مشاركة مميزة

رعب السطر الأول

حمد العيسى -  تقديم المترجم: فيما يلي ترجمة لنص روائي يعرف كشكل سردي بالميتافيكشنMetafiction وهو مصطلح يتكون من مقطعين. الأول: (Meta)...

طقاطيق محرمة

المصيبة والعزاء | عن الشجن في الغناء العراقي

موسيقى

العثمانيون سبقوا الاسرائيليين في اللعب بتاريخ القدس

حيوات اسطنبول وأحلامها في القرن السادس عشر

مدن

أحمد العجمي... في جنوح الشعر

جنى الحسن... البوكر وموت الرواية

ثقافة

أحدث المواضيع

ظِلّ بورخيس

7:56:00 ص اضف تعليق
هبة فوق الطبيعية وَلّدها حضوره
للشاعر التشيلي أوسكار هان
 ترجمة: المهدي أخريف
سمِعْتُ باسم بورخيس للمرة الأُولى عام 1955. كنتُ في السابعة عشرة تلميذاً في ثانوية رانغوا (Rangua). مُدرِّسة اللغة الإسبانية كانت مشهورةً بأحكامها الأدبية المثيرة للخوف؛ غير أنني تشجَّعْتُ ذات يوم متسلِّحاً بثقتي بنفسي فعرضتُ عليها واحدة مِن أولى قصائدي التي كتبتها تحت عنوان: «تناسخ أكلة اللحوم». «ليست قصيدة سيِّئة، -عَلَّقت المدرّسة- يبدو أنك قرأت بورخيس، لأنك تستخدم الفعل الدائري بشكل جيد».


«بورخيس؟!» سألتها بانْدهاش.
«بالطبع.. خورخي لويس بورخيس، الكاتب الأرجنتيني».



لم تكن لديَّ أدنى فكرة عمَّن يكون بورخيس فكيف تتميز قصيدتي باستخدام الفعل الدائري!

على الفور توجَّهت إلى مكتبة الثانوية. بحثاً عن كتبٍ لِمُعَلّمي المجهول. وجدتُ كتاباً واحداً فقط: الأَلِف El Aleph. ولم يكن كتاب قصائد كما توقّعتُ، ولكن مجموعة حكايات. جلست وقرأت الحكاية الأولى: «الخالد». بدَت لي معقَّدة وكُتبِّيةً حدَّ الملل لأنّني نشأت على قراءة القصص الشيليّة الواقعيّة التي مسرحُها حياةُ القرى أو مناجم الفَحْم. ليس من السهل الانتقال مِن لُوطا المدينة المنجمية إلى مدينة الخالدين المتاهيّة.

لم أنجح، بما سبَّبه التبحُّر المعرفي من دُوار مرهق، في إيجاد طريق وسط غابة من الأسماء. بالكدّ كنتُ أتلفَّظ بها: جوزيف كارتافيلوس، أميرة لوسينج، ألكسندر يوب، الإمبراطور ديوكليسيانو، أرماركو فلامينيو رُوفو؛ كذلك لم أستطع التأقْلُم مع أمكنة بَدَتْ لي غير معقولة مثل إسْمِيرْنَا، أريزونا، بُولَار أو بيكافير. واصلتُ تَصفُّح الكِتاب مقلِّبا هنا وهناك لَعَلِّي أجد أماكن أكثر جاذبية، لكن عَبَثاً. وتوصلت إلى أن العلاقة المفترضة بين قصيدتي وكتابات بورخيس لم تكن بأكثر مِن هَلْوسَاتٍ أصابت مُدرِّستي.


بَعْد زمن على ذلك، وبينما كنت أتصفّحُ إِحدى المجلات الأميركية اللاتينية المُعارة عثرتُ على قصيدة لـبورخيس وليس على قصة. كان عنوانها: «الليلة الدوريَّة» ورغم حُفُولها بالكثير من الإحالات والحذلقات المعرفية، تمكَّنتُ من تذليلها من دون صعوبات تذكر وحتى من الاستمتاع بها. القصيدة عبارة عن معرض مُفصَّلٍ لعقيدة «العود الأبدي»:
عرف ذلك التلامذة المتعبون


لـفيثاغوراس،

الرجال والنجومُ عادتْ بصفة دورية، الذَرَّات الحتميَّة سَتُعيد أفروديت النجمية،
أهل طيبة، الاجتماعات في الساحة العامة.
وتصل «الليلة الدورية»، ذروتها في المقطع الذي يقوم بيته الأخير بوظيفة البيت الأوّل في القصيدة الأولى، هكذا يغدو القارئ مجبراً على تكريره بكيفية دائرية إلى ما لا نهاية:
تعود الليلة المقعّرة
التي فكَّ أنكساغوراس رموزها؛
تعود إلى لحمي الإنساني الأبديةُ الثابتة
والذكريات؟ والمشروع؟
في قصيدة لا تتوقف:
«عرف ذلك تلامذة فيثاغوراس المتعبون...»
غير أن قصيدتي لا علاقة لها البتّة لا بـفيثاغوراس ولا بـأنكساغوراس اللذَيْن كانَت معرفتي بهما محدودة جدّاً. فقصيدة «تناسخ أكلة اللحوم» هي قصيدة أليغورية (رمزية) هي إنذار بخطر اندلاع حرب عالمية ثالثة، تنسج مشهداً كابوسياً يتبارى أَكَلَة لحوم فيه باللعب بِنَرْد من نار. والخاسرون يتحوَّلون إلى حيوانات تُساق إلى المذابح حيث يُذْبحون من لدن أكلة لحوم آخرين. وهؤلاء يتجسدون أيضاً بعد موتهم بهيئة حيوانات يجري قتلُها بيدِ أبناء جنسها، وهكذا إلى ما لانهاية. هو ذا المقطع الأخير:
ورأيت أن الخاسرين صاروا
في اليوم الثالث يقتل بعضهم بعضاً بلا توقف
احذروا أيُّها السادة السفاحون،
الأيام الثلاثة لليالي الثلاث.


يبدو أن مُدَرِّستي، رغم أن قصيدتي تصوِّر عالماً مختلفاً عن عالم بورخيس، أوْجَدَتْ أو وَجَدتْ وشيجةً واتصالاً بينهما. الطبيعة الدورية للبنية الشعرية لقصيدتي بَدَتْ لهما سمة بورخيسية واضحة.
بعد سنوات عديدة كان لي لقاء مع بورخيس لكن هذه المرة في ظروف مأساوية، وتقريباً في مواجهة كتيبة الإعدام. حدث ذلك في سبتمبر 1973، أثناء الأيام الأولى من الانقلاب العسكري الذي أطاح بسلفادور أليندي. فقد أتى فَصِيلٌ مِن الجنود إلى منزلي في «أريكا» وأخرجني بِحدِّ بندقية رشاشة مُخضعاً إيَّاي إلى شتى أنواع الضربات والتنكيلات ثم رموا بي داخل سِجْن المدينة. في كل يوم كانوا يطلقون سراح خمسة أو ستة معتقلين لكنهم كانوا يأتون بدلاً منهم بخمسة عشر معتقلاً يحملون معهم أخباراً جديدة مرعبة، أخباراً عن إعدامات بالجملة، عن أنواع التعذيب أثناء الاستنطاقات وَعَنْ أشخاص اختفوا تماماً حتى بعد إطلاق سَرَاحِهم، لأنَّ الشرطة السرية كانت تعتقلهم عند خروجهم من السِّجن.


