثيرة حول ما يعنيه العيش وسط أنظمة لا حصر لها. الراوي بضمير المتكلم هو القائم بالسرد في روايات إيشيغورو الثلاثة الأولى، «منظر شاحب من التلال»، و«فنان من العالم العائم» و«بقايا اليوم»، تعكس الخسائر الشخصية في سياق الأحداث العالمية: الأصدقاء والعائلات والقتلى من جراء القصف الذري في اليابان، والرومانسية غير المتحققة، والخيارات الخاطئة والحياة على أساس من الوهم. هذه الشخصيات تمتد من أجل الصفاء، والقصاص أو الغفران.
الرواة في رواياته الثلاثة التالية على نحو ما متنوعون، عازف البيانو، «من لا عزاء لهم»، أحد المحققين في لندن «عندما كنا يتامى»، وعامل متشرد ينزل في دير في «لا تدعني أرحل». سواء أكانوا موجودين في اليابان أو في بريطانيا العظمى أو في بعض المدن الأوروبية التي لم يكشف عن اسمها أو حتى قرية من قرى القرون الوسطى، فإن شخصيات إيشيغورو تخدع القراء من خلال بعض ما يفصحون به. نثره البليغ يعبر عن آلامهم أو طموحاتهم المقموعة. نحن نشعر بالزمن يتخلل ظلال هذه الشخصيات. كما نرى كيف يواجهون خيبات الأمل والآلام من أجل الكرامة. أوضح إيشيغورو أن سبر أغوار القوة العاطفية في رواياته، يجب أن نفهم أنه يتم من خلال حصر الشخصيات داخل «عالم داخلي [و] وأن لهذا العالم منطقه العاطفي الذي يتفق معه «حيث أنهم في سرد أحزانهم وتفاؤلهم المثمر، يقدم إشيجورو لقرائه وسيلة التعاطف مع ظروف وحالات شخصياته. وتأتي قدرة إيشيغورو على إثارة الشفقة منذ أن انقطع عن الجامعة لمدة عام، عندما عمل مع المشردين، بالإضافة إلى دراسته للبيانو والغيتار، حيث حلم بامتهان الموسيقى قبل أن يتحول إلى برنامج الكتابة الإبداعية في جامعة إيست أنجليا، وما زال يكتب الأغاني ويعمل مع الموسيقيين بوصفه محترفا. باعترافه الشخصي، فإن إيشيغورو كاتب بطيء، فهو ينتج رواية كل بضع سنوات. في عام 2015، عندما جاء إلى دنفر لحضور ورشة عمل فنار الكتاب للترويج لروايته الأخيرة، أجريت معه مقابلة. وأشار إلى أنه قد لا يكون لديه هناك سوى عدد قليل من الكتب المقبلة. قال: 
– نحن لسنا مخلدين، نحن هنا لفترة محددة، هناك عد تنازلي.
وتكريم الأكاديمية السويدية الحائز جائزة تكريم مدى الحياة، حتى الآن، نشر إيشيغورو ثمانية كتب فضلا عن العديد من القصص القصيرة وسيناريوهات تلفزيونية وسينمائية. قد تبدو حياته المهنية مفككة عند التركيز فقط على الروايات المشهورة، «بقايا اليوم» و«لا تدعني أرحل». ولكن عددا قليلا من الكتاب المعاصرين من استطاع أن يتجرأ على تحمل العديد من المخاطر مثل إشيجورو. الرواية الأكثر تعقيدا، ذات الأجواء الكافكاوية «من لا عزاء لهم» هو كتاب وصفه بعض النقاد بأنه رواية مخيبة للآمال. لو وصف كاتب آخر من نوع مختلف بهذا لكان قد كف عن الكتابة، ولكن إيشيغورو صمد وواصل الكتابة. وفي المقابل، على الرغم من أن بعض القراء تقبلوا بهدوء وسعة صدر روايته الأخيرة «العملاق المدفون» فإن إيشيغورو اتخذ قفزة أدبية أخرى: تم تحديد قصة مجازية للغاية في حقبة إنكليزية في وقت مبكر قبل التسجيل التاريخي. الذاكرة، وقمع الألم والعزم على حماية الذات والرغبة في العودة إلى الأماكن، ولكن كل ذلك بطرق استعارية غير عادية. كل رواية هي مثابة إنجاز فردي. كل واحة مشروع متوال يثري قماشة عريضة من صور إيشيغورو لحيوات غريبة. 
خلال مقابلة في لندن عام 2006، شاهدت إيشيغورو يمزح مع ابنتي أثناء الاستراحة. لقد كانا يضحكان حول ما يعنيه الغذاء «شارف»، وتناولا بعض البسكويت وملاعق الآيس الكريم المذاب للوصف أو الشرح. إيشيغورو هادئ عندما يتحدث مع طفلتي الفاتنة. وعلى الرغم من الحزن في كتبه، فإن إيشيغورو راع كريم للبشرية، وقيم رائع للعواطف وقصاص حاذق. لا نعرف كم من الكتب سوف سوف ينشر إيشيغورو. ولكن يمكننا أن نكون على يقين من أن إنجازه الأدبي، سيبقى جسورا.

الكاتبة : سينثيا .إف. وونج 
أستاذة اللغة الإنكليزية في جامعة كولورادو دنفر حيث تدرس الأدب العالمي الحديث والمعاصر. وهي المؤلفة أو المشاركة في تحرير ثلاثة كتب أكاديمية والعديد من المقالات عن حياة وأعمال كازو إيشيغورو. وقد أجرت مقابلتين مع إيشيغورو في عامي 2000 و2006.

٭ كاتبة من هونغ كونغ
ترجمة: محمد عبدالحليم غنيم / مصر
عن القدس العربي

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا