آخر الأخبار
جاري التحميل...

مشاركة مميزة

أناس بيروت بعيون تشيكية: ما لا يُفهم! (3)

عماد الدين رائف  َ عمّال جبّالة في بيروت    دفعت أحداث العام 1958 اثنين من أبرز الرحالة التشيكوسلوفاكيين، يرجي هانزيلكا (1920-2003)...

طقاطيق محرمة

المصيبة والعزاء | عن الشجن في الغناء العراقي

موسيقى

ريم كولاس... فن عمارةٍ مشرعة على الاحتمالات والمستقبل ... تدغم الثابت في المتحرك

حيوات اسطنبول وأحلامها في القرن السادس عشر

مدن

«الحزن الذي لا مفر منه» في روايات كازو إيشيغورو

سرقات محمود درويش

ثقافة

أحدث المواضيع

حوار مع البروفيسور وائل حلاق حول الشريعة والإسلامويّة والدّولة العلمانيّة الحديثة (1 من 2)

3:41:00 م اضف تعليق
كريم محمد

مقدّمة المحاور

لا شكّ أنّ الدكتور حلاق مبرّزٌ بما يكفي لعدم تقدمته. ولكن، كما تجري العادة، فإنّه لا بدّ من تعريفٍ ما. يعمل الدكتور حلاق على مواضيع الشريعة والفقه الإسلاميّ وتاريخهما منذ ما يقارب الثلاثة عقود من الزمان. وقد صدرت له إنتاجاتٌ جمّة، تُعدّ بمثابة أعمال جوهريّة لأيّ دارس للشريعة وتاريخها، وهي، بلا شكّ، تشكل تحدٍّياً كبيراً أمام تيّار استشراقيّ غربيّ واسع.
يأتي هذا الحوار الذي قمت به مع الدكتور حلاق شاملاً النقاش الذي أعقب نشر كتابه الدّولة المستحيلة، والذي كُتبَ فيه الكثير. وقد شرّفني الأستاذ حلّاق بشرف الإجابة المستقصية، وهو العقل - الشخص واسع الصّدر والمعرفة والأخلاق قبل كلّ شيء. سيتم نشر الحوار في جزئين، يمثّل هذا الجزءَ الأول منه.

كانت أجوبة الأستاذ حلّاق بالإنكليزيّة، لذا اضطلعت بترجمته على نحو يجعله كأنّه حوار متسلسل لا ترجمة فيه. ولكن لا مهرب من الترجمة. أليسَ الفكرُ ترجمةً أصلاً، كما علّمنا هيدغر؟

 ليست مهمة هذا الحوار أن يتعسّفَ في إثبات صوابية مقولات الأستاذ حلاق، فهذا يعود لمضمون الأفكار من ناحية، ولفهم القارئ من ناحية ثانية. وهو نفسهُ الذي يتحدث من بداية الحوار عن أن ما يُهمّهُ يكمن في "مركزيّة الأسئلة التي يثيرها الكتاب، سواء أكانت حججي مقبولة أم غير مقبولة، وبأنّ الإشكالات التي يطرحها الكتاب تكمن في لبّ الاهتمامات العربيّة والإسلاميّة"، كما يقول. أملي في نهاية المطاف، أنّ هذا الحوار يضيف، في عمقه ورصانته، آفاقاً للنظر تعضدُ ما في كتب الدّكتور حلاق نفسه من مقولات هامة.


السؤال الأول: ربّما لم يُثر كتاب ضجّة في الساحة العربيّة بعد ما يُسمّى الرّبيع العربيّ مثلما أثار كتابك الذي حملَ عنوانًا لافتًا هو "الدّولة المستحيلة". لقد نقده أقوام، وفرح به آخرون؛ فاعتبره صنفٌ إجهاضاً معرفياً لمشروع الإسلام السياسيّ الذي يحمل لافتة ديمقراطيّة وسط هذا الضباب الاستبداديّ والسّلطويّ الذي يخيّم على المنطقة بأكملها؛ في حين اعتبره صنف آخر تَصفية حقيقيّة لأوهام الإسلامويّة، وبالتالي إثباتًا للفكرة العلمانيّة الرائجة منذ مطلع القرن العشرين (علي عبد الرازق نموذجًا في الإسلام وأصول الحكم) التي تقول إنّ الإسلام لم ينطوِ على نمط حاكميّة سياسيّة. قد تكون، كأكاديميّ مرموق، مزعوجاً من هذه القِسمة الثنائيّة، لكن هذا هو الواقع فعلاً. ونعلم جميعاً أنّ الدّولة المستحيلة لم يُخاطب العرب والمسلمين أولاً، بل الغربيين بالإساس لإثبات عجزهم عن التعاطي الأخلاقيّ الجادّ مع نظرائهم المفكرين المسلمين. لكن اسمح لي، بما أنّ هذا الحوار موجَّه لقرائك العرب خصّيصاً، أن تشرح لنا ما أردتَ قوله بالضبط للعرب والمسلمين في هذا الظّرف الخانق الذي يعيشونه، وفي هذا المأزق التاريخيّ حقيقةً، بعد انسداد كلّ الآفاق المعرفيّة والسياسيّة في أغلب بلدانهم؟

وائل حلّاق: كما يعرف كلّ أحد، فإنّ المؤلف يفقد السيطرة على كتاباته وأفكاره في اللحظة التي تصبح فيها هذه الكتابات والأفكار منشورة على الملأ. ولا يمكنني أن أخبركم كم أذهلتني ردود الفعل المختلفة على الكتاب. لقد عرفتُ من قبل حتى اكتمال المسودّة الأولى أنّ الكتاب سيكون مثيراً واستفزازيّاً من الناحية الفكريّة، لكنّ الكتاب أثبت أنّه يتخطّى كونه استفزازيّاً بكثيرٍ بالنسبة إلى بعض القرّاء. وبالفعل، لقد تمّ تسييس الكتاب فيما وراء الاعتراف بقيمته وأهمّيته. بيد أنّني مرتاحٌ لفكرة أنّ كثافة ردود الفعل تتحدّث عن مركزيّة الأسئلة التي يثيرها الكتاب، سواء أكانت حججي مقبولة أم غير مقبولة، وبأنّ الإشكالات التي يطرحها الكتاب تكمن في لبّ الاهتمامات العربيّة والإسلاميّة.

لقد أساء كثيرٌ من القرّاء فهم الكتاب، يحدوهم طموح سياسيّ من بين أمورٍ أخرى في ذلك، ناسبينَ إلى الكتاب مواقف تتعارض مع أساسات تفكيري بحدّ ذاتها. على سبيل المثال، إنّني أختلف بعمقٍ مع الأطروحة الأساسيّة لعلي عبد الرازق حول الحوكمة الإسلاميّة السياسيّة. ومن ثمّ، ما مِن شيءٍ في كتاب الدّولة المُستحيلة يقرّ أفكار عبد الرازق ويصدّق عليها إذا ما قرئ الكتابُ بشكل صحيح. وإذ كانت الحكومةُ والسياسةُ (بالمعنى العامّ للمصطلحين) أدواتٍ لتنظيم المجتمع في بنيةٍ معقّدة، فقد قدّمَ الإسلام إذن، منذ بدايته، نهجاً متيناً للحوكمة، لكنّه نهجٌ أكثر مرونةً وتغيراً ممّا رأينا في العقدين أو العقود الثلاثة الأخيرة في الغرب (وفي جميع أنحاء العالم مؤخراً). كان عبد الرازق مخطئاً في حجاجه بأنّ الإسلام لم يقدّم نموذجاً للسياسة وللحوكمة. فقد قدّم الإسلام نموذجاً، ويمكن وصف النموذج بأنّه متطوّر جداً، وحتى أكثر تعقيداً في بنيته الداخليّة. بيد أنّ عبد الرّازق، مثله مثل المستشرقين، رأى غياباً في التنظيم القضائيّ والمؤسّساتيّ للإسلام، لأنّ اعترافاً بالنّظام المؤسّساتيّ والسياسيّ-القضائيّ المتين من شأنه أن يقف سدّاً في طريق "الإصلاح الحديث" الذي كان عبد الرّزاق وآخرون كثيرون غيره مندفعين في تبريره وتسويغه. وإذا تمّ الاعتراف بِنَسقٍ "جيّد التنظيم" كهذا بأنّه كان موجوداً على مدار التاريخ الإسلاميّ، فإنّ سؤالاً محرجاً وصعباً سيطرح نفسه: لماذا نختار النموذج المتمركز أوروبيّاً إذا كان التقليدُ الإسلاميُّ قد قدّم لنا نموذجاً كفؤاً بالمثل، حتى وإن لم يكن أكثر كفاءةً؟ حيث إنّ صيغة التبرير وتموقعها في أواخر اللحظة الكولونياليّة إنّما تحدّد من حيث الجوهر أفكار السّواد الأعظم من المفكّرين المسلمين، بمن فيهم أمثال عبد الرّازق. من ناحيةٍ أخرى، يرفض كتاب الدّولة المستحيلة شرعيّة ما يُسمّى بالإصلاحات ويعتبرها جزءاً لا يتجزّأ من مشروع الكولونياليّة، بحيث يُحدّد بنيويّاً هذا المشروع، والذي ترك للمسلمين مفاهيم القوميّة والعقلانيّة المتأصّلة التي ضمنت استمراريّة الهيمنة الأوروبيّة، حتى بعد أن خرجت أوروبّا ماديّاً من كثير من الأراضي الإسلاميّة. وما نراه اليوم هو بقايا هذه الهيمنة.    

ويتحتّم القول أيضاً إنّ أيّ حجّة مفادها أنّ كتاب الدّولة المستحيلة "يؤكّد" أفكاراً كأفكار عبد الرازق يجب أن تنظر إلى الكتاب باعتباره دفاعاً عن العلمانيّة، الأمر الذي يُعدّ قراءةً خاطئة تماماً. وليس سرّاً الآن أنّني معارضٌ أساساً للعلمانيّة، وللإنسانويّة العلمانيّة، وللعقلانيّة العلمانيّة ولكلّ منتجات عصر التنوير التي يمكن أن تكون مسؤولة عن المشاكل الكبرى في العالَم اليوم. وهذا ما أوضّحه بشيءٍ من التفصيل في كتابي القادم عن الاستشراق (٢٠١٨). وبالتالي، فإنّ الحجّة القائلة إنّ كتاب الدولة المستحيلة يناضل ضدّ المشروع الإسلاميّ من خلال نقدٍ علمانيّ هي حجّة سخيفة في أحسن أحوالها.

وأنتَ محقٌّ بقولك إنّ الكتاب كان موجّهاً بالأساس إلى الجمهور الناطق بالإنكليزيّة، لا سيّما إلى الأكاديميين والفلاسفة الغربيين، على الرّغم من أنّ الجماهير العربيّة والمسلمة لم تكن خارج نطاق الكتاب. إذا جاز التعبير، فإنّ الكتاب موجَّه إلى العالم، كما قد كتبتُ سابقاً (لا سيّما بعد ٢٠٠٥)، وذلك بحكم حقيقة أنّ كتبي ومقالاتي تترجم إلى كثيرٍ من اللغات. وهذه الحقيقة ماثلة في ذهني على الدّوام. وإنّه لصحيحٌ أنّ الكتاب، من حيث مضمونه وتداخلاته، كان رامياً أيضاً للاشتباك مع الفلاسفة الأخلاقيين والسياسيين الغربيين. ولم يلحظ الدّافع الأساسيّ وراء هذا الكتاب سوى القلّة القليلة من القرّاء في العالم العربيّ -على حدّ علمي-: أي إحضار منظورٍ إسلاميّ ورؤيةٍ للعالم وتجربة تاريخيّة على طاولة الأكاديميا الغربيّة، ولدفع الباحثين الغربيين، بطريقةٍ ما، إلى الاشتباك مع الإسلام وإيتيقاه وقيمه على قدم المساواة مع ما يُسمّونه بالإرث المسيحيّ-اليهوديّ، وهو الإرث الذي سيطر على النّقاشات لفترة طويلة جداً. فأنا مقتنعٌ، بعد أن درستُ التاريخ الإسلاميّ والتاريخ الأوروبيّ لعقودٍ، بأنّ كثيراً من التطوّرات الفكريّة الغربيّة على مدى آلاف السنين الماضية كانت متأثّرة بصورة كبيرة بالإسهامات الإسلاميّة في المعرفة والثقافة، وأنّ أوروبا استوعبت هذه المعرفة بطرق لا تُعدّ ولا تُحصى، وعلى مدار امتداد تاريخيّ طويل. لكن عندما يتحدث الأكاديميّون الغربيّون عن إرثهم الفكريّ والثقافيّ، فإنّهم يميلون إلى إزالة هذه العناصر من تراثهم الذي أسهم فيه الإسلامُ بصورة كبيرة للغاية.



هذا شِقٌّ من خلفيّة الكتاب. أمّا الشِّق الآخر، فيتعلّق بالإمكانات الكبرى للتقاليد الفكريّة الإسلاميّة للمساعدة في نقد الحداثة ولنقد كلّ آثارها السيّئة. وكما سبقَ وقلتُ في الصفحات الأولى من الكتاب، فإنّ التجربةَ الإسلاميّة بشكلٍ عامّ -بما فيها تجربتها السياسيّة والاجتماعيّة المُعاشَة- يمكن أن تقدّم أرضاً خصبة للنقد وللنقاش، وبمقدورها بهذا المعنى أن توفّر أراضٍ أكثر خصوبة ممّا قدّمه باحثون من أمثال ألسادير ماكنتير -أي من اشتباك ماكنتير مع أرسطو وتوما الأكويني. وليست المقارنات التي حاول عقدها كتابُ الدّولة المستحيلة مجرّد أفكار فلسفيّة، لكنّها أفكارٌ عِيشَتْ في واقع سياسيّ-اجتماعيّ حقيقيّ. باختصار، كان أحد الأهداف الأساسيّة للكتاب أن يسلّط الضوء على مشكلة الدّولة طويلة الأمد في المشروع الحديث ودعوة المفكّرين والأكاديميين الغربيين لإعادة التفكير في هذه المشكلة في ضوء التجارب التاريخيّة الأخرى. ذلكَ مشروعٌ استكشافيّ، وهو مشروعٌ جوهريّ للنقاشات الفكريّة. والتجربةُ الإسلاميّةُ، كونها أباً من أبويْ أوروبّا الحديثة، بمنتجاتها الفكريّة والثقافيّة، يمكن أن تقدّم زاداً وعتاداً كبيراً للتفكير بالطريقة التي يمكننا بها أن نعالج إمكانات الخروج من أزمات الحداثة.

ولكن لسوء الحظّ، في حين أنّ الغرب ينافح من أجل المواجهة وإيجاد الحلول للخروج من الأزمات الحديثة (التي أضحى معترفاً بها في الغرب الآن عموماً -وإنْ بشكلٍ غير كافٍ-)، فإنّ العالمين العربيّ والإسلاميّ يجعجعانِ بتقديم أنفسهما كحداثيين، وهذا ما يفعلونه بالمشي على خُطى الحداثة الغربيّة دون بذل أيّ قدر مهمّ من الفكر الاستقلاليّ والأصليّ. وإذا كان ثمّة شيءٌ تعلّمناه بشأن المشروع الحديث في العالم، فهو أنّ المشروع الحديث كان قصّة العالم غير الغربيّ الذي يحاول اللحاق بالغرب على نحو دائم: فكّلما قلَّدَ العالمُ غير الغربيّ الغربَ أكثر، كلّما تخلّف وراءَه، لأنّ التقليدَ دائماً وبحكم طبيعته يأتي متأخراً. ومع الوقت، يُجسّد العالمُ غير الغربيّ القيمَ والمؤسّساتِ الغربيّة، وبالفعل ينتقلُ الغرب إلى المرحلة الثانية. إنّ كتاب الدّولة المستحيلة أيضاً هو محاولة للتخلّي عن هذا الموقف، وهذا سبيلٌ من العيش والكينونة في العالم. فيشدّد الكتاب على أنّ النّقد الإسلاميّ لا يمكن أن يكون مستقلاً فحسب بل يمكن أن يقود الطريق أيضاً إلى ما يحاول الغرب تجاوزه تحت شعار ما بعد الحداثة. وبالتالي، فإنّ النقدَ الإسلاميّ (إذا كان للمرء شجاعة التفكير بطرقٍ جريئة) لديه القدرة على تقديم حلٍّ ما فوق حديث، أو عنده الاقتراح لحلّ ما، لا لمجرّد تصحيح الحداثة، وإنّما لإعادة هندستها من جديد بالأحرى -من خلال النّقاش العقلانيّ والمقاربة التدريجيّة. إنّه مشروعٌ بطيء وذو أناة، ولكنّه مشروعٌ يجب الاضطلاع والقيام به. وفي حال فشل تحقيق هذا الهدف الطموح، فإنّه مع ذلك يمكن أن يساهم في هذا الجهد، حتى ولو جزئيّاً، بدلاً من أن يظلّ متلقياً سالباً في عالم الإنتاج الفكريّ والثقافيّ.

وإذا تمّ القبول بذلك، فسيصبح إذن من الواضح لماذا يتوجّه الكتاب فوراً إلى كلّ من الجمهور الغربيّ والعربيّ/الإسلاميّ. ويتعيّن على الجمهور الأخير، من إخواننا وأخواتنا الذين يعانون عالماً مضطرباً، أن يدركوا النقاشات -في وسطهم وفي العالَم الغربيّ- من أجل البدء في رؤية قيمة إسهاماتهم في هذا المشروع العالميّ تفكيراً ونقداً. فلا يمكن أن يكون هناك نقدٌ إسلاميّ بدون استيعاب مشاكل الغرب -وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن يكون هناك استقلاليّة فكريّة دون الوقوف خارج البرديغمات [النماذج الفكريّة] الغربيّة المركزيّة.               

السؤال الثاني: لعلّ بمقدورنا أن نقول إنّ اشتغالك الأخير، غير المفصول عمّا قبله طبعاً، هو إبستمولوجياً محاولة للاشتباك مع الفلسفة الأخلاقيّة، واجتهاد في استعادة الأخلاقيّ في شرطٍ أصبحت الأخلاق فيه ذرائعيّة. واهتمامك بمسألة المسؤوليّة الأخلاقيّة واضح، وهو برأيي اهتمام له شقّان لا أدري أتتفق معي في توصيفي لهما أم لا: شقّ معرفيّ بحت لمحاولة إيجاد بيئة أخلاقيّة جديدة بعد إرث عصر التنوير والكولونياليّة الغربيّة، وشقّ سياسيّ لمحاججة المفكّرين الغربيين الليبراليين الذين خدموا، بوعيٍ أو عن غير وعيٍ، السياسات الغربيّة تجاه الإسلام والمسلمين والمنطقة عموماً. وتعود أصولك إلى فلسطين، النّاصرة، البلد المحتلّ عن آخره. ماذا تفيد الأخلاق الآن؟ بمعنى آخر، ما الذي ستوفّره الدّعوة إلى فلسفة أخلاقيّة سياسياً بالمقام الأوّل ومعرفياً في هذا الشرط العالميّ الضاغط؟

وائل حلاق: هذا السؤال مهمّ بشكلٍ عميق. فقد يفسّر بعض القرّاء السؤال باعتباره يقيم تمييزاً ضمنيّاً بين الإيتيقيّ والأخلاقيّ من ناحية، وبين الإيتيقيّ والسياسيّ من ناحيةٍ أخرى. وإنّني لستُ متأكداً بالضبط ما هو قصدهم تحديداً. بيد أنّني يمكنني القول بثقةٍ إنّ مشروعي على مدى العقدين الماضيين كان منصّباً على التركيز على عدم فصل الإيتيقيّ عن أيّ مجال من مجالات الحياة، وهذا يعني أنّني أجدُ نفسي -لأنّ ذلك كان موقفي المُعتبَر- في خلافٍ مع أشكال العقلانيّة التي تقود ما سمّيتُه بالنّطاقات المركزيّة للحداثة ولعصر أنوارها. وأدركُ تماماً أنّ السياسة أكثر ملائمةً من حقول أخرى للنّشاط البشريّ لتوريط نفسها في الهيمنة والقوّة، وبالتالي لتوريط نفسها في السّلوك اللاأخلاقيّ والمعادي لما هو إنسانيّ. وعليه، فأنا لا أرتكزُ على السياسة لكبح السياسة، لأنّ فعل ذلك من شأنه أن يفتح الباب للإساءة والاضطهاد. إنّ فكرة فصل ما يُسمّى السّلطات الثلاثة بأكلمها (التشريعيّة، والقضائيّة، والتنفيذيّة) تسمحُ للسياسة تحديداً، بموجب تدبيرٍ معيّن، بالسيطرة على تعسّفها وتقليصه، وذلك هو السبب في أنّ النظام الحديث فشل كمشروع إنسانيّ وأخلاقيّ. وفي نهاية المطاف، فإنّ السّلطات الثلاثة هي جزءٌ لا يتجزأ من النظام برمّته. إذ تحتاجُ السياسة إلى شيءٍ ما آخر، شيءٍ يقف خارجها، من أجل التحكّم والانضباط، ولا يمكن لهذا الشيء أن يكون نظاماً من الضوابط والتوازنات التي يتمّ الإملاء بها من جانب إواليّة قسْريّة خارجيّاً، مفروضة على الذات من خارجٍ. لقد كانت خارجيّة القسْر هذه هي قصّة الحكم من قبل الدّولة الحديثة، وهي شكلٌ مختلٌّ من التشكّل الإيتيقيّ الذي يسمح، بقوّة، بإنتاج الطغاة والقتلة الجماعيين والأنظمة البيروقراطيّة التي لا تُعدّ ولا تُحصى. ويمكن أن يُرى فساد وتعسّف السّلطة (الذي يعمل عمله تحت محسّنات لفظيّة كثيرة) في كلّ مكان، وآخر طورٍ له يتجلّى أشدّ الجلاء في الموقف الراهن في الولايات المتحدة الأمريكيّة، حتى مع أقبح التمظهرات له في بلدان كثيرة، عربيّةٍ وغير عربيّة. ولا بدّ لي أن أوضّح أيضاً أنّني لا أرى كثيراً من الاختلافات بين المشاريع الكولونياليّة بوضوح والمشاريع السياسيّة الأخرى في الحداثة، اللهمّ إلّا كاختلافٍ في الدرجة.  فمن حيث البنية الداخليّة، ليست الكولونياليّة الإسرائيليّة استثناءً عن حكم الدّولة الحديثة، وإنّما مجرّد درجة مكثّفة منه. ولكي نفهم إمكانات الدّولة الحديثة، يمكن للمرء أن يشخّص ملامحها في الحالة الإسرائيليّة بصورة أكثر يسراً من الحالات الأخرى، تماماً كما يتمّ تشخيص نموّ سرطانٍ بصورة أفضل في حالة متقدّمة. غير أنّ ذلك لا يعني أنّ بنية المرض غائب أو أقلّ إماتةً في حالة مبكّرة. فكما أشرحُ في كتابي القادم عن الاستشراق، فإنّ الدولة الحديثة مهيّأة بطبيعتها لمجموعة محدّدة من المواقف، بما فيها صلاحيّة اللاأنسنْة والقيام بإبادة جماعيّة شاملة. فكلّ دولة قادرة على الإبادة الجماعيّة بواقع كونها دولة (وبالطّبع ذلك جزءٌ من قصّة معقّدة أتناولها بالتفصيل في كتابي القادم آنف الذكر). لكنّ الدّولة مهيّأة أيضاً للقيام بأشياء كثيرة أخرى على نحو معيّن، بما فيها استعمال القانون لتحقيق الغايات الهدّامة، وتعزيز التعسّفات الاقتصاديّة والاستغلال الاجتماعيّ، وخلق المواطن العسكريّ، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.

وبالتالي، فأنا لا أفصلُ بحالٍ بين الإبستمولوجيّ/الفكريّ والسياسيّ. وفي تجربتي الشخصيّة، كانت الكولونياليّة الإسرائيليّة الاستيطانيّة بالطّبع دافعاً كبيراً لبناء نقدي، لكن من المهمّ أن نفهم أنّه في حين أنّ التبدِّي الخارجيّ لهذا الموقف كان سياسيّاً، فإنّ جذوره وأساساته أكثر اتساعاً -وأكثر عمقاً- من ذلك. فليست إسرائيل وأشباهُها مشكلة سياسيّة فحسب. كما إنّه لا السياسة ولا السياسيّ (بالمعنى الشيميتّي) أفكار كونيّة سادت التاريخ البشريّ منذ عهدٍ سحيق: فهي بشكل كبير نتاجٌ لضربٍ معيّن من ضروب التشكّل الأخلاقيّ (الذي يجب أن نقول إنّه غير إخلاقيّ) الحديث. وما الدولة الحديثة، والكولونياليّة، والإبادة الجماعيّة، وخلافه، سوى نتاج وتمظهرات لهذا التشكّل.

إنّ استدعاء الأخلاقيّ هو دعوةٌ للوعي بتشكّل الذاتيّة البشريّة، ووعي بالدّور المحوريّ الذي يلعبه الفردُ، باعتباره أهلاً للمسؤوليّة الأخلاقيّة وللمساءلة. لقد تجاوزت المؤسّسة، في الحداثة، الفردَ عبر استعباد ذاتيّته/ا وفاعليّته/ا، وبالتالي سخَّرته لمقتضيات السّلطة المؤسّساتيّة. فليست مؤسّساتنا الحديثة مجرّد تقانات للتدبير والإدارة -إنّها، بالأحرى، بنى لأشكال بعنيها من العقلانيّة. وأعتقدُ أنّه آنَ الأوانُ للنّظر في إنتاج الذّات الفرديّة باعتباره الخطوة الأولى لأيّة مؤسّسة. ولا أظنّ أنّ هناك ما هو أهمّ من الشّروع في تشكيل نقدنا المتجاوز لما هو حداثيّ. 

السؤال الثالث: يؤسس كتاب الدولة المستحيلة الالتزام على الأخلاق، حيث تقول فيه: "إن الأخلاقي هو نطاق الإسلام المركزيّ". يقوم اليقين و/أو الالتزام على سلطة الضمير كقاعدة للتحكّم في الذات، حيث لا يحتاج الضمير لموجّه، "فأنْ تمتلك ضميراً فذلك يكفي" كما يقول كانط. ويقول روسّو إنّ الالتزام الأخلاقيّ يقوم على سلطة الضمير الذي غرسه الله داخل الفرد من دون العودة إلى الغارس. وهذا ما يجعل طلال أسد يقول إنّنا عندما نجعل الضمير كقاعدة للتحكّم في الذات ألا يجعلنا ذلك أمام شيء حديث ومسيحيّ في الوقت نفسه؟ يعتبر الدولة المستحيلة أنّ أهم مبدأ أخلاقيّ "هو عدم القدرة على أو الامتناع عن ارتكاب عمل ما ليس لأنّك لا تستطيع فعله من حيث المبدأ، بل لأنك لا تستطيع العيش مع نتائجه". هنا تريد أستاذ حلاق تقييد الفعل لواجهة ما يمكن تسميته بـ"الإرادة الاقتحاميّة" (دمار الطبيعة، تفكيك بنى عضوية مثل الاسرة وغيرهما). هنا الأخلاقي يعني الامتناع عن الفعل، وهي فكرة نجدها عند طه عبد الرحمن الذي تُشيد به دائمًا. أصولياً، الأفعال لا تخرج عن: الواجب والمحظور والمندوب والمكروه والمباح. فالواجب لا يمكن أن يقوم على الأخلاقيّ؛ لأنّه ليس نابعاً من الضمير، بل من سلطة النصّ كنصّ، بمعنى لا يمكن الامتناع عن فعله لأنّه يعاقب على تركه ببساطة. بينما يتجسّد الأخلاقيّ في المكروه لأنه متروك لضمير الفرد؛ فإنْ قام به فلا يعاقب وإنْ امتنع عن القيام به يُثاب حيث يوجد خيار الضمير هنا. وهذا أيضًا ينطبق على المندوب. ولا ينطبق على المحظور، فهذا يعاقب على فعله، ويثاب على تركه. وهكذا، ألا ترى أنّ قولك إنّ "الاخلاقيّ هو النطاق المركزيّ للإسلام" يجعل من أفعال التكليف كلّها متساوية أو على مرتبة واحدة؟

وائل حلّاق: أعتقدُ أنّ السبيل الأمثل للإجابة على سؤالك تتمثّل في التفرقة بين الضّمير وما أطلقَ عليه الغزاليُّ وفوكو برياضة النّفس وبتقانات الذات على التوالي. وبرأيي، لم يكن كانط مهتمّاً بهذه التقانات؛ وذلك لأنّه نظرَ إليها باعتبارها رواسب من إرثٍ مسيحيّ استبداديّ. اهتمّ كانط بشكلٍ مكثّف بالإرادة العقلانيّة الحرّة، وكانت "الحريّة" التي دعا إليها متناقضةً إلى حدّ كبير مع مفهوم تقانات الذّات، على الأقلّ بالطريقة التي فهمَها هو في ثوبها المسيحيّ. ولعلّ هذا ما أرادَ طلال أسد أن ينقدَه. فالضمير سبيلٌ مفتوحةٌ للعيش في العالم، وهي سبيلٌ يمكن تعريفها وإعادة تعريفها باستمرار في الإرادة: وهو الأمر الذي يفسّر رواجه في الخطاب والممارسة الليبراليّة. ولا يلتزمُ الضميرُ بالضرورة بإملاءات المبادئ الأولى، وهي تلك المبادئ التي تُعيّن حدّاً، أو ما أسّميه أنا بمرجعيّة، حول السّلوك البشريّ، سواء أكان هذا السّلوك اعتقاداً أو فعلاً. وكون الضمير مروَّضاً إيتيقيّاً -وأنا أستعملُ المصطلح الأخير بأناةٍ وحذر- فيعني أنّه يكون في العالَم بشرطٍ من الهابيتوس* الإيتيقيّ، وهو نمطٌ من التهذيب الإيتيقيّ للذّات الذي يمرّن الرّوح على الاشتباك مع العالم (بعناصره البشريّة، والحيوانيّة، واللامجسَّدة) بطريقةٍ مسؤولة؛ بيد أنّ الأكثر إثارةً من ذلك بشأن ذلك الهابيتوس هو حقيقة أنّ سيرورة الهابيتوس تصوغها وتشكّلها أفعالٌ محدّدة، نسقيّة ومنتظمة، تنتجُ ذاتيّةً محدّدة. وعليه؛ تلفّ المشاكل كثيراً من الليبراليّة وسبل العيش الليبراليّة: فالهبيتوس الليبراليّ مائعٌ وخاضعٌ لتغيُّرات المصالح الماديّة والرأسماليّة والاستهلاكيّة، والتي هي مُحدّدةٌ كلُّها، في نهاية المطاف، بمفهوم الحريّة السَّالِبة (التي ناصرها إزايا برلين ومن على شاكلته كما هو معلوم). ففي الليبراليّة، ليس ثمّة مرجعيّة إيتيقيّة تربطُ دائماً المعتقد والفعل البشريّيْن بالمبادئ الأولى -أي بما هو خلاف المفاهيم المعينة للملكيّة والماديّة والتدبير السياسيّ الخانع. ويجب علينا ألّا ننسى بأنّ هذه التدبيرات الأخيرة ليست مستقلّة، بل تنتجُ مباشرة عَقِب اقتصاديّات وعقب مفهوم محدّد جدّاً للملكيّة. ويمكننا أن نرى آثارَها هذه في بزوغ الشّركة الحديثة وآثارها المدمّرة بشدّة على المجتمع الحديث.

وبالتالي، عندما نتحدّث عن تقانات الذات باعتبارها متّصلة بتصوّر المبادئ الأولى، فإنّنا نتحدّث عن ذاتٍ ملتزمة بمبادئ أخلاقيّة ليس بإمكانها أن تفسّرها بمعزلٍ عن الإرادة. وبكلمات أخرى، عندما تختفي المبادئ الأولى من الحياة البشريّة، فإنّ السيادةَ تكفّ عن البقاء في أيّ شيء يسمو على الإرادة البشريّة، سواء أكان فرداً أو دولةً. بعبارةٍ أخرى، غالباً ما تحرمُ المبادئ الأولى  المجتمع البشريّ من هذه السيادة، هذه السيادة التي أثبتَ وجودها القويّ في الحياة الحديثة كارثيّتها تماماً (كما وضّحت ذلك بإسهاب في كتابي عن الاستشراق).

بيد أنّ تقانات الذّات التي أتحدّث عنها هنا إنّما تقوم بما هو أكثر من مجرّد تخصيص السيادة بالمبادئ الأولى. إذ تخلقُ هذه السيادةُ، أو تستمرّ في خلْق، بنيةً من المواقف والمعتقدات تعملُ عملها دائماً على نحوٍ تتغلّل به في كلّ المواقف بواسطة قالبٍ إيتيقيّ أو ركيزة إيتيقيّة. ولا يعني ذلك، كما قد خَلُصَ كثيرٌ من قرّاء كتابي الدّولة المستحيلة بشكلٍ خاطئٍ، أنّ كلَّ شخصٍ أو مجتمعٍ ككلّ يُدبّر ذاته إمبريقيّاً بطريقةٍ إيتيقيّة. فتلكَ قراءةٌ سطحيّة وانتقائيّة لكتابي، وهي قراءة تبني القشّة بسهولة لجعل مهاجمة الكتاب أيسر لناقدٍ دوغمائيّ ومتهوّر. فعندما أتحدّث عن تقانات الذات، فليس لديّ في اعتباري فقط مفهوم للمعياريّة، وإنّما على وجه التخصيص، مفهوم للمرجعيّة. ولا تنجحُ المرجعيّات تماماً دائماً في تحقيق أمانيها في العالم الفعليّ، ولكن تقفُ بالأحرى كتذكيرٍ لا يتزعزع وكمعايير عنيدة لا يُقاس الواقع ضدّها فحسب، بل يُضغَط به ضدّها. والمرجعيّة الراسخة هي المرجعية التي يكون ضغطها أكثر بكثير من الضغوطات التي تقوم بها مرجعيات أُخَر، لا سيّما إذا كان قالبُ سلطتها ومصدرُها مشتّقاً ممّا أسميته في الكتاب بـ"النطاق المركزيّ". وإذا كانت المرجعيّات الإيتيقيّة بحكم التعريف أخلاقيّةً وإيتيقيّةً، فإنّ منهجَها إذاً هو أقلّ قسريّةً وأكثر تعليميّةً؛ وإنّها، لهذا السبب تحديداً، تسمحُ بمزيدٍ من الانحراف عن المعيار المفروض قسْراً.

