مشاركة مميزة

جوستين أوجييه... سيرة رزان زيتونة في مرآة واقع سورية وعبثه القاتل

سعيت في استعادة سيرة رزان زيتونة، المعارضة السورية التي اختفت من غير أثر ليلة 9 - 10 كانون الأول (ديسمبر) 2013، في مدينة دوما بضاحية دم...

محب جميل/ "زكي ناصيف... «قمر مشغرة» بين الموهبة والعِلم"

موسيقى

ريم كولاس... فن عمارةٍ مشرعة على الاحتمالات والمستقبل ... تدغم الثابت في المتحرك

حيوات اسطنبول وأحلامها في القرن السادس عشر

مدن

«الحزن الذي لا مفر منه» في روايات كازو إيشيغورو

طريق كافكا المسدود

ثقافة

أحدث المواضيع

خلف جدران أكثر بيوت الدعارة صخباً خلال السنوات المجنونة في بيروت

خلف جدران أكثر بيوت الدعارة صخباً خلال السنوات المجنونة في بيروت

11:44:00 ص اضف تعليق
بقلم المهندس بسام خليل الخوري :

أم وليد، ماريكا إسبريدون، عفاف، كوتشوك هانم... أسماءٌ يتذكرها تاريخ بيروت، الذي عرف الدعارة بكل أشكالها، واستقطب الباحثين عن الملذات من كل ثقافة. نساء احترفن مهن الباترونة وبنت القهاوي والخليلة والآرتيست، وأوقعن صفوفاً من الرجال تحت أقمشة تنانيرهن الناعمة.

قصص الجنس والحب والانتقام والسجن ما زالت تردّد على لسان من عاش حقبة الجنون في شارع المتنبي. حكايات فتيات اخترن مهنة الدعارة طوعاً، أو أجبرن عليها قسراً. ومنهن أيضاً من وقعن في شرك "الباترونة" أي
منازل الدعارة غالباً ما كان يحميها ثلة من القوادين، يحملون تسمية "عرصات" بالعامية اللبنانية. ففي وقت تدير "الباترونة" الأعمال وتحافظ على البنات، وتدربهن وتوزع عليهن المهمات المنزلية خلال النهار، والزبائن خلال الليل، ينحصر عمل "العرصة" باستجلاب الزبائن من الحانات، والسكارى الهائمين في الطرقات، إضافة إلى تأمين الحماية للمنزل، وفض أي نزاع قد ينشأ بين زبون وآخر على فتاة أو دور في لائحة الانتظار.

ولدت الدعارة في شارع المتنبي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، لتعود وتندثر مع بداية الحرب الأهلية، وبين الحرببين، عاصر الشارع "باترونات" و"فتوات" صنعوا له تاريخاً يروى.

أما "الأرتيست"، فهي التي ترقص أو تغني في الحانات وتخالط الزبائن وتجالسهم فقط، وأطلق عليها لقب "الفتاحة" لأن دورها الأساسي كان دفع الزبائن لطلب أكبر عدد ممكن من زجاجات الخمر.

كذلك حددت الحكومة شروطاً لمنح التراخيص للمومسات، وهي الحالة الصحية الجيدة للفتيات، والفحوص الدورية بحسب نوعية الرخصة، للتأكد من خلوهن من الأمراض التناسلية كالسفلس والزهري. وحدد القانون أيضاً مواقيت خروجهن من البيوت بين التاسعة صباحاً والرابعة عصراً، من دون أن يحق لهن الخروج أيام الآحاد والأعياد الرسمية، أو لبس غطاء للرأس.

الطريف في القانون أنه منع الرجال من امتلاك رخص البيوت العمومية وحصرها "بالباترونات" النساء، لكنه اشترط لحصول "الباترونة" على الرخصة اصطحابها موظفين عموميين اثنين يشهدان لها بحسن التدبير.

عفاف وماء النار، نهضة شارع المتنبي

في الأربعينيات والخمسينيات، كانت الغلبة العددية للفتيات اللبنانيات، على حساب اليونانيات والتركيات والمصريات، وأصبح وجودهن طاغياً، وصارت للمتنبي وشارعه نهضة وحظوة، وأضحت مغامرات زواره على كل لسان، ومع نهضته هذه عدداً وتوسعاً عمرانياً، أخذ يُخرّج باترونات ذائعات الصيت، وأشهرهن بدور الداهوق.

بدأت بدور حياتها المهنية في الشارع، ثم مع انتقالها من بيت إلى آخر غيرت اسمها إلى يسرى لتفادي الغرامة المالية، وكانت ذات شخصية قوية، لم تقوَ عليها أعتى "الباترونات" في شارع المتنبي.

ولما اشتد عودها علمت أنه عليها أن تركن إلى من يحميها من المنافسة، فكادت تفقد جمالها بعد رميها مراراً بالبيض المملوء بالأسيد، أي "ماء النار" الذي يسبب حروقاً وتشوهات دائمة.

عمدت إلى الزواج من أحد زبائنها، المدعو سعيد خالد، الموظف في قسم التحقيقات في قصر عدل بيروت. ومع زواجه من بدور، طلق الوظيفة الحكومية، وأمّن لها ترخيصاً لبيتها، واستجلبا معاً عدداً من الفتيات عملن لديهما في البغاء، وتولى هو شخصياً تأمين الزبائن واستيفاء الرسوم. أما بدور الذي تعاظم دورها من عاملة إلى "باترونة" فارتأت أن تغير اسمها مجدداً وصار اسمها عفاف.

من المرويات عن القصص التي دارت خلف جدران منزل عفاف في شارع المتنبي، واحدة عن فتاة تدعى رنا، هربت من منزلها خوفاً من غضب أهلها بعدما رسبت في المدرسة، فوقعت في شرك عفاف التي لاطفتها في بداية الأمر، إلى أن "باعت بكارتها" إلى موظف حكومي.

أمست رنا من فتيات عفاف، وصار اسمها "لوليتا". وفي أحد الأيام، تعرف عليها جار أهلها فأبلغ أباها الذي حضر وتتبعها، ولما صعدت إلى منزل عفاف صعد خلفها، وطلب مقابلتها وكأنه زبون، وعندما دخل غرفتها ورآها عارية، قبض على صدره ومات بالسكتة القلبية.

من المرويات أيضاً أن الجاسوسة االلبنانية لإسرائيل شولا كوهين (شولاميت كوهين كشك)، كانت تنتقي أجمل العاملات من منزل عفاف، وتعيد تدريبهن وتجنيدهن لاستخراج المعلومات من ضيوفها، من دون معرفة عفاف بالأمر. وكانت شولا من سعى في أكثر من مرة للتغطية على عفاف ومنازلها المتعددة في بيروت والشام.

مع الحملة التي شنتها الدولة اللبنانية في نهاية الخمسينيات والستينيات لإضعاف نفوذ أصحاب بيوت الدعارة، تم مداهمة منازل عفاف وسيقت إلى المحكمة عام 1959 وحكم عليها بالسجن ثلاث سنوات.

أثناء وجودها في السجن، قادت عفاف إضراباً احتجاجياً على الازدحام في سجن النساء في بعبدا، ودام الاحتجاج خمسة أيام تحولت معه عفاف من "باترونة" إلى "مناضلة".

نساء المصاطب

امتهنت غالبية نساء شارع المتنبي الدعارة، ومن لم تفلح في أن تجد لها زوجاً أو مهنة بديلة قبل أن تتقدم في السن، ويعرض عنها الزبائن، كانت تعمد إلى مصطبة أمام بيتها تجلس فيها على كرسي، وتتعمد الجلوس من دون لباسها الداخلي فتغوي الزبائن مقابل سعر زهيد.

وفي حين كان سعر "الدخلة" في بيوت المتنبي يراوح بين 100 و200 ليرة في السبعينيات مثلاً، كانت أسعار نساء المصاطب أقل بكثير، وقد تنخفض إلى 15 ليرة أحياناً مقابل "الفرجة"، وهي التوجه مع الزبون إلى خلف مدخل المبنى لترفع تنورتها وتريه ما تحتها.

ماريكا إسبريدون، فتاة بيروت الذهبية

اليونانية ماريكا إسبريدون، أشهر بائعات الهوى في بيروت، لمع نجمها لحسنها وجمالها، والمدة التي قضتها في شارع المتنبي. ورثت ماريكا مهنة "الباترونة" من صاحبة البيت التي كانت تعمل به "كفتاة قهاوي"، لتصبح سيدة البيت بعد وفاة الأولى.
تمكنت ماريكا خلال بضع سنوات من شراء المبنى كاملاً، وحوّلته إلى فندق، وظلت تدير أعمال الدعارة منه. وبالرغم من أنها زعيمة المنزل والزقاق بأكمله، استمرت تمارس الدعارة بنفسها، وكانت تسعيرتها الأعلى في الشارع ولا يحظى بها سوى كبار الزوار.
كان لدى ماريكا أكثر من 100 فتاة و20 موظفاً بين الفندق وبيتها الذي يحتل الطبقة الأخيرة منه، وعلى عكس "باترونات" شارع المتنبي، لم تحظ ماريكا بحماية من شخصيات نافذة، ولا شاركت أحدهم سراً. إنما اعتمدت على الرشى لتسيير أمورها، وكانت تنتقي من يدخل بيتها وزبائنها بنفسها.
اللافت والمحير في شخصية ماريكا إسبيريدون أنها كانت المتبرع الأكبر للكنيسة الأرثودوكسية في بيروت، ويقال إنها أهدت الكنيسة ثريا كبيرة مرصعة بالذهب، وأنها كانت تواظب على حضور قداس الأحد فيها منذ بداياتها في شارع المتنبي، حتى وفاتها بعد الحرب في منزل بسيط في فرن الشباك عن عمر ناهز المئة.
نُسجت عن ماريكا حكايات كثيرة، غالبها درامي من خيال الكتاب، فماريكا بحسب من عرفها بسيطة لكنها حاسمة في أمور العمل. وعلى عكس المرويات، غادرت منزلها قبل اندلاع حرب الفنادق، ولم تعد إليه سوى مرة قبل هدمه خلال إعادة إعمار وسط المدينة، مع ذلك بقيت الأوسع شهرة بين قريناتها.
أم وليد، ست الستات خلال الحرب

ليس "أم وليد" اسمها الحقيقي، بل إن فيلماً لبنانياً حول بدايات الحرب الأهلية أكسبها هذا اللقب. غير أن بعضاً ممن عرفوها يسمونها لمعان، وهو على الأرجح ليس اسمها الحقيقي أيضاً.
حضرت إلى شارع المتنبي بعدما ضاقت بها السبل إثر وفاة والديها في فلسطين، هربت بعدها من منزل جدها، وتعرفت في وقت لاحق إلى حسين الكردي، وهو شاب أدمن المراهنات في سباق الخيل نهاراً، وعمل قواداً في شارع المتنبي ليلاً.
تزوجته لمعان وأنجبت منه ثلاثة أولاد، بعد ذلك بسنوات توفي الكردي وترك لها ثلاث شقق كبيرة كانت تعتاش من بدل إيجارها، إلى أن أتاها أحد أقاربه ونصحها بالغناء لأن لها صوتاً نادراً، وهكذا كان.
باتت لمعان أو "أم وليد" فنانة استعراضية، وقيل إن أحد ملوك الخليج أرسل بطلبها، وأغدق عليها الهدايا والمجوهرات، وفي إحدى الحفلات في بيروت، تنافس الرجال على شرب الشامبانيا التي سكبتها في حذائها.
مع اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، لم يعد باستطاعة "أم وليد" التنقل بين شطري المدينة، وزاد من حزنها فقدان صوتها بسبب شراهتها في تدخين النرجيلة، وحزنها على وفاة ابنيها، كل على جبهة مع المتحاربين. ففي وقت قضى الأول مقاتلاً مع الكتائب، قضى الآخر في صفوف أحد التنظيمات اليسارية.
بعدما ضاقت بها السبل بفعل الحرب، عمدت إلى إحدى الشقق التي كانت تملكها، وافتتحتها مركزاً للدعارة، ودعت العديد من فتيات شارع المتنبي للعمل فيه. ولأن منزلها على أحد خطوط التماس، كانت تستقبل فيه المتحاربين من الجهتين، وكان يحدث بالفعل أن تهدأ جبهات القتال القريبة من منزلها كلما أقامت حفلة أو مناسبة ما. ومن حياة لمعان أتت قصة "أم وليد" في فيلم "وست بيروت" (بيروت الغربية) للكاتب والمخرج زياد الدويري.
قيل إن تأثير "أم وليد" على جبهات القتال كان مدمراً بالنسبة لبعض قادة الميليشيات، فحاربوها وقصفوا محيط منزلها في أكثر من مناسبة ليمنعوا عناصرهم من الهروب عن الجبهات وتمضية الليل عندها.
ليس من المعلوم إن كانت قصص "باترونات" وفتايات شارع المتنبي متشابهة بالفعل، أو أنها حيكت لتتشابه في حبكة المظلومية والدراما ذاتها لاستدراج عطف الزبون، فأغلب القصص تبدأ من تعرض الفتاة للاغتصاب أو سوء المعاملة وهروبها أو اضطرارها للعمل، ومع أن عدداً كبيراً من هذه القصص حقيقي بالفعل، لم يكن ذلك ليغير في حياة الفتاة في الشارع، وما كان بالنسبة لطالبي الإثارة والجنس لحظات ومغامرات لا تنسى، كان بالنسبة لبائعات الحب أسلوب حياة بتفاصيله الحلوة والمرة.

ألان كوربان... أحوال الصمت المتعاقبة والمتغيّرة تؤلف تاريخاً

8:28:00 م اضف تعليق
 ١٣ أبريل/ نيسان ٢٠١٦ (الحياة)

طوال 15 عاماً اقترحت على طلابي، في إطار دراسات الدكتوراه، معالجة موضوع الصمت وتاريخه، ولم أوفق في الحصول على إجابة. وبقي المؤرخون، على خلاف الفلاسفة ونقاد الأدب، يتجنبون تناول الصمت. وهذا ما حملني على مباشرة عملي. وأنا منذ طفولتي شببت في حضن الصمت. فدراستي تلقيتها على أيدي مدرسين في مدارس دينية تحيط بها الغوطة النورماندية، وتعزلها عن العالم الخارجي.

والصمت على أصناف. فالصمت القوي والمطلق عرف أوجه في القرن السابع عشر، وهو صمت سلك الرهبان الحبساء، وتناولته كتابات ورسائل بوسييه ورانسيه. وتلته الرومنطيقية، والثورة (الفرنسية)، وغلبة الإحساس ومثال السمو العاطفي على روح العصر. وغيَّر هذا طبيعة الصمت منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر. لكنه بقي أمراً جوهرياً، فهو شرط التركيز، ولا غنى للتأمل عنه، ولا عودة إلى النفس ولمخاطبتها ومحاورتها نفسها إلا من طريقه. ودقيقة الصمت (للتذكر أو الحداد أو التكريم...) مثال على ما تقدم. وهي قرينة على عدوى الصمت، على غرار عدوى الضحك. فالدقيقة خطوة أولى على طريق قد يطول. ولا أتناول في كتابي البوذيين، إلا أن أحدهم أسرَّ لي أنه اعتاد البقاء صامتاً 10 دقائق في الصباح، يصلح في أثنائها ذات البين مع نفسه.
ومواتاة بعض الأماكن الصمت هي كذلك على أنواع. فبعض الأماكن يستدعيه، وهذه حال مواضع الحياة الحميمة، مثل حجرة النوم التي لم يكتم بودلير، شأن بروست و(موريس) ماترلينك، متعة اللجوء إليها مساءً. ولا ريب، اليوم، في أن السكن المديني لا يحض على الخلوة، ولا يدعو إليها. وقد يكون هذا السبب في الحرص على تملك بيت ريفي، أو النزول في فنادق مراحل الصمت أو بناء أكواخ من الشجر. وهناك الأماكن التقليدية، الكنائس والأديرة التي ألهمت كتاب القرن التاسع عشر: بلزاك وويسمان وسينانكور (في رائعته «أوبرمان»). تزامن ذلك مع اكتشاف صمت الطبيعة، وخصوصية هذا الصمت، ائتلافه من نتف جلبات صغيرة.

وبعضهم يأخذ على هنري ديفيد ثورو، الكاتب الأميركي، داعية الرجوع إلى الطبيعة، مبالغته في قوله أن الصمت وحده جدير بالاستماع إليه أو حين يكتب أن الطحالب على الشجر مجبولة بالصمت والتواضع. وأنا لا أعد هذا في باب المبالغة. ففيكتور هوغو غير بعيد من مشاطرة الأميركي رأيه، ومعه الشعراء الذين تناولوا الليل، عصارة الصمت وتاجه. وعلى مر الزمن، منذ هوغو إلى الشعراء المعاصرين (رينيه شار وفيليب جاكوتيه وفرنسيس بونج وريدا وبونوا)، ثمة أحاسيس لا تعبير عنها إلا بواسطة الشعر، وهو مادة قلّما يعود إليها المؤرخون. ألم يكتب غوستاف فلوبير إلى (صاحبته) لويز كوليه، رغبته الملحة في التأريخ لمزقة عشب؟ أنا على يقين من أن علينا التفكير ملياً في الأشياء الضئيلة وغير المرئية تقريباً. وعلى شاكلة «النانو» أو النانو تكنولوجيا، أو علم المجهريات وتكنولوجياتها، ينبغي السعي في إنشاء «نانو – تأريخ».
والجبل من مواضع الصمت الأثيرة. وعمَّ الانتباه إليه أواخر القرن الثامن عشر، مع تعاظم مكانة ما لا يحاط به ولا يبلغ تراميه وحده. وزعم صاحب اللسانيات، فردينان دي سوسور، أن صمت ذرى الجبال لا يقارنه صمت آخر. ويسود الصحراء صمت معدني تناوله فرومونتان في كتابه البديع «صيف في الصحراء» (الكبرى الأفريقية). وهذا الصنف يقلب الأحاسيس رأساً على عقب، ويخلخل الحواس، ويقود رأساً إلى التعالي. ويختص صمت البحر بصفات تخصه، على ما نوّه كونراد وجول فيرن وميلفيل، فهو يحل بعد الجزر ويسدل على صفحته المياه حجاباً أسود... في مرآة اليأس وانقطاع الرجاء. وقد ينجم الهلع عن الصمت. وهذا ما كان يستبد بالناس في ليل الريف المعتم ، وما ليس في مقدور شباب يومنا اختباره. وخبرته أثناء خدمتي العسكرية في الجزائر بناحية سطيف. وفي قلب ليال من غير ضوء ولا قمر، كان الخوف يتملك الناس من الأشباح والذئب المفترس، ومن خيال أو طيف أو أي شيء...
وتعلّم الصمت، كانت الكنيسة البادئة به، وتعهدته أسلاك مثل الخطابيين أو الحواريين «oratorians» واليسوعيين في المدارس النابليونية وصفوف الجيش. ويرقى التزام الصمت، ومعرفة أوقاته المناسبة، إلى مجتمع البلاط الذي قام على إبطان المعايير والاقتصاد في الكلام، والإمساك والتحفظ. فمكالمة لويس الرابع عشر غير جائزة كيفما اتفق. واستأنفت آداب التهذيب وكتبها العامة قواعد حسن التصرف في مجتمع البلاط. وأُلزِم الأولاد واليافعون بالسكوت في حضور الأهل والمدعوين، وحول مائدة الطعام. ووالدي كان طبيب أرياف، وحين كان يزورنا مدعوون لم أكن أجرؤ على فتح فمي، أما اليوم فيدعى الأولاد في مثل هذه الحال إلى الكلام.