في إحدى الليالي، أطلّ علينا أحَدُ الحرَّاس مِنْ بين القضبان وقال بصوت عال:
«ليرفع الكاثوليكيون الموجودون هنا أيديهم».
جميعنا مؤمنين وغيرَ مؤمنين، رَفَعنا الأيدي ظنّاً منّا أنهم سيطلقون سراحَنا. «حسناً» قال الحارس: «اشرعوا في الصلاة، لأننا غداً في الصباح الباكر سوف نُعدمكم».
لم أسْتطع النوم طوال اللّيل. احْتَشَدتْ في ذهني رؤى غير مترابطة وسريالية تقريباً. صُور ومشاهد من الطفولة. وفجأة وأنا على هذه الحال بدأتْ أبياتٌ شعرية تمرّ مصطفة في ذهني:
دَوّت الرصاصات في المساء الأخير.
ثمة ريح وثمة أرمدةٌ في الريح،
يتبدّد النهار والمعركة تتشوّه،
والنّصْرُ نَصْرُ آخرين.
انتصر البرابرة انتصر رعاةُ البَقَر.
إنها القصيدة «النبوئية» لخورخي لويس بورخيس التي يُقتل فيها أحدُ أسلافه الدكتور فرنسيسكو نارسيسو دي لابريدا، بطريقة عنيفة على يد أحد أَعْدائه السياسيين. كررتُ ترنيمةً أخرى بصوت خفيض، كما لو كُنْت أَتَأَمَلُ مصيري الخاصَّ:
أنا الذي سعيت إلى أن أكون آخر،
أن أكون رجلَ قراراتٍ رجلَ كتبٍ رجل آراء.
بصدر مفتوح سأرقدُ في المستنقع.
لكنَّ بهجةً سريّة لا تُفسَّر
تُؤَلِّه صَدْري. أخيراً أُلَاقي
مصيري الأميركي اللاتيني.
في هذا المساء الكارثي سأحمل معي
المتاهة المتعدّدة للخطوات
التي نسجتْها أيامي لي منذ يوم طفولتي
أخيراً اكتشَفْتُ المفتاح الخفيَّ لسنواتي،
حَظَّ فرنسيسكو دي لابريدا،
الكلمة التي تنقصني، الشكل الأمْثل
الذي عرفه الله منذ البدء
في مرآة هذه الليلة أُوهَبُ
وجهيَ الخالدَ الذي لا شبهة فيه.
الدائرة على وشك الانغلاق. هكذا أنتظرها أن تكون.
في الفجر خرجنا إلى الساحة ونحن في غاية القلق وقد عَوَّلنا على حدوث الأسوأ. مرَّ الصباح فالمساء وخيَّم الليل، لكن لم يحدث شيء. حَقّاً لقد انتصر البرابرة مرة أخرى، غير أنَّ مصيري لم يتحدَّد هناك. والكلمة التي كانت تنقص لتنفيذ الحكم الحاسم لم يُتلفَّظْ بها بعدُ.
فيما بعد علّقتُ على سخرية ما حدث. إذ بدلاً من أَنْ يُسْعفني واحد من نصوص ابن بلادي بابلو نيرُودا، أي إحدى قصائده التي هي أقرب إلى غارسيا لوركا، أقرب إلى الموت منها إلى الفلسفة أقرب إلى الألم منها إلى الذكاء، فإنَّ خاطري في ساعات الرُّعب تلك كان عبارة عن أبيات لـخورخي لويس بورخيس، أي للشاعر الذي اتَّهمه أكثر من شاعر وناقد بكتابة شعر كُتُبيِّ مجرَّد من الحس الإنساني ولا مُبالٍ بحاجات الإنسان.