ما أطمحُ بالتشديد عليه هو الآثار النَّسقيّة للمرجعيّات؛ بمعنى عملها على الرّوح، بغضّ النّظر عمّا إذا كانت هذه الرّوح الفرديّة ملتزمة بهذه المرجعيّات أم لا. وإذا نُظر إليها على هذا النّحو، فإنّ هذه المقولات مثل "المحظور" و"الواجب" لا يمكن أن تُفصَل عن مقولات أخرى من حيث المحتوى الإيتيقيّ والعلاقة الإيتيقيّة بينهم. لقد شُكِّلتِ الرّوح بتقاناتٍ (وقد تأخذ هذه التقانات أيّ صيغة أو أيّ شكل، وما فقه العبادات أو التعاليم والممارسات الصوفيّة سوى تشكّلين قائمين من بين تشكّلات أخرى) -كما أتحدّث عنها- ليس بمقدورها التمييز، مثلاً، بين "المستحبّ" عن "المحظور"، لأنّ كلّاً منهما أعمال طاعة وتعبُّدٍ نابعة من الذّات الإيتيقيّة نفسها. ومع ذلك، يجب ألّا يعني ذلك أنّ كلّ الأفعال متساوية، لأنّ الأفعال باعتبارها مقولاتٍ فقهيّة-أخلاقيّة خطابيّة قد تكون تراتبيّة، أو ثانويّة، أو غير ذلك. فمن الواضح مثلاً أنّ القتل ليس هو نفسه بمرتبة عبور الشارع والضوء أحمر. كما إنّه ليس "المحظور" مساوياً لـ"المستحبّ". لكنّ هذا ليس موضوع حديثنا. ما هو على المحكّ في إشكاليّتنا هو كيف تعمل المرجعيّة الإيتيقيّة وتقانات الذّات معاً لإنتاج الذات المروَّضَة إيتيقيّاً بقدر ما يرى/ترى الواقع ويتعامل/تتعامل معه، بما في ذلك تشكيلة الأفعال المتاحة له أو لها. فإذا كنتُ ذاتاً تمّ تشكيلها إيتيقيّاً، فإنّ ملكاتي الإيتيقيّة ستتخلّل أيّاً ما أقوم به وتدخل على كلّ أفعالي، سواء أكان عبورَ شارع أو دفعاً لـ"ضرائبي"، أو، إذا كنتُ جنرالاً عسكريّاً، عندما آمرُ بعمل إبادة جماعيّة ضدّ جماعة أخرى. فلا يمكنُ للذات الأخلاقيّة الحقّة أن تكون متشظيّة ولا قابلةً للقسمة.      



السؤال الرّابع: إذا عدنا قليلًا لأعمالك السابقة، لا سيّما "هل يمكن استعادة الشريعة؟" (٢٠٠٤) ثمّ كتابك الكبير الشريعة: النظريّة والممارسة والتحوّلات (٢٠٠٩)، سنجد فكرة مفادها أنّ "الشريعة" كما نفهما اليوم كنسق قانونيّ هي فكرة حديثة جداً، وعلمانيّة بالأحرى، فتقنيين الشريعة هو الصيغة الأكثر تدميراً للشريعة في واقع الأمر، وهو أمر ساعد عليه الاستشراق عندما فهمَ الشريعة باعبتاره "Law"، وأيضاً عندما اختُزلت الشريعة في المستعمرات إلى قانون الأسرة والأحوال الشخصيّة. لا شكّ أنّ هذا الاختزال، كما تشير صبا محمود في الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ وحسين عجرمة في مساءلة العلمانيّة، كان على صلةٍ وثقى بمشروع الدّولة الحديثة للتصرّف في الشريعة وجعلها تحت إمرتها. فهل شارك الإسلاميّون في هذا المنعطف بدعوتهم لـ"تطبيق الشريعة"؟

وائل حلّاق: أودّ، أوّل الأمر، أن أفصل المقالة عن الكتاب. فقد عُدِّلت مقالتي "هل يمكن استعادة الشريعة؟" من جانب كتاباتي اللاحقة، وأعتبر أنّ هذه المقالة مضى عليها الزمن (كما أشرتُ في الدّولة المستحيلة). لذا؛ فهي ليست ذات صلةٍ بأيٍّ من اهتماماتي الراهنة.

أعتقدُ أنّه من المعلوم على نحوٍ واسع اليوم أنّ الشريعة بعد عام ١٨٢٦ لم تعد مثل سالفتِها، اللهمّ إلّا في الاسم فحسب. وكتابي الشّريعة، المنشور عام ٢٠٠٩ هو، بمعنى ما، بيانٌ شاملٌ عن هذا التاريخ. فمن المستحيل أنْ نفهمَ التاريخ ما بعد ١٨٢٦ (وقبله في الهند بقليلٍ) دون إدراك الوجود التامّ للدّولة الحديثة وسلطتها. تكمنُ المشكلة ههنا في أنّ هذه الدّولة، لكونها قويّة وهيمنيّة، غدت مُسْتبْدَهةً ومسلَّماً بها، وحدسي هو أنّ عدداً قليلاً جدّاً اليوم مَن يتصوّر العالَم دون دولةٍ. إذاً، من المفهوم أنّه عندما يهاجمُ بعضُ النّقاد كتابي الدّولة المستحيلة بشراسةٍ لا تلين، فإنّهم إنّما قاموا بذلك لأنّهم ليس بمقدورهم أن يتخيّلوا العالَم دون هذه الدّولة. إذ إنّ الدّولة الحديثة هي -مع الأسف- الحدّ الناظِم لتفكيرهم بصورة قويّة. وأؤمنُ أيضاً أنّ الإسلامويين لم يشرعوا حتّى في التفكير في أشكال مغايرة للحوكمة. فالمشكلةُ، كما أراها، هي أنّ الإسلامويين (بكلّ اختلافاتهم وتنوعاتهم) لا يفهمون ما هي الدّولة الحديثة باعتبارها شكلاً محدّداً من الحوكمة والحكم. وليس الليبراليّون العلمانويّون في العالم الإسلاميّ بأفضل حالاً. يظنّ الإسلامويّون أنّهم حالما يمكن تطبيق نسخة وضعيّة من الشّريعة، فإنّهم سيحقّقون الدّولة الإسلاميّة تلقائيّاً. وهذا خطرٌ كبير يفضحُ الفهمَ المبتذَل لما هي عليه الدّولة حقّاً في الواقع. وعليه؛ فنَعمٌ: الإصرارُ، في آنٍ واحدٍ، على الدّولة الحديثة وعلى تطبيق الشّريعة في ظلّ حكمها سيكونُ إخضاعاً للشّريعة لنظامٍ سياسيّ أعلى، وهو نظامٌ يتعارضُ مع أيّ مفهومٍ للشّريعة -كما عرفناها على مدى اثني عشر قرناً قبل الكولونياليّة-. وإذا كان على الدّولة أن تحدّد محتوى الشريعة واختصاصها، فإذن هذه الشريعة هي قانونُ للدّولة ولا يمكن أن تكون أيّ شيءٍ آخر. وعندما تُملي الفاعليّة التشريعيّة المستقلّة للشريعة على [السّلطة] التنفيذيّة ما بإمكانها أن تفعله وما ليس بإمكانها فعله، فعندها فقط يمكننا أن نبدأ -فقط نبدأ وليس أكثر- في القبض على أساسيّات حوكمة الشّريعة. والحال أنّ هذه الصورة الأخيرة -كما أوضحتُ في الفصل الثالث من الدّولة المستحيلة- متناقضةٌ كليّاً مع الدّولة الحديثة، وليس بوسع أحدٍ من النّاس، إلّا المكابر، أن ينكرَ ذلك.

ولا أظّنه من قبيل المبالغةِ القولُ إنّ الإسلامويين يواجهون تحدّييْن على أقلّ تقدير -وهما التحدّيان اللذان دفعهما كتابُ الدّولة المستحيلة بقوّة إلى المواجهة. التحدّي الأول هو أنّهم ، وقبل الشّروع في أيّ طموحٍ سياسيّ، يحتاجون إلى فهم المبادئ التي حكمت عمل الشّريعة على مدار التاريخ، وذلك حتّى القرن التاسع عشر. فلا يزال هذا الفهم منعدماً، وإنْ كان ثمّة فهم، فيبقى متورّطاً بمفارقاتٍ والتباساتٍ تاريخيّة على أقلّ تقدير. لستُ أقول إنّ الأنماط التاريخيّة الفعليّة لعمل الشّريعة ومؤسّساتها التاريخيّة يمكن بعثها من جديدٍ في عالمٍ اليوم كما كانت موجودةً في الماضي. فهذا أمرٌ مستحيل، كما يجب أن يقرّ أيّ إنسان عاقل بذلك. بيد أنّه من المهمّ أنْ نفهم المبادئ التي حكمت عملَ الشريعة، سواء في العالَم الطبيعيّ أو في التدبير السياسيّ؛ إذ إنّ تلك المبادئ تختلفُ اختلافاً بيّناً عن تلك المبادئ التي توفّرها الدولة الحديثة. ويجب عليّ تبيان أنّه ليست هذه المبادئ مهمّة بسبب هذا الاختلاف فحسب. فهي مهمّة، إذا فُهِمَت بشكلٍ سليم، بسبب كونها تقدّم سبيلاً للمضيّ قدماً؛ لأنّه تكمن فيها بذرةٌ لنقد هادفٍ وذي معنى. فليس النّموذج الماديسونيّ (Madisonian model) الذي تبنّته أوروبا وأمريكا صالحاً لكلّ الشعوب ولكلّ المجتمعات في العالم. حيث إنّ تلك النماذج انبثقت من سيرورة تاريخيّة محدّدة لم تجترحها المجتمعات المسلمة، وذلك لأنّ تاريخهم وشريعتهم عملا عن طريق منطقٍ مختلف.

ثانياً، يحتاجُ الإسلامويّون إلى دراسة الدّولة الحديثة، والتي لم تُفهَم إلّا قليلاً حتى في الغرب. فلم يشرع الإسلامويّون حتى في فهم هذه الظاهرة الكبرى والهامّة جداً. كيف يمكننا أن نمضي وأن نرسمَ شكلاً من الحوكمة دون فهم المعطيات المتاحة لنا، في الواقع وفي الإمكان؟ وإذا بُعث فقيهٌ مسلم من القرن الثاني أو السادس أو العاشر من جديد، لكان له أن يقول على الأرجح إنّ باب الاجتهاد الإسلاميّ قد أُغلقَ تماماً في القرن العشرين والحادي والعشرين. إذ كلّ سيراه ليس سوى تقليد أعمى ميؤوسٍ منه للغرب لا أقلّ ولا أكثر!

ويتحتّم عليّ أن أضيف بأنّه يجب ألّأ نُغرَّ ببعض البرامج الفكريّة المؤثّرة التي تزعمُ أنّها تقدّم "مشاريعَ إصلاحيّة" مستقلّة عن حداثة الغرب. فهذه المشاريع -وأذكر ههنا أحد النماذج البارزة مثل مشروع محمّد عابد الجابريّ- ليست على بيّنةٍ بتواطؤها مع بنى الهيمنة لعصر الأنوار وحداثته. ولا تملك هذه المشاريع سوى مظهر خادعٍ من الاجتهاد، لكنّها، في جوهرها وفي لبّها الحقيقيّ، ليست بشيءٍ من هذا القبيل.

* رأيت إبقاء مفهوم الهابيتوس كما هو دونما تعريب. إذ كلّ المحاولات الترجميّة لها غير مقنعة، أو قاصرة في أحسن الأحوال. وعليه، فلمعرفة المفهوم عند بيير بورديو واستعمالاته السوسيولوجيّة والمعرفيّة، يمكن الرّجوع إلى هذه الدراسة التفصيليّة عن مفهوم "الهابيتوس" من ترجمة الصديق العزيز طارق عثمان، انظر الرابط. [كريم محمد]

المؤلف: وائل حلاق
أستاذ الشريعة في جامعة ماكغيل. وحالياً أستاذ في الدراسات الشرق أوسطية بجامعة كولومبيا. له إصدارات عدة، منها كتاب "الشريعة: النظرية والممارسة والتحولات"، و"الدولة المستحيلة"، إلى جانب ثلاثيته عن الفقه الإسلاميّ تاريخاً ونظريةً؛ غير العديد من الكتب والأوراق العلمية. 

عن معهد العالم

عمرو حمزاوي... خطر هيمنة الأمنيين على الحكم في بلاد العرب

3:16:00 م اضف تعليق
على الرغم من الحراك السياسي الذي حدث في بلاد العرب بصور متنوعة خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أننا لم نقترب أبدا من مشهد تحول ديمقراطي حقيقي. فمعادلة السلطة ما زالت بيد النخب الحاكمة التي تحول بمزيج من القمع والاحتواء والرعوية دون تداولها، تتداخل تكوينات النخب بكثافة مع مؤسسات الدولة على نحو يكرس الإدارة السلطوية للمجتمع ويتلاشى معه عملاً الخط الفاصل بين ما هو سياسي (نخبة الحكم) وبين ما هو تنفيذي (الدولة بمؤسساتها السيادية وأدواتها البيروقراطية).

في هذا السياق تلعب الأجهزة الأمنية دوراً مفصلياً. ويمكن الادعاء، ودونما تعميم يخل بالاختلافات الجوهرية في طبائع النظم العربية، أن المؤسسات الأمنية بشقيها شبه العسكري (أجهزة الشرطة ووزارات الداخلية) والاستخباراتي (أجهزة المخابرات العاملة في الداخل والخارج) تلعب هذا الدور على مستويات ثلاثة. بدايةً، تضبط المؤسسات الأمنية العربية بمزيج من القيود الاستباقية والممارسات القمعية حركة الشارع وتحد من قدرة قوى المعارضة على الفعل السياسي والمشاركة في الانتخابات حين تحضر والتواجد في مساحات المجتمع المدني، سواء تمثل ذلك في منع المعارضين من تنظيم لقاءات جماهيرية أو مظاهرات أو الاتيان بمؤيدين إلى صناديق الاقتراع أو حرمانها من مكاسب مشروعة بتزوير نتائج الاستحقاقات الانتخابية أو حصار المنظمات غير الحكومية المستقلة. تتفاوت درجات القمع من الحالة المصرية إلى الجزائرية مروراً بالحالات العراقية والأردنية والمغربية والحالات الخليجية على سبيل المثال كما يختلف النمط السائد من قمع تعقبي متواصل إلى ممارسات ترتبط بلحظات الأزمة التي تمر بها نظم الحكم المعنية، إلا أن المحصلة الأهم للدور القمعي للمؤسسات الأمنية هي ضمان استقرار واستمرارية نظم حاكمة تفتقد في الأغلب الأعم للتأييد الشعبي وغرس ثقافة الخوف والعزوف عن المشاركة السياسية بين جموع المواطنين.

وعلى مستوى التكوين الداخلي للنخب العربية الحاكمة، تزيد مساحة تمثيل رجال الأمن إذا ما قورنت بالفئات الرئيسية الأخرى من شاكلة التكنوقراط وأصحاب الأعمال وأساتذة الجامعات. تراجع بالقطع، باستثناءات محدودة ربما شكلت الحالة التونسية وكذلك الحالة المغربية الراهنة، حضور الأمنيين في الصفوف الوزارية الأولى من مقاعد السلطة التنفيذية، إلا أن تغلغلهم فيما دونها أو فيما وراءها جلي بين. هنا تكفي مطالعة الخلفيات المهنية للمسؤولين التنفيذيين في الجهات المغربية والمحافظات المصرية والمحليات السعودية للتأكد من ثقل المركب الأمني للنخب. لكن الأخطر من ذلك هو واقع انتزاع المؤسسات الأمنية بحكم نفوذها في العديد من الحالات لما يشبه حق الفيتو على شخوص من يكلف بمنصب تنفيذي عام أو بموقع قيادي في المؤسسات التشريعية والقضائية فضلاً عن الأجهزة السياسية إن وجدت.ثم يكتشف الناظر للنظم العربية سريعاً هيمنة المؤسسات الأمنية على السلطة التنفيذية وتوحشها إذا ما قورنت بمؤسسات وأجهزة الدولة الأخرى. لا تقتصر هذه الظاهرة على الجمهوريات الحديثة التي أرست دعائمها الجيوش بتدخلاتها في السياسة، والقائمون على الجيوش عادةً ما يرون في المؤسسات الأمنية امتداداً مكملاً للجيوش النظامية. بل تتجاوز هيمنة المؤسسات الأمنية الجمهوريات إلى الملكيات والإمارات القائمة بين المغرب والخليج. وفي حين يعود توحش المؤسسات الأمنية في السعودية والبحرين مثلاً إلى الغياب شبه الكامل للأجهزة السياسية الفعالة في الحالتين، يفسر ضعف المؤسسات البرلمانية والأجهزة البيروقراطية المدنية في مقابل الكفاءة التنظيمية العالية للشرطة والاستخبارات ذات الظاهرة في مصر والجزائر. يرتب كذلك شيوع القوانين والمحاكم الاستثنائية وحالات الطوارئ القابلة دوما للتمديد دون اعتبار للاشتراطات الدستورية، وتلك تروم بالأساس وبغض النظر عن الترنيمات الرسمية حول أخطار الإرهاب والتنظيمات الراديكالية العنيفة إحكام قبضة السيطرة السلطوية على المجتمع، إطلاق يد الأمنيين في التعامل مع العديد من ملفات السياسة الداخلية. تفتقد النظم العربية للأدوات السياسية الفعالة لإدارة سيطرتها على المجتمع وتلجأ ما أن تستبين ملامح خطر سياسي أو مجتمعي في الأفق، حتى وإن ادعت توجهاً إصلاحياً، إلى سلاحها الأمضى، البطش الأمني.