أواخر القرن الثامن عشر، ميّزت آداب المعاملة والسلوك الباريسية من أهل المحافظات، والنخب من الطبقات الشعبية. وغلبت معايير الامتياز والرهافة التي أُعملت في الشم، وأمْلَت صمت الحواس والجوارح: نهي الخاصة عن التجشؤ. وترى النخب أن العامة يصرخون ويتكلمون بنبرة عالية، ولا يهمسون. وبعض المعترفين على كرسي الاعتراف يرفع الصوت حين يدلي باعترافاته، فيحرج السامعين والمعرِّف جميعاً.
ومزارع القرن التاسع عشر (يقال إنه «صموت») يلزم الصمت على سبيل الحيلة أو «التكتيك»، ويتعمده تلافياً لكشف طويته، وأسراره العائلية، واحتراماً للسيد وصاحب الأرض. ويلزم الصمت، من جهة أخرى، على سبيل الاستراتيجية، حين يواجه القضاء أو تتجاذبه النزاعات السياسية. والمزارعون ليسوا طينة رخوة، وهم يقيسون أفعالهم على مصالحهم. وإلى 1848 وثورتها السياسية، كانت الاضطرابات الناجمة عن غلاء سعر الحنطة والطحين بالغة العنف الذي لم تتبدّد بعدُ آثاره.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر تغير إدراك عتبة ما لا يطاق، من ضوضاء المدينة على سبيل المثل. فسكان المدينة لا يطيقون ضجيج أعمال البيطرة في أحواش الأبنية السكنية، ولا جلبة دواليب العربات على الطرق المعبدة، ولا طنين الأجراس أو نباح الكلاب في الشقق. ويلاحظ أن عدد الأجراس لم ينقص، لكنها لا تُسمَع ولا تصيخ لها الآذان السمع. واللافت أن الشخص الواحد يتقلب بين عتبات متفاوتة لما يطيق احتماله: فهو لا يطيق المحادثات بين الناس في الطائرة أو القطار (بينما كان واجباً، ومن باب التهذيب، التحدث إلى رفاق السفر العابرين)، لكنه يقصد ليلاً حانة تضج بالصخب. وصراخ الألم لم يعد مقبولاً، على خلاف حاله في الأمس، ولا تستثنى من إنكاره المستشفيات. وبينما كان الإعراب عن اللذة منكراً، تتلقفه التلفزة والإذاعات والإعلانات اليوم من غير حرج.
وحين يلتقي كائنان، و»يتناسخان من الجفون سطوراً» (ينظر واحدهما إلى الآخر)، لا يحتاجان إلى الكلام، ويقوم صمتهما محل تعاهدهما ويؤذن بدوام رابطتهما. ويقول ماتِرلينك أن هذا الصمت يساوي كل «أحبك» (قولاً) الممكنة. ويحسن التذكير بهذا حين لا ينفك الناس يتحادثون بواسطة الهواتف الخليوية. وقد ينقلب صمت الحب إلى صمت الكراهية الذي مثَّل عليه المخرج بيار غرانييه- ديفير في «الهر»، في أداء سيمون سينيوريه وجان غابان، أو الروائي فرانسوا مورياك في «تيريز ديكايرو». ويتجلى الوجه المأسوي للصمت في سؤال بعض المؤمنين والعرفانيين عن الصمت الذي خيم في جبل الزيتون، وعلى الجلجلة: «... لماذا تركتني؟ أناديك في النهار ولا تجيبني»، إزاء المصائب التي تهب على العالم. فكيف يرضخ لحرب 1914-1918 أو أوشفيتز أو غيرهما؟ (...).

وقد يكون صمت الطبيعة بقية الصمت الباقية، إلى صمت المعازل والعشاق. وفي الأحوال الأخرى، تجب مقاومة «التواصل» والمحفزات المتفرقة والكثيرة عليه، و(مقاومة) الخوف من الصمت أي الخوف من الوحدة. فالأولاد الذين يقضون حياتهم في ألعاب الفيديو ومشاهدة الشاشات لا يطيقون الصمت، ويحملونه على الضجر، بينما هو مرادف للخيال والحلم والرؤى.


* مؤرخ، أستاذ كرسي في السوربون، عن «اكســبريـــس» الفرنســـية، 30/3/2016، إعداد منال نحاس

جوستين أوجييه... سيرة رزان زيتونة في مرآة واقع سورية وعبثه القاتل

5:11:00 ص اضف تعليق


سعيت في استعادة سيرة رزان زيتونة، المعارضة السورية التي اختفت من غير أثر ليلة 9 - 10 كانون الأول (ديسمبر) 2013، في مدينة دوما بضاحية دمشق، حيث لجأت رزان وحسِبت أنها بمأمن. وأخرني عن مباشرة تقصي أو تحقيقي تحفظ لم يلبث أن بدا عنيداً وكثير الوجوه، على خلاف توقعي. فأنا لم أحمل على محمل الجد التزام رزان المثالي، الصارم في مثاليته. وتراءى لي أن الأمر لا يخلو من ضرب من التعامي أو الخلل. وسوغت لنفسي أن ألقي على هذا الالتزام نظرة يلابسها شيء من الشفقة، كأن صاحبته غفلت عن منعطف كان ينبغي عليها أن تسلكه ومضت على وجهها غير مدركة سهوها، بينما في مستطاع أي كان أن يرى رزان في الصورة التي تتخبط في أوهامها. ولا يخلو الأمر كذلك، في ما بدا لي، من تفاوت بين نخبة علمانية تصدِّر فكرة الحقوق الإنسانية وتعلي مكانتها، بينما هذه النخبة منفية أو غريبة في مجتمعها. وأحالني تفاوت رزان إلى تفاوتي الشخصي. واتفق ابتداء تقصيّ مع سعي أصدقائها في كتابة أسطورتها. وحل اسمها، وهو لا ينفك يتردد على ألسنة من عرفوها ومن لم يعرفوها، في مواضع قوية الأصداء تحول دون انصرافي عنها. وتقع هذه المواضع في دائرة رجراجة وأليمة تلتقي عندها وتحتك انفعالات الأسف ومشاعر الخجل من النفس. فطوال مدة من الزمن غير قصيرة، أردت أن أكون على شاكلة رزان، ويعود الشعور بالخجل إلى تخلّيّ عن المرأة الشابة والمثالية التي كنت في بعض ماضيّ، وإلى خيانتها. وهو شعور حاد أخشى أن يستوطنني، وأن أبقي في صحبته وأجد نفسي ضئيلة وخانعة. وأكاد أسمعها تهمس أن قصتها، إذا خلصناها من ركام الحوادث والروايات، قد تتحول سفينة أو شبه سفينة، وتنتزع ناسها وعالمهم من الحدود السورية، وتجلو على طريقها فروعاً وأغصاناً تمتد فجأة وتتسابق وتتمازج وتتراكب وتشدنا كلنا إلى شباك هذه المسألة.
والأرجح أن رزان آثرت الفصل بين الناس الذين عرفتهم وعملت في أوساطهم، ومالت إلى رفع الحدود والجدران بين دوائر حياتها ونشاطها، رداً على نهج تنتهجه حكومة بلدها، ويحمل السوريين، واحداً واحداً، على الإحساس العميق بعريه وهشاشته، لا يقيه شيء من الأنظار المسلطة عليه، ومضطراً إلى الانكماش البائس في قوقعته. والذين عرفوها، والتمست منهم تعريفي بها وحادثتهم، بذلوا وسعهم في استعمال صيغة الفعل المضارع وهم يتحدثون عن رزان، في ابتداء أحاديثهم. ولكنهم انزلقوا إلى صيغة الفعل الماضي، من غير أن ينتبهوا. وحدها بكر أخواتها ثبتت على صيغة المضارع ولم تتحدث عن أختها في صيغة الماضي.
وهذه الأخت تزوجت بسوري أثناء هجرة الأسرة إلى كندا، وأقامت مع زوجها في المهجر هذا. وحين عادت أسرة زيتونة إلى دمشق، من غير الأخت، شابت العودة مرارة لم يخفف انقضاء الزمن من حدتها. وفي لقاءاتي بالأخت «الكندية»، وتناول قسط وافر منها اختفاء رزان، بدت متشبثة بأخبار وروايات شديدة التماسك، كأن هذا التماسك وساطتها إلى طرد التناقضات من الروايات الشائعة والمتداولة، وإلى تبديد الالتباسات التي تحيط بما حصل في دوما، في ليلة التاسع من كانون الأول إلى العاشر منه عام 2013.
وتقول الأخت أن ما حملها على ترك دمشق هو حبها المدينة على نحو حب المرء (المرأة) الحبيبة (الحبيب)»، واستحالة الحياة فيها. وهي أرادت لأختها، رزان، أن تسلك طريقها، وهي الطريق التي سبقت إليها غادة السمان، الروائية والكاتبة السورية التي غادرت بلدها ومجتمعها إلى بيروت قبل أن تستقر في الغرب. وأحسب أن رزان أرادت أن تشق طريقاً أخرى تقودها إلى التحرر داخل المجتمع الذي يقيدها، وهي مقيمة على انتمائها إلى هذا المجتمع، تحدوها رغبة في فهمه والمساهمة في تغييره. وفي صورة فوتوغرافية تعود إلى أوائل تسعينات القرن الماضي (ولدت رزان في 1977، في المملكة العربية السعودية حيث كان والدها يعمل)، ترى المرأة الشابة في قميص وجينز عالي الخصر وحزام أسود عريض، وتتدلى من كتفها حقيبة ظهر رخوة، قصيرة الشعر، وعلى فمهما ابتسامة مرتخية.
وقد يكون هذا، أي النحو الذي تبدو عليه في صورتها الفوتوغرافية والنحو الذي تصفها عليه كبرى أخواتها، ما دعا أحد أصدقائها إلى القول أنها «خرجت من لا مكان». وهي شبت في سورية هامدة، ومجتمع ضعيف النبض، أُخرس في مطلع الثمانينات وكُمّم. فلم يبق ثمة تيار أيديولوجي في مستطاعه جمع الناس أو ضوي بعضهم إلى بعض، وإسعافهم على تعرّف طريقهم: فالشيوعية والعالمثالثية تلهثان عياءً، والحياة الثقافية والسياسية هزيلة ولا تسمن من جوع. ونشأت رزان في هذه الأرض القاحلة، ونمت وحيدة ومستقيمة معاً. وقررت أنها وحيدة فعلاً، وهي في الرابعة عشرة، أن تستقل مادياً عن أسرتها. فدارت على البيوت بساعات اليد، وطرقت أبواب الشقق سعياً في بيعها. وهذا لم يسبق أحد رزان إليه في دمشق. ولم يفلح أهلها، وهم حاولوا ثنيها عن عملها، في ردها.
وحين أرادت رزان، في 2013، المغادرة إلى دوما، تكررت مراحل النزاع هذا: مــعارضة إرادة رزان، فقبول جزئي، فتحفظات ضعيفة ولكنها مستمرة. وهذه المرة كذلك، الأخيرة ربما، أخفق أهلها وأصدقاؤها في صرفها عما عزمت عليه. ولم يرحب الجيران بصنيع جارتهم. والأرجح أنهم لم يكتموا رأيهم فيه. وأحسب أن النزاع المبيت بين الابنة وبين أهلها لم ينفك يتفاقم في هذا الدور من حياتها، وأفضى ربما إلى مشادات وصفق أبواب. ولكنني أحسب من وجه آخر، أن رزان بلغت من قوة التصميم وصلابة العزيمة ما مكنها من الصمت، ومن تجنب الاشتباكات التي تقود إلى القطيعة والانزواء في غرفتها مع كتبها.
وتنبهت الشابة، في وقت مبكر، على غياب خالها أعواماً طويلة (بلغت العشرين في آخر المطاف)، علمت أنه يقضيها في السجن السياسي. ومن طاقة غياب الخال أطلت على دنيا فسيحة، غامضة ومعتمة تشبه عتمة السراديب. واختبر جيل رزان، وهو الجيل الأول من الناشطين دفاعاً عن الحقوق الإنسانية في سورية، دلالة مثل هذه الغيابات في دائرة عائلية قريبة. فهي كانت النافذة الضيقة التي أطل منها على غليان عالم سفلي يعج بنزعات كثيرة ومختلفة، وحفزته على توسيع الثغرة وتسليط الضوء الكاشف على الزوايا المعتمة. وحين كانت والدة رزان تعد العدة لزيارة شقيقها المعتقل، كانت إحدى القريبات التي اعتقل أولادها الثلاثة من قبل ولم يبلغها منهم خبر منذ سنين، توصي قريبتها من غير كلل: اسأليه عن أبنائي، هل رأى أحدهم؟ هل بلغه شيء عنهم؟ هل صادف أحداً روى له عن أحدهم شيئاً؟ أم لمح ظلاً؟ لا تنسيْ! وهذه الغيبات ينجم عنها تقطع أواصر وروابط، وشتات. ويتسلل الواقع المنخور بالفجوات إلى النفوس، ويصبغها بصبغته، ويصدع أركان مواطنة (مواطنية) متماسكة، ويحفر فراغاً يملأه الخوف ويمد منه أذرعه القاسية. وتعاظم التغييب آلياً حين أدرك النظام التهديد الذي يخيم عليه مع ابتداء الثورة، فبرزت قسماته ونتأت على نحو حاد.
ويكاد التغييب، أو الخطف، أن يكون توقيعاً يمهر به النظام سياسته داخل حدود سورية وخارجها. وسبق له أن خطف ميشال سورا وجان – كلود كوفمان وموظفي السفارة الفرنسية ببيروت كارتون وفونتين. وأوكل بخطفهم في 1985 جماعة لبنانية تأتمر بأمر الأسد. ووحده ميشال سورا، وكان في الـ37 من العمر، لم يعد من بين هؤلاء، وقضى في سراديبهم. ولا يسعني إلا الجمع بينه وبين رزان، عساه يصحبها رفيقاً في محنتهما.
ومقالات رزان الأولى كتبتها في أوائل عقد الألفين. وقالت لي صغرى أخواتها أن هذه المقالات نشرت في صحيفة «الثورة» السورية الرسمية. ووسم الصحيفة قرينة على اقتناص النظام مصطلحاً يلمس وتراً حساساً في المخيلة «الشعبية» أو الجماهرية. وتناولت كتاباتها يومذاك الأولاد المشردين، وتعنيف النساء. وحملتها كتابتها مقالاً في التشرد على تعقب ولد كان يستعطي في الطريق إلى باب منزله، وطرق بابه، وشتم والد الطفل على فعلته.
وهذا ما لم يرَه أحد من غير رزان. واختارت الشابة على عتبة دراستها الجامعية، الصحافة. لكن نظام النقاط الذي يوزع الاختصاصات الدراسية على مجاميع محددة أغلق باب الصحافة في وجهها، وصرفها إلى المحاماة. وامتحن الإخفاق، هذه المرة، اعتيادها على الحصول على ما تشاء لقاء تصميم وعزيمة يصيبان أهلها وأصحابها بالإرهاق. ولا أحسب أن احترافها المحاماة بعد دراستها، حرفها عن جمعها الالتزام والكتابة في رغبة واحدة. فانتهى بها الأمر إلى دمجها الصحافة والكتابة في المحاماة، وكان ذريعتها إلى الانخراط في حياة مجتمعها، والمساهمة في صنع مصائره.
واتفق دخول رزان الحياة النشطة مع رحيل حافظ الأسد. ولعلها لم تميز الحمى التي أصابت المجتمع السوري غداة وفاة مؤسس النظام، من استعجالها واستعجال أمثالها التغيير المنتظر. وانتشرت المنتديات في طول البلاد وعرضها، قبل أن تغلق كلها قبل نهاية 2001، ما عدا منتدى واحداً (الأتاسي). وأوقف عدد من المعارضين واعتقلوا. لكن القمع لم يفقد المعارضة الأمل. فنظمت صفوفها في إطار روابط وجمعيات مدنية وحقوقية، وحلت السياسة وأذابتها في الدفاع عن الحقوق الإنسانية وحقوق المرأة والبيئة وحرية الصحافة والقول...
وكانت رزان في عداد الذين أنشأوا الجمعية السورية لحقوق الإنسان، من أمثال ياسين الحاج صالح ورياض الترك وعلي العبدالله وأنور البني وفارس مراد وعماد شيحا، وهم قضى واحدهم حوالى 30 عاماً في سجون النظام، وخرجوا منها محطمين جسدياً. وكان المحامي هيثم المالح وجه الجمعية البارز، وهو صاحب مكتب المحاماة الذي تدرجت فيه رزان. ولم تجب الحكومة طلب ترخيص الجمعية. وشأنها في مثل هذه المسائل تركت الأمر، وعمل الجمعية، معلقاً، فلم ترخص ولم تحظر. فحين كانت الجمعية تحظى برد على طلبها معلومات عن اختفاء هذا (هذه) أو ذاك (تلك)، كانت تسارع إلى تعليق الرد على لوحة بيانات الجمعية، وإبرازها دليلاً على اعترافٍ رسمي ومأذون بهما...
وبعد الأسابيع الأولى من التظاهرات والتجمعات التي لم يطلق عليها بعد اسم «ثورة»، تساءل المتظاهرون عن طبيعة المواجهة التي يخوضونها، والآخذة في الاتساع، والمختلفة عن المواجهات السابقة مع السلطة. وتتساءل رزان، في مقال لها كتبته قبل أسابيع قليلة من خطفها، عما بدد الخوف من عنف النظام المتمادي وإعماله الاعتقال، والاغتيال، والإخفاء، والتعذيب، وعقود السجن من غير محاكمة، والصرف من العمل، والاغتصاب، في المعارضين. وأجابت أن هذا «التلاشي» هو «عري» النظام، وحسبان المتظاهرين وهم يرون هذا العري أن الأمل في إسقاطه، وبناء حياة كريمة على أنقاضه، ليس رهاناً مجنوناً. وكتبت: طوال حياتي كرهت بلدي وتمنيت مغادرته والرحيل عنه، ولكن حين بدأت الثورة لم أعد أرغب إلا في شيء واحد، أن أبقى في بلدي، وفكرت أن هذا البلد قد يصير من جديد بلدي، وما لا يصدق هو أننا أخذنا نخاطب العالم وأخذ العالم يجيبنا ووقعنا في غرام أهل درعا وحمص، وكانوا موضوع تندرنا. ولم تتنصل رزان من الثورة حين عسكرها تواطؤ النظام والإسلاميين. ونمّت صورتها الفوتوغرافية الأخيرة بهرم وشيخوخة أصاباها في أقل من نصف سنة.



* روائية وكاتبة فرنسية (حازت رينودو على كتابها هذا)، عن «في (ذات) الهمة/ قصة رزان زيتونة محامية سورية، دار أكت سود، باريس، 2017، إعداد منال نحاس.

أسامة العيسة.. تأثر أموي باليهودية الفلسطينية..!

9:14:00 ص اضف تعليق


على عتبة منزل قديم في خربة البرج، التي أصبحت منذ النكبة من القرى الأمامية، بعد ابتلاع معظم أراضيها من قبل العصابات الصهيونية التي أسست دولة إسرائيل، تظهر نقوش يمكن إحالتها للشمعدان الذي يحتكره اليهود كرمز، ولكن وجوده في الخربة، يدل على قدمه واستمراريته لدى الفنان الفلسطيني الشعبي الحديث، كجزء من ميراث ممتد أقدم من اليهودية والمسيحية والإسلام.
في دولة الاحتلال أعلن آثاري اسمه عساف أفراهام اكتشافه عملات إسلامية تعود للفترة الإسلامية المبكرة في فلسطين (منذ 1300 سنة)، يظهر عليها رمز الشمعدان (المنورا)، بالإضافة إلى وجود هذا الرمز على أيدي الجرار الفخارية التي تعود لتلك الفترة.
تؤكد هذه المكتشفات، رواية الإخباريين العرب عن فتح فلسطين، وتبني الفاتحون الجدد الثقافة الفلسطينية المحلية خصوصا ذات الطابع اليهودي.