بورخيس مع بورخيس

في أبريل 1976، نظَّمتْ جامعة مَايْن (Maine) لقاءً أكاديمياً تحت عنوان: «سامبوزيوم عن بورخيس مع بورخيس» كنت محظوظاً بأنْ أُدْعى إلى الدورة التي كان عليَّ أن أقرا فيها مع مجموعة من الشّعراء قصائد مُهداةً إلى مؤلف «تخيُّلات». كانت فرصة فريدة وغير متوقّعة. أكيد أنني بتأثير من أعمال بورخيس لَمْ أتمكّن قطُّ من تصُوّره كشخص واقعي تصوراً عيانياً، رغم الصور الفوتوغرافية العديدة التي رأيتها له وكذا المعطيات البيوغرافية التي قرأتها عنه في الجرائد والكتب؛ فقد وجدت عناءً كبيراً في تخيل بنية ولون وجهه؛ ومثلما يقال إن شكسبير لم يوجد قط وإن المؤلف الحقيقي للأعمال المنسوبة إليه كان شخصاً يُدْعى فرنسيس باكون أو كريستوفر مارلوي، كذلك كان يخطر ببالي الارتياب في أنّ خورخي لويس بورخيس رُبَّما ليس بأكثر من اسْم مستعارٍ يتخفَّى خلفه عبقري أرجنتيني ما، وأن بورخيس مدير المكتبة الوطنية ليس سوى ممثل جرى التّعاقد معه ليلعب ذلك الدور.
أثناء حفل الكوكتيل المعد للمشاركين قام أحد منظِّمي السامبوزيوم، الشاعر التشيلي كارلوس كورتينس بالمناداة عليَّ على انفراد وهمس في أذني:
«بورخيس وَصل للتوِّ إلى الفندق، هَلَّا صاحبتني للبحث عنه؟».
كنت مرتبكاً وعصبياً. أخيراً ستتحوَّل لِقاءاتي مع بورخيس من فضاء التخيّل إلى الفضاء الواقعي. بعد دقائق دخلنا إلى الفندق الذي يقيم فيه بورخيس. انتظِرْني في البهو خاطبَنِي كورتينس: «سَأرى أَيْن تقع غرفته».
من حين إلى آخر كان كَارلُوس يظهر ويختفي عبر أحد السلالم موجِّهاً إشارات تدل على أنَّه لم ينجح في العثور عليه. أنا كنت جالساً على أريكة تُطِلُّ عَلَى أحد الممرَّات. في مواجهتي، في نهاية الممرّ، كنت ألمح حائطاً أبيْض بَدَا لي أشبه بشاشة سينمائية. فجأة، ارتسمتْ أمام ناظريّ عَصا مصنوعةٌ من ظِلٍّ. كان تمدُّدها يزداد يتبعها وَجْه أسود برأس مرفوع. كَبُر حجم الظلّ، انزلق عبر الحائط واختفى. سبق لي أنْ شاهدتُ تلك الأماكن «الغامضة» في صور فوتوغرافية جانبية لا نهاية لها. ذلك كان ظِلَّ بورخيس، عَلَى الفَوْر تذَكَّرْتُ أبياته: «بِبُطء أتحركُ في ظلي». بإمكاني الجزم حينئذٍ أنّ أوَّل ما عرفتُ قبل أن أعرف بورخيس الذي مِنْ لحم وعظم هو ظلَّه. تلك كَانَتْ ملاحظةً لم تتوقَّف عن إثارة القشعريرة فيَّ، لأن الظِّلَّ موضوع مركزيٌّ في أعماله، وكذلك في حياته منذ أَنْ كُفَّ بَصَرُه.
في النهار الموالي أَقام أحد العُمداء حفلة كوكتيل في بيته على شرف بورخيس، دَعا إليها جمَاعة من المشاركين. بورخيس استقر في أريكته. بجانبه وُضِعَ كرسيٌّ لِيتناوب عَلَيْهِ مَنْ يهمُّهم التحدُّث مع الكاتب. لكن لا أحد تجرأ على الجلوس بجانبه. أَنَا كُنْتُ وَاقفاً على مَقْربة منه أعاني صراعاً داخلياً بيْنَ الرغبة في الحديث معه والرَّهْبة فوق الطبيعية التي وَلّدها فيَّ حضوره. قال لي رودريغيز مونيغال وقد أدرك، نصف مازح نصف جادّ، حالة ارتباكي:
«هَيَّا يا رجل، لا تَكُنْ جَباناً. خُذْ مكانك هناك، وإلَّا دفعتك دَفْعاً إليه».
كَانَ ذلك كافياً. إذ، من دون أن أعرف كيف، وجدتني جالساً بجانب لويس بورخيس. كان بورخيس يستند على عصا بين ركبتيه وينظر دائماً إلى أعلى بِعَيْنين ذَوَاتي لَوْنَ سماوي. عَلَى وجهه ارتسمت شبه ابتسامة مَانِحةً إيَّاهُ تعبيراً تَهَكُّميّاً. كان نحيفاً ورَبّما كان ذا قامة متوسِّطة ذات يوم، لكن السِّنّ المتقدّمة ضَأَّلتْ مِن حجمه. الشعر رَماديٌّ أملس، قليل، مَمْشوط جِهة الخَلف. كان يلبس بَدْلة رمادية بخطوط بيضاء دقيقة. القميص أبيض وربطة العنق زرقاء مزيّنة بمُعيّنات صغيرة.
في البداية لم أَجْرُؤ على التفوُّه بكلمة. كُلُّ العُمْيان يبعثون الرهبة لا سيِّما إذا كان ذلك الأعمى هو خورخي لويس بورخيس، لكنني كَتَمْتُ تَنَفُّسي وسَأَلته:
«السيِّد بورخيس، لماذا أَقْصيْتُم قَصيدة «ثرثرة» من الطبعة الثانية مِن ديوان «حماسة» الصادر في بوينس أيريس؟ رَاجَعت الطبعات السَّابقة فَلَمْ أَجِدْها؟».
سؤالي نَاجِم عن كوني كَتَبْتُ مقالاً احتلَّتْ فيه تلك القصيدة مكاناً مهماً. إقصاؤها إذن وَمِنْ لَدُن بُورْخيس نَفْسه بَدَا لي مُسْتنكراً. بنبرته المميّزة البطيئة أجابني بُورْخيس:
«حسناً، أقصيتها بالفعل، لأن القصائد الأخرى أَفْضلُ منها».
لكنه صَحَّح على الفور:
«عفواً.. أريد أن أقول... لأن تلك القصيدة أَسْوأ من الأخريات».
فَاجَأنِي تواضُعُه. ظننتُ دائماً أنَّ بورخيس شخص متعجرف لعَلَّ الثقة المطلقة حَدَّ الفظاظة التي كان يدافع بها عن آرائه اللاشعبية تماماً هي ما سبَّبَ عندي ذلك الانطباع؛ لكِنَّني أثناء «السامبوزيوم» اكتشفتُ أن بورخيس، مقارنةً بعمله الأدبي، كان على تواضع مؤثِّر. لقد اعتَبر أَنّ أخذَ النقاد لأدبه مأخذ الجدِّ غير مفهوم، وأنهم يضيعون وقتهم في تمحيص حتى أدق التفاصيل في نصوصه.
بعدئذ دار حديثنا عن قِصَّته الشهيرة «الأطلال الدائرية» بطل هذه الحكاية كان هدفه خلقَ كائن إنساني بوساطة المادّة اللامترابطة والباعثة على الدُّوار تلك التي تتكوَّن مِنْها الأحلام، لكنه في السطور الأخيرة يكتشف بمهانة ورُعب أنه بدوره عبارة عن حلم، تجلٍّ من ضِمْن تجليات أو صور، محض ظلّ. عند وُصولنا إلى هذا المستوى جرُؤتُ على تقديم تفسيري الموجز والشخصي للقصة.
فعلَّق بلباقة قائلاً: «تأويل مهم» لكن من دون أن يُظهر اقتناعاً كبيراً برأيي «أعتقد - قال - إن الأمر يتعلَّق أكثر مِن أيِّ شيء آخر بكون القصة هي استعارة للخلق الأدبي». ولم أتردَّد في التساؤل بلباقة وأدب: ألا يمكن أن تكون أيضاً استعارة «للمثالية الفلسفية؟».
«بلا شك، كل تاريخ ذلك الإنسان المصنوع مِنْ حُلم يتوافق مع المثالية»
تجرأت على الذهاب أبعد قليلاً.
«مع مثالية باركلي أو مثالية أفلاطون؟»
«مع مثالية باركلي - أجاب-. تتذكَّر حضْرتك أن الكينونة لدى باركلي تعني أن تُحِسَّ وأن تكون محسوساً وهو ما يعادل أن تحلم وأن تكون محلوماً، أليس كذلك؟»
ومن دون مناسبة سألني إن كنت أعرف قصيدتُه «أغنية البرنس».
«بالطبع!»، أجَبْتُه: «تعجبني كثيراً أغانيك هل تَعْلم أنَّهم لحنوها وفق قالب موسيقى شعبي؟» قال بورخيس مُلتفتاً نحوي.
وإزاء مفاجأة الحاضرين، وبصوت واهن غَنَّى المقطع الأوّل:
«أحَدُهمْ غَنَّى الأيامَ
أحدُهمْ بات عارفاً بالساعة.
أحدُهمْ مِمَّن ليس على عجلة ولا إبطاء».
كم أنا محظوظٌ فَكَّرت: «أنْ أسمع الغناء اللاموزون لاثْنين مِن كبار الأدب الأميركي اللاتيني. الآخر كان بَابْلُو نيرودا الذي استمتعت إليه قبل سنواتٍ عديدة يؤدي أغنيةً عن الحرب الأهلية الإسبانية».
ثمة حَادث صَغير كان من شأنه أن يُرْبك أيَّ شَخْصٍ آخر، إلَّا بورخيس. جَرَى الحادث أثناء إحدى الجلسات. جُورْجيت دُورْن مِنْ مكتبة الكونغرس بواشنطن استعدّتْ لتُقدِّم تسجيلاً أنجزه بورخيس قبل ثماني عشرة سنة لـ«أرشيف الكلمة».
«القصيدة الأولى التي ستَستَمعون إليها للسيد بورخيس في هذا الشريط». -قالت جورجيت- عنوانها: «التأسيس الميثولوجي لبوينس أيريس».
قَبْل أن تُشغِّل آلة التسجيل قاطعها بورخيس:
«لحظة من فضلك»، قال: القصيدة عنوانها: «القاعدة الأسطورية لبوينس أيريس» وليس: «التأسيس الميثولوجي».
اعتذرتْ جورجيت بفزع، ثم شَغَّلت الشريط. وحينئذٍ سُمع صوت بورخيس وهو يعلن:
«والآن سأقرأ قصيدة: «التأسيس الميثولوجي لبوينس أيريس».
خَيَّم وقتئذٍ صَمت مطبق ثم بعض السعلات العَصبيّة، لكن بورخيس ظَلّ كما هو هناك لا مبالياً كما لو لم يحدث شيء بينما في الصّالة كان صوته يتردّد مِن زمنٍ آخر.
خاتمة السمبوزيوم كانت قراءات شعرية شارك فيها أدباء أميركيون وأميركيون لاتينيون بإلقاء قصائدهم تكريماً لبورخيس. بسبب العدد الكبير للجمهور الذي ملأ جنبات الصّالة فإنّ الصفِّ الأول من المقاعد التي كان يشغل بورخيس أحدها كان موقعه تقريباً فوق الموقع الذي كان الشعراء المدعوون يتناوبون على إلقاء قصائدهم منه وقوفاً. لم يبق ما يكفي من فراغ لوضع طاولة.
الشاعر الأميركي روبرت ليما قَرَأ ترجمته الإنجليزية لقصيدتي «الليل المعتم للِعَيْن» التي تقارب موضوع العمى. بعده جاء دوري لقراءة الأصل الإسباني. بورخيس الذي حضر جميع الجلسات من دون أن يتخلف عن أيٍّ منها أنْصَت إلى القصيدة باهتمام كبير، وفي نفس لحظة انتهائي من القراءة وإزاء اندهاشي رأيته ينحني باتجاه جاره في الصفِّ قائلاً له بصوت البوين أيريسي المميّز:
«يا لها من قصيدة غريبة!»
وكما كتب بورخيس نفسه بمناسبة موضوع آخر: «هذه الكلمات ينبغي الإنصات إليها، وليس قراءتها».
إذا كان عليَّ أن أعيِّن قصيدة واحدة لي نشأت مباشرة مِن معايشتي لأعمال بورخيس فستكون هي «ساعة الرمل». نحن جميعاً نتذكر تِعْداده لأفضلياته: «تعجبني ساعات الرمل، الخرائط، طوبوغرافيا القرن XVIII، الاشتقاقات. مذاق القهوة وَنَثْر ستيفنسون». وَلَعل واحداً مِن أعماله الأكثر تمثيلية ودلالة عنوانه «ساعة الرمل». «طقس تَصفية الرمل» يقول بورخيس «طقس لا نهائي. وَمَع الرمل تمضي مِنّا الحياة». مدفوعاً بلسانه حاولت أنا أيضاً كتابة نصٍّ -عبارة عن سونيتة - عن هذا الموضوع ـ لكنني تبنَّيت منظوراً مختلفاً، مغذَّى بانشغالاتي الأدبية الخاصة. بدلاً من أن أُمحور قصيدتي حول الساعة، وهو ما فعله بورخيس على أفضل وجه، راهنْتُ أنا على بناء قصيدتي كما لو كانت السونيتةُ نفسها ساعةً رملية؛ آلةً يُشغِّلها القارئ عندما يشرع في القراءة وحياته تنتهي مع سقوط الكلمة الأخيرة التي هي أيضاً ذرة الرمل الأخيرة:
ساعة الرمل
هذه السطور التي تقرأها الآن
بالذات هي أعمدة رمل عمودية
معها تمضي منساباً صوب الهاوية
تمضي متقطِّرا إلى عمق البلّور
لَكَمْ تنزلق بين الأبيات
انظر كَمْ انحدرتَ إلى الأسفل
واطئاً الريح من درجة إلى درجة:
فارغةٌ هي الكأس الأخرى الآن.
لقد نَفِدَ رَملك: لا تأخير البتة
وَدِّع الحياة أيّها القارئ: حانتْ ساعتك.
يوم 14 يونيو 1986 سمعتُ، أثناء زيارة عابرة لي إلى التشيلي، نبأ وفاة بورخيس عبر المذياع. أنْ تتحقَّق رغبته بالضبط في يوم محدد هو 14 بدا لي من قبيل المصادفة اللَّاتُصدق. حتى وإن كان بورخيس لم يأخذ أبداً مأخذ الجدِّ رمزيةَ الأرقام التي حاول النقاد تطبيقها على بعض نصوصه، فإنني لم أستطع التخلص من ذلك فاستحضرتُ قصته: «منزل أستريون». إذ لمّا أوضح الميناتور أنَّ أبواب المتاهة هي أبواب لا نهائية، وضع بورخيس مَلْحوظة ًجنب الصفحة كتب فيها:
«الأصل يقول أربعة عشر. لكن تبقى ثمة دوافع إضافية للاعتقاد أن ذلك التعيين العددي بلسان أستريون يساوي اللانهائي».
فكرت حينئذٍ أن الرقم أربعة عشر الذي يحدّد تاريخ وفاة بورخيس أصبح منذ ذلك اليوم يساوي اللانهائي بالنسبة إليه.
لقد اعترف بورخيس أنَّ «الظل الأخير» الذي يعني الموت لا يسبِّب له أيَّ خوف. إذا كنتُ -يقول- لم يُتَحْ لي الوجود في الألفيات السابقة لولادتي، فلماذا ينبغي عليّ أن أُوجد في الألفيات اللاحقة بعد موتي. تذكّرتُ أبياته القائلة:
«أحيا وسط أشكال مضيئة وغامضة لمَّا تَصِرْ ظلمةً بَعْدُ». تلك الأشكال صارتْ الآن ظلمة بالفعل لقد حَانَت اللحظة التي لم يعد العالم فيها محض ظلٍّ بالنسبة إلى بورخيس وإنما بورخيس نفسُه صَار محض ظلٍّ بالنسبة إلى العالم.