ترتب ممارسة الفيتو الأمني انحيازاً هيكلياً داخل النخب العربية لصالح المجموعات المحافظة الراغبة في استمرار أوضاع المجتمع المعني على ما هي عليه في مقابل عناصر إصلاحية تدين بالولاء للنظام ولكن تسعى لتجديد مؤسساته وآلياته. فالعقلية الأمنية لا تخشى من شيء بين الأرض والسماء أكثر من دعاة التغيير. عادةً ما يعني الفيتو الأمني، وهو يشكل عائق جوهري أمام حراك النخبة وتبديل دمائها، ترك النظم العربية إما بشريحة هشة من المصلحين الحقيقيين لا حول لهم ولا قوة أو بمجوعة أكبر من مدعي الإصلاح تصعد أسرع كلما تعاظم ولاءها للعقلية الأمنية.

فتغول المؤسسات الأمنية داخل بنية الدولة وخارجها يصطنع وضعا مشوها يصبح معه الحاكم، من جهة أولى، في قراءته لأوضاع البلاد والتحديات التي تواجهها وفي إدراكه لهواجس ومطالب وأمنيات الناس وكذلك في تحديده للقوانين والقرارات والإجراءات والسياسات واجبة التطبيق اليوم وغدا معتمدا بصورة شبه مطلقة (إن لم تكن مطلقة) على المعلومات الواردة له من المؤسسات الأمنية دون غيرها. ومهما تعددت مسميات هذه المؤسسات وتأرجحت اختصاصاتها وصلاحياتها بين التمايز والتداخل، والأخير يتحول إلى تضارب وتصارع في الكثير من الأحيان، فأنها تظل مثبته الأذن والأعين وكافة الحواس التنظيمية على فحص المواطن واستشعار المجتمع بحثا عن «المؤامرات» التي تحاك ضد السلطة وتوصيفا «للمتآمرين» على «الاستقرار»، وإن لم تجدها أو تجدهم أوجدتهم عنوة. فذلك هو الميل الطبيعي للمؤسسات الأمنية في كل مكان وزمان، وحتما تتلون به المعلومات التي تقدمها إلى الحكام. فتصبح الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعاني منها عموم الناس ليست سوى مؤامرات داخلية وخارجية، وتدرج على قوائم المتآمرين حركات شبابية ومنظمات غير حكومية وقوى ديمقراطية لا تريد لبلاد العرب غير الاستقرار الحقيقي. وعندما تتحول معلومات المؤسسات الأمنية إلى مصدر المعلومات الأساسي (إن لم يكن الوحيد) للحكام، فإن الميل يصير تشوها ويستحيل حديث المؤامرات والمتآمرين سياسة رسمية مكوناتها التعقب والقمع والإقصاء.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.

محمد عبد الحميد بيضون... احتقار المؤسسات واحترام الوصاية من شيم....الثنائية٠

3:11:00 م اضف تعليق

 رئيس مجلس النواب المزمن نبيه بري اظهر لنا في الأيام الاخيرة ثلاث صور فيها الكثير من العبر :

الصورة الاولى يظهر فيها قائلاً ان الضعيف يذ هب الى القضاء وبذلك يوجّه الصفعة الاولى للقضاء ولو ان مجلس القضاء الأعلى لم يرد او بقي غير مكترث بهذا الحكم الفظيع بحق القضاء وتالياً كل مؤسسات الدولة . اما الصفعة الثانية فأتت بحق هيئة الاستشارات والتشريع في وزارة العدل اذ عندما أصدرت رأيها القانوني في موضوع مرسوم اعطاء أقدمية لضباط دورة عام ١٩٩٤ وجاء هذا الرأي في غير مصلحة بري ، رد بري بأن هذا الرأي هو "غب الطلب" اي ان القضاة كانوا مطواعين للذي طلب منهم هذا الرأي ولَم يحترموا الأصول المهنية معرّضاً بذلك بوزير العدل ومن عيّنه وبالقضاء وأحكامه .

 الصورة الثانية تتعلق بقانون الانتخاب. القانون يحتاج الى العديد من التعديلات ليصبح قابلاً للتطبيق ولكن بري الذي نجح في نسف مبدأ ان ينتخب المواطن في مكان سكنه وليس في القرية حيث يتعرض لكل انواع الضغوطات وارهاب الميليشيات كذلك نجح في نسف البطاقة البيومترية التي تحد من عمليات تزوير الانتخابات، بري هذا أعلن انه أقفل الباب امام اي تعديل لقانون الانتخاب وانه لن يفتح باب المجلس امام اي تعديل. لكنه يتناسى ان الدستور يعطي لكن نائب الحق في اقتراح اي تعديل او اي قانون يرى فيه مصلحة للبلد وعلى بري ان يعرض اي اقتراح على الهيئة العامة للمجلس التي وحدها تقرر والنتيجة ان بري انتزع من النواب حقهم الدستوري الأساسي ووجه لهم الصفعة والاهانة. اما الاهانة الأكبر فهي للحكومة فالحكومة هي المعني الاول ولها الحق الدستوري والواجب الدستوري بأن تطرح اي مشروع او تعديل تراه مناسباً لكن بري مدعوماًمن سلاح الوصاية أغلق باب المجلس امام الحكومة نفسها في احتقار ما بعده احتقار وعلى كل حال سبق لبري ان اتخذ موقف احتقار بحق رئيس الحكومة عندما أعلن في الاعلام انه يرفض استقبال رئيس الحكومة كونه قد وقّع مرسوم "الأقدمية " دون ان يكون بري موافقاً.

 كمية الاهانات والاحتقار للمؤسسات الدستورية والقانونية تقابلها صورة ثالثة لبري نفسه في شبه انحناءة امام خامنئي البارحة في إجلال وتكبير للرجل الاول الذي طالبت تظاهرات الشعب الإيراني برحيله وسمته الديكتاتور المسؤول عن تجويع الشعب وعن تبديد ثروات ايران دون اي اهتمام بالاقتصاد او مستقبل الشباب.

 بري ذهب مسرعاً الى طهران ليحضر مؤتمراً للبرلمانات الاسلامية لكنه رفض حضور مؤتمر للبرلمانات العربية مخصص لنفس القضية. المعنى ان بري يعقد الولاء لخامنئي ولكل سياساته التي زرعت الفتنة السُنّية -الشيعية في المنطقة ثم يأتي من يحدثك عن وطنية وعروبة الثنائية.

 مسكين لبنان ومسكين اكثر الشعب اللبناني الذي فقد هويته الوطنية وصار مجرد اتباع لاتباع الولاية او الوصاية.

راقصة في الرمال... محمد سويد

9:29:00 ص اضف تعليق




"في بيروت الكثير من الضوضاء والقليل من النجوم"، قال الفرنسي جان المنقّب عن الأورانيوم في صحراء بعلبك. جان مغامر وزير نساء. عبارته، النامّة عن ضيق صدره من مدينة بولغ في مديحها، ألقاها في حضرة السيدة أورلوف، خالبة الألباب والأفئدة، حاضنة الطبقة السياسيّة ورجال الشرطة والجواسيس المعششين في بيروت، وشهرتُها الكونتيسة.

جاء جان إلى لبنان صحبة صديق في مهمّة شملت الصحارى العربية النائمة على ثروات دفينة. وقع صديقه في مصيدة عشائر بعلبك وقطّاع الطرق. اختُطف إثر عثوره على موقع الأورانيوم وتكتّمه عنه. صار التحرّي عنه مدار دسائس دوليّة. من أجل تحريره، يغادر جان إلى بيروت. زيارته لها سبقتها روحات وغدوات لم يؤثر تكرارها في تخفيف انقباضه من ضجيجها. حين أعرب عن استيائه من ضوضائها وقلّة نجومها، كان يعني أرضها وسماءها. لا يسع هاوي الصحراء، مثله، المعتاد على رحابة المدى والأفق غير هجاء المدن الصغيرة ورثاء النجوم. خلافاً له، لا تضمر الكونتيسة ضغينة لبيروت. المدينة والبلد بأسره في قبضتها، مقيمة فيهما منذ أزلٍ يفوقهما قدماً، كأن وجودها سابق عليهما، غادة بيروت ولياليها، ضيفة شرف الساهرين في داراتها الفارهة، سميرة الأثرياء، أنيسة المقامرين، ساحرة الساحرات، كاتمة الأسرار، همزة الوصل برجال المال والجريمة. لا يجرؤ أحد على مسّ شعرة منها، لا قريب، لا غريب، لا يطعن بها العمر ولا تُطعَن من الخلف. تغدُر ولا تُغدَر. خالية الرحمة، دونها الحنين إلى بشر وزمان وأمكنة. أناسها عشّاقها، زمنها لحظة، وأمكنتها بيروت والبحر والجرد والجبل. على رأس الجبل، تسرح في فناء القصر الشوفيّ، تتمشى في أروقته، تنام في أجنحته، تستقبل طالبي عطفها وسائلي معروفها. قصر بيت الدين ملكها ومليكها، ليس من تراث بل من إرثها وأثرها ومجهول أصلها منبتها. أجنبية ظهرها لماضٍ وكنية غامضين. الكونتيسة أورلوف. في اسمها ملمح الشرّ الروسي في سينما الحرب الباردة. الاسم مركّبُ وهم وإيحاء. ما همّ أن يكون روسياً؟ الكونتيسة تحيا بلقبها، سيّدة القصر، سيّدة لبنان في عرف العارفين. كي لا يستغرقني السرد ورشّ الفلفل والبهار على القصّة تحريفاً لوجهتها، ألفُت عناية القارئ البخيل، أقصد الكريم مع رجاء عدم المؤاخذة، إلى أن جان والكونتيسة محض خيال، ورد وصفهما في فيلم مقتبس من رواية كتبها بيار بنوا، نقلها المخرج النمسوي المولد، الفرنسيّ الإقامة والمهنة، ريشار بوتييه إلى الشاشة، معيداً إنتاجها للمرّة الثالثة ملوّنةً بتقنية "سينما سكوب" (1956) بعد النسختين، الصامتة لماركو دو غاستين (1927) والناطقة للسينمائي الطليعي جان إبشتاين (1934). حملت الأفلام الثلاثة مسمّى الرواية "La Châtelaine Du Liban"، وتولّيت تعريبه بما يتلاءم ومضمونه فجعلتُه "كونتيسة لبنان".

الخيل والإبل والبغدادي
تحوي نسخة ريشار بوتييه تصنيفاً غريباً للمناطق. تضع جرود بعلبك والبقاع وكثبانهما الرملية ومضارب عشائرهما في خريطة الصحراء العربية. عندما شاهدتُها للمرّة الأولى، التبست عليَّ الخريطة. خلتُ أن البحث عن الأورانيوم واختطاف شريك جان، يدوران في مكان ما من شبه الجزيرة العربية. ودفعت حادثة الخطف جان إلى بيروت. زار خطيبته وتبخّرت سريعاً من حياته، وممّا تبقّى من الفيلم، ما إن ارتمى في حضن الكونتيسة. تجواله في بيروت والجبل وركوبه والكونتيسة موكباً من النوق والأحصنة في البقاع، لا يتركان محلاًّ للريبة في أن الفيلم لم يبدأ من خارج لبنان. جغرافيا الحوادث واحدة في البقاع وبيروت والشوف. عن علم أو جهل، يزيّن الفيلم أن لبنان ليس بلداً وإنما بلاد. في مشهد الراقصة، والعازفين المتحلقين حولها جلوساً على الأرض في الزيّ العربي التقليدي وخلفهم البُسط، تنشغل الراقصة بالموسيقى أكثر مما تكترث للكاميرا وزاوية تصوير الرقصة في المربع الليلي. كأن المصوّر في باريس والراقصة في بيروت، والمشهد مشهدان، أحدهما مرئي والآخر محسوس من بعد.
فوق العاصمة، تحوم الهليكوبتر ملتفّةً حول فندقي فينيسيا وسان جورج ومنهما إلى "المارتينيز" في عين المريسة. تتركّز عدسة الكاميرا على بقعة زرقاء شبه كوكب الأرض، كما تُرى من عل في مجموعتها الشمسيّة، زرقة الماء في مسبح يتوسط مقهى شاسعاً لمّ حشداً من روّاده البيارتة المنصرفين في خمسينات القرن الماضي إلى رغد وهدوء، أنيقي الملبس، رقيقي المعشر، فيما يغلي وادي البقاع بمغامرات جان ورفيقه والمؤامرات المموّهة بجمال الكونتيسة.
يخضع إخراج بوتييه لتأثير الأفلام الغربية المتهمة بتركة الاستشراق والمحمّلة انطباعات الرحّالة والإرساليين الأوائل. يتميّز عمله عنها نسبيّاً بازدواجيّة اللوحة الاجتماعيّة والثقافيّة، مازجاً بداوة الجرد اللبناني في حضرية بيروت وزمنها المديني وسياحية الجبل وأثريّة الشوف، من غير أن يخالف كليشيهات الأفلام السابقة عليه في إحالة البيئة العربية على بادية وإبل وجياد ورجال، يستحوذهم عداء الأجنبي والعنف والغضب السريع من التماس بما يغاير تفكيرهم وأساليب عيشهم. نمطية النظرة في "كونتيسة لبنان" ليست بعيدة من صحراوية المنظر العربي وغرائبيته في أفلام الآباء المؤسسين. إذا ما طُرح اليوم مشروع إعادة إنتاج "كونتيسة لبنان" وجيء بمخرج فرنسي لتنفيذه، أخال أن توأمة المنظرين القبلي والمديني في اللوحة اللبنانية لن تكون مدعاة اهتمام. ستُقصى المدينة عن اللوحة أو تُقلّص بنقل دفّة التصوير من بيروت إلى جرود السلسلة الشرقيّة. بيروت أضحت، في شحّ مائها وكهربائها، صحراء موقوفة. لن يُعفَى المخرج المفترض من شبك رواية البحث عن الأورانيوم بالتطرّف الإسلامي عبر ربط الأورانيوم بسعي "داعش" و"القاعدة" إلى استعماله مصدر دخل يدرّ تهريبه أموالاً طائلة موازية للنفط والمخدرات أو استغلاله في تأسيس ترسانة نووية. كلّ السيناريوات قابلة للتحقّق في السينما. لا أنوي ممّا تقدّم، لوْك النقد الدائم عن صورة العربي وبيئته في الغرب. العكس صحيح. يمكن ابرهيم عوّاد ابرهيم علي البدري السامرائي، الملقّب أبو بكر القريشي الحسيني البغدادي، أن يتطابق والعربي الملعون وأفعاله البربريّة في محفوظات هوليوود من أفلام الصحراء. ويمكن محاولته، ردّ الحياة إلى ما كانت عليه من البداوة والحكم بالسيف والحرم، أن تكون ملمحاً من فيلم أميركي موصوم بالسوء في لغة نقّاده العرب. بيد أنه ليس صنيعة هوليوود. البغدادي وليد بيئته، ابن سامراء، وإن أدّى دوراً كما لم يؤدِّه أعتى أشرار أفلام الصحراء. تاريخ الصحراء في السينما من تاريخ هوليوود. دأب منتجو مصنع الحلم الأميركي وكتّابه ومخرجوه على استيهام ألف ليلة وليلة وحكايات بغداد والخلافة والصحراء العربيّة. استولت عليهم ثنائية الرمل والدم. تفننوا في أسلبتها. ثمّة فيلم كلاسيكيّ صُوِّر وأعيد إنتاجه مراراً، "دماء ورمال"، لا علاقة له بالكلام الآنف خلا توحّد الوجد والموت دماً وتراباً. يميل الرمل في أفلام الصحراء إلى الاحمرار، مشبعاً بحمرة الغروب وحماوة الرغبة. تحرق الشمس الأميركيّ، أو الأوروبي، المسافر إلى الصحراء، يدرك بعد فوات الأوان أنه جاء في رحلة بلا عودة، ناشداً مغامرة الموت في لظى الرغبة وهشيمها. الصحراء حاضرة في بروباغندا "داعش"، الأشرطة المبثوثة على الإنترنت تحديداً، صورتها غير مزوّقة، باهتة، وشخصيّتها بلا لون. فراغ. كأنها الفراغ. في أشرطة التعبئة العسكرية، يتسع حجم اللقطة وسع المدى بغرض توجيه الاهتمام صوب كبر عدد مقاتلي التنظيم وتراتبيّة حركتهم واستعراض قواهم ومهاراتهم، على أن الصحراء أكبر من أن يحدّها عددٌ أو حركة. بملابسهم الداكنة يمسي المقاتلون أجساماً سوداء مشلوحة في العراء.