المكتشفات التي تعود لعهد الأسرة الأموية التي عثر عليها في مواقع مختلفة في فلسطين الانتدابية، تعرض الآن على الجمهور الإسرائيلي.

في العام الماضي، أثار عساف أفراهام وهو من جامعة بار إيلان، وبيريتس روفن من الجامعة العبرية في القدس، ضجة إعلامية تتعلق بنقش المسجد العمري في قرية نوبا/الخليل، لأنه يشير إلى المسجد الأقصى باعتباره "بيت المقدس"، وهو ما رأى فيه الاثنان ان المسلمين نظروا إلى المسجد كنسخة إسلامية من هيكل سليمان.
كتبت عن تقش نوبا قبل سنوات، وعدت إليه بعد إعلان أفراهام وروفن الذي صاحبه بروباغندا إعلامية، والواقع ان الكتابات الاسلامية عن الفتح الإسلامي لم تنكر أبدا وجود معبد سليمان، الذي نعرف الآن بأنه من الصعب وجوده، بل ان علماء الآثار الذين يتمتعون باستقلالية في دولة الاحتلال يتعاملون مع شخصيات العهد القديم كالملك سليمان وداود وغيرهما، كشخصيات أسطورية.

وفي الفهم الجديد للوطنية الفلسطينية، يذكر هيكل سليمان باعتباره الهيكل المزعوم، وهو لم يكن كذلك أبدا لدى الفاتحين المسلمين.
أكثر أفراهام في هذا الأسبوع من التصريحات الصحافية: "الرمز اليهودي الذي كان يستخدمه المسلمون هو الشمعدان [الذهب من سبعة فروع في الهيكل] الذي ظهر على العديد من القطع النقدية وغيرها من القطع الأثرية الإسلامية في وقت مبكر، بجانب عبارة لا إله إلا الله، أما على الجانب الآخر فكتب: محمد رسول الله"
يحاول أفراهام تسويغ اكتشافاته متوجها للمسلمين: "هذه الاكتشافات ذات أهمية كبيرة لفهم تاريخ الإسلام، وأتمنى أن يطلع المسلمون عليها، لأنها تشكل جزءا من تراثهم الديني والثقافي".
يضيف: "أطلقنا مشروعا إعلاميا يهدف إلى كشف هذه المعلومات للعالم وللمسلمين على وجه الخصوص. ونأمل أن يعزز هذا الحوار بين اليهود والمسلمين".

لا يتطرق أفراهام وغيره من علماء آثار الاحتلال، للاحتلال كواقع كولنيالي، ولتنقيباتهم غير الشرعية، وفق القانون الدولي، وتحت شعارات الحوار، يستحوذون على تاريخ فلسطين، وعلى اليهودية الفلسطينية، وسط تخلي متزايد في الخطاب الفلسطيني والعربي الثقافي عن تراث فلسطين اليهودي، الذي تطور عمّا سبقه في عصر مدن العصر البرونزي، المسمى شعبيا العصر الكنعاني.
مشى عالم الآثار الإسرائيلي آدم زرتال أكثر من عشر سنوات في شمال الضفة الغربية، ووثق عشرات الخرب التي تعود للعصرين البرونزي (الكنعاني) والحديدي (الإسرائيلي) ولم يجد فروقا يعتد بها في عبادة الآلهة المتعددة، ولاحظ فقط انه في خرب العصر الحديدي، لم يوجد عظام خنازير، وهو ما يؤكد أن التاريخ الثقافي-الديني الفلسطيني لم ينقطع، وطور على أرض فلسطين، وعلى الأرجح فان قصص الخروج والدخول الدينية، محض أساطير.
الهوية الفلسطينية، هوية متعددة وديناميكية، رغم الحماقات التي لا تزال ترتكب، لحشرها في زوايا أحادية..! ومن الغريب أن القوى الفلسطينية ما زالت بعيدة جدا عن هذا الفهم للهوية الفلسطينية، ويساوون بين اليهودية الفلسطينية والغزوة الاستعمارية الأوروبية على أرض فلسطين..!


فواز طرابلسي...علي عبدالله صالح: نهاية طاغية

1:54:00 م اضف تعليق

*ارتقى علي عبدالله صالح الى حكم اليمن العام ١٩٧٨ خلفاً للرئيس احمد الغشمي، الذي اغتيل على يد مبعوث يمني جنوبي ثأرا لدوره في اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي، صاحب ابرز محاولة لبناء يمن مستقل، متحرر من الوصاية السعودية، وتشييد دولة حديثة مستقلة عن مشايخ القبائل. نفذت جريمة خدمة للعربية السعودية عشية زيارة الحمدي لجنوب اليمن لتوقيع اتفاق وحدة بين الدولتين. وتشير الدلائل الى ان منفّذ جريمة اغتيال الحمدي المباشر هو علي عبد الله صالح نفسه.
*حكم البلد بالقمع والاستغلال والنهب والتفريط الوطني واستعداء الناس بعضها على بعض.
شجّع المعاهد الدينية الوهابية في المناطق الزيدية التي استفزّت مشاعر سكان المناطق الشمالية وكانت من ابرز أسباب نشوء الحركة الحوثية. شن ستة حروب على الحركة الحوثية بعد اغتيال زعيمها حسين الحوثي، شقيق عبد الملك الحوثي، الزعيم الحالي لـ«انصار الله».
*غزا جنوب اليمن العام ١٩٩٤ بجيش طليعته جهاديي «الأفغان العرب». وحفر اخدودا من الدم بين أبناء اليمن وحكم بمنطق الغزو والغنيمة والنهب ما اسهم في بروز النزعة الانفصالية المتعاظمة حاليا في جنوب اليمن. 
*في سابقة لم يقدم عليها أي حاكم يمني سابق (امامي ام جمهوري) تخلى علي عبدالله صالح للسعودية عن أراض يمنية في عسير ونجران ويام، احتلها السعوديون العام ١٩٣٤، تزيد مساحتها عن مساحة الجمهورية العربية السورية. وتقول مصادر عليمة انه تلقى لقاء ذلك عمولة قدّرت بأكثر من عشرة مليارات من الدولارات تقاسمها مع خالد التويجري، رئيس الديوان الملكي ومستشار الملك عبدالله بن عبد العزيز.
*ربط أجهزته بالحرب الكونية ضد الإرهاب، وكان يرعى عناصر تنظيم القاعدة ويستخدمهم لاغتيال خصومه من جهة ،ومن جهة أخرى يتسول عليهم لتغطية الادارات الاميركية على خروقه الفاضحة لحقوق الانسان، وجني مساعدات مالية وعسكرية لقاء سماحه باستخدام أراضي اليمن لقنص عناصر القاعدة بالطائرات المسيّرة ذاتيا.
*قمع بالدم التظاهرات السلمية للثورة اليمنية العام ٢٠١١ ومنها المجزرة الموصوفة التي ارتكبها قناصوه في ساحة التغيير في مارس من ذلك العام. تفكك الفريق الحاكم حوله تحت وطأة التظاهرات المليونية تطالب بتنحيته. جرت محاولة لاغتياله من اقرب حلفائه السابقين. تولت العربية السعودية ترميمه واعادته الى صنعاء. وعقدت «المبادرة الخليجية»، بقيادة العربية السعودية ورعاية الولايات المتحدة الاميركية، صفقة معه بأن يتنحى لنائبه ويغادر البلاد لقاء عدم مساءلته على كل ارتكاباته طوال فترة حكمه. تنحى ورفض مغادرة البلاد وما فتيئ يسعى للعودة الى السلطة او توريث احد أبنائه. 
*تحالف مع «انصار الله» بعد احتلالهم صنعاء ولقوا التشجيع من ولاء قطاعات كبيرة من الجيش له، فحاولوا فرض السيطرة العسكرية على كامل اليمن، ما ساهم في افتتاح حرب لا تزال تدور رحاها على ارض اليمن وقد تحول الى ساحة صراع إقليمي، إبرز اوجهه الحرب الجوية للتحالف العربي بقيادة السعودية. 
*ارتد علي صالح على حلفائه الحوثيين لقاء وعود بالدعم الخليجي وتوريث ابنه احمد، المحجوز في اتحاد الامارات، رئيسا على اليمن. لقي مصرعه على يد ميليشيات حوثية الأرجح وهو في طريقه للاحتماء بقبيلته في سنحان.
مصرع صالح لن ينهي عذابات اليمنيين. لعله سوف يضاعف الاقتتال الداخلي بمزيد من التدخل الخارجي. لكنه يسجل نهاية طاغية آخر من الطغاة العرب. 
ولما بعد التحليل والتوقعات.

حسن داوود... أسمهان: العيش على الحافّة

9:13:00 ص اضف تعليق


 يصعب على من لا يعرف إلا القليل عن حياة أسمهان أن يصدّق أنها لم تعش إلا سبعة وعشرين عاماً. حتى في الصور تبدو كأنّها جاوزت هذا العمر بأشواط، على رغم العناية الزائدة التي بذلها المصوّرون لتلك اللقطات القليلة. ربما يرجع ذلك إلى أن نساء ذلك الزمن كنّ يصلن إلى عمر النضج مسرعات. ولنزد على ذلك، في ما خصّ أسمهان، ذلك التاريخ الشخصي والفنّي الحافل الذي لم تتّضح ألغازه بعد، على رغم عودة الاهتمام بسيرتها في السنوات الأخيرة.

ففي ما يتعلّق بالكثير من جوانب حياتها نجد أنفسنا إزاء مجرّد افتراضات واحتمالات علينا دائماً أن نختار من بينها. مثالٌ على ذلك ما يتعلّق بموتها. فهناك احتمال أن يكون سقوط سيارتها في الترعة، وغرقها فيها مع صديقتها ومديرة أعمالها ماري قلادة، راجع إلى عمليّة مدبرّة. أما المتّهمون، بحسب ما زال يدور على الألسن حتى الآن: 1- المخابرات البريطانية التي كشفت علاقتها بالمخابرات الألمانية بعد فترة من مغازلتها الفرنسيين ولعبها دور العميلة المزدوجة بين الفرنسيين والإنكليز، 2- زوجها الأخير أحمد سالم الذي سبق له أن تزوّج أربع نساء هنّ خيرية البكري وأمينة البارودي وتحية كاريوكا ومديحة يسري، والذي تراوحت علاقته بأسمهان بين المنفعة والغرام الذي بلغ تأزّمه بينهما حدّ إطلاق الرصاص ثمّ التهديد بالانتحار من جانبه، 3- أم كلثوم، بسبب المنافسة بينهما وخوف هذه الأخيرة من صعود نجم أسمهان.

وهناك من يقول إنّه سبق لأسمهان أن تنبّأت بموتها، في ذلك المكان نفسه حيث كانت الترعة تُدار بآلة ضخّ بخاريّة. "كلما سمعت هذا الصوت أحسست بموتي الوشيك"، كانت تقول. وهناك أيضاً، بين رواة سيرتها، مَن عشق التقريب بين المصادفات فجمع بين مولدها على الباخرة العائدة بالعائلة، هاربةً، من تركيا إلى مرفأ بيروت، وبين وفاتها في الترعة، فقال إنها كانت تعلم، هي المولودة في الماء، بأنها ستموت في الماء. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما على أنّ حياة أسمهان كانت مجالاً خصباً لنسج الخرافات على أنواعها.

كأنّها عاشت حيوات كثيرة في حياتها القصيرة الواحدة. من الغناء إلى السينما إلى التقّلب بين أجهزة المخابرات المختلفة والمتحاربة، إلى الحياة الشخصيّة التي لم تقتصر على أزواجها الثلاثة (وثمة من قال إنّها تزوّجت أيضاً من فايد محمد فايد مدة عشرة أيام فقط من أجل الحصول على تأشيرة تتيح لها العودة إلى مصر). وهي تزوّجت من قريبها الأمير حسن الأطرش مرتين، بما يخالف العادات الجارية هناك في جبل الدروز بحسب ما نقلت شريفة زهور في كتابها "أسرار أسمهان" الصادر أصلاً بالإنكليزية والمترجم إلى العربية.


ولنضف إلى ذلك أنّها، في حياتها القصيرة، لطالما تقلّبت بين الثراء والفقر. من كتبوا سيرة حياتها، وهم عديدون، أرجعوا تورّطها مع أجهزة المخابرات المختلفة إلى حاجتها الدائمة للمال، ذاك الذي تنفقه بتهوّر أدهش جميع عارفيها. "كانت تقترب من هؤلاء تارة ومن أولئك تارة أخرى. فإن لم يدفع البريطانيون فقد يدفع الفرنسيون". المفوّض السامي البريطاني في لبنان إدوارد سبيرس، الذي كان معجباً بها، قال: "طلبتْ مني ومن كاترو (الجنرال جورج كاترو، المفوض السامي الفرنسي في لبنان وسوريا) مزيداً من المال، وقد رفضنا طلبها بعد التشاور". وهذا مما ذكرته شريفة زهور التي تعلّق أن أسمهان كانت تنفق المال بغية التأثير في من هم حولها.

أخوها غير الشقيق منير الأطرش روى عن سخائها في أيام رمضان وكيف كانت تغدق المال على الفقراء والفنانين والموسيقيين. وهو تذكّر أنها، لمناسبة ذكرى سقوط الباستيل، ربما في عام 1943 أو 1944، دُعيت إلى الحفل الذي أقامه كاترو للمناسبة: "كانت ترتدي حجاباً على الطريقة المصرية. في ذلك اليوم أعطت كلّ جندي حيّاها مئة ليرة. كانت لليرة قيمة ذهبية آنذاك. ومما ميّز حضورها أيضاً في ذلك الحفل أنّها، فيما كانت تسحب منديلها من حقيبتها لتجفّف عرقها، لمح كاترو مسدّس براوننغ في الحقيبة. قال لها: ويحك، يا أميرتي! أتيت إلى مقرّي حاملة مسدّساً؟ أنا لا أخاف إلا من أمثالك".

وقد بلغ من إسرافها في إنفاق المال أن عرّضت زوجها الأمير حسن الأطرش، والذي تسلّم وزارة الحربية فيما بعد، إلى شفير الإفلاس. لم تكن تطيق طول الإقامة في المكان الواحد فطلبت منه أن يبني لها قصراً آخر غير ذاك الذي بناه لها في السويداء ولم تقم فيه إلا أشهراً. وفي إحدى إقاماتها في القدس رفضت إخلاء الجناح الذي كانت مقيمة فيه بفندق الملك داوود لتحلّ محلّها الأميرة نازلي والدة الملك فاروق، على الرغم من أنّها في ذلك الوقت كانت في حاجة شديدة إلى المال، الأمر الذي كان له أن يضعف من اعتدادها بنفسها.

وهناك من يرى أنّ طرفاً من الخلاف كان قائماً بينها وبين نازلي مرجعه إعجاب حسنين باشا بها، وقد شاعت بين هذا الأخير ونازلي علاقة أحرجت القصر الملكي المصري.

كما كانت لا تطيق البقاء على حال واحدة. من دون أن تتّصل بأحد من معارفها، وخصوصاً بالصحافي محمد التابعي صديقها الأقرب، غادرت بيتها في القاهرة لتتوجّه إلى سوريا، حاملة رسالة من البريطانيين إلى أهلها في جبل الدروز. كانت تلك المهمة الأولى لها، في ما اعتبر أنّه بداية تورّطها في أعمال الجاسوسيّة، بحسب البعض، بينما ترى هي وبعض أهلها أن ما قامت به مهمّة وطنيّة. هناك من يؤكّد أنّها تقاضت مبلغ أربعة آلاف جنيه مكافأة على قيامها بالمهمّة، لكن، من ناحية أخرى، كان هذا المبلغ أقلّ بكثير من عوائد الغناء والتمثيل السينمائي، التي كانت ستجنيها لو بقيت في مصر. مثال على ذلك أنّها، حين رجعت إلى مصر، اشترطت أن تقبض 13 ألف جنيه سلفاً عن الفيلم الذي تعاقدت على لعب دور البطولة فيه.

ما كان يدفع بها إلى القيام بخطواتها غير المحسوبة وغير المقرّرة سلفاً هو عدم قدرتها على البقاء في ما هي فيه وعدم الاكتفاء بما بلغته من مجد وشهرة. لم يكن أحد غيرها بين النجمات العربيات، قبلها وبعدها، من ترى أنّ النجوميّة في الميدان السينمائي أو الغنائي هو محطّة للوصول إلى ما هو أكثر أهمية. كأنّها لم يكفها أن توضع، كمغنيّة، في مصاف أم كلثوم، وهذا ما تحقّق لها وهي في تلك السنّ المبكّرة آنذاك. وفي السينما تلقّت الأجر الأكبر حتى حينه وهو 20 ألف جنيه.

في كلّ من جوانب حياتها كان القلق والرغبة في التغيير يلازمانها. لا تلبث أن ترغب بالعودة إلى مصر حين تكون في سوريا، أو في لبنان، أو ترغب بالذهاب إلى القدس حين تملّ الأمكنة الثلاثة الأولى. كذلك كانت حالها مع الرجال عموماً، ومع أزواجها الذين كانت لا تطيق البقاء الطويل مع أيّ منهم. أما حسن الأطرش، الذي عادت إلى الزواج منه ثانية، فكان أكثرهم تعرّضاً لمزاجها الخطر المتقلّب. في إحدى روايات الجنرال سبيرس عن صلته بأسمهان يقول: "ذات ليلة كنت أتناول العشاء في أواخر مهمّتي في بيروت عندما أبلغني كبير الخدم العربي بأن الأمير الأطرش يرغب في مقابلتي حالاً، ويسأل إن كان في وسعه أن يأتي الآن. كنت مجهداً. وعلمت أن قطع المسافة عبر شوارع العاصمة اللبنانية الضيّقة سوف يستغرق نصف ساعة. وبعد نصف ساعة وصل (الأمير) من غير مترجم، وهذا جعل زيارته بلا جدوى لأنه لا يتكلّم الفرنسية ولا الإنكليزيّة، وأنا لا أفهم العربية. لذلك طلبت من كبير الخدم أن يسأل الأمير عن سبب هذه الزيارة العاجلة التي شرّفني بها. ثم إنّه أوضح أنّ زوجته قد أخبرته أنني اتصلت بالهاتف طالباً حضوره العاجل إلى السفارة. ها هو ذا السبب إذن. كانت محتاجة إلى غياب زوجها ساعة لأسباب معروفة عندها تماماً، والحصيلة هي أنّها خدعتنا نحن الاثنين، ووفّرنا لها وقتاً استفادت منه بلا شكّ".