أوسكار هان
أوسكار هان شاعر وكاتب وناقد تشيلي (إيكيكي - الشيلي 1938) عمل في التدريس لمدة قصيرة. اعتقل في «أريكا» إثر الانقلاب العسكري الدموي ضد الرئيس سلفادور أليندي. عاش متخفياً في وطنه لبضعة شهور إلى أن تمكّن من مغادرة البلاد إلى الولايات المتحدة الأميركية التي أكمل فيها دراسته العليا بالحصول على الدكتوراه في الآداب. عمل في مجال التدريس الجامعي في جامعة «لُوَا»، حيث درّس الأدب الإسباني والأميركي اللاتيني وفي عام 2008 عاد إلى وطنه التشيلي، حيث مازال يقيم ويواصل نشاطه الإبداعي والصحفي والنقدي.
من أبرز أعماله الشعرية:»ماء نهائي 1967، مرض الحب 1981، وردة العشاق 1984، العزلة العليا 2012. حاصل على عدة جوائز أدبية ويعتبر من أبرز الأصوات الشعرية في أميركا اللاتينية والشعر المكتوب بالإسبانية بصفة عامة. من كتابه: «أعمال مختارة» الصادر عام 2003 اخترتُ للقراء هذا النص الممتع الهام.
ببطء يتحرك في ظله
كنت جالساً على أريكة تُطِلُّ عَلَى أحد الممرَّات. في مواجهتي، في نهاية الممرّ، كنت ألمح حائطاً أبيْض بَدَا لي أشبه بشاشة سينمائية. فجأة، ارتسمتْ أمامي ناظريّ عَصا مصنوعةٌ من ظِلٍّ. كان تمدُّدها يزداد يتبعها وَجْه أسود برأس مرفوع. كَبُر حجم الظلّ، انزلق عبر الحائط واختفى. سبق لي أنْ شاهدتُ تلك الأماكن «الغامضة» في صور فوتوغرافية جانبية لا نهاية لها. ذلك كان ظِلَّ بورخيس، عَلَى الفَوْر تذَكَّرْتُ أبياته: «بِبُطء أتحركُ في ظلي». بإمكاني الجزم حينئذٍ أنّ أوَّل ما عرفتُ قبل أن أعرف بورخيس الذي مِنْ لحم وعظم هو ظلَّه. تلك كَانَتْ ملاحظةً لم تتوقَّف عن إثارة القشعريرة فيَّ، لأن الظِّلَّ موضوع مركزيٌّ في أعماله وكذلك في حياته منذ أَنْ كُفَّ بَصَرُه.
القصيدة الأسوأ
في البداية لم أَجْرُؤ على التفوُّه بكلمة. كُلُّ العُمْيان يبعثون الرهبة لا سيِّما إذا كان ذلك الأعمى هو خورخي لويس بورخيس، لكنني كَتَمْتُ تَنَفُّسي وسَأَلته:
«السيِّد بورخيس، لماذا أَقْصيْتُم قَصيدة (ثرثرة) من الطبعة الثانية مِن ديوان (حماسة) الصادر في بوينس أيريس؟ رَاجَعت الطبعات السَّابقة فَلَمْ أَجِدْها؟».
سؤالي نَاجِم عن كوني كَتَبْتُ مقالاً احتلَّتْ فيه تلك القصيدة مكاناً مهماً. إقصاؤها إذن وَمِنْ لَدُن بُورْخيس نَفْسه بَدَا لي مُسْتنكراً. بنبرته المميّزة البطيئة أجابني بُورْخيس:
«حسناً، أقصيتها بالفعل؛ لأن القصائد الأخرى أَفْضلُ منها».
لكنه صَحَّح على الفور:
«عفواً.. أريد أن أقول... لأن تلك القصيدة أَسْوأ من الأخريات».
رمزيةَ الأرقام
يوم 14 يونيو 1986 سمعتُ، أثناء زيارة عابرة لي إلى التشيلي، نبأ وفاة بورخيس عبر المذياع. أنْ تتحقَّق رغبته بالضبط في يوم محدد هو 14 بدا لي من قبيل المصادفة اللَّا تُصدق. حتى وإن كان بورخيس لم يأخذ أبداً مأخذ الجدِّ رمزيةَ الأرقام التي حاول النقاد تطبيقها على بعض نصوصه، فإنني لم أستطع التخلص من ذلك فاستحضرتُ قصته: «منزل أستريون». إذ لمّا أوضح الميناتور أنَّ أبواب المتاهة هي أبواب لانهائية، وضع بورخيس مَلْحوظةً جنب الصفحة كتب فيها: «الأصل يقول أربعة عشر. لكن تبقى ثمة دوافع إضافية للاعتقاد أن ذلك التعيين العددي بلسان أستريون يساوي اللانهائي».
تناسخ أكلة اللحوم
قصيدة «تناسخ أكلة اللحوم» هي قصيدة أليغورية (رمزية) هي إنذار بخطر اندلاع حرب عالمية ثالثة، تنسج مشهداً كابوسياً يتبارى أَكَلَة لحوم فيه باللعب بِنَرْد من نار. والخاسرون يتحوَّلون إلى حيوانات تُساق إلى المذابح حيث يُذْبحون من لدن أكلة لحوم آخرين. وهؤلاء يتجسدون أيضاً بعد موتهم بهيئة حيوانات يجري قتلُها بيدِ أبناء جنسها، وهكذا إلى ما لانهاية.

بودليــر ومنطق المتناقضات

12:40:00 م اضف تعليق

 كلود روا

ترجمة: الدكتور حسيب الياس حديد

في التاسع من نيسان صادفت الذكرى الثامنة والستون بعد المائة لميلاد الشاعر الفرنسي بودلير المتميز عن غيره من الشعراء يعترف بأنه ممن لا يحب الناس ولكنه ممن يذكرونهم، وقال مرة عن نفسه: من يعرفني يكتشفني أما أولئك الذين لا يستطيعون أو لا يريدون فعبثاً أحاول التوضيح لهم.

عرفت الشخصية البودليرية بغرابتها وذلك لما تكتنفه من سلوكية متباينة لا تكاد تجتمع في منهج واضح لتنافر معالمها.
وبكل إيجاز يمكن أن نتصور هذه الشخصية على شكل خمس غرف نفسية تفضي الواحدة إلى الأخرى وهذه الغرف: الألم والعذاب والعقاب والسخط وأخيراً الكبرياء.


عندما نناهز الخامسة عشرة من العمر اعتدنا على اقتناء نسخة من ديوان "أزهار الشر" المطبوع في سلسلة كتاب الجيب لقراءته في ركن هادئ وما ان تصفحنا الديوان إلا بدأ الاستياء يدب دبيبه إلى نفوسنا عندما نقرأ هل ترى المغرمين على فراش وثير وتردد أفواههم نفحات مزخرفة إلى أن تقع أنظارنا على البيت الشعري "لدينا أسرة عبق شذاها الخفيف".
ويبعث البيت الشعري الأخير الذي يختم القصيدة، البهجة والأمل والسرور في النفس ونحن نطالع "المرآة المكدرة واللهب الميت".


وبعد استعراضنا للقصائد الواحدة تلو الأخرى والانتقال من صورة متناقضة إلى أخرى أكثر تناقضاً تتمثل بالعبارات السحرية التي تعبّر عن ذكريات مرّة مثيرة تؤطرها النيران الهادئة ذات اللهب المتأجج كما نصغي بشغف شديد إلى الموسيقى السامية والصاخبة التي تعكس الآلام جراحه التي لا تمحى وهذا مثله كاللقاء الأول للحب والافتراس الأول للموت .
عندما نقرأ شعر بودلير للمرة الثانية نراه يختلف كل الاختلاف عن قراءتنا الأولى له. واليوم ندع الفرصة للفكر يسرح في أغوار بودلير باحثاً عن المسالك المنسية تماماً متجنبين ما ذاع صيته منها. والبحث عن الشعر الذي لم نحفظه قط عن ظهر قلب مثل (حقيبة الريالات الأخيرة في الأصابع) والملذات الأكثر عنفاً من الجليد والحديد فهذه القصائد تمر وكأنها رعشة جديدة تعرونا كما عبّر عنها فكتور هيغو في الرسالة التي كتبها لمراقب الصف في المدرسة عندما كان يصل بودلير متأخراً إلى المدرسة.
كتب قائلاً :
لقد وصل بودلير متأخراً إلا أنه الأول دائماً .
إن أعجوبة هذه المؤلفات وسرها يكمنان في كونهما معينين لا ينضبان كما أنها أنهكت الكثير من النقاد عبر السنين الطوال على الرغم من تقديمهم لحزمة من المفاتيح كما ان تحليل القصائد وشرحها لم ينتهيا بعد وما يزالان مستمرين وحتى في الأزمات الحادة للهذيان التحليلي فإن فيها للنقاد نصيباً من الصواب ويبدو واضحاً أن بودلير سعى مساعيه من أجل ذلك وقد وضعهم في مثل هذه النوافذ ليزلقهم في "القطط" من القصائد الشعرية المشهورة لبودلير وتعد من القصائد البسيطة جداً ظهرت أول مرة عام 1847 في دار النشر المعروفة بـ " بلياد " فقد بلغ عدد النقاد الذين قدموا تحليلاً عميقاً لهذه القصيدة أربعين ناقداً ومحللاً منذ عام 1848 وإلى يومنا هذا .
بدأت تلك الكتابات منذ ظهور التحليل البنيوي الذي قدمه رومان جاكوبسن ثم أتمه من بعده بالتحليل البنيوي والعرفي لكلود ليفي شتراوس مروراً بالنقد النفسي لشارل مودرن ثم التحليل الشكلي لولي ديلسيبيبش من ثم نقد لما سبق من التعليقات لما أحدثته قصيدة "القطط" من اختلاف وجهات النظر النقدية والتحليلية وقد تناول الكاتب ميشيل كيسينل مؤخراً القصيدة نفسها في كتابه الموسوم "بودلير المخفي والواضح" حيث كرّس عشرين صفحة لقصيدة "القطط" استنتج خلالها أن القطط تمثل بودلير نفسه مما سمح له بالتوصل إلى استنتاج إلى أن قطط بودلير يمثلون كائناً حياً للغة، ويجدر بنا أن نذكر أن هذا التحليل أثار الكثير من الدهشة مما حدا بالقصيدة أن تدخل في ظل الكهف نبحث عن العتمة ورعب الدياجير . وبعد هذا كله يجب قراءة بودلير بعيداً عن الطبقات المتكلسة وبعيداً عن مختلف التأويلات والنقد الموجه إلى نتاجه عبر أجيال من النقاد ويجب أن يقرأ بودلير وكأنما يقرأ لأول مرة وبكل براءة.