السابقون
حجم اللقطة مختلف في أشرطة نحر الرهائن، يضيق أمام كاميرا ثابتة على مسافة من سفّاح ملثّم يستعد لذبح ضحيّة سافرة الوجه، جاثمة على ركبتيها، موثوقة الأطراف. تتراجع الصحراء إلى الخلفيّة. السفّاح باللباس الأسود، والضحيّة بالبرتقالي. عزا كثرٌ البرتقاليَّ إلى الثأر من غوانتانامو ورمزيّته. البرتقالي، في مشهديته "الداعشية"، يخطف النظر، يحاكي اللهب الذاوي لشمس مؤذنة بالغروب، وهج يلفح عين الرائي ونقطة الارتكاز في اللقطة والتركيز عليها. حجم اللقطة متوسّط. والبرتقالي واسطة العقد بين لونين سائدين في  أشرطة "داعش"، الأسود والأحمر، ثوب القاتل ودم القتيل. البرتقالي، في بساطة، لون الرمق الأخير. قضت العادة، في تنفيذ أحكام الإعدام، بمنح المستهدف بالحكم حقّ الرغبة الأخيرة. في إعدامات "داعش"، تُعطى الضحيّة إشارة البدء في الكلام، يليها السفّاح مهدّداً ومتوعّداً. في المضمون، يتشابه كلام الجلاّد وضحيّته في لوم الولايات المتحدة وبريطانيا وتحميلهما مسؤولية الإعدام. بالإكراه، لُقّنت الضحيّة نصّها. غير أن التحدّث بلسان القاتل لن يعفيها من المصير المحتوم. القاتل والعالم أجمع يتحدّثان بالأصالة عن أنفسهما. وحده القتيل لا يتحدّث عن نفسه. إذا وسعه الارتجال والحيلة، مرّر خاطرة سريعة في الثواني القليلة المتاحة له. دوره أن يمثّل فحسب. كأنه الجزء الروائي من شريط وثائقي. بين القاتل والقتيل لغة مشتركة، الإنكليزيّة. النتيجة أنّ المشاهد يتلقّى شريطاً ناطقاً الإنكليزيّة ومترجماً إلى العربيّة. شيءٌ من قبيل الإنتاج المشترك. أساساً، "داعش" خليط جنسيّات تقاطرت من مشارق الدنيا ومغاربها إنتاجاً لدولة الخلافة الموعودة. أحد الاختلافات البنيويّة بين تنظيمي أبي بكر البغدادي وأيمن الظواهري أن "القاعدة" أقرب ما يكون إلى شركة عبر البحار. أسامة بن لادن، في تكوينه، رجل أعمال واتخاذه السودان مقرّاً، سبق تأسيس "القاعدة" في أفغانستان، قام على دمج عمله الجهادي بمشاريع اقتصادية. "القاعدة" شركة عبر البحار بفروع عالميّة. لمّا أعلن أيمن الظواهري، في 3 أيلول المنصرم، أن تنظيمه سيضمّ شبه القارة الهندية إلى نشاطاته، قال بالحرف إنه سينشئ فرعاً له في الهند. "القاعدة" يتمدّد في العالم. "داعش" يطلب من العالم المهاجرة إليه. مسعاه أن يكون دولة العالم وداره وشريعته.
بعد تصريح رئيس الوزراء جيمس كاميرون بأنّ لقاتل جيمس فولي لكنة قاطني شرق لندن وترجّح أنه بريطاني الجنسيّة، صار مغزى عمليّة إعدام جيمس فولي أن غربيّاً يذبح غربيّاً. في أشرطة دعائية أخرى بينها ما أظهر احتفال مقاتلي "داعش" بعيد الفطر، أجرى المعدّون مقابلات حصرية مع المهاجرين الأجانب. مغمورين بسعادتهم في الهجرة إلى أرض الإسلام، شرحوا، كلٌّ على حدة، دوافع مغادرتهم بلادهم وإقبالهم على الجهاد في سوريا والعراق. أتوا أفراداً وعائلات، مزّقوا جوازات سفرهم وبايعوا أبا بكر البغدادي. بالتركيز على شهادات الغربيين مستثنياً حملة جنسيّاتهم من مغاربة وأفارقة وباكستانيين، رأيت البعض منهم فرحاً بالتنزّه في الشارع على صهوة حصان. بركوب الخيل وممارسة العادات المحليّة والتوق إلى حواري الجنّة، يستعيدون مراجع الافتتان بصور الشرق ومحفّزات الاستشراق. ينقلهم تعدّد الزوجات إلى مُتع الجواري. تُعجبهم غرائبيّته وجوازها واقعاً أكثر من جوازه شرعاً. أوروبيّو "داعش" في الصحراء العراقيّة طبعة غير محدثّة من الاستشراق الغابر، توغل في القدم باعتناق الإسلام وإحيائه على صورة السلف وحياة الأوائل. يحسبون أنهم وفدوا إلى الإسلام من ناحيته السلفيّة فإذا بهم في الجانب السلفي من الاستشراق، يصلحون للظهور في نسخ مجدّدة من أفلام الصحراء. أطاح أبو بكر البغدادي استشراق إدوارد سعيد بالاستصحار العربي. أفنى سعيد جهده مدبّجاً مقالات عن الصورة السيّئة للعربي في السينما والتلفزيون الأميركييْن، ومثله فعل نقّادٌ كثر وما زالوا، وما سئموا. كان الأوْلى نقد نظرة العرب بعضهم إلى البعض الآخر وصور السوداني والشامي واللبنانيّة الشقراء الغاوية ونمطيّتها في السينما المصريّة. غربيٌّ يذبح غربيّاً؟ الفرضيّة ناقصة. للاستشراق رحّالته. عندما أخرج الراحل مارون بغدادي "خارج الحياة" (1991)، استناداً إلى واقعة خطف الصحافي الفرنسي الراحل روجيه أوك في بيروت، على يد "حزب الله" مموّهاً باسم منظمة جهادية إسلاميّة، في كانون الثاني 1987، قال إن الاستشراق في معناه الكلاسيكيّ تغيّر ورحّالته المأخوذين بسحر الشرق تبدّلوا. رحّالته الجدد مراسلون حربيون وأطباء بلا حدود وعمال إغاثة منغمسون في مشكلات المنطقة العربيّة وعذابات أهلها. جيمس فولي، ستيفن سوتلوف، ديفيد هيغنز وأمثالهم نماذج رحّالة جدد. ذبح بريطاني للأميركيين فولي وساتلوف ولمواطنه هيغنز يأتي بحدّ الشرخ بين خارج من الاستشراق وخارجين عليه. كأنّ لا وعي القاتل بالتأثيرات المكوّنة لشخصيّته يقترح استيعاب "داعش" لاستشراق سلفيّ. استكمالاً للصورة في وجهها الآخر، تضمنّت تحقيقات حصريّة بثتها شركة "فايس نيوز" على الإنترنت منذ فترة، مشهداً لمقاتلي "داعش" يزيلون الحواجز ويفتحون الحدود بين العراق وسوريا شاتمين سايكس – بيكو. برسم خطّ في الرمل، قسّم الإنكليز والبريطانيّون الخريطة العربيّة وتوزعوا بلدانها. قبل عامين من الاحتفال بمئويّته، شتم عرب "داعش"، في المشهد المذكور، اتفاق سايكس – بيكو. لعنوه ونعوه. في داعش أيضاً قوميّون عرب وعلمانيّون تحوّلوا إلى الإسلام لألف سبب وظرف. بين الخارج من الإستشراق والخارج من القوميّة والماركسيّة واليسار والأفغان العرب وقدامى "القاعدة" وعشائر الصحوات والبعث والجيش العراقي المنحل والصوفيين والنقشبنديين وأصحاب السوابق، يتسع داعش لكلّ "السابقين". داعش تنظيم الـــ"Ex" بلا منازع.

قهر والبلوى
يحيل سينمائيّو الغرب ومقلّدوهم في الشرق شغفهم بالصحراء على السحر. الظاهر في أفلامهم أن السحر وقفٌ على الصورة. وفي المضمر، السحر ثمرة الشعوذة. "الراقي" لوليم فريدكن، واحدٌ من أشهر أفلام الرعب. لدى إطلاقه عام 1973، أثار ضجة وبلبلة قارعت الذعر أينما عرض. في لبنان، طرحه جهاز المراقبة على السلطات الروحيّة قبل الترخيص لسينما سارولا بعرضه. عبرة "الراقي"، أمس واليوم، أن حوادثه الجارية في أميركا ترجع بخلفيّة بطله الأب ميرين (ماكس فون سيدو) طارد الشيطان والأرواح الشريرة إلى مشاهداته المفزعة في موقع للحفريات الأثريّة في العراق. الآثار فاتحة شهيّة صانعي أفلام الرعب وهواتها. تجذبهم مومياءات مصر ولعناتها. تفتنهم الخرافة، تفتنهم الشعوذة. العام الفائت، شاهدتُ فيلم رعب متواضعاً، "الشعوذة" لجيمس وان. يهمنّي من ذكره تحديده الشعوذة بثلاث كلمات: الابتلاء، القهر والاستحواذ. أعاد "الراقي" منشأ الرعب إلى العراق. منذ صعوده حتّى قيام التحالف الدولي لمحاربته واجتثاثه، كتب وصرّح كثرٌ بأن "داعش" "منّا وفينا". على قدر ما يتوخّاه الكتّاب والمصرِّحون من موضوعيّة في توصيف الحال، تعكس معادلة "منّا" و"فينا" تداخل العلاقة وتؤكّد أنّ ما فات قد فات وأنّ الراهن والمُنتظر والآتي في حياتنا سيكون موسوماً بالابتلاء، القهر والاستحواذ.
يمضي "داعش" في صنع صحرائه وأسطورته. بمصادرته عمق المنظر وانتحال شخصيّاته أشرار هوليوود من عرب الخلافة البغدادية، يستحيل إنتاج الجديد من أفلام الصحراء في معزل عن المنظر "الداعشي". على مساوئه، تثير مشاهدة "كونتيسة لبنان" اليوم شجناً وحنيناً ليس في الإمكان تفاديهما. ربّما لأن الفيلم أُنتج في فترة وداعة ووداع سبقت منازعاته الأهليّة.

مصريّان في الغربة
قبل عامين من فتنة 1958. أخرج ريشار بوتييه طبعته الخاصّة من رواية بيار بنوا. وقبل عام من حرب 1975، تعاون مصريون ولبنانيون وسوريون على إنتاج "حبيبتي"، بطولة فاتن حمامة ومحمود ياسين، وإخراج بركات. في جنينة الصنائع، تجمع الغربة والوحدة رسّاماً فاشلاً وموظفة مكتبة من مصر، يعملان ويقيمان في بيروت. داخل شقته المطلة على مقهى الحاج داود، يفوز مجدي بقبلته الأولى. ينقطع التيار الكهربائي! "الدنيا ظلمة"، تقول ساميا. تسأله أن يشعل الضوء. يجيب، "ده بيحصل دايماً كده في بيروت". لو بُعث المخرج بركات والسيناريست عبد الحيّ أديب حيّيْن وقدّما نسخة محدّثة لأضافا إلى جواب مجدي أن العتمة ستطول لأن مياومي شركة كهرباء لبنان يحتلونها احتجاجاً على عدم تثبيتهم. وإذا أصرّ كاتب السيناريو على مراعاة الدقّة في الصفة المهنيّة للمياومين، فلا أدري إن كان في استطاعة محمود ياسين لفظ "جباة الأكراء" بلهجته المصريّة. حوارات الممثلين ليست مشكلة. يمكن حلّها على الورق. الصعب عودة فريق التصوير إلى مواقع بات الوصول إليها متعذراً. في النسخة القديمة من "حبيبتي"، تزور ساميا مقام السيدة زينب في دمشق. في حال رجوعها اليوم إلى المرقد المقدّس، ستجده في عهدة "حزب الله" و"عصائب الحقّ" والشبّيحة. لن يكون في وارد المنتجين تحويله عملاً تجريبيّاً يجعل مشهد الزيارة فاصلة وثائقية أفلتت من سينما الخيال إلى سينما الحقيقة، سينما المباشرة. لن يعمدوا إلى مخالفة أصول الصنعة متفادين الذمّ بالمعتقدات والأخلاق والآداب العامَّة. لنجوم الأغنية والمسلسلات والأفلام الرائجة في العالم العربي شعبيّة واسعة ومشاهدون وقرّاء يتابعونهم في برامج تلفزيونية وعلى غلف مجلات زاخرة بأخبارهم. لا تتوانى الأمم المتحدة عن تعيين المشاهير منهم سفراء للنيّات الحسنة. محببون ومحبوبون ومستحبون. يحبّون المعجبين بهم ولا يحبّون بعضهم بعضاً. يحرقهم الحسد والغيرة. تشجعهم الصحافة الصفراء على التجريح  بمنافسيهم وتعييرهم. يتسلّى الناس بفضائحهم ما داموا في مأمن منها. حياتهم الشخصيّة ملكٌ عام. وحياة الجمهور حقّ عليهم. زلاّت ألسنهم حيال مواطنيهم غير مغفورة. يعرفون القاعدة جيّداً. يزنون كلماتهم. لا يصرّحون بغير المتفق عليه، ويذكّرون دوماً بمآثر أوطانهم في أخوية الدم والعروبة وتسامح أهلها وتعايشهم بأديانهم سواسية كأسنان مشط. ليس أقلّ المفاخر بلاغةً، اضطرار المخرج بركات منذ البدايات إلى إقناع نفسه بحكمة حذف اسمه الأول، هنري، وتوقيع أعماله بشهرة عائلته. ماذا كان فعل المسكين المعثّر لو أنه من آلِ جرجس، أو غرغس على نطق المصريين للجيم؟ ما كان تخلّى عن سكوته. سكت. على ضَيْم، هرب مع الهاربين من تأميم السينما وفرض الحراسة على الممتلكات الخاصة في عهد عبد الناصر. أسس في بيروت شركة "بركات - شويري" للإنتاج والتوزيع. قرب المبنى الحالي لجريدة "السفير"، فتح مكتباً. أرضاه رصيده من الاحترام وامتياز أنه آخر مخرج اطمأنت فاتن حمامة إلى العمل في معيّته. "حبيبتي" ليس أفضل أعمالهما. شريطٌ ساير موجة من الميلودراما العاطفية، انتشرت منذ النجاح الخرافي لفيلم أحرق القلوب، "قصّة حب"، أخرجه آرثر هيلر عام 1970، مع ريان أونيل وآلي ماكغرو. وتميّزت أفلام الموجة بسدل ستارها على ضربة قدر تردي المرأة العاشقة بسرطان خبيث وتعقب وفاتها احتضاراً طويلاً مسيلاً للدموع. لم يشذّ "حبيبتي" عن مألوف موضته بسوى استعارة نهايته من بدايات فيلم آخر من كلاسيكيات هوليوود، "علاقةٌ للذكرى"، مع كاري غرانت وديبورا كار ومن إخراج ليو ماكاري عام 1957. بدل موتها بمرض عضال، تدهس سيارة ساميا أثناء اجتيازها الطريق راكضةً لموافاة مجدي. كان مقبولاً إنتاج شريط متواضع تدور مشاهده بين حديقة الصنائع وشارع الحمرا وكورنيش المنارة وشقّة ومستشفى. وكانت فاتن حمامة في غنى عن العَدْو إلى مرقد السيدة زينب في دمشق لولا اضطرار بركات إلى إقناع نفسه مجدّداً بوحدة الحال والإيمان.
"حبيبتي"، عيّنة صغيرة من جزية التذكير بآخر ما يودّ مفجوعو الحروب الأهلية مشاهدته وسماعه عن أواصر المودّة والقوميّة. عيّنة برّر تركيبها على أسس الإنتاج المختلط عربيّاً تضمينها "رسالة" قوميّة جامعة تسهّل خروجها من أسوار الصنائع وأرصفة الحمرا وشاطئ المنارة. الرواية في بيروت، ينطق الفيلم لهجة ساميا ومجدي إلى أن ينعم السيناريست على ساميا بصديقين مسيحيين خطيبين، أنطوان وجورجيت، يؤدي دوريهما ممثلان سوريان، هاني الروماني ولينا باتع. تعرّفهما ساميا إلى مجدي على أنه خطيبها. يركب الأربعة في سيارة أنطوان في نزهة إلى مصيف سوري. يعلم مجدي من ساميا أن لها أختاً متزوجة في حلب وأن لمقام السيدة زينب في القاهرة نظيراً في دمشق. للاختلاء بساميا، لن يعدم حيلة في اصطناع حجّة ترغمه والشلّة على المبيت في المصيف. يعبث بمحرّك سيّارتهم ويجدّون في طلب ميكانيكي يعتذر عن ضيق الوقت والتريّث في إصلاح العربة حتّى صباح اليوم التالي. يسلّمونه المفاتيح وينزلون في فندق. منعاً لاختلاط الجنسين، يتوزعون على غرفتين، مجدي وأنطوان على حدة، وساميا وجورجيت معاً. بالتواطؤ مع شريكه في الغرفة، يدبّر مجدي خدعة. يتمارض أنطوان. تهرع جورجيت إليه. يخرج مجدي. يدق على باب ساميا. تفتح. تراوده عن نفسه. ينقضّ عليها. تردّه. الحبّ في رأيه رغبة، وفي نظرها عطاء، على ما جاء في المقدّمة الإعلانية للفيلم. تنفر منه. تطلق ساقيها للريح. تصحبها الكاميرا وموسيقى الياس رحباني إلى مزار الست زينب. تتشفّع بها تصلّي أن تقيها وتبقيها، مثلها، "طاهرة وشريفة". رجاؤها عفّتها. تبكي. لا يدري أحد ماذا جرى بين أنطوان وجورجيت في الليلة نفسها. يتركهما الفيلم في حجرتهما. لا يلمّح إلى استياء جورجيت من مكروه وهرولتها إلى أقرب مزار للسيدة العذراء. تُقلب الصفحة سريعاً. تُكلّل جورجيت في زفاف كنسي. ساميا ومجدي حاضران. ازدادا حبّاً. ما حدث غيمة صيف وعبرت. بتقطيع مقتضب، قال الفيلم ما قاله في الرحلة السورية. في سبعينات القرن العشرين، تأدّى عن هروب الرساميل المادية والبشرية من مصر الناصريّة دخول السينما المصرية في مشاريع إنتاج مشترك، عمقها التجاري لبنان وسوريا. تأميناً لرواجها، عمد منتجوها إلى تطعيمها بلهجات محكيّة متعدّدة الجنسيّة. ومدّ مناطق تصويرها امتداد البلدان المساهمة في إنتاجها. ضمّنها خطب إعجاب ومودّة حيثما حلّت الكاميرا. بتقطيع مقتضب استلزم تصوير مشاهد إضافيّة في سوريا، دفع بركات ضريبة الوحدة الجامعة بين المصريين واللبنانيين والسوريين وتنوّع أديانهم وائتلاف قلوبهم وانشدادهم في ما بينهم غراماً وهياماً... وعزوفاً عن الزواج المختلط! يحاكي مديحهم شعار "البعث"، "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة". في المحصلة، أتى البعث السوري، فتك بالبعث العراقي، أصبح وحده وهزم الأحزاب وحده. طغى وتجبّر. كان "حبيبتي" من آخر شواهد لبنان الواحد. بعد أقلّ من عام على عرضه في الصالات، اشتعلت الحرب وهجّرت هنري بركات. واصل نشاطه في القاهرة من عمارة الإيموبيليا. في أوج القصف والدمار، لم تتزحزح آرمة مكتبه في نزلة السارولاّ. صمدت على حائط الباحة الخارجية لمبناه.
"كونتيسة لبنان" و"حبيبتي" فيلمان من عشايا محنتَين في بيروت، حربَيْ 1958 و1975. مات الكثير ممّن عملوا في الفيلمين، أودعتهم بيروت سحرها ورحلت معهم. بيروت ابتلتهم، قهرتهم، استحوذتهم. عام 1997، رحل هنري بركات. لحق به هاني الروماني عام 2010، مضيفاً إلى سيرته الحافلة على الشاشتين الكبيرة والصغيرة وخشبة المسرح عضويته المتواصلة في مجلس الشعب السوري. قبله بعام، توفيت كونتيسة لبنان الفاتنة الإيطاليّة جيانا ماريا كانالي وسبقها معظم العاملين في الفيلم وفي مقدمهم مخرجه ريشار بوتييه وجان - كلود باسكال الشاكي من ضوضاء بيروت ونجومها. على رغم مصرعه على الشاشة، استمرّ موكرير مغامر الأورانيوم في سجلّ الأحياء. لم يختر بوتييه ممثلاً فرنسياً أو أوروبياً لتمثيل دوره. وهب الفرصة إلى ميشال شلهوب، الشاب الإسكندراني المولد، المدعوّ عمر الشريف. كان في مستهل شهرته العالمية المتوّجة لاحقاً في "لورنس العرب".