الجنرال سبيرس كان معجباً بها على الأغلب، بل ربّما جمعته بها صلة تتعدّى الاتّصال السياسي واللقاء في المناسبات الديبلوماسية. إذ من أين له أن يعرف كلّ ما يعرفه عن حياة أسمهان الخاصة؟ في كتاب مذكّراته وصفها بالقطّة الشرسة. أما وصفه الأكثر تفصيلاّ لها فكان أقرب إلى نصّ أدبي: "كنت رأيت الأميرة للمرّة الأولى في الحفل الكبير الذي زُفّت فيه إلى زوجها للمرّة الثانية. كانت رائعة في تلك الأمسية التي لبست فيها ثياباً أوروبية. ومع ذلك فقد علمت أنّها أجمل بكثير في الثياب العربية التي تخفي ساقيها القصيرتين بعض الشيء. ولكن مهما كانت ثيابها، فإنّها كانت، وستبقى دائماً، إحدى أجمل النساء اللواتي رأيتهنّ في حياتي. كانت عيناها هائلتين، خضراوين بلون البحر الذي عليك أن تمخره وأنت في طريقك إلى الفردوس. كانتا معطوفتين إلى الأعلى عند الطرفين مثل جناح نورس. وعلمت في ما بعد أنّ لها صوتاً رائعاً عندما تغنّي أغنيات عربية... وبالطبع، فإنّها كانت دائمة الحاجة إلى المال، ولكنّها كانت تنفقه كما تذرو الماء غيمة ماطرة".

استخفّت باللعب مع الكبار، في الفنّ وفي السياسة. وهي لم تكترث للمكر الذي يتميّز به من كانوا في تلك المواقع. يظهر من سيرة حياتها القصيرة أنّ من أخلص لها متحمّلاً نزقها وتقلّبها والشائعات، كما الحقائق، التي كانت تثار حولها، هو وحده زوجها وقريبها الأمير حسن الأطرش. كان يتصرّف دائماً كما ينبغي لـ"إبن العائلة" بحسب التعبير المعروف في سوريا ولبنان. وهذا على الرغم من تغيّر الزمن الذي كان يمكن للأمور أن تبقى فيه ضمن أطر العائلات وقيَمها. كان هناك الإنكليز والفرنسيون وكذلك الألمان، ثم الأتراك وغيرهم، وذلك في الحرب العالمية الثانية، حيث أكثر سنوات القرن العشرين تأزّماً. أما هي، أسمهان، فقد ركبت تلك الأمواج العاتية من دون معرفتها بأنّ حسابات كثيرة ينبغي أن تؤخذ قبل الإقدام على أيّ خطوة من تلك الخطوات التي ألقت نفسها فيها.

ربما ينبغي أن نتذكّر سيرة أسمهان ونحن نستمع إلى أغنياتها الآن، فذلك قد يُضفي حسّاً بما كانته وما انتهت إليه حياتها. لا أعرف إن كان مشاهدو المسلسل التلفزيوني الذي أعاد تمثيل جوانب من حياتها قد أضافوا، وهم يعيدون سماع تلك الأغنيات، التراجيدية التي لازمت حياة مغنّيتها. كما لا أعرف إن كانوا أدركوا بأن تلك الحياة، على قصرها، كانت أوسع بكثير مما يمكن أن تعيشه امرأة عربية.
عن موقع رصيف

أصلي نيازيوغلو... بين جلسة في الحديقة وإعدام شاعر: حيوات اسطنبول وأحلامها في القرن السادس عشر

6:21:00 ص اضف تعليق

حديقة كارابالي زاده، كاباتاش، حوالي 81-1577 م.  




من الصعب تخيّل اسطنبول  في حقبة الحداثة المبكرة كمدينة حدائق. ففي مدينةٍ يقطنها أكثر من 15 مليون نسمة، نرى 1,5 بالمئة فقط من أرض اسطنبول اليوم هي منتزهات أو حدائق عامة، وغالباً ما نجد هذه المساحات مهجورة أو في حالة مُقفِرة، والعديد منها هو تحت خطر التحول إلى مراكز تجارية ومواقف للسيارات. إلا أنه في عصر الحداثة المبكرة، اشتهرت اسطنبول كمدينة خضراء بامتياز. إذ كان يوجد فيها العديد من الحدائق والبساتين، والكثير منها كان يقع عند أطراف المدينة. نالت تلك الحدائق شعبيّة كبيرة خصوصاً خلال القرنَين السّادس عشر والسّابع عشر، مع توسّع المدينة نحو مضيق البوسفور. كان يجتمع اسطنبوليّو القرن السّادس عشر في هذه الحدائق مع أصدقائهم للأكل والشرب، وللإستمتاع بغير ذلك من ملذّات. كما كان الشعراء، بصورةٍ خاصة، يتوافدون إلى الحدائق بعيداً عن الوسط السُّلطاني، وكان كُتّابُ السِّيَرِ حريصين على مشاركة قصص زيارات الشعراء هذه، متفكّرين في مكانة الشّاعر ضمن المشروع السُّلطاني، من مشارف المدينة.

تتطرق هذه المقالة إلى قصة حُلُمٍ رُوِيَ في واحدة من جلسات الحدائق تلك، كاشفة كيف اتّخذ كُتّابَ السِّيَرِ العثمانيين، في القرن السّادس عشر، من هذه الحكاية مادّةً لمناقشة مخاوف الشّعراء العثمانيين وهمومهم المخبَّأة. تقترح الأحلام - التي غالباً ما قدّمها كُتّابَ السِّيَرِ العثمانيين كمرايا لعوالم مَخفيّة - وجهةَ نظرٍ فريدة لجلسات الحدائق. فهي تكشف لنا عن جانب غالباً ما كان مخفيّاً، قام كُتّابَ السِّيَرِ بإظهاره عند كتابة قصص حياة الشعراء. سوف أركّز في هذه الدراسة على حلم شاعرٍ تمَّ إعدامه، رواه كاتب السِّيَر الشهير عاشق جلبي (توفِّيَ سنة 979 ه/1572م)، وتفسير ذلك الحلم في واحدة من جلسات الحدائق. سوف أناقش كذلك الأدوار التي لعبها الأصدقاء والأولياء كمفسّرين للأحلام، وكيف أن تفسيراً خاطئاً أدّى إلى نتيجةٍ مُهلِكة وماذا أراد كاتب السّيرة إخبار قرّائه عن تفسير قصّة حياة شاعرٍ عثمانيّ في اسطنبول القرن السّادس عشر.

الحلم قيد البحث هو للشاعر فيجاني (938ه/1532م)، الذي أُعدِمَ بسبب بيت من الشعر ينتقد فيه الوزير ابراهيم باشا (942ه/1536م). بدأ الإسطنبوليّون يتداولون البيت بعد أن أحضر الوزير الكبير ثلاثة تماثيل من حملته في المَجَر ونَصَبَها أمام قصره في ميدان سباق الخيل في العام 936ه/1529م. يقول البيت:

في هذا العالم ظهر إبراهيمان             الأول هَدَمَ، والآخر نَصَبَ الأوثان

أثار هذا الإتهام بالوثنيّة غَيظ الوزير الكبير الذي أمر بغتةً باعتقال الشاعر فيجاني. جرت الأمور بعجلةٍ بحيث أن أحداً لم يتمكن من إنقاذ الشاعر. بعد عرضه أمام العامّة على ظهر بَغل، أُقتيدّ فيجاني إلى ميناء إمينونو وشُنِقَ عند سوق السمك. كان إعدام الشعراء نادراً في اسطنبول العثمانيّة، ويبدو أن هذا الإعدام تحديداً قد أثار غضباً شديداً بين الأوساط الأدبيّة في المدينة.

يبدو عاشق جلبي، الذي وضع سيرة حياة فيجاني بعد نحو ثلاثين عاماً من إعدامه، هو أيضاً متأثِّراً بموته. في كتابه «مشاعِرُ الشُّعَراء» (976ه/1558م)، وهو واحد من أقدم معاجم سِيَر حياة الشعراء الأتراك في العصر العثماني، يعرّف عاشق جلبي بفيجاني كشاعرٍ شاب موهوب ويُثني إلى حدٍّ كبيرٍ على قصائده. في الجزء الأول من المقدمة السيريّة للشاعر، يقدم عاشق جلبي فيجاني كرجل ملذات قَضى أيامه وهو يحتسي الخمر برفقة أصدقائه الشعراء في حانة الرّاكي في أحياء غَلطة، ويستمتع بمشاهدة الغلمان الوسيمين وهم يتنزّهون في ميدان سباق الخيل. يتشابه هذا الجزء الأول من المقدمة مع العديد من مقدّمات «مشاعِرُ الشُّعَراء»: يمكننا تتبّع الشعراء في مغامراتهم بين الحانات والحدائق والقصور للِقاءِ أوليائهم وخلّانهم وأعدائهم. لكن عاشق جلبي أراد إخبار ما يتعدّى تلك القصص والقصائد التي تَجَلَّت في لحظات الرّخاء والمتعة. ففي «مشاعِرُ الشُّعَراء»، تتصف حياة فيجاني وأعماله أيضاً بالموت والأسى. كمقتطفات من شعر فيحاني، يختار عاشق جلبي الأبيات الشديدة الحزن   –عن رموشٍ مَخرومةٍ وصُدورٍ مُضَرَّجة بالدماء. كذلك فقد خصَّص كامل المقدّمة تقريباً  حوالى ثلاث صفحات ونصف من أصل مخطوطةٍ من أربع صفحات ــ لقصّة حلمٍ يتنبّأ بواقعة إعدام الشاعر. ليست القصة مثيرةٌ للإهتمام لأنها تشغل كل المقدمّة فقط، بل أيضاً لأنها لا تَظهَر في أيٍّ من سِيَرِ حياة فيجاني الأخرى من القرن السادس عشر.[1]

بالرغم من أهمية قصة الحلم بالنسبة لـ عاشق جلبي، إلّا أنها لقيت اهتماماً ضئيلاً جداً من قبل مؤرّخي الأدب الذين درسوا حياة فيجاني. أحد أسباب ذلك هو مَيل الباحثين إلى تناول المعاجم العثمانيّة لسِيَر حياة الشعراء كمراجعٍ لمعلوماتٍ وقائعيّة. تم التعامل مع قصة الحلم فقط ضمن إشكالية الحقيقة والخيال.حول الحقيقة والخيال، أي إذا كان فيجاني هو حقاً الذي نَظَمَ بيت الشّعر أم لا. في الوقت الذي قدّم المؤرّخ الأدبي محمد فؤاد الكوبريللي الحلم كدليلٍ على أن فيجاني هو الذي ألّف البيت الشعري، الأمر الذي جعله قلقاً عشيّة إعدامه، نجد من جهةٍ أخرى، أن عبد القادر كاراهان، الذي نشر أشعار فيجاني، ينقض هذا الإدعاء بحجّة أن القصة ربما لُفِّقَت في وقتٍ لاحق ولا يجدر النظر إليها كدليلٍ موثوق، باعتبار أن الأحلام المُتَنَبِّئة بالموت كانت من المحاور الأدبيّة الشّائعة في ذلك الوقت. المثير للإنتباه هو عدم تساؤل الكوبريللي ولا كاراهان عن السبب الذي دفع عاشق جلبي إلى تكريس هذا الجزء الكبير من مقدمته لقصة حلم، وما الذي أراد أن يعرفه قرّاءه عن فيجاني من خلال حلمه.

لن أتطرّق هنا إلى مسألة ما إذا كانت هذه الأحلام قد أُبصِرَت حقاً أم لا. المهم بالنسبة لي هو قرار عاشق جلبي بإدراج أحلام معيّنة في عمله. على غرار معاصريه، على الأرجح أنه لم يكن يثق بجميع الأحلام، ولكنه نظر إلى بعضها على أنها رسائل من عالم الغيب وضمَّها إلى السِّيَر التي كتبها. قرارهُ مهم لسببَين رئيسيَّين. أولاً، من النادر أن نقع على أحلامٍ في المعاجم الثلاثة الأولى لسِيَر حياة الشعراء العثمانيين، والتي استعملها عاشق جلبي كمراجعٍ له. كما من النادر أيضاً أن نقرأ عن الأحلام في «بَهارستان» لـ الجامي (989/1492)، أو في «مجالس النفائس» لـ علي شير نوائي (906/1501) اللذين كانا قدوة بالنسبة لـ عاشق جلبي. لذا فإن سرد الأحلام كان شديد الأهمية بالنسبة لـ عاشق جلبي لدرجة أنه اختار أن ينأى بنفسه عن التقاليد. ثانياً، من بين جميع الأحلام التي لا بد أن يكون عاشق جلبي قد قرأها وسمعها، إختار فقط إدراج الأحلام التي تدور حول موضوع محدّد: جهاز الدولة ودوره في حياة الشعراء. تحتوي معظم الأحلام في «مشاعِرُ الشُّعَراء» على تباشيرٍ بتقلّد الشعراء لمناصب (شغل العديد منهم منصب علّامة أو موظّفٍ بيروقراطيّ). مع ذلك، من بين تلك الأخبار السارّة كان يوجد حُلُمان يُظهِران صورةً أكثر ظلمةً لعلاقة الشعراء مع رجال الدولة العثمانيين. فبالإضافة إلى حلم فيجاني الذي سنستعرضه تفصيليّاً في وقتٍ لاحق، هناك حلم الشاعر البيروقراطي الرفيع المستوى جعفرجلبي الذي أبصَرَ أنه يُلقي بيتَ شعرٍ عن الموت قبل أيام قليلة من إعدامه بتهمة الخيانة. وبالرغم من تجاهل كاراهان للأحلام المتنبّئة بالموت كمحورٍ شائع في الأدب الإسلامي، فقد كان عاشق جلبي متحفظاً جداً بتناوله الأحلام المتعلقة بهذا الموضوع في أعماله. هذان هما الحلمان الوحيدان في «مشاعِرُ الشُّعَراء» اللذان يتنبآن بالموت، وكلاهما يعلن عن حصول إعدام. لكن ماذا أراد أن يخبر قرّاءه ؟ هل كان هناك شيء آخر في هذه الأحلام عن حياة الشعراء الذين عاشوا في كنف جهاز الدولة العثمانية القرن السادس عشر ــ رسالة قد لا تكون ظاهرة على نحو مباشر؟

حلم فيجاني وتفسيره الخاطىء
فيجاني مع عشيق شاب. من مخطوطة «مشاعِرُ الشُّعَراء» لعاشق جلبي، مكتبة فاتح ملليت (مكتبة الشعب)، اسطنبول.
أبصر فيجاني حلمه في حديقة كارابالي زاده، حيث بات الليلة بعد حفلة نهارٍ ربيعيّ. كان مُسافرو القرن السادس عشر يميّزون هذه الحديقة المطلّة على البحر في كاباتاش كواحدة من أجمل حدائق المدينة.  «يا لِعالم السحر هذا! يا لهذا المنظر الموقِظُ لخيال الشاعر! يا له من ملاذٍ يختلي به الفقيهُ بنفسه !»، قال أوجييه غيسيلان دو بوسبِك الذي زار اسطنبول في إطار رحلةٍ لسفارة هابسبورغ.[2] في العام 1587/1588، أي بعد حوالى خمسين عاماً من الإعدام، كانت الحديقة لا تزال تُعدُّ من أشهر معالم المدينة. يشير راينهولد لوبونو، وهو زائر آخر من سفارة هابسبورغ، إلى الحديقة كواحدة من أجمل حدائق المدينة.[3]

وفقاً لـ عاشق جلبي، كانت الحديقة مشهورة أيضاً بحفلاتها ونبيذها وشُبّانِها الوسيمين والموسيقى التي كانت تدوم لأيامٍ وليالٍ متواصلة. المُضيف، كارابالي زاده (توفيَّ سنة 944ه/1537 أو 1538م)، كان بيروقراطياً نافذاً كرَّسَ حياته للمتعة، ولم يكن «يدعو اليوم يوماً ما لم يُنفَقُ على شرب الخمر والإستمتاع».[4] يقول عاشق جلبي: «كانت هذه جلسات حيث لا تلفُّظٌ لكلمات قد تثير الكآبة والأسى. والقصص التي تُروى هي فقط تلك التي تُشعِلُ الهوى والرغبة، ولم يكن أحداً يتفوّه بكلمات الخطيئة أو العار أو الذّم».[5]

في بداية القصة، نرى فيجاني وهو يتأمل البحر بكآبة عند صباح سبقته حفلة ليليّة. يسأل الراوي فيجاني عن سبب بلائه، لكن الشاعر لا يجد القوّة الكافية ليجيب. بعد ذلك، يأتي كارابالي زاده ويدعو الجميع للشرب. «نحن الآن على شفّة البحر، إنه الرّبيع والوقت فَجر»، يقول. «لسنا نفرغ كؤوسنا ولا نملأ أنفسنا بالمتعة. هل هذا مقبول؟»[6] لكن فيجاني، «بائساً، لا ينبس ببنت شفة. كلوزةٍ فجّة، لا يفتح عينيه للنظر إلى الحَشد. نراه مُحبَطاً ومُحترقاً كشمعةٍ بعد حفلة الليلة الماضية».[7] ثم يمضي عاشق جلبي ليقارن صمت فيجاني بالآلة الموسيقيّة المهجورة: هو «قيثارٌ  ثَمُلَ عازفه وتركه متّكِئاً على الحائط، هو عودٌ خَلَدَ لاعبه إلى النوم تاركاً ريشته فوق الأوتار السّادِرة، هو دَفٌّ أُجبِرَ على مغادرة دِفء الجماعة ليواجه برد الزّاهد النّاسك فأصبح عاجزاً عن الإستجابة لمن يقرعه».[8]

يقدم كارابالي زاده لـ فيجاني كأساً قائلاً أن الشرب هو أفضل علاجٍ لصداع الخَمر. لكن فيجاني لا يزال مهموماً. عندما يُسأل مجدداً عن سبب همّه، يقول أن السبب هو حلم فسّره أنه بليّة ونكبة. ثم يروي الحلم ويستمع إلى تفسير كارابالي زاده:

الليلة الماضية، رأيت في منامي مئذنة تُقام قرب الميناء، عالية كمعروف رجال الدولة وشبيهة بدخان تنهّدات العشّاق. تسلّقت إلى أعلاها بعد أن طلب مني البعض القيام بهذا. ألقيتُ نداء الصلاة عندها ولكن الخوف ضرب قلبي وفقدت حياتي.

ضحك كارابالي زاده وقال «هذا حلمٌ مبشّر. لا مجال لتفسيرٍ آخر. إن شاء الله، سأقصد اليوم اسكندر شلبي أفندي وأحصل لك بسرعة على وظيفة محرّر الضرائب الجمركيّة أو ضرائب العبيد. سأعود ومعي سند التوظيف قبل العشاء. فلتكسب أرباحاً من الرسوم الجمركيّة بينما تحتسي الخمر وتحتفل مُطِلّاً على البحر. فليُسمع صوت فرحك ونشوتك أينما كان. فليفسَّر حلمك على هذا النحو».[9]

على غرار التباين بين جلسة كارابالي زاده المُمتعة وأسى فيجاني، هنا أيضاً نرى الإشارات المبشّرة كما المشؤومة للحلم. مثلاً، قد تبدو المئذنة في البداية إشارة مبشّرة. يستعمل عاشق جلبي كلمة «همّة» (دعم) مراراً لوصف الولاية أو الرعاية، وهنا أيضاً يرى فيجاني المئذنة عالية رفيعة شبيهة بدعم رجال الدولة ومعروفهم.[10]  إذن، هل الحلم هو نبأ جيّد عن ولاية أو رعاية مقبلة سوف يتلقّاها فيجاني؟ على أن التوصيف الثاني للمئذنة يعلن عن ألم عظيم: هي الدخان المتصاعد من قلب العاشق المحترق. لا بد أنه كان حريقاً هائلاً وألماً بالغاً ليولّد دخاناً سميكاً وطويلاً كمئذنة.  عندما يُطلَبُ منه، يتسلّق فيجاني أعلى المئذنة وينادي إلى الصلاة. مجدداً، من الممكن في البداية تفسير ذلك كإشارةٍ مباركة، بما أنه فعلٌ صالح. إلّا أن أحد كتب تفسير الأحلام المتزامن مع كتابة عاشق جلبي لعمله، يقدم تفسيرَين مختلفَين لمن يبصر  في حلمه أنه يتسلّق مئذنة: «إن كان من الصالحين، فسيكون فاضلاً. سوف يلقى الإحترام والمَهابة. أما إذا لم يكن من الصالحين، فسوف يُهان ويُحَقَّر بين الناس».[11] لذا، فإن حلم تسلّق المئذنة قد يجلب إما الإحترام أو العار، حسب مكانة الحالم. يضع الجزء الأخير من الحلم حدّاً للتفسير المزدوج. نتيجة خوفه الكبير، يعلم فيجاني أنه حُلُمٌ مشؤومٌ من الرعب والمَهانة.