وفيما يتعلق بحياة بودلير فإنها صعبة كالصعوبات التي تحيط بقصائده فهي معقدة بسبب التناقضات التي تتميز بها والتي أصبحت قاعدة قاسية لحياته وتفكيره والتي تعرف بمنطق المتناقضات أو قانون المفارقات. كمسلمتين متزامنتين تجاه الإله والشيطان والوجود المشترك لرعب الحياة ونشوتها فهي حياة مرهقة يخيم عليها الغموض وتحيط بها الأسطورة، فنحن نرى حياته وكأنها مأساة يصورها لنا بأدق صورة وأعقدها فهو شاعر مطارد حاول النقاد كشف النقاب عن بعض جوانبها الغامضة ولكنهم أخفقوا في ذلك.

وبعد عشر سنوات من البحوث الجادة والقيمة التي أجراها كل من كلود بيشوا وجان زيلكر في إخراج سيرة جديدة للشاعر بودلير في سبعمائة صفحة تضمنت من التعاسة ما لا يمكن وصفه، إلا أنها تكشف الذكاء الخارق والشعر المكثف لبودلير ويمثل بودلير الشاعر عبقرية فريدة ونحن مدينون له بكشفه عن المرائين الموجودين بيننا وكذلك المنافقين في المجتمع وحذرنا من وجودهم وحبانا القدرة عن تعريتهم.

عن مجلة نوفيل اوبزرفاتور الفرنسية

طارق أبي سمرا...غريبُ اللُّغَتَيْن

2:32:00 م اضف تعليق
 

1. شذراتٌ شعريّةٌ وفحولةُ اللّغةِ العربيّةِ


لم أفهم يوماً الشعر العربي القديم، ولم أحفظ منه سوى أبيات أربعة وشطر واحد: "أراك عصي الدمع شيمتك الصبر/ أما للهوى نهي عليك ولا أمر"؛ الأبيات الثلاثة الأولى من "دع عنك لومي"؛ و"تجري الرياح بما لا تشتهي السفن". أمّا حصادي من الحداثة العربيّة، فمهزلة: "مطر... مطر... مطر..."؛ و"يعبرون الجسر... (تبخَّر شيءٌ هنا)/ أضلعي امتدّت لهم جسراً وطيد".


مُعيراً نصف أذنٍ لمعلّمي العربيّة الذين تعاقبوا على تدريسي في المرحلة الثانوية، كنتُ أجد لغة الشعر العربي وعِرةً ووعظيّةً، كأنّ مفرداتها حجارةٌ يقذفني بها شيخُ مسجد من منبر الخطابة. وكان البيتُ تلو البيتِ يطلع من حناجر المُدرّسين والمُدرِّسات أجشّاً مُترعاً بالفحولة، فأشعر بأنّ للكلام العربي الفصيح، لا سيما المنظوم منه، قدرة على تذكير الأنثى الأكثر نعومة، وشحنِ الذَّكَر بفائضٍ من الرجولة، حتّى لو كان مُتشبِّها بالنساء. لا شكّ في أنّ الحروفَ الغليظةَ النُطْقِ، الخاء والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والغين والقاف، لعبَت دوراً معتبَراً في عزوي الفحولة إلى العربيّة، إلا أنّ العاملَ الأساس في ذلك آياتُ القرآن التي كنتُ ألمحُ وميضَها الخافتَ البعيدَ وراء كلّ كلامٍ فصيح. آياتٌ لم أقرأ منها سوى القليل، وبالكاد فهمت منها شيئاً، غير أنّها بدت لي صارمةً عنيفةً، مُشَبَّعةً بنيران جهنّمٍ وعذاباتها.


2. "الجسدُ سجنُ الروحِ" (عبارة منسوبة خطأً إلى أفلاطون، مع أنّه يقول شيئاً من هذا القبيل)


الغريب في نفوري من العربيّة آنذاك، أنني كنتُ، على الأرجح أكثر مِن المراهقين سواي (وربما لا، فمَن يدري ما تُخفيه النفوس؟)، أحسُّ بنقصٍ فادح في رجولتي، وعبثاً أجْهَدُ في تعويضه. وكان أكثر ما أخشاه أن أُنْعَتَ بالمُخَنَّثِ، فيتهيّأ لي أنّ الصِفَةَ هذه محفورةٌ في عيون أترابي المُحدِّقة بي، ولا يتطلّب تحوّلها لفظةً تخرج من أفواههم سوى هفوة مني. صرتُ أرتاب من أيّ فعل أقدِم عليه عفويّاً، فأرى جسدي وصوتي كعَدُوَّيّن ينبغي على الدوام الإحتراس مِن غدرهما، مِن أيّ نعومة قد يُتيحان لها التسلُّلَ إلى حركاتي ونبرتي.


احترازاً من أيّ أنوثة قد تشوبهما، بدأتُ أراقِب مُدقّقاً في سلوكي وحركة جسمي قبل أن يصدرا عنّي. وفي خيالي أخذتُ أتدرَّبُ على أفعالي، أكرِّرها، أُقَوْلِبها، وأهندسها لتُبصرَ النورَ مُكتملةَ الرجولة. أعتقد أن ما نَتَجَ حينذاك عن تماريني الذهنية العسيرة سلوكٌ على مسافة واحدة من التخنّث والفحولة بدا، في أغلب الظّن، عادياً طبيعيّاً لمَن أعاره انتباهاً؛ غير أنّ قطيعة وقعت بيني وبين جسمي، فأصبحَ غريباً عنّي، كأنّه ليس لي، يتحرّك على  نحو شِبْه آليّ، مُنفِّذاً ما بَرمجْتُه مُسبقاً القيام به ومُستقلّاً إلى حدٍّ ما عن إرادتي الآنيّة.


كنتُ أبصِرُني في أحلامِ يقظتي مُتبخْتِراً مزهوّاً بنفسي، فيما أمشي لوحاً خشبيّاً على أرضِ الواقعِ. ذاك أنّني، أثناء سَيْري، كنتُ أشعر أنّ الجزءَ العلوي من جسمي قطعةٌ واحدة متصلِّبة، دِرع حديد بلا مفاصل، يَعتصِر ما كان يتهيَّأ لي أنه جذعي وكتفَيّ وذراعَيّ الحقيقيّة. على الرغم من ذلك كلّه ارتضَيْتُ قوقعتي سجناً لروحي وبديلاً مِن فحولةٍ عجزْتُ عن بلوغها.


3. أَبْلَهُ دوستويفسكي


يعود اهتمامي بالمطالعة إلى سنّ الخامسة عشر، حينما راحت مُعلِّمةُ الفرنسيّةِ تعرض لنا شهرياً روايات ثلاث لنختارَ منها واحدةً نقرأُها ثم نُمْتَحَن فيها خطيّاً أو شفويّاً. في السنوات السابقة لم أكن أقرأ الروايات المُفروضة علينا، بل أَطْلُبُ من أحدِ زملائي أن يروي لي أحداثها قبل يومٍ أو يومَيْن مِن الإمتحان، ذلك أنه كان عليّ تعذيب مُخيِّلَتي وجَلْدها لحملها على تحويلِ الكلماتِ صوراً حسيّةً باهتةً فحسب. لست أدري، إذاً، ما الذي دفعني إلى قراءةِ "اسم الوردة" لأمبرتو إيكو، عندما اقترحتها علينا المُدرِّسةُ تلك. لكنني أذكر كمّ عانَيْت وأنا أحاول فَهْمَ هذه القصّة البوليسيّة المُطَعَّمة بالفلسفةِ وعلمِ اللاهوتِ القروسَطِيَّيْن، حتّى أنّني اسْتَعَضْتُ عن الترجمةِ الفرنسيّةِ بأخرى عربيّةٍ لم تُسهِّل مهمّتي كثيراً.