ستريبتيز في روما
بخلاف "حبيبتي" والإنتاجات العربية والغربية المصوَّرة في لبنان، كادت لائحة ممثلي فيلم بوتييه وفنيّيه تخلو من اللبنانيين. أُسندت شخصية الضابط مالك، قائد مخفر الدرك في ساحة البرج، إلى الفرنسي روبير دالبان. اقتصر الحضور اللبناني على راقصة بار. سمراء غاوية العينين والشامة، ممشوقة، رشيقة، دوّارة. المعلومات المتوافرة عنها شحيحة. يحتاج تحصيلها إلى لملمة نتف معدودة الكلمات، مبعثرة بين المطبوعات والمواقع الإلكترونية. ولدت في شباط 1936 في بيروت باسم كياش ناناه، أصلها تركيّ من جذور أرمنيّة. تعمّدت فنيّاً باسم عائشة نان، وكان يُكتب في اللاتينيّة وتُحرّك حروفه في ثلاث صيغ مختلفة. عُرفت أيضاً بعائشة نانا نور. بدأت احتراف الرقص مبكراً في الرابعة عشرة من عمرها. وفي العشرين، منحها "كونتيسة لبنان" فرصة ظهورها الأوَّل على الشاشة، تلاه "لمسة شمس" بفارق زمني قصير جدّاً لا يتجاوز الشهر. من المحتمل أن الفيلمين صُوِّرا في فترة واحدة تقريباً بدليل خروج الأوّل إلى الصالات في أيلول والثاني في تشرين الأوّل 1956. تطلّب إنتاج "لمسة شمس" وجودها في بريطانيا. من لندن، تنقلت بين فرنسا وإيطاليا. وداعاً بيروت. استقرت في روما واختلطت بالأثرياء والفضوليين. ككلّ الساعين إلى الشهرة، كانت في حاجة إلى إثارة صدمة. الخامس من كانون الأول 1958 تاريخ محفوظ في أرشيف الشرطة الإيطاليّة. ليلتها، شاركت في الاحتفال بعيد ميلاد أريستوقراطي من روما. أقيمت سهرة باذخة في مربع "روغانتينو" وتسلّل إليها المصوّر تازيو سيتشيارولي. كانت الممثلة الأسوجية أنيتا أكبرغ موجودة. رقصت حافية. نزلت عائشة إلى الحلبة. ألهبت الحاضرين. تعرّت من ثيابها. هاجت القاعة. على عجل، دهمت مفرزة الآداب المكان وقفلته بداعي خدش الحياء العام. خرج سيتشيارولي بعشرات الصور. نشرتها الصحف. ضجّت روما. ألهمت الحادثة فيدريكو فيلليني. عام 1960، أعاد في تحفته "لا دولتشي فيتا"، مع مارشيللو ماستروياني وأنيتا أكبرغ. ومن سيتشيارولي، صمّم المخرج الكبير شخصيّة المصوّر باباراتسو - واشتقاقاً "باباراتسي" أو "باباراتزي" وفق الوصف الشائع لمصوّري الفضائح.
أضافت عائشة إلى رصيدها من الرقص الشرقي الستريبتيز. خلّدتها صور سيتشيارولي. لم يطلبها فيلليني للعمل في أفلامه. ظلت حتّى آخر أيامها ملهمته. في بيروت، لبست بذلة الرقص الشرقي. وفي روما، تعرّت. روما ابتلتها، قهرتها، استحوذتها. ما عاد يكفيها هزّ البطن ورنّة الخلخال وكشف المفاتن. بعد تسعة أعوام على "كونتيسة لبنان" و"لمسة شمس"، واتاها الحظّ في السينما الإيطالية. عام 1972، تزوجّت من سرجيو باستوري، صحافي وكاتب سيناريو ومخرج أفلام ضئيلة الموازنات والأهمية. لم تنجب منه. تطلّقا. واصلت عملها في السينما واحترفت الكتابة. مجموع أفلامها خمسة عشر وأدوارها ثانوية في الغالب، باكورتها وسترن إيطالي - إسباني، "الشريف لا يطلق النار" (1965). لها فيلم مأخوذ عن قصّة بقلمها، "إديبيون" (1970). أشهر أعمالها "الوحوش الجدد"، إثنا عشر سكتشاً تقاسم إخراجها الثلاثي دينو ريزي وإيتوري سكولا وماريو مونيتشيللي (1977)، و"قصة بييرا" لماركو فيراري (1983)، و"الملك داود" للأوسترالي بروس بيريسفورد مع النجم الأميركي ريتشارد غير (1985). منذ فيلمها الأخير، انكفأت إلى عزلة لا رادّ عنها. طوال الأعوام الماضية، حاولت العثور على أفلامها، وإن تيسّر، كتاباتها. وفّقت في القليل، وأقلّه إقامتها في لاتسيو، أحد أقاليم العاصمة الإيطالية، وعنوان حيّرني، مؤلف من كلمة فحسب، "أورليا". أهدرتُ الوقت منقّباً عن العنوان. وجدتني أمام عنوان آخر. في "كونتيسة لبنان" لقطة لملصق إعلاني عن عرض الفيلم المصري "صراع في الوادي" ليوسف شاهين مع فاتن حمامة وعمر الشريف. يذكر الملصق اسم صالة العرض، "سلوى"، ويغفل عنوانها. خدمة للمعرفة،  أتبرّع بالآتي: تقع سينما سلوى في المزرعة، مدخل حيّ آل العرب، قرب مطعم منصور وعلما، أحد أقدم باعة النيفا في بيروت. أتكون سلوى نفسها أورليا؟ سلوى مكانها معلوم وأورليا مجهولة المكان. لا يجوز تحميل سلوى أكثر من حجمها في لقطة برزت فجأة، وحشرها المخرج ريشار بوتييه حشراً، على سبيل تبييض الوجه، تحيّةً إلى ممثله الصاعد الشاب العربي الأسمر المنقّب عن الأورانيوم في وادي البقاع. لو عاد أمر تكريم ممثل من طاقم "كونتيسة لبنان" إليّ، لما توانيتُ عن خصّ بنت البلد عائشة نانا بالتحيّة عن إطلالتها السينمائية الأولى، وإن في مشهد يتيم غير متكلم يتحرّك بعينَي راقصته ناطقاً جسداً سلسبيلاً. مشهد أسرني بحثاً عن صاحبته عائشة. عائشة ابتلتني، قهرتني، استحوذتني. أتكون أورليا عائشتي، أم أنهما سلوى وشاشتها مجتمعتان؟ أمضيت مراهقتي في عتمة سينما سلوى مجاوراً ساحة البربير وتظاهراتها المدويّة. كانت واحدة من صالات الترسو. بدأت بفيلمين في عرض متواصل. وتدهورت حالها في الحرب وراحت تعرض ثلاثة أفلام في حفلة ثم أربعة فخمسة تتخللها لقطات مقتطعة من أشرطة جنسية أمر الأمن العام بحذفها. تفتح الصالة أبوابها من التاسعة أو العاشرة صباحاً وتستمر من دون استراحة إلى منتصف الليل. أيام الحرب، أُمطر محيطها بالقذائف العشوائيّة وأصابت قذيفة هاون من عيار 82 ملم مطعم النيفا، أردت طبّاخه وصاحبه ومزّقته إرباً. لم يتأثر العرض. استمرّ. واستمرّ في أسفاري ومناماتي. تشدّني "سلوى" دوماً إلى زيارتها، وغالباً ما أمتنع. منذ بضعة أسابيع حاولتُ وأحجمت. لم أشأ المرور برؤوس النيفا. كفاني ما رأيته أخيراً من رؤوس محزوزة. عوض الذهاب إلى منطقة البربير، اخترتُ البحر. رأيته يتماوج راقصاً على كتفي عائشة نانا. لم يعد يشغلني عنوانها. تبدّد لغزه آنئذ، تحديداً صباح الخميس 30 كانون الثاني من السنة الجارية، مع ورود نبأ وفاتها في "الغارديان". بثماني عشرة كلمة اختُصرت حكايتها. تحت عنوان "الراقصة التي ألهمت "لا دولتشي فيتا" ترحل عن 78 عاماً"، ذكرت الصحيفة البريطانيّة أن "عائشة نانا اشتهرت بفضيحة تعرّيها في روما وأعاد فيدريكو فيلليني خلقها في فيلمه الكلاسيكي". من تداول الخبر في بعض المواقع الإلكترونية، عُلِمَ من محامي الفقيدة أنها أسلمت الروح ليل الأربعاء 29 كانون الثاني 2014 في مستشفى "أورليا"، وعانت مرضاً لم يكشف عنه.
من المنارة صعوداً إلى شارع الحمرا، مررتُ في عين المريسة وسرتُ في شارع فرعي متجهاً إلى حيّ خلفي من منطقة الفنادق، سبق تصويره من الجوّ في "كونتيسة لبنان". حلّ فندق "راديسون بلو" محل "المارتينيز"، محاذياً معالم ناشئة حديثاً، تحوطها جدران مزدانة بملصقات حركة "أمل" وصور رئيسها نبيه بري، ومطلية بألوان رايتها. على طول الطريق حفريات ترميم مجاري المياه المبتذلة. لا رصيف. علقتُ وبعض المارّة بين السيّارات المزدحمة صعوداً ونزولاً. ما بدا من الجوّ قبل زهاء ستين عاماً كوكباً مائياً أزرق، ليس الآن إلاّ حفراً رملية في مدينة جفّ ماؤها وخبا ضوؤها. وجدتُ الحيّ أكثر ترهّلاً ورخصاً في ما تبقّى من بارات ومطاعم وملاهٍ. "في بيروت الكثير من الضوضاء والقليل من النجوم"، قال جان الفرنسي. لم يعلم جان أن عائشة نانا نجمة ضالّة في سماء بيروت. الصارخ والجميل فيها أنه بينما كان القتلى يسقطون في بيروت 1958، كانت ملابس نانا تتهاوى قطعةً قطعة فوق حلبة الرقص في روما. بيروت – روما كانت بيروت - نانا. ونانا بنت بيروت، لمسة شمس ليلها ونور ظلمتها.

مي الرحبي...غواية أم تحرش؟

3:05:00 م اضف تعليق


أعاد حفل الغولدن غلوب، وخاصة الكلمة التي ألقتها أوبرا وينفري فيه، الألق لحملة «أنا أيضاً /#me_too » التي أثارتها في العام الماضي الممثلة الأمريكية أليسا ميلانو، والداعية إلى عدم الصمت ورفع صوت النساء عالياً ضد التحرش الجنسي الذي يتعرضنَ له، ويصمتنَ خشية نظرة المجتمع، أو خشية فقدان مصدر رزقهنّ عند تعرضهنّ للتحرش في أماكن العمل. تلك الحملة التي تجاوبت معها المنظمات النسوية في كل أنحاء العالم، وملايين النساء اللاتي بُحنَ لأول مرة على وسائل التواصل الاجتماعي بتجارب التحرش الجنسي التي تعرضنَ لها، وصمتنَ عنها طوال حيواتهنّ.

في كلمتها تحدثت وينفري بكلمات مؤثرة عن امرأة سوداء تعرضت للاغتصاب من قبل عشرة رجال بيض هددوها بالقتل إن أشارت بكلمة إلى الحادثة، هذه السيدة صمتت طوال حياتها ولم تَبُح بما تعرضت له، وتوفيت قبل عشرة أيام دون أن يُعاقَب أيٌّ من مرتكبي الجريمة بحقها.

بجملة مؤثرة صرخت أوبرا وينفري عالياً «The time is up / انتهى ذلك الزمن»، انتهى الزمن الذي تصمتُ فيه النساء على جرائم التحرش والاغتصاب بحقهنّ؛ عليهنّ أن يعلنَّ ذلك على الملأ، فهذه الجرائم لا تعيب ضحاياها بل تعيب مرتكبيها: آن الأوان لتقف النساء في وجه العقلية الذكورية التي تعيبُ عليهنَّ أن يفضحنَ مرتكبي الجرائم، ما يجعلهم يستمرون في حيواتهم يسرحون ويمرحون، ويرتكبون المزيد من جرائم التحرش.

مقابل ذلك، فاجأت الممثلة الفرنسية الشهيرة كاترين دونوف بتوقعيها، هي و100 امرأة فرنسية، منذ أيام عريضةً ضد هذه الحملة، إذ دافعت عن حق الرجال في «المغازلة»، وفق ما جاء فيها، مُحذِّرةً من «التزمّت»، ومعاقبة الرجال على مجرد «لمس ركبة امرأة»، وحَمَلَت على النسويات موقفهنَّ الذي وصفته بالعدوانية والوقوف ضد مسألة طبيعية هي الغواية بين الجنسين، وأن الحملة ظَلَمَت بعض الرجال الذين فُصِلوا من أعمالهم وتمت إدانتهم دون محاكمة.