غير أن كارابالي زاده يفسّر الحلم على أنه مبشّر. بالنسبة له، الدعوة إلى الصلاة هي علامة على نشر الفرح إثر حصوله على منصبٍ جديد في ميناء الرسوم الجمركيّة. بل حتى أنه يتطوّع للمساعدة بطلب هذا المنصب بالنيابة عن فيجاني. ولكن في هذه الحالة، كارابالي زاده لم يقدم المساعدة؛ في الواقع، لقد فشل في مساعدة فيجاني. تنتهي القصة بعد ثلاثة أيام مع الرواي وأصدقائه في حَي تاهتاكالي التجاري قرب الميناء. لقد علموا أنه تم إلقاء القبض على فيجاني ثم عُذِّبَ وعُرِضَ أمام العامّة قبل شنقه. عندما يذهبون إلى المشانق، يرون جسد فيجاني معلّقاً، وثوب الحياة مُنتَشَل منه. لماذا خصَّص عاشق جلبي وصفاً دقيقاً كهذا لتفسيرٍ خاطىء؟

الأصدقاء والأولياء والإعدامات
قبل كل شيء، من المهم ملاحظة من الذي قام بالتفسير. إذ بينما يوثِّق غيره من المؤلّفين العثمانيين مشاركة الأحلام بين الأزواج والزوجات، والشيوخ والمُريدين، والأساتذة والناشئين ــ فضلاً عن مُفَسِّري الأحلام وزبائنهم، ينتقي عاشق جلبي في «مشاعِرُ الشُّعَراء» فقط الأصدقاء المُقَرَّبين، وتحديداً الشعراء منهم، كمفسّري الأحلام. لم يتشارك هؤلاء الأصدقاء أحلامهم من خلال إخبارها والإستماع إليها فقط، بل كانوا أيضاً يبصرون أحلاماً عن بعضهم البعض  ويبصرون واحدهم الآخر فيها. أحد الأمثال المثيرة للإهتمام هو الحلم الذي أبصره فڤري (فَوريّ) عن عاشق جلبي وقام علي جلبي بتفسيره. عشيّة الحلم، كان عاشق جلبي في حالة من الحزن الشديد بسبب خسارة وظيفته. فَشَكَى همّه لصديقه علي جلبي، الذي قام لاحقاً بسرده على صديقهم المشترك فڤري . وفي أحد الصباحات، حمل فڤري أخباراً جيدة لـ علي جلبي؛ إذ جاءه حلمٌ رأى فيه رجلاً يرتدي خوذةً خضراء، يعطيه وثيقة بيضاء اللون، إنه صَكُّ حريّة أعدّه النبي محمد لـ عاشق جلبي. فسّر علي جلبي الحلم كبشرى سارّة. وبالفعل، فقد حاز عاشق جلبي بعد فترةٍ وجيزة على منصبٍ مرغوب جداً. وَحَّدَ هذا الحلم الأصدقاء الثلاثة   –الحالم والمُفسِّر وموضوع الحلم    –وكان محاولة لتبديد أشجان الحالم الصديقٍ عبر مشاركة أخبارٍ مبشّرة.

أليس متوقعاً من الأصدقاء أن يبصروا أحلاماً عن بعضهم البعض، خصوصاً في أوقات المِحَن؟ لا يخلو التاريخ من شهادات لأشخاصٍ أبصروا أصدقاءهم في الحلم. في واحدة من أقدم روايات الأحلام المُدوَّنة، يستيقظ جلجامش مذعوراً من حلمٍ يتنبّأ بموت أنكيدو،[12] أقرب أصدقائه. إن تركيز عاشق جلبي على الصداقة في سرديّاته عن الأحلام هو مهم وبارز لأننا لا نرى مثل هذا التركيز في أعمال غيره من كُتّاب سِيَر القرن السادس عشر العثمانيين. في معجم السِّيَر الذاتيّة الذي وضعه عن العلماء العلماء والشيوخ الصوفيين، يَقُصُّ طاشكبري زاده (986/1561)، وهو أستاذ عاشق جلبي، واحداً من أحلامه الخاصة الذي يتنبّأ حصوله على منصب قاضٍ.

في حلمه، يتلقّى عمرة (عمامة للرأس يضعها الصوفيون) من النبي، الأمر الذي فسّره أحد شيوخ الصوفيين كبُشرى لإلتحاقه بعالم القضاء. كحلم فڤري عن عاشق جلبي، هذا الحلم هو أيضاً بُشرى عن منصب القضاء الذي أبرمه النبي، لكن الرابط هنا بين الحالم والمُفسِّر هو ليس رابطاً بين صديقَين؛ إنما بين قاضٍ وشيخ صوفيّ. وبالرغم من أن العديد من أوساط عاشق جلبي كانوا حتماً  يترددون هم أيضاً إلى المُلتقيات، وربما كان الشيوخ فيها يفسّرون أحلامهم، لا يذكر عاشق جلبي في «مشاعِرُ الشُّعَراء» أي حلم من تفسير الشيوخ. بينما يضع طاشكبري زاده مُعجم عن سير حياة الشيوخ الصوفيين والعلماء والأحلام التي جمعت بينهم، فإن كتاب عاشق جلبي هو توثيقٌ للشعراء الأصدقاء الذين تربطهم أحلامهم أحلامهم.

يروي فيجاني حلمه في جلسةٍ يغيبُ عنها أصدقاءه (ملاحظة إلى أمل: الهمزة هنا توضع على الكرسي في حالة الكسر وعلى السطر في حالتي النصب والرفع)المُقَرَّبين. الحاضرون يُسمّون «yārān» (أصدقاء)، ولكن هذا التعبير لا يرمز إلى مفهوم الصحبة كما في مصطلحات «yār-ı ḳarīn» (الصديق الحميم)، أو «hemdem» (اللذان يتشاركان الوقت/اللذان يتنفّسان معاً)، أو «hemnişīn» (اللذان يجلسان معاً)، التي يستعملها عاشق جلبي لتعريف الصداقات الحميمة. على غرار الصداقات الأوروبية في مطلع العصر الحديث التي تميزت ببالمُجاورة الجسديّة، من خلال المُعانقة ومشاركة السرير والطاولة، تدل هذه الكلمات أيضاً وبشكل حرفي على قُرب الأصدقاء العثمانيين من بعضهم البعض ضمن الحيّز المكاني. هذا التقارب، وخصوصاً إن كان يعود بالزمن ــ إلى أيام الدراسة مثلاً ــ يمكنه أن يصل إلى حدٍّ تندمج فيه روحا الصديقين في جسدٍ واحد، كالحال مع عاشق جلبي وفڤري. إذن، أين كان أصدقاء فيجاني الحميمين؟ لماذا لم يقدّمهم عاشق جلبي بين المستمعين لحلم فيجاني؟ يبدو هذا إغفالاً غريباً ومُستَهجَن في كتابٍ يلعب فيه الأصدقاء أدواراًمهمة في سرديات أحلام كل واحدٍ منهم.

غياب الأصدقاء الحميمين عن جلسة فيجاني بارزٌ وفاضح نسبةً لمقدمة عاشق جلبي عن فيجاني. فهو يقدمه كطرفٍ من مثلّث يضم الشعراء فيجاني، و نَعتي، و نوحي، الذين كانوا يمضون كل الوقت معاً وهم يشربون ويطاردون العشّاق ويؤلفون الشعر. يوكّد عاشق جلبي على حميميّة هؤلاء الأصدقاء الشعراء الثلاثة من خلال تشبيههم بالنقاط الثلاثة الواقعة على حرف الشين في كلمة «شِعر». ربط عاشق جلبي أيضاً بين السير الذاتية للأصدقاء الثلاثة عبر استعمال المراجعٍ المتداخلة، وهي استراتيجيّة يعتمدها مراراً في «مشاعِرُ الشُّعَراء» لتدوين الروابط الإجتماعيّة بين موضوعاته. كلّ من مقدّمات فيجاني، نعتي، ونوحي، تحتوي على وصف لصداقتهم. إن عاد القارىء إلى مقدمة نَعتي، متتبّعاً المرجع في مقدمة فيجاني، سيقرأ كيف كان نَعتي يتردد مراراً إلى حانة الرّاكي  ليحتسي الخمر ويطارد الغُلمان برفقة فيجاني ونوحي.  كذلك إن ذهب المرجع بالقارىء إلى مقدمة نوحي، سيجده «نديم الكأس» لكل من نَعتي وفيجاني. الترتيب الأبجدي للكتاب، والذي كان عاشق جلبي حريصاً على استعماله، يجعل البحث عن تلك المراجع المتداخلة سهلاً. يسمح هذا لـ عاشق جلبي بتقديم موضوعاته ضمن إطار شبكة صداقتهم. تتصل الوقائع المدونة للصداقات في هذا الكتاب تماماً كما اتّصل الأصدقاء الثلاثة واحدهم بالآخر  في حياتهم.

لكن هل كان ممكناً لأصدقاء فيجاني مساعدته؟ كما في نصوصٍ أخرى من التاريخ الإسلامي، نجد في «مشاعِرُ الشُّعَراء» قصصاً عن شعراء كوّنوا مجموعات دعمٍ لحماية بعضهم البعض من سَخط الأولياء الغاضبين من الشعر الهجائي. مثلاً، عندما حكم الوزير الكبير إبراهيم باشا على الشاعر حَسبي، أخ كشفي، بسبب قصيدة هجائية، إجتمع كلٌّ من بصيري و قندي و زاتي تحت قيادة كشفي، وقاموا بزيارةٍ الوزير الكبير لطلب سماحه. ومع أن الزيارة قد أثارت غضب الوزير الكبير، إلا أن هذا لم يمنع الشعراء من التجرّؤ على زيارته مرّةً أخرى عندما اقتضى الأمر حماية قندي. عندما احتدم خيالي بك غيظاً من قندي بسبب قصيدةٍ أخرى، وأمر بهدم متجر الحلويات الذي كان يملكه، اشتكى أصدقاء الشاعر لابراهيم باشا، الذي كان وليّ خيالي بك. في كلتا الحالتين، تفاعل مُتَلَقّي القصيدة بعنف وهَبَّ الأصدقاء للإنقاذ. مع أن حسبي لم ينجُ وقضى سنوات في سجن «كزكوليسي أُسكدار»، حصل قندي على بعض التعويضٍ المالي.

بالمقارنة مع مجموعة الأصدقاء هذه، كان فيجاني وحيداً ومعزولاً عندما واجه الموت.  يشدد عاشق جلبي على عزلته من خلال وضع قصة حلمه بين أصدقاءٍ «ياران» [yārān] لم يفهموا خوف فيجاني وفشلوا في إدراك الخطر المُحدِق به. حتّى راوي القصة نفسه يبدو كمشاهدٍ حياديٍّ متجرِّد. وفيما يشير عاشق جلبي تحديداً إلى بعض الأصدقاء كمخبريه الشفهيين ومصادره في قصص الأحلام الأخرى، هنا لا يعرّف عن الرواي، بل يكتفي بتقديمه مُشاهداً بارداً. يبدأ الراوي قصته بوصف فيجاني وهو يتأمّل البحر مكتئباً في حديقة كاباتاش، ويُنهيها مع فيجاني مُعلّقاً على المِشنَقة عند ميناء إمينونو. كان فيجاني وحيداً في الحديقة كما على المشنقة، تماماً كما كان وحيداً عند المئذنة في حلمه، وبين «الأصدقاء» [ياران] عندما روى ما أبصره. هذا بالإضافة إلى أن مفسِّر الحلم ليس صديقاً، إنما هو مُضيف الجلسة، ووَليُّ مُحتمَل يصفه عاشق جلبي في مكانٍ آخر كـ«مُرافق الرجال الرُّذّلاء وهاوي الفاحشين والذّميمين».[13] ومع أن عاشق جلبي يشدد في قصص الأحلام الأخرى على دراية الأصدقاء بمآزق بعضهم البعض، نرى في حالة فيجاني إخفاق رجل الدولة النافذ هذا في إدراك الخطر. علينا معرفة المزيد عن التوقعات التي تربط علاقات الأولياء والمَحمِيّين ضمن أوساط عاشق جلبي كي نفهم التصوير الذي وضعه لسوء تفسير الحلم. مع ذلك، من الممكن القول أن عاشق جلبي، بسرده هذه القصة، ربما أراد الإشارة إلى حقيقة بسيطة: بغياب الصداقة والرعاية الجيدة، لن يتمكن الشاعر من إنقاذ حياته.

أن تشديد عاشق جلبي على انعزال الشاعر عن الأصدقاء والأولياء الصالحين فريدٌ من نوعه بالمقارنة مع كُتّاب السِّيَر العثمانيين الذين سبقوه والذين تلوه. جميعهم أرادوا التساؤل عن سبب إعدام فيجاني، إذ أن الإعدام كعقوبة على بيتٍ من الشعر كان أمراً نادراً واستثنائياً. في ذلك العالم، كان الشعراء أحياناً يفقدون مناصبهم أو يضطرون إلى مغادرة اسطنبول أو يعانون من ضائقة ماليّة بسبب القصائد الهجائية، لكن لم يحصل أن قُتِلوا يوماً. لذا، لا بد أن شيئاً ما قد سار بطريقةٍ خاطئة في حالة فيجاني، حقيقة أراد كُتّاب السِّيَر عرضها وتوضيحها. وقد أشار العديد منهم إلى حِقد وخُبث أعداء فيجاني:  كتب كلٌّ من ساهي بك (954ه/1548م) وأحدي (1001/1593) عن أعدائه الحسودين، وزَعَما أن بيت الشعر قد نُسِبَ إلى الشاعر البريء عن طريق نشر الإشاعات والنّميمة الهدّامة. بالنسبة لـ لطيفي، الذي كان من بين الواقعين تحت وصاية المحسوبين على ابراهيم باشا، فإن الإشاعات المُغرِضة كانت، إلى حد ما، ذنب فيجاني نفسه. قال لطيفي:

في وقتٍ قصير، برز فيجاني كواحد من أشهر الشعراء، إلى أن أصابه الغرور بموهبته الفطريّة في الإنشاء والأسلوب وأصبح مفتوناً بسحر كلماته. أخذ يروّج لنفسه كلؤلؤة ثمينة. وزاعماً بأنه «البديعُ الفريدُ الذي لا نظير لي» بدأ يُعيبَ أعيان اسطنبول بانتقادات حادّةٍ وفادحة.[14]

ربما كان قُرب لطيفي من الوزير الكبير ابراهيم باشا قد أثّر على وصفه لـ فيجاني. ردّاً على الصورة المتعاطفة التي قدمها بعض كتاب السير، أمثال ساهي بك وأحدي عن فيجاني كشاعر بريء، يبدو أن لطيفي قد أبرز عيوب فيجاني ونقاط ضعفه، مُظهراً كيف ساق نفسه إلى الخراب. من المثير للإهتمام اتّخاذ لطيفي موقفاً أكثر عدائية في كتاب السِّيَر الذي وضعه بعد «مشاعِرُ الشُّعَراء»، ربما كَرَدٍّ على وصف عاشق جلبي المتعاطف مع الشاعر. فقد أرفق قصة جديدة زاعماً أن بيت الشعر ينتمي بالفعل إلى فيجاني. هنا، يقدّم فيجاني شاعراً متغطرساً وعديم الصّبر، وساخِطاً على الوزير الكبير لعدم اكتراثه لشعره.[15] هكذا، فإن مقدمة عاشق جلبي عن فيجاني هي بمثابة إجابة على ما وضعه كتّاب السِّيَر من قبله   –بل هي حتّى إجابةٌ مستبقة على الذين أتوا من بعده.  ففي الوقت الذي يلوم كتّاب السير حسد الأعداء وتكبّر الشاعر، يشير عاشق جلبي إلى وليٍّ جاهل وأصدقاءٍ بعيدين.

من المهم ملاحظة توضيح عاشق جلبي لفكرته هذه من خلال قصة حلم، وهي تقنية استخدمها المؤرخون اللاحقون  –خصوصاً عند الحديث عن الإعدامات. مثلاً، يروي المؤرخ إبراهيم باشوي (1059/1566) من القرن السابع عشر، كيف أن اسكندر جلبي (941/1535) الذي حُكِمَ بالإعدام، ظهر في حلم السلطان سليمان (974/1566) وهو يحاول خنقه أن يخنقه. إستيقظ السلطان مرعوباً وأمر بإعدام الوزير الكبير ابراهيم باشا، الذي كان مسؤولاً عن موت اسكندر جلبي. السلطان عثمان الثاني (1031/1622) هو عثمانيٌّ آخر دخل الأحلام بعد إعدامه. يروي المؤرخ نعيما (1128/1716) من القرن الثامن عشر ظهور عثمان الثاني في منام أخيه مصطفى الذي كان قد انتزع منه العَرش، وكيف استيقظ هذا الأخير وهو يجهش بالبكاء.  يلاحظ نعيما أيضاً أن راوي الحلم هو مبشّرٌ (داعية) كان يُدين المسؤولين عن إعدام عثمان الثاني.

في حالة فيجاني، لسنا أمام شاعرٍ مات إعداماً يريد الأخذ بالثّأر، إلّا أن لقصة الحلم رسالة مهمة. فهي تكشف عن أمر غالباً ما يبقى مخفيّاً، وهو أن الأولياء قد يكونوا نُبلاء طيّبين أو شرساء عنيفين.  في مدحه لابراهيم باشا، يقول لطيفي أن «رعايته الباذخة وصلت إلى السماء وفاقت في عُلُوِّها النجوم السفيديّة»، وهي صورة إعجابٍ وتمجيدٍ لقوّة نفوذ وَلِيِّهِ مشابهة لصورة المئذنة الطويلة في حلم فيجاني.[16] أما في هذا الحلم، فيضعنا عاشق جلبي أمام المنافع كما المخاطر في العلاقات مع رجال الدولة النافذين. يمكن لرعاية الوليّ أن ترفع المرء عالياً كالمئذنة، ولكن يمكنها أيضاً أن تكون كدخان نار كبيرة مشتعلة في قلب العاشق. في مواضعٍ أخرى من كتاب «مشاعِرُ الشُّعَراء»، يقدم عاشق جلبي لقرّائه وصفاً مماثلاً لرعاية ابراهيم باشا،  واصفاً إياه كداعمٍ طيّب للشعراء وأيضاً كمُعاقبٍ عنيفٍ لهم. بينما يقدم ابراهيم باشا الهدايا والمناصب الوافرة والسخيّة في عدّة أجزاء من الكتاب، هو أيضاً يأمر  بتدمير حمّام الشاعر دلي بيرادر، وبسجن الشاعر حسبي بسبب قصائدهما الهجائيّة.