كان افتخاري ببلوغِ الصفحةِ الأخيرةِ متعتي الوحيدة التي نلْتُها آنذاك، لكنّها كانت كافيةً لحثّي على الغوص في "الأبله" لدوستويفسكي (أحد اقتراحاتِ المُعلِّمةِ أيضاً)، فاكتشفت حينئذٍ متعَتَيْن مِن صنفٍ آخَر: القراءة، والقراءة بالفرنسيّة.

أتاحت لي تلك الروايةُ العيشَ موقّتاً خارج جسدي، أو بالأحرى نسيانَه. صرتُ طيفاً منعدمَ الوزنِ يسرح حرّاً في روسيا القرن التاسع عشر بِصُحبة مجانين دوستويفسكي. وما كان انعتاقي من جسدي ليحصل لو كنتُ قرأت "الأبله" بالعربيّة: فالغُرْبَة المكانيّة (روسيا) والزمنيّة (القرن التاسع عشر) التي سمحت لي بنسيان نفسي (أيّ جسمي ورجولته وأنوثته وحركاته المُبرمجة والآليّة، إلخ...) لم تكن ممكنة لولا الغربة اللغويّة. وهي غُرْبَةٌ أدمنتها كمُسكرٍ، ولا أزال حتى اليوم أبحث عنها في الروايات. لقد عثرتُ في الفرنسيّة على فضاء ينتفي فيه ذاك الشّطْر من ذاتي المُتجذِّر في لغتي الأُمّ، عاميّة كانت أَمْ فصحى. صار لديّ، إذاً، مكانٌ آمِن ألْتَجِئُ إليه: الروايات الفرنسيّة أو المترجمة إلى الفرنسية؛ مكانٌ حيث لا تحيلني فحولةُ العربيّةِ إلى رجولتي المُترنِّحة المضّطربة.


4. بين قوسَيْن: النبيُّ المحاربُ والإلهُ الأضْحِيَّة

(أصبحتُ، إذاً، مفتوناً بالفرنسيّة، ولمّا كنتُ أتخيَّلُ أنّ هويّة المسيحيِّ في ديارنا اللبنانيّة على صِلَةٍ لا فكاك منها بالفرنسيّة، أكان يجيدها أم لا، أمسيتُ مفتوناً بنصارى لبنان أيضاً، ثم بفريق كرة السلة المحلّي والمسيحي، "الحكمة"، وأخيراً بيسوع المسيح، هو إياه لا غيره، ذاك الإله الناعم، الرقيق والمظلوم الذي تخيّلته ناطقاً بالفرنسية فيما هو ينازع على صليبه، وأحببته أكثر من نبيّنا الفاتح والمُجاهد).


5. الفرنسيّةُ لغةٌ بلا جسد (في ما يخصّني حصراً)

كانت الفرنسيّةُ بلسماً لروحي (عِبارةٌ مُستهلكة، خشبيّة، لكن دقيقة وفي محلِّها هنا)، فصرتُ أقرأ بنهمٍ لأشعر بأنني شخصٌ آخر، تماماً كما يتقمّص امرؤ بطلَ مسلسلٍ سفيهٍ أو فيلمٍ رديءٍ يشاهده غارقاً في أريكته مُحدِّقاً في شاشة التلفزيون. لكنني في المقابل كنتُ أقرأ لأرضي غروراً كان يذهب بي إلى الأَنَفةِ من طلبِ الهروبِ عَبْر مسلسلٍ سفيهٍ أو فيلمٍ رديءٍ، فأجنح إلى طلبه عَبْر أمّهات الأدب العالمي. إنّ مداواةَ كبرياءٍ جريحٍ (وهل رجولتي المُترنِّحة سوى شكل من أشكال الكبرياء الجريح؟) مِن المُحفّزاتِ الرئيسة التي تدفع مراهقاً إلى قراءة الأدب – وقد يتبدّى هذا القَوْلُ، بعد شيءٍ من التمحيصِ، تعميماً مفرطاً لحالةٍ هي حالتي وحدي. فعادة المراهق شِبه السريّة هذه (قراءة الروايات وليس الإستمناء، مع أنّ أَوْجُه الشَّبه بين العادَتَيْن كثيرة كثيرة)، وهي حكرٌ على قلّة قليلة، تُوْهِم مُمارِسَها الدؤوبَ أنه اكتسب عِلْماً لا تملكه سوى صفوة مِن البشر، كأنه صار مُدركاً بواطن الأمور، أيّ بات يَفْقَه الحياةَ كما لا يفقهها العَوامّ.

لكن ما أبعد الحياة أحياناً مِن الروايات، وحتّى مِن أكثرها واقعيّة وأقلّها غنائيّة ورومنطيقيّة! فالروايات لا تزيد عِلْماً بالحياة، إلّا مَنْ سبق أن عاش الحياة حقّاً. أمّا مَن كان مثلي متقوقعاً على نفسه، منقطعاً عن دنيا البشر، فسَكَن الكتبَ، والأفلامَ الرديئة وغير الرديئة، وأدمن أحلام اليقظة ووقودها التي هي الكتب والأفلام، فلن تزيده الروايات إلّا جهلاً بالحياة، وتقوقعاً على نفسه، وانقطاعاً عن دنيا البشر. وإذا كان لا يلتهم الروايات إلّا بلغةٍ قد يجيدها كتابةً وقراءةً، لكنّه نادراً ما ينطق بها، لغة لا تمت إلى محيطه بصلة (الفرنسيّة في حالتي)، فسرعان ما سيصبح مُقيماً في عالَمٍ آخَر، الكائنات كلّها فيه نسخة شبحية باهتة مِن مخلوقاتِ العالم الواقعي الحيّ.

والحقّ أنني لم أَعِ ذلك إلّا بعد سنوات. كنتُ تجاوزْتُ العشرين فيما آفَةُ القراءةِ التي أعاني منها آخذة في التفاقم، ومِن أعراضها المُتقدِّمة بدئي بكتابة قصصٍ قصيرة باللغة الفرنسيّة. كانت قصصي تلك مُستلهمةً مِن كافكا إلى حدٍّ ما، غرائبيّةً ورمزيّةً بإفراط. في إحداها (وقد عَنْوَنْتُها "الصحراء") يخرج البطل من منزله للتنزّه في المدينة. هائماً في الشوارع، يروح يُدخِّن سيجارة مارلبورو تلو أخرى إلى أن تَفْرَغَ علبتُه. يشرع حينئذٍ يبحث عن متجر ليبتاع منه علبة أخرى، فينتبه إلى ما لم يكن قد تنبّه إليه طوال ما لا يقلّ عن ساعةٍ من السير على غير هدى: الشوارعُ والأزقةُ كلّها خاليةٌ تماماً من البشر، المتاجرُ كلّها مُقفلةٌ. لا يُدهَش بطلُنا ولا يَضطرب كثيراً؛ فقط تُقلقه فكرةُ اضطراره إلى قضاء ليلته من دون سجائر. ليلةٌ لن يُغمَض له جفن في ساعاتها الطويلة، مُتذوِّقاً عذابات الحرمان من التبغ. ومع بزوغ أوّل شعاع شمس، يهرع إلى الشارع راكضاً، هلِعاً، لاهثاً من متجرٍ إلى آخر، فيجدها مُغلقةً كلها، إلى أن يُدرِك أنه الإنسانُ الأخيرُ المُتبقي على وجه الأرض.

هذه مقدمّة القصّة. أمّا لُبّها فوصفٌ للتحولات النفسيّة التي تطرأ على هذه الشخصيّة بعد اكتشافها أن الدنيا باتت صحراء مقفرة. لكن دعك مِن تفاصيل مُملّة كهذه. أكتفي بالقول إن بطلي الذي لم أتكرَّمْ عليه بِاسْمٍ، لم يكلّف نفسه عناء التفكير في سبب اختفاء البشر، بل إن التساؤل هذا لم يخطر حتّى في باله. كلّ ما فعله هو التأقلم مع هذه الحالة الجديدة. ومِن تقنيات التأقلم الرئيسة التي يلجأ إليها، إسرافه في الإستمناء. وهكذا تنتهي الحكاية.

كانت هذه أوّل قصّة ابتدعها. وأعتقد أنها النموذج الأصليّ لتهويماتي الكتابيّة الفرنسيّة كلها. ففي قصصي اللاحقة جميعها، كنتُ بطريقةٍ أو بأخرى أَمْحُو الواقع محواً تامّاً. لم يكن ذلك عن سابق تصوّر وتصميم، إذ كنتُ لا أنفكّ أضع تخطيطاً أوّلياً تلو آخر لحكاياتٍ واقعيّة تُوْلَد ميتةً، فينتهي الأمر بي إلى ابتكار قصص لا أسماء لشخصيّاتها ولا حتّى سمات جسدية، فيما تدور أحداثها في بيئة غير مُحدَّدةٍ بلا معالم، أيّ في اللامكان، كأنما الخلفيّة الوحيدة لتلك الأحداث هي الورقة البيضاء التي تصطفّ عليها الكلمات.  