وركزت دونوف وزميلاتها في البيان على أن المغازلة، ما دامت تتم بين شخصين بالغين، فهي أمرٌ طبيعي، ولا تجوز إدانته، لكن دونوف نَسيت أو تغاضَت عن أن ما كان يحدث في هوليوود وفي أماكن أخرى كثيرة في العالم، هو تحرشٌ من قبل رجل يمتلك سلطة، ويهدد من ترفض «مغازلته» -على رأي دونوف- بحرمانها من لقمة العيش أو فرصة العمل، وأن الغواية هنا تتم من قبل رجل صاحب نفوذ يستغل شابات يدخلن مجال التمثيل حالمات بالشهرة. والأسوأ بكثير، من قبل رب عمل في الدول الفقيرة يهددُ النساء اللاتي لا يستجبنَ له بقطع أرزاقهنّ، ما يجعل النساء وخاصة المعيلات منهنّ مخيرات بين القبول والصمت الذي سيسبب لهنَّ الشعور بالذنب واحتقار الذات، وبين الفقر والجوع لهنَّ ولأطفالهنّ، خاصة في دول لا يوجد فيها قوانين تحمي العاملات، ولا سبلٌ لإيصال شكوى العاملة إلى جهة ما، ولا فُرص عمل.

لذا على السيدة دونوف وزميلاتها أن يُعِدنَ النظر في التفريق بين الإعجاب والحب بين امرأة ورجل راشدَين، يختار كلٌّ منهما الآخر بكامل إرادتهما ودون أي ضغوط، ويعيشان أجمل العلاقات الإنسانية، وبين التحرش الذي يحمل أبشع معاني الاستغلال وممارسة السيطرة والقوة من قبل رجل على نساء مستضعفات لسببٍ أو لآخر.

السيدة دونوف: استفيقي، فقد انتهى ذلك الزمان.

عن الجمهورية

أحمد زعزع... الإغراء العربي المنقوص

11:55:00 ص اضف تعليق




استهوتني الأفلام والموسيقى الغربية في فترة المراهقة وأحسب أنها أبعدتني عن متابعة الأفلام العربية التي خلتها مضيعة للوقت، باستثناء الكوميدية منها بطبيعة الحال. لذا، فاتني التأمل في مكونات الإغراء المدسوسة بذكاء، كما اكتشفت في ما بعد، في أفلام عربية كثيرة. 

كنت في مراهقتي أقلّد أصوات الضحكات الأنثوية الخليعة في البارات القاهرية، والمشاهد الكليشيهاتية الفاقعة في الريف المصري، وطريقة وقوف الممثلين الغريبة في مواجهة الكاميرا بحيث يدير الممثل ظهره للآخر عند الحديث معه أو معها، وكنت أحفظ مع أخواتي مقاطع كاملة من حوارات إسماعيل ياسين وتوفيق الدقن ومحمود المليجي وماري منيب وعادل أدهم وغيرهم لنعيدها مرارا أمام والدتي، رحمها الله، التي شجّعت فينا الميل إلى السخرية والإضحاك والتقليد. من أين لي أن أجد، حينها، الإغراء في الأفلام العربية التي كنا نشاهدها؟ في صوت ماجدة المبحوح والمجروح والذي تطلقه غالبا وهي جالسة وتنظر راجية إلى الرجل الواقف فوقها بتسلّط ذكوري ما يدفعك إلى الرغبة العارمة في خنقها وكسر عنقها لإسكات هذه البحة الملحّة؟ ام في صرامة وجدية فاتن حمامة التي تذكرك بالخالة والعمة ومديرة المدرسة التي تطلب الإحترام الرصين وتفرضه ولا تسمح بغيره في المخاطبة؟ أم في برودة وجمود ميرفت أمين وشمس البارودي اللتين وإن لبستا القصير والمكشوف والمايوه إلا ان شيئا ما في قسماتهن الجامدة كان يوحي بإنفصالهن وترفعهن عما يؤدّين؟ أحسب أنني، منذ سن المراهقة، أقيم الوزن الأكبر في مشاهد الإغراء لتعابير الوجه وليس لقصر الثياب أو ضيقها أو تهتّكها. لا بديل عن نظرة العيون التي وحدها تثير الخيال وتشعل الأحاسيس و تخرج المكنون.

في مقابل العري المثير والقبل الملتهبة في الأفلام الأجنبية، كانت مشاهد الإغراء في الأفلام العربية، وهنا أتكلم بشكل عام عن الأفلام التجارية المتاحة حينها وأستثني الأعمال الطليعية والتجريبية والجادة بالطبع، لا تثير فينا سوى الضحك والقهقهة حينذاك، إذ كان يصعب غض النظر عن فجاجة الملابس ورداءة التمثيل وركاكة الديكورات وطغيان شريط الموسيقى المكرر إلى حد الغثيان. ربما لم يُتح لي كل ذلك أن "أقبض" الإغراء العربي وأن أصدّقه ولو للحظة.

الفيلم العربي الوحيد الذي خرجت منه غاضبا قبل أن ينتهي كان فيلم "بمبة كشر" لناديا الجندي الذي رافقت إليه الوالدة، رحمها الله، إلى سينما هيلتون في صيدا. بين طقطقة البزر والحديث النسوي بصوت عال وغلاظة أداء الجندي وتفاهة دورها لم أستطع البقاء إلى النهاية. منذ ذلك اليوم، آليت على نفسي ألا أخرج أبدا من أي فيلم أتورّط بمشاهدته مهما بلغت رداءته وتفاهته، بل أبقى إلى النهاية لأستطيع أن أقول أنني شاهدته كاملا وتحمّلت غلاظته كاملة. 

على العكس من ذلك، كنت شديد التأثر بالأفلام الإيطالية والفرنسية المغرية الأكثر إقناعا وواقعية بأماكنها وشخصياتها وحكاياتها. من مشاهد الإغراء الأجنبية التي لا تنسى، أذكر بشكل خاص أدوار الممثلة الإيطالية لورا أنطونيللي التي يُخفي شكلها الأقرب إلى العادية لهيب الإغراء وصهيل الجنس والدعوة المعلنة إلى المجون من العيون والنظرات بلا أي مجهود، والتي لعبت أمام مارسيللو ماستروياني في أحد الأفلام في دور زوجة خائنة، على ما أذكر، ليراقبها تستقبل عشاقها من نافذة مقابلة، ثم يخونها مارسيللو ماستروياني بدوره مع صبايا جميلات. أي فيلم عربي كان بإمكانه منافسة مشاهد كهذه؟ أي فيلم عربي يستطيع منافسة لورا أنطونيللي وهي تستعرض مفاتن جسدها الساحرة بتلكؤ قاتل أمام مراهق غرّ يتلصّص عليها من سقيفة عالية وهو يتصبّب عرقا وحسرة وإرتباكا؟ أكثر بكثير من سيلفيا كريستيل، بطلة أفلام سلسلة "إيمانويل" الإباحية الناعمة، التي تنضح أناقة بفرنسيتها وتكوينها الأوروبيين، كانت لورا أنطونيللي تبدو، بتقاطيعها العادية المتوسطية وشعرها المجعد، أقرب إلى إبنة الجيران الطيبة والمحتفظة بمسحة براءة ظاهرة حتى وهي تخلع ثيابها وتتلوى متلذذة بعذاب العيون المتلصصة. كانت لورا تبدو مرتبكة وخجولة بأنثويتها الطاغية، على عكس سيلفيا التي تدرك تماما جاذبيتها وأناقة جمالها بحيث تبدو عصية ومتكبرة وخارقة التوهج وبعيدة بشكل فلكي. سيلفيا لا تحتاج المتفرج لأنها تعلم أنها تسيطر عليه بالكامل. أما لورا فتستجدي عطفه لأنها تشاركه الحيرة والإرتباك والتعثر. هي تكتشف جسده وأحاسيسه معه. هذا الإلتباس وراء غلاف الطيبة الرقيق هو في أساس الإغراء الساحق والماحق الذي مارسته لورا على أبناء جيلي على ما أظن. أين أنت يا لورا وآه لو تعلمين ماذا فعلت بنا. ويلي لو يدرون ويلي.

الأكلات الطقوسية ... مقاربة في التاريخ الثقافي للمطبخ

12:41:00 م اضف تعليق

صادق الطائي  


لطلما ارتبطت الاطعمة بالطقوس في تاريخ الانسان وعبر حضاراته، ومثلت الاضاحي الحيوانية وما يقدم من الاطعمة في المناسبات والاعياد الدينية والاجتماعية جزءا اساسيا من الطقس الذي لايتم دون تقديم وجبة طقوسية،وهذه الطقوس بحسب علماء الانثروبولوجيا هي الروابط التي تشد المجتمعات وتقوي اواصرها، كما انها تمنحها الهوية التي تمايزها عن المجتمعات الاخرى، وتجدر الاشارة الى ان للوجبة الطقوسية ما يميزها اما من حيث المواد المستخدمة او طريقة الطهي او طريقة التقديم ، كما انها عادة ما تقدم مجانا ولعدد من المشاركين في الطقس الديني او الاجتماعي مما يجعلها حامل ثقافي يجب دراسته عبر عمليات الحفر في التاريخ الثقافي للمجتمع، وقد بقي موضوع الطبخ والطعام من المواضيع الهامشية في العلوم الاجتماعية حتى ثمانينات القرن العشرين حيث تمت دراسته كنسق اجتماعي مهم لفهم ثقافة المجتمعات . 


 يرى البروفيسور سامي زبيدة عالم الاجتماع العراقي في الكتاب الذي حرره مع الباحث الأنثروبولوجي ريتشارد تابر وصدرت ترجمته العربية بعنوان (مذاق الزعتر: ثقافة الطهي في الشرق الأوسط)، أن الطعام يعد علامة ثقافية بارزة حيال الحدود الاجتماعية، فقبل ظهور القوميات السياسية بمعناها الحديث، كانت هذه الحدود هي التي تميز بين الجماعات العرقية أو الدينية أو الجهوية كما يرى عالم الأنثروبولوجيا البريطاني بندكت أندرسن أن الجماعات المتخيلة تتخلق عبر اختلاط الخرافة بالحقيقة وربما كان اوضح تجلي لاختلاط الاساطير بحقائق التاريخ بالمعطيات المادية تتجلى في الوجبات الطقوسية .

ربما كانت اقدم الوجبات الطقوسية لتي عرفها الانسان والتي ماتزال حية لحد الان هي الوجبة التي تقدم في عيد شم النسيم في مصر، وهو عيد الربيع المصري الذي يحتفل به في فترة الاعتدال الربيعي حيث يقع بين 4 أبريل/نيسان و 8 مايو/ايار، ففي هذا العيد اعتاد المصريون منذ الاف السنين على تناول السمك المملح المحفوظ  لمدة طويلة المعروف بـ (الفسيخ) مع البصل الاخضر والبيض المسلوق والليمون، ولعيد شم النسيم طقوس احتفالية تتجمع فيها العوائل في المتنزهات والحدائق حيث يتشاركون وجبات طعام العيد مع بعضهم البعض، وقد انتقل هذا الطقس الى الديانة اليهودية في عيد الربيع اليهودي المعروف بعيد (الفصح ) وهي كلمة عبرية تعني العبور او الخروج ،وتشير الادبيات الدينية اليهودية الى ان خروج بني اسرائيل من مصر قد تم في عيد شم النسيم ليتسنى لهم الهروب دون ان يثيروا الريبة ، وقد انتقل لهم طقس عيد شم النسيم حيث يتم الاحتفال بالنجاة حتى يومنا الحاضرفي نفس التوقيت، وكانت تقدم فيه وجبات طقسية تقارب الاكل المصري مضاقا لها انواعا من لحم الاضاحي الواجب تقديمها على كل يهودي في هذا العيد ، وهذا الطقس انتقل الى الديانة المسيحية في عيد القيامة ، حيث تشير الدراسات التاريخية المسيحية الى اشهر وجبة طقسية في تاريخ الديانة وهي ( العشاء الاخير ) الذي جمع السيد المسيح فيه حوارييه الاثني عشر في وجبة عشاء (سماوية) هي وجبة عيد الفصح ، ثم تلى ذلك في اليوم التالي صلبه ثم قيامته ، لذلك تزامن عيد الفصح اليهودي مع عيد القيامة المسيحي مع عيد شم النسيم المصري ، وماتزال الكنيسة القبطية المصرية وهي من اقدم الكنائس تاريخيا تحتفل بالجمعة الحزينة ثم سبت الالام فاحد النور يتبعه يوم الاثنين عيد شم النسيم في مصر ، ومن بيض شم النسيم المصري الذي انتقل الى اليهودية لرمزية البيضة وماتمثله من اسرار الخلق حيث تخرج الحياة من الموت انتقل الطقس الى المسيحية في بيض عيد القيامة او ( بيض ايستر ) الذي لونه المسيحيون بعد انفصال طقوسهم عن عيد الفصح اليهودي وبيضه الابيض للتميز ، وتقول الاسطورة المسيحية أن القديسة مريم المجدلية كمواطنة رومانية ذهبت إلى قيصر روما لرفع احتجاجها على صلب المسيح، وقامت بشرح قصة محاكمة المسيح وصلبه وقيامتة، عندها أوقفها القيصر وقال لها لو أن لون البيض يتغيرامام عيني الى اللون الأحمرعلى ان أصدق ان المسيح قد قام من الموت لما صدقت ، فما كان منها الا ان أخذت بيضة وقالت: (المسيح قام) فحصلت المعجزة وتحول لون البيض إلى أحمر، ومنذ ذلك التاريخ اتبعت الكنيسة هذا التقليد بصبغ البيض تأكيداً على قيامة المسيح. وكذلك لرمزية البيض فكما أن فرخ الدجاج يشق البيضة ويخرج إلى الحياة هكذا شق المسيح القبر وقام من الأموات، وهو تقليد مسيحي أرثوذكسي مستمر ومعتمد بالكنيسة الى يومنا هذا.

اما عند المسلمين الشيعة فان الوجبات الطقسية كثيرة ، وربما كان اشهرها ما يقدم في الايام العشرة  الاولى من شهر محرم المعروفة بعاشوراء، تزامنا مع الطقوس الحزينة التي يقيمونها لأستذكارمقتل الامام الحسين بن علي(رض)، ومن اشهر الوجبات الطقسية هي (الهريسة) وهي نوع من الحساء الكثيف المكون من حبوب الحنطة المخلوط بقطع اللحم الذي يهرس مع بعض على نار هادئة لساعات طويلة، ويتم اعدادها في ليلة التاسع من محرم لتقدم صباح العاشر للمشاركين في مراسيم العزاء الحسيني، وتنتشر هذه الوجبة في البلدان التي تتواجد فيها الطائفة الشيعية لكن المفارقة انها معروفة في مصر ايضا ، حيث تعرف باسم ( العاشورة وللاسم دلالته الواضحة) وتقدم في العاشر من محرم ، وجذر الوجبة الطقسية متحدر من مصر الفاطمية عندما كانت مصر دولة شيعية ، ولكن مع قضاء صلاح الدين الايوبي على التشيع في مصر ، بقيت الوجبة الطقسية راسخة مع زوال الطقس الحزين نفسه ، لذلك يقدمها المصريون اليوم وهم يقولون لك ( كل سنة وانت طيب ) ، وهذا مثال لرسوخ جذر الوجبة الطقسية عميقا في الوعي الجمعي حتى مع زوال مظاهره الطقسية .
 كما ان الاكلة الاشهر في وجبات طقوس عاشوراء لدى شيعة العراق هي ( القيمة ) التي تقدم مع الرز الابيض ، وهي نوع من الحساء او المرق قوامه الاساس من الحمص مع اللحم المهروس وصلصة الطماطم وله انواع معروفة حسب طريقة الطبخ اشهرها القيمة الكربلائية والقيمة النجفية ؛ فالقيمة الكربلائية تمتاز عن النجفية بكونها اكثر سيولة  واللحم المضاف إليها مقطع بينما النجفية تكون كثيفة جدا واللحم يهرس مع الحمص ، ويعتقد الكثير من البسطاء ان هذه الوجبات الطقوسية التي تقدم في عاشوراء والمرتبطة بالمكانة المقدسة للامام الحسين (رض) لها قدرات شفائية من بعض الامراض.
ومن الوجبات الطقسية الاخرى لدى المسلمين في العراق ( الزردة) وهي رز مطبوخ مع السكر ومصبوغ بنوع من اصباغ الطعام الصفراء (زردة كلمة فارسية تعني اللون الاصفر) وتقدم بعد ان يوضع على الطبق علامة (+) من مادة القرفة المطحونة ( الدارسين ) وهذه الوجبة خاصة بالاحتفال بالمولد النبوي ، اما رمزية علامة الصليب المرسوم بالقرفة على طبق الزردة فيحتاج الى عملية حفر معرفي للبحث عن جذر ربما يربط هذه الاكلة بطقس مسيحي تحدر من سكان العراق الاصليين الذين كانوا يعرفون الرز ويزرعونه ويطبخونه وكان اغلبهم يدين بالمسيحية .
ان الوجبات الطقوسية موجودة في كل الاديان ، كما انها تتحرك وتنتقل من ديانة الى اخرى ومن ثقافة الى اخرى نتيجة الاحتكاك والتبادل الثقافي ، ويمكننا ان نراها حتى في الاديان القائمة كمنظومة اخلاقية اكثر منها دينية كما هو الحال في البوذية او الكونفوشيوسية ، حيث يقدم المتدينون من هاتين الديانتين وجبات طقسية توضع في المعابد كنوع من النذور ، فاذا اكلت كان معنى ذلك ان صاحب القربان او الوجبة الطقوسية قد تحقق نذره ، ومن الطريف ان نذكر ان الفيلسوف الصيني «كنفوشيوس» قد سئل مرة عن مكائد الحروب وأساليبها فكان جوابه (لقد سمعت ، أمورا تتعلق باللحوم، وأحجام الأطباق التي توضع عليها، لكنني لم أتعلم الأمور الحربية)؛ كما أن «كنفوشيوس» نأى بنفسه عن استخدام السكين في الأكل، معللاً ذلك بأنه ليس من الأخلاق أن يستخدم الإنسان أداة قتل أخيه الإنسان في أمر نبيل مثل الأكل، ومنذ ذلك التاريخ أصبح استخدام عيدان الأكل في تناول الطعام لدى الصينيين بديلاً عن السكين، واستمر استخدام هذه الأداة حتى اليوم 