من المهم هنا رؤية وجهَي القوة عند الأولياء، إلّا أن كارابالي زاده، عمداً كان أم سهواً، يفشل في القيام بذلك.  تلعب المُتَع والملذات دوراً بارزاً في حياته لدرجة تمنعه عن تحمّل الأسى. لذا فهو يكوّن نظرة غير مكتملة عن رسالة الحلم. فهو يفسّر على نحوٍ صحيح موقع الميناء على أنه إمينونو، لكنه يفسّر المكان على أنه مكتب الجمارك بدلاً من موقع للإعدام. يرى ارتفاع المئذنة كدلالةٍ على رعايةٍ عظيمة من قبل الأولياء، لكنه لا يأتي على ذِكر دخان التنهّدات الصاعد من القلب المحترق. يبرر الدعوة إلى الصلاة كنشرٍ للبهجة بعد تلقّي منصبٍ جديد، إلا أنه يغفل عن الخوف الكبير الذي أحسًّ به فيجاني عند صعوده المئذنة. ربما ما أراده عاشق جلبي من سرد هذه القصة هو تحذير قرّائه بعدم التحوّل إلى طبقٍ صغيرٍ على مائدة الوليّ كما فيجاني، وبعدم وضع الثّقة برجال الدولة مثل كارابالي زاده، ولا بوعودهم الزائفة بالمتعة واللذة.

النّظر إلى المدينة السلطانيّة وشعرائها من الحديقة وعلى مشارفها 
كان يمكن لـ فيجاني، الشاعر ذو البكاء الصارخ  ورُبّما المُجَلجِل ــ كما يقترح إسمه القلمي ــ أن يَرقى بصوته لو كان قد حَظِيَ بدعم وَليٍّ  جيّدٍ وبمساعدة مجموعة من الأصدقاء. غير أنّه لم يستطع النجاة بغياب تلك العلاقات. لهذا تذكّرنا قصة الحلم بأهميّة الروابط الإجتماعيّة في حياة الشعراء العثمانيين، ولماذا لا يصحُّ دراسة حياة شاعرٍ بمعزلٍ عن سير الشعراء الآخرين. الآخرين. وهي أيضاً تدعونا للنظر إلى فيجاني من زاوية مختلفة. عندما انتُزِعَ ثوب الحياة عن جسده، لم يتحوّل فيجاني إلى آلةٍ موسيقية بكماء. فقد قضى حياته وهو يسعى وراء مُتَع وملذّات الخمر والحفلات والعُشّاق.  فيجاني كان هزليّاً ومُسامِراً، لكنه كان شاعراً تلقّى رسالة غيبية وصَحا من رُقاد الجَهالة. بواسطة حلم، أدرك الشاعر اليقين الذي كان مُستتراً عنه.

ربما ما أراده عاشق جلبي من سرد هذا الحلم هو تنبيه قرّائه. إلا أنه ينبغي على القرّاء  –بما فيهم نحن اليوم   –تفسير الحلم بشكلٍ صحيح. وإلّا فلن نفهم الرسالة التي يحملها، مثل كارابالي زاده الذي فسّر الحلم كما أراد هو أن يسمعه. أما عاشق جلبي فقد قدم لقرّائه تفسيراً صائباً وصادقاً من خلال استعماله لمجموعةٍ متنوّعة وغنيةّ من المفردات التي تصف حزن فيجاني وكآبته في جلسة الحديقة وخوفه من المئذنة في الحلم. هنا كارابالي زاده، الذي أبى التطرّق لأيّ أمر يتعلّق بالأسى في تلك الجلسة، ارتكب خطأً قاتلاً.

علينا ألا نرتكب الخطأ نفسه. في البداية، يبدو «مشاعِرُ الشُّعَراء» كتاباً فرحاً وممتعاً. فهو مليءٌ بالشعراء الذين يطاردون العُشّاق ويحتسون الخمر ويحتفلون ويسعون نحو حياة مِهَنيّة هانئة. إذا تسلّقنا المئذنة مع فيجاني ونظرنا إلى الأسفل، سوف نرى حانة الرّاكي في حَيَ تاهتاكالي، ونشاهد نزهة الوُسماء في ميدان سباق الخيل، ومكتب الجمارك في إمينونو وحديقة كارابالي زاده في كاباتاش. عند كتابته عن حياة فيجاني، يصف عاشق جلبي هذا العالم بألوان متعدّدة. لكن قصة الحلم تقترح أيضاً رؤيةً أخرى، وهي خوف شعراء القرن السادس عشر العثمانيين، في حدائقٍ قد يكون فيها الإعدام على مَرمى حَجَر.

*هذه الدراسة هي جزء من بحث جار حول الحدائق العثمانيّة في حقبة الحداثة المبكرة. لقد كان من دواعي سروري أن تتاح لي الفرصة لمشاركة النتائج الأولية للبحث التي توصَّلتُ إليها في المشروع «بَهار» باسطنبول، الذي يقام كجزء من فعاليات البعيد «بينالي الشارقة 13». أودُّ أن أتوجّه بالشكر إلى زينب أوز لكونها مصدر إلهام كبير لعملي، ولجمهوري على تقييماته وتعليقاته وأسئلته القيّمة. نُشِرَت نسخة سابقة من هذه الدراسة تحت عنوان «كيف تقرأ حلم شاعر عثماني؟ أصدقاء وأولياء وإعدام الشاعر فيجاني (938ه/1532م)»،
How to Read an Ottoman Poet's Dream? Friends, Patrons and the Execution of Fiġānī (d. 938/1532), Middle Eastern Literatures 16, no. 1 (2013): 48–60.

[1] للإطلاع على قصة حياة فيجاني بقلم عاشق جلبي، أنظر «مشاعِرُ الشُّعَراء»،
‘Ᾱşıḳ Çelebi, Meşāirü’ş-Şu’arā: İnceleme-Metin, ed. Filiz Kılıç (İstanbul: İstanbul Araştırmaları Enstitüsü, 2010), 1203–1202.

[2] «حياة ورسائل أوجييه غيسيلان دو بوسبِك»،
The Life and Letters of Ogier Ghiselin de Busbecq, eds. C. T. Forster and F. H. Blackburne Daniell (London: C. Kegan Paul & Co. 1881), 1: 129.

[3] لدراسة موسّعة لهذه الحديقة، أنظر
Gülrü Necipoğlu, “The Suburban Landscape of Sixteenth-Century in Istanbul as a Mirror of Classical Ottoman Garden Culture,” in Gardens in the Time of Great Muslim Empires; Theory and Design (Leiden and New York: E. J. Brill, 1997), 32–33.

[4] عاشق جلبي، «مشاعِرُ الشُّعَراء».

[5] نفس المرجع.

[6] نفس المرجع.

[7] نفس المرجع.

[8] نفس المرجع: 3: 1207.

[9] نفس المرجع: 3: 1208.

[10] لاستعمال عاشق جلبي لكلمة «همّة» للتعبير عن «الولاية» (أو الرعاية)، أنظر
Tuba Işınsu Durmuş, Tutsan Elini Ben Fakîrin; Osmanlı Edebiyatında Hamilik Geleneği (İstanbul: Doğan Kitap, 2009), 19.

[11]  Arzu Erdoğan, “Türkçe Rüya Tabirnâmeleri ve İbn-i Sirin’den Tercüme Edilen bir Tabirnâme,” (أطروحة ماجستير ، جامعة مَرمَرة، 1994)، 49.

[12] مجهول، «ملحمة جلجامش»، مُتَرجَم مع مقدمة،
Anonymous, The Epic of Gilgamesh, trans. with an introduction by Andrew R. George (London: Penguin, c. 1998), 30–39.

[13] «مشاعِرُ الشُّعَراء»، 3: 1000.

[14]لطيفي، «تذكرة الشعراء»،
Tezkiretü’ş-Şu’arâ ve Tabsıtatü’n-Nuzamâ, ed. Rıdvan Canım Kültür Merkezi) (أنقرة: مركز أتاتورك الثقافي، 2000)، 438 ــ39.

[15] لطيفي، «تذكرة الشعراء»، 439.

[16] المرجع نفسه، 326.



ترجمه عن الإنكليزية زياد شكرون.

أصلي نيازيوغلو هي مؤرّخة متخصّصة في الأدب العثماني تعمل على النُّهُج المقارَنة في كتابة السِّيَر  والتاريخ الحَضَري والمذهب الصّوفي في أوائل عهد اسطنبول الحديثة. إستهلّت هذا البحث بدراسة دكتوراه في التاريخ من جامعة هارفارد، تبعتها منحة دراسيّة في كلّية برلين للدراسات العليا، ومنصب مُحاضِرة في جامعة أوكسفورد. تشغل منصب مدرّسة في جامعة كوتش،–كليّة التاريخ في اسطنبول منذ العام 2006. يستكشف كتابها الأوّل «الأحلام والحَيَوات في اسطنبول العثمانيّة: نظرة كاتب سِيَر من القرن السابع عشر» (Dreams and Lives in Ottoman Istanbul: A Seventeenth Century Biographer’s Perspective, Routledge, 2016)، كتابة السِّيَر وسرديّات الأحلام في اسطنبول الحداثة المبكرة. يُظهِر الكتاب كيف وفّرت سرديّات الأحلام لكُتّاب السِيَر في اسطنبول أوائل القرن السّابع عشر وسيلةً لتكوين مجتمعٍ مثقّف في ظروفٍ سياسيّة هشّة وحسّاسة. حاليّاً، تتحضّر نيازيوغلو لإصدار كتابها الثاني، «تَخَيُّل اسطنبول الحداثة المبكرة: مدينة شعراء وصوفيّين ورحّالة» (Early Modern Istanbul Imagined: A City of Poets, Sufis and Travelers)، الذي يتناول الطُّرُق والأنماط التي اختبر من خلالها العثمانيّون مدينتهم اسطنبول، وكيفيّة ترويجهم لمجالاتٍ جديدة للمخالطة الإجتماعيّة، تمتّعت باستقلال ذاتي متنامٍ خارج كرسي السلطة السلطاني (أو الامبراطوري)، في الفترة الممتدّة بين أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن الثامن عشر.

زياد شكرون (بيروت، 1982) ممثل ومترجم يعيش ويعمل في بيروت ومدريد. حائز على بكالوريوس في المسرح من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وعلى ماجستير في الترجمة من مدرسة طليطلة للمترجمين في إسبانيا. من آخر  ترجماته كتاب «زمن العين وعمره» لـِ وليد صادق (من العربيّة إلى الإسبانيّة)، و«كيف تعرف ما الذي يجري حقاً» لـِ فرانسيس ماكّي (من الإنكليزيّة إلى العربيّة).

وجه ليلى

3:20:00 ص اضف تعليق

في كتاب "الأنساب"، نقل السمعاني عن الجنيد قوله: "مجنون ليلى من أولياء الله تعالى، ستر حاله بجنونه". وفي "الفتوحات المكية"، استعاد ابن عربي "حال قيس بن الملوح مجنون بني عامر صاحب ليلى" في حديثه عن "قوة سلطان حرقة لهيب نار الحب" التي "تحل على قلوب المحبين و"تحرق كل شيء تجده ما سوى المحبوب". تتحول ليلى في هذا السياق إلى طريق المجنون في التوحيد وصولا إلى الواحد الأحد. تتجلى هذه الصورة خصوصاً في إنتاج كبار الشعراء الفرس الذين نظموا في المجنون قصصا عدة تجد جذرها في الروايات العربية.
في القرن الخمس عشر، وضع بدوره منظومة خاصة بـ"ليلى ومجنون"، وفيها مهّد لرواية الحج إلى مكة في فصل بديع يناجي فيه العاشق معشوقته ويقول: "يا كعبة القاصد المشتاق، وقبلة الحسان من كل الأفاق. حريم حبك حديقة الحرم، والمقيمون به كزوار الحرم. جدائل شعرك عقد ذوي التيجان، ونفخ عطرك وله المشتاقين، وخلخالك الذهبي تاج الرؤوس، وسلسال شفاهك يغار منه الكوثر، وكل شعرة من غدائرك كالليل البهيم مثار وله ألف مجنون مثلي. وحين يفترّ ثغرك مبتسما فأيّ سوق لبائع الشهد! قد عقدت الإحرام لبابك فجراً وأنا رضي الطبع جذلان، فقلت: إذا تيسّر لي اليوم السجود على تراب ذلك الباب، فعلى الله حجة وطواف. والآن وقد نلت مقصودي، وتمتعت من وجهك بما أشتهي، فأذني لي أن أشدّ الرحال إلى البيت الحرام". بدورها، تناجي ليلى العامرية حبيبها وتقول: "يا من منهجك طريق الصدق، إنما حجك إليّ وحجي إليك. ولأن يضئ محيانا نور التلاق، خير من أن يحترق قلبانا بنار الفراق". يمضي المجنون إلى مكة وحيدا، "وخلانه في سفره الجن والحيان". يلتقي في طريقه بقصاد الكعبة وهم يطلقون أصواتهم بالتلبية، أما هو، فـ"كان يردد بدلها اسم ليلى. وعندما أبصر من بعيد سواد الكعبة، امتلأ سواد عينيه نورا، وتذكر جمال ليلى، فأطلق من خرقة الشوق صيحة، ثم بدأ بالطواف حول البيت، ولم يجد السبيل إلى وصال قمر الحبيب". كما في الرواية العربية، يتعلّق المجنون بأستار الكعبة ويبدأ بالدعاء: "يا ربة الخدر، يا مزهوة الحجاب، ويا حلالة عقد حلقات الأسرار: مكانك بين أندية العرب، وبك كسدت سوق كل العجم". يتوب قيس إلى ربه، ويقول: "يا من يولي وجوههم إليك العجم والعرب، وأرواحهم جميعا سكرى من الشوق إليك، أصرف وجهي عن كل شيء، وأغسل صحائفي من كل كلام، إلا من هوى وجه ليلى، ومن نداءات الشوق إليها. فليلى ملاذ أمل روحي، وكنز عيشي الخالد. منها تستمد عيني نورها، ومنها يجد قلبي المضني روح القرار. هي ملكة ولاية الجمال، وروح جسم العشق، غاية كل محب. وما دامت ملكة فأنا عبد، وما دامت هي الروح فأنا بها حي. وليلى مصباح الحياة، وباكورة يانع الثمار في بستان الأمل. فكل من لم يحي بها فهو ميت، وكل من لم يعره منه حرارة الشوق فهو بارد القلب. ولو أن العالم كله على رأي واحد، وخرج عن قاعدة الوفاء لها، فحاشا أن أعيرهم أذناً، وحاشا أن أنساها لحظة".
استعاد الرسامون قصة حج مجنون ليلى إلى البيت الحرام في عشرات المنمنمات التي رافقت منظومات نظامي وجامي ومن سار على دربهم. في نسخة من "العروش السبعة" (سباعية جامي) زوّقت عام 1571 قي قزوين، تدخل ليلى العامرية فضاء اللوحة بلباس الحج، مشيرة بيدها في اتجاه قيس الذي يرفع ذراعيه نحوها، محدّقا في وجهها. أنشد الشاعر في قصيدته اليائية الخالدة:
أراني إذا صليت يممت نحوها/ بوجهي وإن كان المصلى ورائيا
وما بي إشراكٌ ولكن حبها/ كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا
عن صفحة محمود الزيباوي