كانت نصوصاً مُغلقةً، منقطعةَ الصلةِ بكلّ ما هو خارجها، لا تُحيل سوى إلى نفسها، كأنّ مؤلِّفَها روحٌ خالصةٌ لم تتقمّص جسداً بعد. روحٌ منعدمةُ الوزنِ، تائهة في عالم المُثل الأفلاطونيّة، حيث الأشياء كلّها لا تزال مُجرّدةً، عامّةً، وبلا خصائص، لم تدخل بعد حيّزَ الوجودِ الحسّي المُحَدَّد والملموس. كانت، ببساطةٍ، نصوصاً عن لا شيء.  


6. وعُدْتُ إلى أحضان لغتي الأُمّ

لم أُدْرِكْ أن للفرنسيّة دَوْراً في انفصال قصصي عن الواقع، ولم أَرَ أصلاً في هذا الإنفصال أيّ مُشكلة، إلّا بعدما شرعت أكتب بالعربيّة. أقدمتُ على ذلك في عمر مُتأخِّر نسبيّاً (31 سنة)، ولأسبابٍ ظننتها عمليّةً بحتة في بادئ الأمر.

كنتُ آنذاك أعمل مديرَ مطعمٍ بدوام جزئي. وكي لا يغرَّكم لقبُ "مدير" وما قد ينطوي عليه مِن أُبَّهة، هذا وصفٌ مُقتضبٌ لمهامي الوظيفيّة: أجلس إلى إحدى طاولات المطعم أمام شاشة اللابتوب، فأرمي النادل الوحيد بين فينة وأخرى بنظرةٍ شاردة للتأكّد مِن أنه يخدم الزبائنَ القليلين على نحوٍ لا بأس به. هذا إن حدث ودخل إلى المطعم زبونٌ طوال ساعات دوامي التي كانت أكثر أوقات النهار خموداً. باختصار كنتُ أتقاضى أجراً لقاء عطالتي.

كانت تلك الوظيفةُ مثاليةً لمَن يحلم مثلي أن يصبحَ أديباً، فيبتغي عملاً يعتاش منه، لكن لا يستنزف كلّ طاقته ويسلبه كامل وقته. وبالفعل أمضيت جُلّ نهاراتي أكتبُ في ذلك المطعم: بضع قصص قصيرة، لكن مقالات صحافيّة خصوصاً، مُعظمها مراجعات رواياتٍ رحتُ أنشرها، على نحوٍ مُتقطِّعٍ، ثم بشيءٍ من الإنتظام، في مُلحق أدبيّ شهريّ لصحيفة لبنانيّة فرنكوفونيّة.

كنتُ أنبهر باسمي مطبوعاً بالخطّ العريض تحت كلٍّ مِن تلك المقالات، فأخالني غَدَوْتُ ناقداً أدبيّاً مُتمرّساً لن يلبث أن يتحوّل قاصّاً، ثم روائيّاً فرنكوفونيّاً ينحني كتّاب فرنسا أمام أناقة أسلوبه وبلاغته. ظللتُ مُكتفياً بهذا القدر مِن الكتابةِ  والأحلامِ حتى أُبْلِغْتُ بسلسلةٍ من الإجراءات اتّخذها أصحاب المطعم للحَدِّ من الإهدار المالي، ومنها خفض عدد أيام عملي إلى النصف. هكذا رأيتُني فجأةً في حاجة ماسّة إلى العثور على مصدر دخل إضافي: "عليكَ أن تنشر مزيداً مِن المقالات"، قلتُ لنفسي. لكن بما أن المنشورات التي تصدر بالفرنسية قليلة جدّاً في لبنان، عقدت سريعاً عزيمتي على أمرٍ لا أزال حتى اليوم، بعد أربع سنوات، أجد فيه شيئاً مِن جنون العظمة: قرّرتُ أن أكتبَ بالعربيّة.

حاوِلوا أن تتخيَّلوا مدى الغطرسة التي ينطوي عليها قرارٌ كهذا: كان عمري 31 سنة وأَرَدْتُ أن أكتبَ بلغةٍ لم أستخدمها إلّا مُشافهةً، ولم أَخْطُطْ بها كلمة واحدة منذ ثلاثة عشر عاماً. لغةٌ نسيتُ تماماً قواعدها التي لم أُعِرْها أصلاً الكثير من انتباهي أيّام الدراسة. لغةٌ لم أكن قد قرأتُ بها آنذاك ما يزيد عن عشرين رواية.


7. الفصحى لغةٌ مُتَرْجَمة

كان الأمر أشبه بتَعَلُّمِ لغةٍ أجنبيّة. صحيحٌ أنني لم أعتمد، عموماً، سوى العربية للمخاطبة، وحتّى للتفكير. إلا أنها كانت عربيةً عاميّةً، شعرتُ أن اختلافها عن الفصحى يكاد يُضاهي اختلافَ لغةٍ عن أخرى.

أخذتُ، إذاً، أكتبُ ببطءٍ مهولٍ، بل كارثيٍّ، مقالاتٍ نشرتُها في الملحق الثقافيّ الأسبوعيّ لصحيفة لبنانيّة تصدر بالعربيّة. كنتُ أصلاً أصوغ الجمل الفرنسيّة كمَنْ يُتَأْتِئُ ويُتَأْتِئُ كي تَخْرُجَ أخيراً كلمةٌ سليمةٌ مِن فمه، فأضحيتُ، في محاولاتي تركيبَ جملةٍ عربيّةٍ، مثل كسيحٍ ينتظرُ معجزةً تقيمه عن كرسيه وتَبُثّ الحركةَ في ساقَيْه... لكن ما الفرق بين الرِّجْلِ والسَّاق؟ وبين الجسم والجسد والبدن؟ وهل كلمة "مشى"، وغيرها وغيرها من الكلمات، عاميّة أم فصيحة؟ وهل أستهلُّ جملتي بالفعل أم بالفاعل أم بظرف زمانٍ أو مكانٍ أم بحرف جرّ؟ وماذا تكون هذه الـ"كان" التي تَجُرُّ خلفها قافلةً مِن الأخوات؟ أهي المُشعوذة الخبيثة التي تنصب المُبتدأ وترفع الخبر (وما المُبتدأ والخبر؟ كنتُ نسيتُ أن في العربيّة أشياء غرائبيّة من هذا القبيل)، أم أنّ تلك هي "إنّ" التي تؤازرها في عملها أخواتها الشريرات؟ وما هو الحال، والتمييز، والمُضاف والمُضاف إليه؟ ومتى يُحْذَف حرف العلّة مِن الفعل؟ "إِيَّاكَ وَتَشْكِيْلَ الكَلِمَاتِ، وَإلَّا الفَضِيحَةُ"، كنتُ أُحَذِّرُ نفسي – "لكن ماذا أفعل بألف التنوين؟".  

هذه مجرّد عيّنة بسيطة مِنْ أسئلةٍ كانت تزدحم في ذهني عند كتابة كلّ كلمة تقريباً، ثم تُؤَرِّقُني ساعة أو أكثر في الليل. وحين يتعاظم القلق، كنتُ أُذَكِّرُ نفسي بأن عَمّي، وهو روائي وصحافي، سوف ينقّح مقالتي تنقيحاً تامّاً قبل أنّ أُرسِلها إلى مُحرِّر المُلحق الثقافي. لكن ما كان يُرعبني ويشلّني هو إحساسي الذي لم يبارحني إلى اليوم بأنني لا أكتبُ بالفصحى، وإنما أُترجِم إليها. وكنتُ أتخيّل أن القرّاء جميعهم سوف يلاحظون ذلك فوراً، مِنْ السطر الأوّل.

مُحدِّقاً في شاشة اللابتوب وأناملي موشكة على مُلامسة لوحة المفاتيح، كنتُ أسمع صدى أفكاري يتردّد في رأسي، إمّا بالعاميّة اللبنانيّة، وهي لغة حياتي اليوميّة، وإما بالفرنسيّة التي كانت تستحوذ جزئيّاً على دماغي حين أريد أنّ أكتب. وبعدما قرّرتُ اعتمادَ العربيةِ، صار عليّ، باستمرار، إمّا تفصيح ما يتوارد إلى ذهني، وإمّا تعريبه. هكذا أصبح فعل الكتابة ترحالاً متواصلاً مُضنياً بين لغاتٍ ثلاث، تمنّيتُ لو أستطيع نسيان اثنتَيْن منها علّني أستقرُّ في بلاد الفصحى التي كنتُ هجرتها منذ زمن بعيد.

لم تَنْبَعْ تلك الأمنيّةُ مِن حنينٍ، بل مِن رغبةٍ دفينةٍ في أن أكتبَ بلُغَةٍ تَمتلكُ جسداً. كنتُ صرتُ مُدرِكاً آنذاك أنّ قصصي القصيرة لا تُعَبِّر عن شيء سوى عن تقوقعي وقطيعتي مع جسمي، أيّ عن تَحَوُّلي طيفاً هارباً مِن مُحيطِه ومُجتَمَعِه وحتّى مِن حياتِه. وقد أيقنتُ أيضاً أنّ الفرنسيّةَ لغةٌ عديمةُ الصلةِ بالدنيا التي أسكُنُها، فلا تُحيلني مُفرداتُها وجُمَلُها سوى إلى الروايات الغربيّة التي كنتُ قرأتُها. روايات تُصَوِّر عالماً خلتُني أعرفه، لكن الحقّ أنني كنتُ أجهله جهلاً تامّاً، فأُعيد بناءَه، في مُخيِّلتي، عالماً روحيّاً شَبَحِيَّاً يفتقر إلى أيّ عُنصِر حِسّيّ أو مادّي.