أناس بيروت بعيون تشيكية: ما لا يُفهم! (3)

12:25:00 م اضف تعليق


عماد الدين رائف  َ
عمّال جبّالة في بيروت

  
دفعت أحداث العام 1958 اثنين من أبرز الرحالة التشيكوسلوفاكيين، يرجي هانزيلكا (1920-2003) وميروسلاف زيكموند (ولد سنة 1919)، إلى زيارة لبنان، فانطلقا في رحلة بريّة طويلة في نيسان/ أبريل 1959 من العاصمة براغ نحو بيروت، حيث اقاما فيها لعدة أشهر كتبا خلالها ملاحظاتهما التي نشرت في صحف بلدهما ثم في كتاب صدر في العام 1961، بعنوان "الهلال المقلوب". بعد الجزء الأول، والجزء الثاني، هنا الجزء الثالث والأخير، حيث نقع على "استشراق" هذين الرحالتين، وكيف انهما يعجزان عن استساغة الغناء العربي ويعتبرانه نواحاً، ويفاجأن بحركات الصلاة وطقوسها.



يمكنك أن تنزوي في شقتك في بيروت، لكن ذلك لن يحميك من غزو الأصوات. قد تبدو أنّها فوق قدرة الإنسان على التحمّل. بحلول منتصف الليل تشرع جوقة الديكة بالصياح، معلنة عن بدء الحفلة الموسيقيّة إذ سرعان ما تنضمّ إليها القطط العاشقة بمواء متواصل. كانت آذاننا قد اعتادت ذلك، حتى أنّها بدأت تعتاد غناء المؤذّن المتكرر الرتيب وطريقة تلحينه صوته وحازوقته (فواقه). بات وكأنّه يقصّر نهاراتنا وبتنا نعتبره جزءًا من يوميّاتنا.. حتى أنّنا لم نعد نشعر بأيّ إزعاج من أصوات زمامير (منبّهات) السيّارات ليلًا ولا من هدير سيّارات التاكسي (الأجرة). بغياب تلك الأصوات، فلنعترف، بغياب زعيق بائع التين ورفاقه، ربّما لشعرنا بالملل.
لكنّنا وإلى الآن لسنا قادرين على التعود على الموسيقى العربيّة. لم نتمكن أن نتهادن معها، على الرغم من المحاولات العديدة للتواصل معها ليس فقط على مستوى القلب، بل وعلى مستوى العقل أيضًا. ونحن نسعى جاهدين أن نتلمّس بعض ما قيل لنا عنها: صدى مساحات صحراويّة شاسعة، وقت لا متناه، إيقاع قافة من الإبل، ولاء الزوجة المنتظرة زوجها الغائب، حجاج فوق الكثبان، رياح الخماسين الحارقة التي تتسبّب كما قيل لنا بموجة غريبة من الإثارة لدى البدو الرحّل... لكن بدل تلك إثارة رياح الخماسين التي لا توصف، تجتاحنا أعاصير من الأصوات المتنافرة محدثة ثقوبًا في القلب.
تأتينا أصوات من الشارع كرشقات نارية لا يمكن تجنّبها، مصدرها المنازل والحوانيت تهيم كثعبان زاحف مصحوب بآلاف الأجراس.. ضجيج لا يمكنك التآلف معه يسحق الروح بمطرقة اليأس.
وبين كل هذه الأصوات، في هذه اللحظات، ينتحب أحدهم بحرقة على الطبقة الثالثة من مبنانا، تحتنا بطبقتين، ينوح ملحّنًا نواحه بتعاسة. يتهيّأ لنا أنّ طفله الحبيب، الذي يشكّل المعنى الوحيد لحياته قد اختطف. فما الذي يدعو بشريًّا للنوح بهذه الطريقة إلا سببًا كهذا؟ وأراد أن يتقاسم ألمه مع الجميع، خرج من "صحرائه" ودوزن (ضبط) ميكروفون حنجرته على مستوى عال من الجنون وصبّ فيه كل الألحان المفجعة التي يتعذّب بها قلبه، فعمل على بثّها لتذوق قلوب من هم حوله ما يذوقه من العذاب. يجتاح نواحه الجميع إلا أنّه يتوقف أحيانًا، يستجمع قواه، يعيد دوزنة مستوى الأسى لديه، يختار "مزمورًا" حزينًا جديدًا، ويشرع في بكائه مصحوبًا بارتجاجات شديدة في صوته وبحّة. أتراه يقول: ارحمني يا أرحم الراحمين، اقطع حزني، أعد لي ولدي الحبيب؟
هيّا.. استجيبوا يا كلّ المستمعين إليه.. بحق ما تعبدون! أعيدوا إليه طفله.. أشفقوا عليه! سترون كيف أنّه سيهدأ، وستنهمر دموع الفرح من عينيه. وفي لحظة واحدة سيتوقّف عن النحيب، وسيحل السلام علينا جميعًا، خاصّة نحن الذين نتأذّى من نحيبه المتواصل. أعيدوا إليه طفله وسيحلّ السلام على الكوكب وستتألق قطرات الندى، سيخترقها شعاع الشمس ويتكسّر الضوء فيها مطلقًا قوس قزح فتتراقص ألوانه على الشرفة. فالآن فقط بداية النهار، إنّه الصباح، ارحمونا.. دعوا النهار يتنفّس بالزهور المتفتّحة، ولا تتركوها فريسة الذبول متأثّرة بصدى أحزان البشر ومصائبهم.

***

اللغة العربيّة حادّة ورجوليّة، لكنّها في الوقت عينه ذات ألحان ممغّطة، فيها تتقاطع هشاشة الكثبان الرملية وقساوة رؤى جنيّة مورغان [فاتا – مورغان بالإيطالية، ظاهرة خداع بصري تصنّف كأحد أنواع السراب تظهر فيها الأجسام في الأفق مشوّهة متكسّرة]. باعتقادنا، إن حفيف سعف النخيل في واحة عربيّة بعيدة تصدر عنه أصوات تحاكي اللغة العربيّة السليمة النحو المتمثّل بتغيّر أواخر الكلمات، بحلّة أدبيّة كلاسيكيّة، تحاكي لغة أبناء اللغة وممثليها الشرعيين. نستمع إلى ذلك التناسق اللفظي عبر جهاز الراديو، مع أننا لا نفهم أيّ كلمة. هي لغة منمّقة ذات صوائت طويلة، مثل البادية نفسها، ألفاظها الأنيقة تتراكض، تتلاحق كأمواج إثر أمواج.
لكن فجأة، يندلع شجار بين الجيران تحتنا، فتتحوّل اللغة العربيّة نفسها وعلى الفور إلى أداة قتل فظيعة مشحونة بالعصبيّة وبغطرسة فيها مسحة إقطاعيّة، توحي بأن ثعالب وضباعًا تتجه معًا لتنهش لحم جيفة متعفّنة، تعول وتعوي على بعضها البعض.. أين اختفت اللغة الشعريّة؟



***


جُنّ جنون بيروت أمس.
مع اقتراب موعد غروب الشمس أُضرمت النيران في أكوام من الأوراق والنفايات التي كانت متناثرة بين البيوت، وجمعت في موقد كبير وسط الشارع.. ثم ألقيت في الموقد نفسه صناديق خشبية تستخدم لنقل الفواكه وبراميل زيت. كانت ألسنة اللهب تتراقص بين كتل الدخان الكثيف، ما بدا وكأنّ عدوًّا متربّصًا قد أشعل المدينة من أطرافها. اشتعلت سماؤها أيضًا بصواريخ خضراء وصفراء وحمراء، ترافقت مع فرقعة طلقات نارية من أسلحة حربيّة. أهي الثورة قد اشتعلت من جديد؟ ربّما.
بالأمس فقط كان رئيس الوزراء قد توجّه إلى نيويورك لحضور اجتماع الهيئة العامة للأمم المتحدة، كان ليفاجئه بالطبع وهو في ذلك المكعّب الإسمنتي المنتصب على ايست ريفر أنّه لن يعود إلى بلده رئيساً للوزراء!
- لماذا يطلقون النار؟ ما الذي يجري؟
- ألا تعرفون؟ أجاب مصطفى مستنكراً، إنّها ليلة رأس السنة!
- رأس السنة؟ أيّ سنة؟ ما هو رقمها؟
أخذت الدّهشة مصطفى. صمت، ولم يعرف بما يجيب. ذهب للتشاور مع الجيران حول الأمر، وقال أثناء مغادرته إنه ما إن يعرف سيعود إلينا على الفور لإخبارنا، أو أنّه على أي حال سنعرف من الجريدة.
هو يوم عطلة رسميّة بالفعل، فالمباني العامة والمكاتب مزدانة بالأعلام المرفرفة، وإطلاق النار ابتهاجاً لم ينقطع، وهو يسمع في جميع أنحاء المدينة. وفي أحد البيوت ذات الطبقة الواحدة، تحتنا، فتاة في السادسة عشرة من عمرها (في الواقع تبدو راشدة أحياناً) تضرب في كلّ مرّة تسمع فيها الرصاص بكل ما أوتيت من قوّة درجات معدنيّة ملتصقة بالبيت، وفي يدها شيء ما، وكأنّها تخلق صدى للأزيز. تنحني الفتاة وترفع ذلك الشيء، تنتظر، تسمع الأزيز فتضرب الدرجات وتتطاير شرارات فوسفوريّة من بين يديها.. تبيّن أنّها تحمل قضيباً معدنيّاً. شيطان ما جنّ جنونه من فعلتها فغدا يعوي عليها. 
في الحديقة المجاورة يجلس ربّ عائلة القرفصاء، يبدو غير مكترث، وبحكم التقليد يطلق ألعابه النّارية الخاصّة. يشعل عود ثقاب ويقرّبه من علبة معدنيّة فيها القليل من مادة البنزين، يرميه داخلها بحذر ثم يبتعد. و"باف.. باف"، ثمّ يعيد الكرّة مرّات ومرّات. وفي كلّ مرّة يثير عاصفة من الانفعالات والصراخ عند حلقة أطفاله المتجمّعين حوله. إلا أنّ الملل تملّكهم من تكرار اللعبة عينها، فلحقوا بأحدهم استطاع اصطياد صرصار الحقل (جدجد)، محاولين ربط علبة ثقاب فارغة به، كي تغدو كعربة يجرّها حصان. أما أبوهم فتابع طقوس لعبته بضمير حيّ.
في التاسعة مساء أطل مصطفى حاملًا الصحف، وبدت على وجهه خيبة أمل. اتضح أنّها ليست ليلة رأس السنة، لكن "عيد مولد النبي".
- عيد قدّيس من القديسين؟
- نعم، ومن أكثر قداسة من النبي، إنّه النبي محمد نفسه، رسول الله (اتضح لنا أن "مولد النبي" تعني يوم ولادة النبي محمّد).
في السابق، كان الاحتفال بهذه المناسبة يتلخّص بالأناشيد الدينيّة والرقص الفلكلوري، والعروض الخطابيّة وتلاوة القصائد، وقراءة سيرة النبي محمد، ومسيرات راجلة في الشوارع يتقدّمها حملة المشاعل، بالإضافة إلى الموائد الباهظة التي تقدّم أصنافًا متنوّعة من الطعام. أما اليوم فالمفتي اللبناني الشيخ محمد علايا يرتّب حفل استقبال رسميّ لرئيس الجمهوريّة والوزراء والدبلوماسيين، ثم يتوجّه إلى المسجد الكبير لتلقّي التهاني. بطبيعة الحال، سيجنّ عملاء الشرطة السرّية لأن أولاد بيروت سيرمون المفرقعات وعبوات الفوسفور بين أقدام الوزراء المهنّئين. ويجب عليهم أن يراقبوا ذلك المهرجان بصمت لأنّه بات مسموحًا به، وهو كذلك مبارك من الله في آن.
وفي غياب رئيس الوزراء عن البلاد، ولتغيّب وزير الخارجية بسبب المرض، سيشارك في الاحتفال الرسمي وزير الداخليّة ريمون إدّة، كما تقول صحيفة "الدايلي ستار" الصباحيّة، "إنّه التسامح الديني النبيل والتعايش"... وكل ما في الأمر أنّ وزير الداخليّة ماروني (يعني مسيحي).



***


في شارعنا، بالقرب من الخضرجي يقع صالون حلاقة، والحلّاق (مصفف الشعر) يبدو أنيقًا ذا تصفيفة شعر جميلة كإعلان حيّ لمؤسّسته. على جدران الصالون إعلانات ذات عبارات عربيّة عليها صور شقراوات أمريكيّات، وفي واجهته قوارير عطور مستوردة، وحلى مقلّدة ذهبيّة مرصّعة بالماس، وأصابع أحمر الشفاه، ومياه البتولا ومساحيق تجميل. وهو، بالإضافة إلى أنّه يحلق الذقن ببطء ويقص الشعر ببطء أكثر، إلا أنّه فنّان مبدع في استخدام خيط سميك يحزم به أصابعه، وبمهارة يخلّص الزبون من الشعيرات النامية على الأذنين والوجنتين، بغض النّظر عن رغبات هذا الأخير.
وها هو الآن قد دعك ذقن شاب – بنت ثلاثة أيام – بين يديه بالصابون، حتى ظهرت الرغوة البيضاء، حمل الموسى وشرع في الحلاقة. فجأة، كأنّما مسّه شيء ما، بدأ يزيح بقدميه بقايا الشعر المقصوص عن أرضيّة المحل، ثم وضع الموسى أمام المرآة، انتصب وجمع يديه إلى صدره، انحنى واضعاً كفّيه على ركبتيه، ثم هوى وألصق رأسه على الأرضيّة الحجريّة ويداه أمامه قرب كرسي زبون. ثم استقام ووضع يديه على صدره، ومن جديد انحنى وكرّر فعلته الأولى.. أما الزبائن من حوله فلم يرفعوا حواجبهم لينظروا إليه، كانوا جالسين، بين من يتصفّح مجلّة مصوّرة أو من يقلّم أظافره.. أحدهم كان ينظر عبر الباب إلى خارج الصالون، وقد لفتت نظره فتاتان ترجلتا من سيارة أجرة عند المدخل. أما الحلاق، وبعدما كرّر تمرينه ثماني مرّات، عاد إلى زبونه الذي جفّ الصابون على ذقنه، بلل الفرشاة بالماء، وأعاد إحياء الرغوة، حمل الموسى وتابع الحلاقة من حيث توقّف.
في تلك اللحظة انطلق صوت المؤذّن ذي الحازوقة من المسجد القريب، كانت الساعة الرابعة وخمس دقائق عصرًا. هزَّ الحلَّاق رأسه، رفعه عن ذقن الزبون ونظر نظرة فيها قليل من الخبث باتجاه المسجد، ثم رسم ابتسامة على شفتيه.. تقول الابتسامة "أترى! ها أنت تأخّرت من جديد خمس دقائق كاملة حتى تدير إبرة الفونوغراف، لكن يا صديقي الله أكبر من كل شيء، ويأتي في المقام الأوّل".
عن السفير العربي

العظام والرميم

أيّام محمّد الأخيرة: قراءة نقديّة في كتاب هالة الوردي

سعاد حسني في بيروت

عشرة أيام هزت العالم

«ثورتان طفيليتان» كرديّة و «داعشية» صادرتا الانتفاضة الشعبيّة «السورية»

تأريخ الثورة البولشفية تتنازعه ثلاثة تيارات أو مذاهب: السوفياتي والليبرالي والمراجع

بين جلسة في الحديقة وإعدام شاعر: حيوات اسطنبول وأحلامها في القرن السادس عشر