«كَافْكَا بقلم كافكا»… الكتابة كصلاة لتحرير الروح

1:27:00 ص اضف تعليق



مدريد ـ «القدس العربي» من محمد محمد الخطابي: «إنني لستُ مُذنباً.. كيف يمكن أصلاً أن يكون أي منا مُذنباً، ونحن نعرف أننا بشر». (كافكا)
من الكتب الهامة التي نقلت إلى لغة سيرفانتيس مؤخراً عن الكاتب التشيكي فرانز كافكا (3يوليو/تموز 1883 ـ 3 يونيو/ حزيران 1924) كتاب: «من فرانز كافكا إلى فرانز كافكا» أو كافكا بقلم كافكا، من تأليف الكاتب والناقد الفرنسي مُورِيسْ بلاَنْشُو، الذي يلقي الضوء على حياة (كافكا) الذي كان يرى أن «الكتابة، حتى إن كانت جمرة متقدة بالنسبة إليه، فهي شكلٌ من أشكال الصلاة». إن عملية الكتابة عند كافكا هي إصرار على تأكيد وجوده إزاء استحالة تحقيق الحب، وهو بمعاناته اليومية المتواترة، وعذاباته الداخلية وبعزائه ومواساته لنفسه، يحاول تفجير ما كان يعتمل في داخله من صراعات وتحويلها إلى صور غرائبية، وأخيلة مُجنحة خارج ذاته عن طريق عملية الخلْق والإبداع. فصراحته المفرطة تحيل أعماله الإبداعية إلى شبه اعتراف صريح يلامس حدودَ اللامعقول. حيث يصرح لنا في أعماله بأنه «لا يشعر بحقيقة نفسه إلا عندما كان يُصاب بحزن عميق لا يطاق»، وبالتالي يشعر بالجنوح نحو الارتماء في عوالم الحمق، والضياع بين دهاليز الجنون، ومتاهات الصمت، والقلق، والعبث، واللامبالاة، وأخيراً المعاناة التي طبعت أو طغت على أعماله، وهنا تكمن فكرة تجسيده للفشل والإحباط اللذين كانا يعتملان في أعماقه، حيث تعتبر كل هذه الملاذات بالنسبة له فراراً، أو هروباً، أو انعتاقاً، أو تحرراً من قيود الزمن وأصفاده، وثقله وجَبروته، ونأياً عن شعوره بالذنب الذي كان يؤرقه، إنه كان يقول بدون وجل أو خجل: «إنني لستُ مُذنباً.. كيف يمكن أصلاً أن يكون أي منا مُذنباً، ونحن نعرف أننا بشر».
متاهات الشك والقلق
لا ينكر القارئ أن نوعاً من الانقباض والتشنج يعتري ضميرَه وهو يبدأ رحلة الشك، والريبة، والحيرة والغموض مع كافكا. فيُشاركه مَشاغلَه، ويُشاطره مَشاكلَه، ويُقاسمه مُعاناته على امتداد حياته القصيرة، باعتباره كاتباً يسجل كل ما يتراءى له، وما يعتمل في داخله من خيفة وتوجس، وهوَس الإنقاذ الذي يعتبره في حد ذاته إدانة صارخة مُسبقة للوجود. وهي فكرة قديمة تستمد أصولَها من بعض التعاليم والأقانيم والترانيم اليهودية القديمة عند اليهود، التي عفا عنها الدهر، ولا غرو، ولا عجب فهو يهودي الأصل كذلك. بلانشو في كتابه ينطلق مغامراً في محاولة كشف الجوانب الغامضة والمبهمة في حياة كافكا وأدبه، وهو يحاول معاودة النظر في مهمة الكتابة، وأبعادها ومراميها ومقاصدها، كما يحاول فك لغزها ومغزاها، لنصل في آخر المطاف إلى فهم الهوة السحيقة التي يتردى فيها الكاتب، ويحاول أن يجر معه فيها أو إليها قراءه. كافكا الذي يرى «أن الكتابة ينبغي أن تكون كالفأس الحادة التي تشق البحرَ المتجمد في داخلنا»، و»إننا نحتاج إلى تلك الكتب التي تنزل علينا كالصاعقة التي تؤلمنا، كموت من نحبه أكثرَ مما نحب أنفسَنا، والتي تجعلنا نشعر وكأننا قد طُردنا إلى الغابات بعيداً عن الناس».
براغ .. عاصمة البُوهيميين
لم يكن كافكا يكتب سوى باللغة الألمانية وهي اللغة التي كان يستعملها يهود براغ المعاصرين له، ، يشير جوزيف سيرماك إلى أن كافكا كان محظوراً أيام تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية لأنه كان في عرفهم كاتباً رجعياً، وسيرماك نفسه كان مضطرا لنشر أولى أعماله حول كافكا في ألمانيا باسم مستعار، ولم يتمكن من ترجمة أعمال كافكا إلى التشيكية إلا عندما هبت نسائم الديمقراطية على هذا البلد، مثل «المفقود»، و»المحاكمة» و»يوميات». وتؤكد ماركيتا ماليسوفا مديرة مؤسسة تحمل اسمه: «أن كافكا أصبح بعد سقوط الشيوعية أحدَ المعالم المشهورة في الحياة الثقافية والعمرانية والسياحية في براغ، إلا أن أعماله معروفة خارج بلاده أكثر منها في الداخل، ففي براغ أصبحنا نجد اليوم العديد من التماثيل، والمجسمات، واللوحات الرخامية وُضعت أو نُصبت على شرفه»، ويذكرنا سيرماك: «أن براغ كانت هي المدينة التي تلقى فيها كافكا تعليمه الأول، والتي جال وصال فيها إبان شبابه، حيث كانت تعتبر عاصمة البوهيميين وقتها، وفيها ذاق مرارة العيش، وبؤس الحياة، حتى أصبح الأمر لا يطاق بالنسبة له إذ كان يعمل في مكتب التأمين للحوادث الصناعية، كانت براغ كذلك الوسط الذي أوحى له بأعماله الأدبية وإبداعاته، والمكان الذي عرف فيه الحب الأول وهيامه المبكر ببعض فتيات هذه المدينة، وجميع علاقاته بحسناوات براغ في تلك الفترة، لم تنته بالزواج».
لعنة كافكا
ويذكرنا سيرماك: «بأن كل ما وصلنا عن كافكا يعود الفضل فيه لصديقه الكاتب ماكس برود، الذي عُني بتراثه عناية فائقة حتى وفاته في فلسطين عام 1968، حيث كان قد هاجر إليها عام 1939 بعد إحتلال النازيين تشيكوسلوفاكيا في ذلك الوقت. وتظل السيرة الذاتية لسيرماك هي أحدثها جميعاً، وكانت أرملة الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس ماريا كوداما، قد كتبت مقدمة لكتابه السابق «الصراع من أجل الكتابة» حيث كالت انتقاداً لاذعاً «لكافكا الآخر» الذي كتب عنه أحد معارفه وهو غوستاف جانوش الذي دوّن العديد من المحاورات، والمحادثات مع كافكا ونشرها عام 1951. إن معظم الدارسين لكافكا يؤكدون أن برود قد خان صاحب «المحاكمة»، وبدلاً من أن يشكروه لأنه لم يقم بحرق أوراقه ومخلفاته، حيث كان كافكا قد طلب منه أن يضرم النار في جميع أعماله .. «إحرق كل شيء دون قراءته، أريد أن ينساني الناس»، ولكن برود لم يحرق ورقة واحدة، بل قرأ كل شيء، وعمل ما في وسعه حتى لا ينسى العالم كافكا أبداً. صرف برود عشرين سنة من عمره (من 1930 إلى 1950) منكبا على دراسة واستخراج ونشر أعمال كافكا. أما غوستاف جانوش فلم يتعرف سوى على كافكا المدون في محادثاته معه، وبعد وفاة كافكا عاش حياة قاسية خلال الحرب، وسجن لمدة ثلاث سنوات، وبعد إطلاق سراحه عثر على الدفتر الذي سجل فيه كل محادثاته مع كافكا، وبعد ذلك وصل هذا الدفتر إلى يدي ماكس برود ثم قام بنشره ضمن كتاب، وهذا ما يفسر أن كل المشتغلين بأعمال كافكا كانوا عندما يصلون إلى براغ يسألون عن جانوش، ولكنهم كانوا يُصابون بخيبة أمل بالنسبة لما كان كافكا يحكيه ويقوله في محادثاته مع جانوش لأن هذا الاخير لم يكن على علم بأعمال كافكا الإبداعية الكبرى الأخرى مثل «المحاكمة»، و»القلعة»، و»رسالة إلى الوالد» و»اليوميات»، ولم يكن إعجابه به إعجاباً بقلمه أوإبداعاته، بل بمزاياه وخصاله الإنسانية لا غير.
إدانة للوجود
واجه كافكا الموت ليس كموقف درامي، بل إنه حاول استيعاب أو فهم هذا الشعور المأساوي، أو الحدث الدرامي، ولم يجد في الأدب وسيلة فقط لتحقيق ذاته، أو غايته، أو مراده، بل إنه ألفى في الكتابة نوعاً من الفرار أو الخلاص من فداحة الموقف الذي يتردى فيه. وأمام هذا الغموض كان عليه أن يجد الإجابة بواسطة هذا الغموض بعينه، وهكذا فالأدب عنده نوع من الغموض نفسه، مثلما هو الشأن لدى الألماني ريلكه، أو الفرنسي مالارميه، اللذين كانا يريان أن الأدب الغامض، أو الأدب الجيد لا يمكن فهمُه أو إدراكُه إلا بقدرٍ كبير من الذكاء، والفطنة، والتفكير، والمعاناة. ويؤكد النقاد أن كتاباته تحمل في طياتها بذرة الموت، والموت عنده هو الجانب السلبي والسحري والقسري للحياة. وهو لا يَسلب المرء حياته وحسب، بل يسلبه حريته كذلك، وهكذا تصبح الحياة غارقة في هوة الفراغ والعبث، كما أنها تغدو غير ذات مدلول، يتجلى هذا الجانب في كتابات كافكا مثل «اليوميات» ومراسلاته، وليس من السهولة استدراك عمقها، واستكناه أسرارها، ومعانقة الآلام، وهكذا كانت الكتابة عنده بمثابة «مكافأة عذبة ورائعة»، ولكنه سرعان ما يتساءل: مكافأة على ماذا؟ ويجيب: «في الليل كان واضحاً لي أنها مكافأة على خدمة الشيطان». ويضيف قائلاً: «ربما توجد كتابة أخرى أيضاً، لكنني لا أعرف سوى هذه».
المصير المحتوم
إن ثقة كافكا في «الكلمات» ثقة استثنائية، وعليه فإن الأدب عنده هو نقطة تلاقي المتناقضات، فالكاتب الأكثر بعداً عن الحياة هو الأقرب منها. وكافكا كان واثقاً من رسالة الكتابة والخلق والإبداع. واختياراته في هذا المجال كانت حافزاً قوياً للمضي في هذا السبيل، ولو على حساب سعادته، أو تعاسته، أو حياته، أو حبه، أو مرضه، ثم على موته في آخر المطاف. وهو في هذه المراحل جميعها يشعر بثقل الذنب الذي ينوء بكاهله، ويثقل ظهرَه، وهو لا يذعن أبداً لأعراف الحياة، ومتطلبات المجتمع، فالزواج عنده والتدين أو الإيمان أو الإدمان كل ذلك بالنسبة له يكمن في الكتابة التي يرى فيها التزاماً ذاتياً، بعيداً عن الدلالة الثورية للكلمة، بل هو التزام مع قدَره ومصيره. فالمسألة أو القضية تمس عنده أبعد من الوسط المحيط به، أو البيئة، أو المجتمع الذي يعيش في كنفه، بل إنها تشمل الوجود ذاته، هذا الوجود الذي وضعه في قفص الاتهام بدون ذنب ارتكبه، غير ذنب الوجود نفسه (إشارة إلى روايته الشهيرة «المحاكمة «)، ومعه عالم القيم والمبادئ، والتقاليد، والأعراف، وليس معه، أو عنده، أو له من سلاح سوى سلاح الكتابة التي تغدو في آخر المطاف عنده صمتاً صارخاً مبحوحاً، وصياحاً مكتوماً مجروحاً، حيث يعبر لنا عن ذلك بطريقة أكثر درامية فيقول: «إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا، فلماذا نقرأه إذن؟».
كتب الطبيب الذي كان يشرف على علاج كافكا في مصحة «هوفمان» في كيرلينغ بالقرب من فيينا، يقول عن آخر أيامه: «كان وجهه جامداً وصارماً، مثلما كان ذهنه نقياً صافياً. كأنه وجهُ مَلِكٍ ينحدر من محتد عريق». وبعد وفاته عثر صديقه برود على قصاصة ورقة كان قد كتبها كافكا في ساعة متأخرة من الليل، وفي لحظة يأسٍ وإحباطٍ ومعاناة من فرط مرض السل العُضال الذي ألم به، والذي كان ينهش جسمَه النحيل، كتب فيها لصديقه ماكس برود يرجوه رجاءً أخيراً بأن يحرق كل مخطوطات أعماله التي لم تكن قد نُشرت بعد، ومنها رواياته الشهيرة، إلا أنه من حسن حظ القراء لم ينفذ برود الوصية، واحتفظ بكافة أعماله التي نشرها في ما بعد.

المجنون معانقا قبر ليلى

12:42:00 ص اضف تعليق

عام 1188، وضع نظامي الكنجوي منظومة "ليلى ومجنون" في قصيدة من خمس آلاف بيت، وابتدع نهاية مبتكرة لا نجد ما يماثلها في الروايات العربية المتوارثة. في الفصل الأخير من هذه المنظومة، يوافق المجنون على زيارة والدته بعد لقاء مع عمه في البرية، لكن الأم تموت قبل أن تتحقق هذه الزيارة. في لقاء عابر، يمر المجنون بليلى مرة أخيرة ويعبّر لها عن ولهه شعراً. يموت زوج ليلى، فتخال أنها ستعود إلى قيس، هي التي لم تحب سواه في أي يوم من الأيام، لكن القدر يضرب الحبيبين من جديد. تموت الحبيبة وهي تلفظ اسم حبيبها، ويحج العاشق إلى قبر معشوقته ليبكيها، ثم يموت عند مثواها وهو محاط بالوحوش التي قدمت معه، ويرقد الحبيبان معا بسلام إلى الأبد.

في الهند، استعاد قصة "مجنون ليلى" الشاعر أمير خسرو الدهلوي المكنى بأبي الحسن والملقب بيمين الدين، ونظمها شعرا على طريقة نظامي الكنجوي. في نسخة مزوقة من منظومته نعود إلى منتصف القرن الخامس عشر، محفوظة في غاليري فرير في واشنطن، يظهر المجنون معانقا قبر ليلى وسط أسدين جاثمين، وتظهر في طرف الصورة شجيرة مزهرة تلامس أغصانها المزهرة ضريح المعشوقة.
عن صفحة محمود الزيباوي

وضاح شرارة... الكبة النيئة والمجدرة الحمراء، أو قران الطبع والصنع

9:43:00 ص اضف تعليق



ظهيرة سوق الخميس، بسطات وناس وثياب ومونة. السوق التحتاني، منتصف اسبعينات

قد لا يتعدى الأمر - والأمر هو جوارُ الكبة النيئة والمجدرة الحمراء أو مدردرة العدس بالبرغل على ما تسميها بعض كتب المطبخ[1] وتعالُقهما - المصادفة والاتفاق. فحين كتب حسن الساحلي بموقع «المدن» الالكتروني (14/5/2017) عجالة في «المطبخ الأرمني» و«تحرره من ربات المنازل» أراد التمثيل على اشتراك أرمن لبنان وسكان الشرق الأوسط «في عدد كبير من الأطباق»، أحصى «الكبة النية (و) المجدرة» وصدَّرهما اللائحةَ المشتركة التي أكملها بالغمة والمحاشي وورق العنب والتبولة، وكلها مآكل ذات قدر وقيمة. وبعد أسبوع على عجالة الساحلي، روى سيمون نصار على صفحته فايسبوك، في 21/5/2017، تحت وسم «لقاء المشتاق#» فراقه الطويل «طبقـ(ه) الجنوبي المفضل»، يريد المجدرة «الحمرا». ولم يقصر نصار «شوقه والتياعه» (على قوله) على المجدرة، فقدَّم عليها «الفراكة»، صنو الكبة النيئة، فكتب في المجدرة: «طبقي الجنوبي المفضل بعد الفراكة». وتفرد السيدة نجلاء مروة الزين للكبة العتيدة باباً على حدة، تجمع فيه الكبة النيئة إلى الفراكة من غير تفريق، وتولي المكانة الأولى فيه إلى الكمونة (أو التتبيلة) التي تتشاركها الصحون الأخرى.[2] وتذهب السيدتان صدوف كمال وسيما عثمان إلى دمج الكبة النيئة بالفراكة[3] قبل تمييزهما الواحدة من الأخرى .[(4] وعلى هذا، فمن يحمل الفراكة على الكبة النيئة، ويفرّعها على هذا الأصل ويوحدها فيه، لم يظلمها ولا ظلم نفسه.

قطبا المائدة
 وقبل عطف «الأكلتين»، المجدرة الحمراء والكبة النيئة، الجنوبيتين على سبيل التضييق والتخصيص، الواحدة على الأخرى، وإشهاد كاتبين مدونين مختلفين عليه، شهدت مائدة الأكل، وشهد تناوله وتذوقه في بلدة جنوبية كبيرة، هي بنت جبيل، على قران الصحنين. ولئن صلحت المجدرة الحمراء طعاماً في أيام الأسبوع كلها، من غير تمييز - ما خلا يوم الخميس، وهو يوم السوق الأسبوعي ويوم الكبة النيئة والفراكة ـ معاً وجميعاً، تربعت في مائدة يومي الإثنين والأربعاء طعاماً أثيراً ومشتهى. وقد يحن إليها الطاعمون في اليوم التالي الخميس وغداته، وهو يوم الجمعة، على ما تنشد فرقة «الراحل الكبير» في «يوم الأربعاء». وعلى هذا، تقوم  الطبختان الواحدة من الأخرى مقام قطب المائدة، أو قطب صدرية القش لما كانت هذه معرض الطعام أو قطب الخوان، لا يلقى على الأرض ويتحلق الآكلون جلوساً حوله. والقطبية تعني الصدارة. فتتقدم مكانة الصحن أو الأكلة على الصحون الأخرى غير الملحقة بها (شأن السلاطة مع المجدرة)، ويسمى اليوم الطاعم باسمها، فيقال: اليوم مجدرة، اليوم فوارغ، اليوم رز بدجاج، الخ. وقد تعني القطبية الانفراد أو شبه الانفراد. فلا يشارك الطبخة الأثيرة والعزيزة شريك، إلا في حال دعوة ضيوف «أعزاء» إلى مائدة البيت. وهذا يلزم البيت بميزان مراتب يختلف عن ميزانها المنزلي والداخلي، وعليه أن يحتسب أمرين آخرين هما منزلة المدعو(ين)، ومنزلة صاحب الدعوة. والأمران لا يحتسبان (تقريباً) في حال اقتصار الطعام على أهل بيت واحد.





المراتب والداخل
 والحق أن المراتب المنزلية والداخلية لا تستقل بنفسها الاستقلال التام، ولو على وجه التقريب، عن مراتب الجماعة. فكبة الخميس النيئة في بنت جبيل (أربعينات القرن العشرين وخمسيناته وبعض ستيناته، على ما أعلم)، على رغم طيب طعمها في الفم والحلق وعلى اللسان، لم تكن في بيوت متوسطي الحال وميسوريه، المقيمين حكماً في حارات متلاصقة حيطان المنازل والأحواش، اختياراً معياراه الذوق والرغبة وحدهما. فلا يُعذر متوسط الحال وميسوره إذا لم يسمع جيرانه، وهم على الأغلب أقرباؤه صليبة، خبط المطرقة الخشب على بلاطة الكبة (وليس جرنها، على ما يصنع أهل العشائر الهرملية المتدرجون على سلم التذوق)، وعلى لحم الغنم.[5] فالكبة النيئة، وإعدادها الطويل والدقيق والمرهق عن يد ربة البيت (وليس بالواسطة)، ولحمتها التي تتصدر أصناف اللحمة الأخرى (من عجل وماعز وناقة أو ليس جمل) شرفاً وسعراً، واستحالة تدليس أو تمويه كمية اللحمة المعدة والمستهلكة من طريق مواد أخرى رخيصة، وعلانيتها الصاخبة وغير الخافية، هذا كله وجه من وجوه (يوم) السوق المشهود. وعلانيةُ السوق، على شاكلة «بسطاته» المطروحة تحت الخيم في الهواء الطلق (وهي معظم السوق ونواته)، معرضُ مقارنة لا قيد عليه (وعليها). فالجودة والسعر وحسن العرض، كلها مطروحة من غير مواربة على المشترين. ولا يخفى على هؤلاء رواج البسطة التي يمرون بها أو كسادها. فيقصدونها، تبعاً لما يرون، أو يحجمون.

العلانية والظل
 وعلى الضد من الكبة النيئة، وعلانيتها المتبجحة بعض الشيء واندراجها في مقارنة السوق ومنافسته (وذلك قبل أفول عوامل المكانة والعلانية ورسومهما: فرق السعر، وجلبة البلاطة، وشاهد السوق)، قبعت المجدرة في ظل طبخها من مواد رخيصة وأساسية وعمومية. فالعدس والبرغل، المادتان الأولان، من محاصيل المونة (المؤونة) التي تخزن في كوائر الخشب بصدر البيت، وتقوم مقام رأس مال سنوي يصرف على الطعام اليومي طوال السنة الجارية منذ أوائل الصيف إلى أواخر الربيع التالي. فهما على شاكلة القورمة التي تحفظ لأيام الشتاء والثلج، في التشارين والكوانين المتعدية إلى شباط وآذار. فتجمع ستةَ أشهر تكاد تكون كاملة، تنطوي فيه البيوت على دواخلها الباردة والمنقطعة من مصادر الحبوب والمواشي المجاورة، وأولها بلاد حوران والجولان والحولة. [6] فالعدس والبرغل، إلى زيت الزيتون والبصل اللذين يتممان إعداد الأكلة أو الوجبة (والطبق، في هذا المعرض، لفظة دخيلة ومقحمة)، هما من المحاصيل المزمنة، أي التي تحفظ أو تخزن وقتاً أو زمناً مديداً. واستعمالهما على مدار السنة، ومقسطيْن على الأسبوع وأيامه، ينأى بهما من العلانية الفاقعة، من غير أن يقطعهما منها. فسلق القمح قبل فرشه على الأسطح وتجفيفه تمهيداً لخزنه، ثم طحنه دقيقاً أو جرشه برغلاً، يكاد أن يكون في الخمسينات احتفالاً يشترك أهل الحارة في إحيائه والقيام بشعائره.

الطبخ والصنع
 ولعل الوجه الأبرز من قطبية الكبة النيئة والمجدرة الثنائية، وقرانهما واستدعاء الواحدة الأخرى، معاً، يعود إلى دخولهما في بابين عريضين وجامعين هما باب النيئ وباب المطبوخ،[7] أو باب الطبع وباب الصنع.[8] ويستدعي البابُ البابَ على نحو ما يستدعي الساكنُ المتحرك في اللفظ، ويقوم قرانهما أو جمعهما من الكلام، ومن اللغة، مقام التركيب الأول، غير الدال، وهو شرط الدلالة «فيما بعد» (وهو بَعد ذهني وليس بَعداً زمنياً أو تاريخياً). ولكن سرعان ما يبدو الزوجان، النيئ والمطبوخ، على مثال زوجي الطبيعة والصناعة المفترض، خارجين عن الرسم الإثنيني وتقابله. فلحم الكبة النيئة، على النحو الذي يدخل عليه في الأكل ويؤكل أو يُطعم، بعيد  من المادة الخام، أو الطبيعة الخالصة التي يمثل عليها العسل في نظام المأكل الأميركي الهندي [الهامش 7]. فهو لا «يُقطف»، على ما يقال في جمع العسل من أقراصه وشهده وقفيره. ولا يبلغ إلا في مراحل متأخرة يسبقها النحر والسلخ والتقطيع.

 ويُشترط خُلوه من الدهن شرطاً لازماً، وأن «يؤخذ من الفخذ».[9] وليس هذا إلا بداية المسير الشاق الى الأكل. فالبلاطة التي يدق عليها اللحم النيئ، بعيداً من النار وضروب الطبخ بها، تستل منه أدق عروقه وأوردته وأعصابه، وتعريه من كل ما كان يتماسك به اللحم الحي حين كان عالقاً بعظم الفخذ أو بسلسلة الظهر إلى الرقبة (في صيغ تفضيل أخرى). وتُقدم البلاطة، في آداب بنت جبيل وإقليم التفاح وصيدا (الشيعية) وغيرها ربما، على الجرن الهرملي. (ويذكر الكاتب يوم كان في العاشرة، صحنَ كبة نيئة على مائدة بالهرمل، ظَهَر عرق غليظ وسليم على سطحه، خلف غثياناً في الولد وقرفاً حاداً، وكاد أن يؤدي إلى قيء محقق لولا تدارك الأمر، وتعليل الأهل: «منين لوين! شو جاب أهل الهرمل والكبّة»!). فالبلاطة قمينة وحدها، على زعم أصحابها، بأداء التطهير و«التنظيف» اللذين لا يستساغ أكل الكبة النيئة (والفراكة بداهة) إلا بعد انجازهما إلى ختامهما وتمامهما. وآية التنظيف جلاء اللحمة المدقوقة، قبل مزجها بالبرغل الناعم والمغسول والمعصور، على صورة كتلة زهرية ورقيقة، خالصة من أضعف وريد أو عصب أبيض قد يغشى اللون الزهري ويكدر صفاءه الأملس والناعم والفردوسي. وتُصنَّف الزهرة (أم الزهراء؟) في أعلى أبواب الحشيشة (الخشخاش) وأجودها. ويُقال فيمن تأخذه نشوة الحشيشة أنه «يزهر»، وفيمن لم يخسر شهوته الى المجامعة انه «زهري». وتنعَّم لحمة الكبة على مثال (لغوي) نسوي: فالعروس «تنظف» في جلوتها من زوائد الشعر وخشونته، و«تنعَّم» لتليق بعرسها الذي ينقلها من فجاجة (حال) البكارة الى «نضج» أنوثة تامة تفضي، بعد وقت يرجى مديداً، إلى «الرماد». وفي وصف الإعداد تكتب صاحبة «مطبخ بيتنا»، «يطحن (اللحم) مع الدهن في الماجيميكس حتى ينعم جداً»، و«يفرك البرغل باليد حتى ينعم»، وتقدم الكبة «فوراً بعد دعكها».[10] فتصلح اللحمة، بعد إعمال دق وهرس صبورين ودؤوبين ومرهقين على صفحة بلاطة من غير داخل أو جوف، للأكل الهانئ والذائب في الفم من غير مضاف إليها غير التتبيلة والخبز (ويفضل المرقوق، وهو يضاهي اللحمة المدقوقة رقة ونعومة وشفاً، ولكنه لا يكتم أثر الحرق بالنار، على خلاف اللحمة الخالية من أي أثر ظاهر).


 التطرية المجلوبة 
 ويلحق الصنع، على وجوهه النارية والمائية والميكانيكية، باللحمة المدقوقة من طريق البرغل، أو القمح المسلوق والمنشور والمجفف والمكسَّر، على مراحله المتعاقبة، ثم من طريق التتبيلة أو الكمونة.[11] وهذه، على خلاف البرغل، تقتصر على مواد نباتية وطبيعية خالصة، لولا «1/4 فنجان البرغل» الذي يخلط، من طريق الدق، بعروق النعناع والحبق والمردكوش وغيرها مثلها من مواد الخليط. فالكبة مركبٌ من لحمة ردت، بعد تنظيفها من مواد هي منها وفيها بالطبع وبعد تنعيمها، إلى جوهر لا تبلغه الطبيعة وهي في صورة محضها الخالص، ومن مادة صلبة مستخرجة من تكسير القمح الجاف والقاسي والمسلوق. فيخلط الناعم والطري والملس بالجاف والصلب، بعد الغسل والفرك، ثم الدعك. فيربح الناعم المتداعي (اللحمة المدقوقة) مُسكة لا غنى له عنها. ويميل الطعم الذائب العاري، بعد المزيج، إلى استبطان نكهة الخبز الجافة والمحروقة. وتؤازر الكمونة جنوح الطعم غير المُطعِم إلى الحدة. فتأتلف الكبة النيئة، أو الخضراء (على إسم من أسمائها)، من أضداد أو فروق لا تصلح مأكلاً ولا مذاقاً، إذا تناولها فم إنسي بمفردها، وعلى حدة من غيرها. فلا اللحمة المدقوقة وحدها، على هبرتها «الزلط»، تصلح طعاماً أو تشتهى، ولا الكمونة ولا البرغل. فإذا جمعت معاً، ودخل بعضها في البعضين الآخرين على مقادير معروفة، وتولت امرأة هي سيدة البيت أو من ينوب عنها وتندبه ضمناً أو علناً، ائتلف طعام شريف المكانة، يوصف بيدي صاحبته و«نَفَسها» وتوصف صاحبته بـ«طيبة»، على ما يقال في روائح دار النعيم وأطيابها.


سلاطة النار
 والمجدرة شأنها، من وجوه كثيرة، على خلاف شأن الكبة النيئة. فهي صناعة من ألفها إلى يائها، ولا تدخلها مادة من موادها، وهي العدس والبرغل والبصل (إلى الزيت والتوابل)، إلا بعد الغلي «على نار قوية»، وقلي البصل بعد فرمه بالزيت «حتى يحمر جيداً». ويصفّى زيت البصل فوق العدس، وتصب ملعقتان «من ماء العدس فوق البصل المقلي». و«يحرك المزيج (وهو مزيج ماء العدس والبصل المقلي - الكاتب) على نار متوسطة وتهرس البصلة بأسفل ملعقة الخشب حتى تذوب»، و«يضاف البصل إلى العدس ويغلى عشر دقائق على نار خفيفة». وأخيراً، يصب البرغل المغسول في العدس، و«يغلى الكل في طنجرة مغطاة على نار خفيفة حتى تنشف الماء»، على قول صاحبة «مطبخ بيتنا».[12]  فلا يخلو وقت من أوقات الإعداد من «التعرض للنار»، على قول المفسرين العرب، ومن إعمال النار في «إنضاج» المواد، ونقلها من حال إلى حال، ومن لون إلى لون، ومن طعم إلى طعم. ولا يقل عدد العمليات الوسيطة عن تسع. ولئن كان إعداد الكبة النيئة يتوسل بالبلل والمزج والموازنة إلى بلوغ المركب المقصود، ويقتصد أشد الاقتصاد في استدارج العوامل الخارجية، يسترسل إعداد المجدرة في تسليط هذه على المواد الأولى، وفي إخراجها عن سويتها. فالغلي الطويل، والقلي بالزيت، وتصفية الزيت الساخن على العدس وماء العدس على البصل إلخ. كلها تنم بإرادة استنباط طعوم مختلفة وتخليقها تخليقاً جديداً بقوة النار وجبروتها. وتليين العدس، ومراسه الصعب، يقتضي مثل هذا التعريض القوي والطويل (يغلى العدس نصف ساعة، ثم يغلى هو والبرغل عشرين دقيقة).

 التناسل والإمساك
فإن ماشت الكبة النيئة، في شطرها الأعظم أو الغالب، طباع المواد الأولى التي تأتلف منها، فلا ريب في أن المجدرة هي وليدة صناعة محمومة. وتبدو الكبة النيئة، على حالها «الطبيعية» الأولى - وهي أولى على سلم التركيب والتعقيد وليس على سلم الزمن والتعاقب و«التقدم» - نواة كوكبة من المآكل والصحون المتفرعة على هذا الأصل (وعنه). فالفراكة، هي من بنات الكبة النيئة. وتختلف عنها بحصة البرغل: فهذه تقتصر على فنجان برغل ناعم واحد في حال إعداد نصف كلغ لحمة (في صحن كبة نيئة)، ولكنها لا تقل عن 3 فناجين برغل على كمية اللحمة نفسها. ويبلغ الماء الذي تبل به الكبة نصف فنجان، ولا يزيد عن ملعقة ماء كبيرة في الفراكة.[13] ومن بناتها، إذا أضيفت إليها الحشوة والسمنة وأضيف السماق و... النار (إحماء الفرن جيداً الى 350 درجة)، الكبة بالصينية،[14] والكبة الحميص،[15] والكبة الأرنبية،[16] والكبة المقلية، والكبة اللبنية... وهذه كلها تحتفظ بنواة الكبة النيئة المتحولة كبة بالصينية، ويزاد عليها النقر والقرص (الأقراص)، على وجه إخراج الشكل، وتزاد مواد أخرى كثيرة.[17] وعلى هذا، يلد تقشف الكبة النيئة الأول، ما التزمت أحوال الطبع والمطبوع واستبعدت النار وصناعتها، ذرية ونسلاً كثيرين.

 وتقتصر المجدرة، في مقابلة ذلك، على باب من أربعة أصناف أو صحون.[18] فالنواة الحمراء، وهي من ثلاثة أنواع من الحبوب الأساسية: العدس والبرغل (القمح) ويضاف إليها الرز المتأخر الاستنبات والتأنيس، ضيقة وضعيفة التوليد، ورخيصة السعر وفي متناول جمهور طاعميها. وقد يلاحظ أن تناسل الكبة أصنافاً وصحوناً إنما شرطه إقحام عوامل بنيوية على النواة الأولى. وهذا لا جدال فيه. وينبغي ربما التوسع في الملاحظة، والتنبه إلى أن إغناء صنف من المأكل بمواد جديدة مثل السمك وحشوة اللحمة واليقطين والتوابل (في حال الكبة طبعاً)، يفترض يسر الجمهور الطاعم، وانتخابه صنوف طعامه، وتلوينه إياها تبعاً للمواسم وتعاقبها ولفرص الحفظ والوقاية من التلف (قبل زراعة الخيم وبرادات التخزين والنقل الجوي المبرد، وليست هذه من دون تكلفة).

الإمساك والشبع
 ولا يفترض تناول الكبة النيئة الشبعَ. فهي زينة مائدة الطعام، ومقدمتها، والباب على صحون أو أكلات أخرى. ولا يتصور ازدرادها، بل يُوجب تناولها على مهل يقارن إعدادها بطءاً وأناة وإعمالَ اليد النسائية فيها. وينبغي ألا تعد لعدد كبير من الناس، وإذا اضطر بيت المضيف إلى استقبال ضيوف كثر جاز له تقليل حصة الكبة النيئة. وفي هذه الأمور، تخالف المجدرة الحمراء الكبة النيئة: فالمجدرة طعام تخمة. ويُهجم عليها من غير تحفظ، ولا تراعى في أكلها الموازنة مع أطعمة أخرى، وتنفرد بالمائدة و«لائحتها»، وترفق بالسَّلطة، واقتراح أكلها مع اللبن محدث ومولَّد وعامي. وتُشبع السلطة التي تؤكل مع المجدرة الحمراء وتخلط بها بالفلفل الحر، وتترع بالحامض. فآكل المجدرة، على مثال النار التي تسلط على سلق موادها وطبخ بصلها بالزيت، يقبل على ما في صحنه إقبال المشتهي المحموم والمستزيد.



هوامش

[1] على سبيل المثل صدوف كمال وسيما عثمان، «ألف باء الطبخ الموسع»، دار العلم للملايين (بيروت)، 2004، الطبعة التاسعة عشرة، ص 360، ونجلاء مروة الزين، «مطبخ بيتنا»، دار كتب (بيروت)، 2005، ص 61.

[2] «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور، ص 144-152، والجمع بين الطعامين أو الصحنين، في ص 147 و148.

[3] «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، ص 47، كتبت السيدتان: (الكبة النيئة «الفراكة»)

[4] المرجع السابق، ص281.

[5] على ما توصي نجلاء مروة الزين وتخصص: «لحم غنم خال تماماً من الدهن»، ص 147 من «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور. وحين تكتب صدوف كمال وسيما عثمان: «هبرة العجل»، في باب إعداد (الكبة النيئة «الفراكة»)، تشيان بـ«أصل» أو منبت مديني ليست الكبة النيئة من خصاله «الفطرية»، «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، ص47.

[6] على ما يخبر كاتبان عاصرا أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، محسن الأمين، «خطط جبل عامل» (1945)، ط1983، الدار العالمية (بيروت)، وسليمان ضاهر (أو ظاهر)، «معجم قرى جبل عامل»، مجلة «العرفان»، مجلد 20 (1930)، و24 (1933).

[7] يطلق (الطَّبْخ) على «إنضاج اللحم وغيره اشتواءً (أو شياً، من الكاتب) واقتداراً (في القدر، سلقاً، من الكاتب)، طبخ القدر واللحم... يقال: هذه خبزة جيدة الطبخ (في الفرن أو الموقد، الكاتب)، وآجُرَّه جيدة الطبخ... والطبخ: اللحم المطبوخ، والطبيخ: كالقدير... والطباخة: الفُوارة، وهو ما فار من رغوة القدر إذا طبخ فيها...»، ابن منظور،«لسان العرب»، مادة «طَبَخَ». فالطبْخ هو الشواء والسلق والخَبْز معاً. وفي كلود ليفي–ستروس، «النيئ والمطبوخ» (Le cru et le cuit)، دار بلون (باريس)، 1964، ص341، يُنسب المطبوخ إلى الفرن أو الموقد، ثم إلى الشواء، بموقد أو من دونه. وفي فاتحة كلامه على العسل، وهو فن صنع «غير إنسيين» و«يسبق المطبخ»، وعلى التبغ، و«هو يتعدى المطبخ» و«يُحرق»، يعارض الكاتب نفسه العسل والتبغ معاً، وهما على طرفي تقابل، بـ«المطبخ» و«التعريض للنار»، «من العسل إلى الرماد»، دار بلون (باريس)، 1966، ص11. ويذهب ابن سيرين في «تفسير الأحلام الكبير»، مادة «الخَبَّاز» أن «النار أصل عمل (الخباز)»، نشر دار ومكتبة الهلال ودار البحار، بيروت، 2009، ص188. ويخص الكتاب بمواد ومداخل الخباز (والخُبز)، والسلق، والشواء، والطباخ والطَبْخ، وليس في المواد القلي (وهي في «لسان العرب»: «أنضجه على المقلاة»). والطباخ هو «من يعالج في صناعته النار». و(الطبخ) يكون «بالنار». وفي مؤلَّف عبد الغني بن اسماعيل النابلسي (ت.1143ه/1731م)، «تعطير الأنام في تعبير المنام»، يكون (الطبخ) «بالنار»، ويكون (اللحم) إما «مطبوخاً» وإما «نيئاً». وليس في كتاب النابلسي مواد (خبز) ولا (خباز) ولا(سلق)، وكلها في معاجم اللغة، وبعضها في ابن سيرين، على ما مر.

[8] معارضة أو مقابلة النيئ بالمطبوخ مرادفة لمقابلة الطبع أو الطبيعة أو المطبوع بالصنع أو الصناعة أو المصنوع، كلود ليفي-ستروس، «النيء والمطبوخ»، المرجع المذكور، ص341.

[9] نجلاء مروة الزين، «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور، ص147، واللحم لحم غنم، على ما مر. وإذا كان لحم عجل، وجب أن يكون «هبرة»، صدوف كمال وسيما عثمان، «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، ص47.

[10] ص147 من المرجع المذكور. وصاحبتا «ألف باء الطبخ الموسع»، على رغم اقتصادهما وإمساكهما اللغويين، لا مناص لهما من المرور بـ«دق الخليط (الملح والدهن واللحم) حتى ينعم كلياً»، ص47.

[11] يفرد باب للكمونة وصنعها في «مطبخ...»، نجلاء مروة الزين، ص144.

[12] والوصف في المرجعين، «مطبخ...» ص61، و«ألف باء...»، ص314.

[13] نجلاء مروة الزين، «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور، ص147-148. وعلى خلاف الوصفة هذه، تقصر صاحبتا «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، البرغل في الفراكة (ص47) وفي الكبة النيئة (ص281) على «كوب من البرغل الناعم»، والبصلة في الفراكة «متوسطة وفي الكبة النيئة «صغيرة»، ويدخل المردكوش في الفراكة وتخلو الكبة منه، وهذه تخلو من الدهن على خلاف الفراكة...

[14] نجلاء مروة الزين، «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور، ص149- 150.

[15] المرجع السابق، ص151.

[16] المرجع نفسه، ص152-153.

[17] تحصي صدوف كمال وسيما عثمان: «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، في باب الكبة، 17 صنفاً، ص273-281، تُعملان فيها مواد متفرقة مثل البطاطا والسمك واليقطين والسماق.

[18] صدوف كمال وسيما عثمان، المرجع السابق، ص358-360، وهي المجدرة البيضاء (مع العدس الأحمر المجروش)، والمجدرة السوداء، والمدردرتان (بالبرغل والعدس).

* جميع الصور من «بنت جبيل 1852-1980: ذكريات مصورة»، إعداد حسن بيضون ووضاح جمعة، دار الأمير، بيروت، الطبعة الأولى 2011.



وضّاح شرارة كاتب وصحافيّ ومترجم لبنانيّ، درّس مادّة العلوم الاجتماعيّة في الجامعة اللبنانيّة. شارك في العمل النقابيّ والسياسيّ الحزبيّ، وترك المشاركة قبيل انفجار الحروب اللبنانيّة. انصرف إلى الكتابة، فكتب في المسائل اللبنانيّة: «في أصول لبنان الطائفيّ» (1974)، «حروب الاستتباع ــ لبنان الحرب الأهليّة الدائمة» (1977)، «السلم الأهليّ البارد ــ لبنان المجتمع والدولة 1964ــ1967» (1980)، خروج الأهل على الدولة (2000). كتب في الحركات السياسيّة الإسلاميّة و«دُوَلها»: «الأهل والغنيمة ــ مقوّمات السياسة في المملكة العربيّة السعوديّة» (1981)، «دولة حزب الله ــ لبنان مجتمعًا إسلاميًّا» (1996)، «طوق العِمامة ــ الدولة الإيرانيّة الخمينيّة في معترك المذاهب والطوائف» (2013). تناولَ اجتماعيّات بيروت في: «المدينة الموقوفة» (1986)، «أهواء بيروت ومسارحها» (2008). جمع مقالات في الكتب والسينما والشعر في كتابين: تشريق وتغريب (1989)، «تعبير الصور» (1990). كتب مقالة طويلة في «أخبار الخبر، تعليقًا على أخبار مجنون بني عامر» (1991)، وصدر له أخيراً «ترجمة النساء» (2014). نقل إلى العربيّة بعض أعمال أنطونيو غرامشي، وكورنيليوس كاستورياديس، وألكسندر سولجينيتسين، ورينيه شار، وميشال تارديو، وآنا أخماتوفا، وباول تسيلان.
مصدر البحث هنا

العظام والرميم

أيّام محمّد الأخيرة: قراءة نقديّة في كتاب هالة الوردي

سعاد حسني في بيروت

عشرة أيام هزت العالم

«ثورتان طفيليتان» كرديّة و «داعشية» صادرتا الانتفاضة الشعبيّة «السورية»

تأريخ الثورة البولشفية تتنازعه ثلاثة تيارات أو مذاهب: السوفياتي والليبرالي والمراجع