8. كيف انتزعتُ عربيَّتي من الفرنسيّة

بعد حوالي سنة ونصف السنة مِن مباشرتي الكتابة بالعربيّة، عرضَت عليّ دارُ نشرٍ ترجمةَ روايةٍ عن الفرنسيّة. تردّدتُ كثيراً طوال أسبوعَيْن، لكنني وافقت في نهاية المطاف، إذ ظننتُ الترجمةَ إلى العربيّة أفضلَ تمرينٍ على الكتابة بهذه اللغة.

أرهقني هذا العملُ واستنزفني سنتَيْن. بعد إتمامه، أدركتُ أنّني لم أكن أسعى فيه إلى التدرُّب على الكتابة بالعربيّة، بقدر ما كنتُ أسعى إلى إخمادِ ضجيج الكلماتِ والجملِ الفرنسيّةِ التي كانت تتردّد في رأسي عندما أكْتُبُ بلُغتي المُسماة لغتي الأمّ. أردتُ، إذاً، أن أَعْكِسَ، على نحوٍ ما، تلك العمليّةَ الذهنيةَ التي تقوم على ترجمة أفكاري من الفرنسيّة إلى العربية، وذلك باستبدال الأفكارِ بنصٍّ فرنسيٍّ يكون جامداً أمام ناظريّ، فأنقله إلى العربيّة. باختصار كان هدفي ترويض دماغي وإرغامه على التفكير بالعربيّة الفصحى.  

لم أنجَح في ذلك إلّا جزئيّاً: خَفتت أصداء الفرنسيّة في رأسي، فصارت تأتيني الكلمات والجمل بالعربية الفصحى على نحوٍ مُتزايد، وبتُّ أشعرُ أن ما أكتبه ليس مُنْقَطِع الصلة بالحياة. لكنني اكتشفتُ أن عربيَّتي لغةٌ بُتِرَ جزءٌ مِن جسدها، لغةٌ ستبقى كسيحةً على الأرجح.  


9. لغةٌ بلا إرث

حين أكتبُ بالعربيّة أرتكبُ إثماً. أُدَنِّس شيئاً مُقدَّساً. إذ أشعرُ بأنني لا أَخْلُق نصّاً فقط، وإنما لُغةً لا حقّ لي أصلاً في استخدامها. ليس مِن مَرجعٍ أّتَّكِئُ عليه حين أكتبُ بلغةٍ يُفتَرَض أنها لغتي الأمّ. جهلي بتراثها الأدبيّ مُدْقِعٌ. صحيحٌ أنني قرأتُ عدداً لا بأس به مِن الروايات العربيّة في السنوات الأربع الأخيرة، بيد أنها روايات نُشِرَت حديثاً، مُعظمها رديء. أمّا اطلاعي على ما كَتَبه العربُ منذ الجاهليّة وحتى العام 2010، فيناهز الصفر.

أخُطُّ كلماتي في فراغٍ لغويّ، حيث لا سَنَد لي ولا مُعين. ذاكرتي خاليةٌ مِن النصوص العربيّة، لم تختزن أيّ شذرات نثريّة أو شعرية. هي ذاكرة مُعتِمة، سوداء، لا يسكُنها أيّ كاتب عربيّ كبير أستنجد به حين أضلّ طريقي، لأستلهمَ منه، لأتمرّد عليه، أو حتى لأسأله فقط ما إذا كانت هذه المُفردة أو تلك في محلِّها أم في غير محلِّها، ما إذا كانت هذه الجُملة أو تلك ركيكة أم لا.


10. موسيقى بلا كلمات

لم أحبّ يوماً العربيّة. ومع الوقت تعلّمت ألّا أكرهها. كنتُ في ما مضى، طوال سنوات إفتتاني بالفرنسيّة، أنسُبُ إلى اللغة، إلى أيّ لغة، قدرات سحرية، بل حتّى صوفيّة: كنتُ أعتقد أن الأسلوب البديع هو غاية الكتابة الرئيسة، وأنّ موسيقى الكلمات تفوق المعنى أهميّةً. لكن بعدما ابتعدت عن الفرنسيّة باتت نظرتي إلى هذه المسألة أكثر عمليّة، فصرت أرى اللغة مجرد أداة للتعبير عمّا أريد قَوْله.

لا أزال أرغب في الهروب مِن الدنيا، مِن جسدي ومِن ذاتي، لكنني أصبحت مُدركاً أن الكتابة ليست الوسيلة لذلك. بل هي، على العكس تماماً، وسيلةٌ لمقاومة ذلك، مُحاولةٌ – غالباً ما يكون مصيرها الفشل – لنزع ستار الوهم عن الذات والعالم. والستار هذا، في حالتي، كان الفرنسية، هذه اللغة التي حجبْتُ بها حياتي عن نفسي. لكنني بها اكتشفْتُ الأدب، وتعلّمتُ الكتابة، فجعلتني أوقِنُ أن ما كتبتُه كان يوسِّع الشرخ بيني وبين الحياة، حياتي. الفرنسيّة هي التي دفعتني إلى هجرانها، وهي التي حملتني أخيراً على اعتماد العربية.

لقد هجرتها ورحلْت. لكنني لم أخسرها بالكامل. حملتُ معي شيئاً منها. موسيقاها التي عَشِقْتُ. موسيقى خافتة بلا كلمات ترافق اليوم جملي العربيّة كلّها. جملٌ ستحمل دوماً أثر الترجمة، حتّى لو لم يَلْحَظْه أحدٌ سواي.
عن المدن

تجربة الألم للأنثروبولوجيّ الفرنسيّ دافيد لوبروطون

2:23:00 م اضف تعليق

المهدي مستقيم*

تكتسي أبحاث العالِم الأنثروبولوجيّ الفرنسيّ دافيد لوبروطون، أهمّية خاصّة، ضمن حقل العلوم الاجتماعيّة المُعاصِرة، وذلك بالنظر إلى جِدّة القضايا التي يشتغل عليها وعُمقها، وتفرُّد مُقاربته لها، حيث عُرِف باهتمامه بمجالاتٍ هامشيّة، لا ينتبه إليها علماء الأنثروبولوجيا وعُلماء الاجتماع إلّا في ما ندر، ونخصّ بالذكر منها لا الحصر بحثه الموسوم بـ "تجربة الألم"، الصادرة ترجمته العربيّة حديثاً، عن دار توبقال للنشر والتوزيع/المغرب(2018)، بقلم الباحث والمُترجِم المغربيّ فريد الزاهي.


يبسط الأستاذ فريد الزاهي في الكلمة التي خصّها لهذه الترجمة، مجموع الدوافع التي جعلته ينكبّ على نقْل هذا الكِتاب إلى اللّغة العربيّة، مركّزاً على سعيه الحثيث إلى الإسهام في تبديد الشحّ والهزالة التي تحيط باستقبال النصوص الكبرى، التي تهمّ الجسد واليومي على مستوى حقل العلوم الاجتماعيّة؛ ففي  العالَم العربي، لا تولي هذه العلوم " أهمّية كبرى للجسد واليومي، مديرة الظهر للظواهر الفرديّة التي يعيشها الإنسان… فالعلوم الاجتماعيّة لا تختصّ فقط بالجمعي وإنّما بالفردي، ولا أدلّ على ذلك من أنّ دوركهايم رائد عِلم الاجتماع، قد خصَّص دراسة مرجعيّة مهمّة عن ظاهرة الانتحار في بدايات القرن الماضي، وهي الظاهرة التي صارت تستشري بين الشباب، من مدّة، في بلدان العالَم العربي من غير أن يتمّ الاهتمام بها وبِعللها وبطبيعة مُمارستها والألم الشخصي والاجتماعي الثاوي وراءها".

يوضح دافيد لوبروطون، أنّ هذا المصنّف هو امتداد لمصنّفات سابقة، حين يؤكّد قائلاً: " الكِتاب امتداد لكِتاب أنتروبولوجيا الألم (1995 ، أعيد طبعه سنة 2004)، الذي ألحَّ بالأخصّ على البُعد الاجتماعي والثقافي للألم. ومنذ الطبعة الأولى لذلك الكِتاب، لم أكتفِ فقط بمُتابعة تلك الأبحاث في سياق المرض أو الحوادث، وإنّما تابعتُ أيضاً الأبحاث الخاصّة بالسلوك ذي المَخاطر لدى الشباب (2002 ،2003، 2007) والرياضة القصوى (2002)، والبودي آرت (فنّ الجسد) والطقوس المُعاصرة لتعليق الجسد (2003). إنّ هذه الأوجه المتعدّدة للألم توسِّع من فهمه بتبيان التنويعات الهائلة للإحساس به". ومن ثمّة على القارئ، إن هو أراد الإمساك بخيوط المعاني والدلالات المتشعّبة، داخل هذا المصنّف، أن يستحضر نتائج هذه الابحاث.

على امتداد مائتي صفحة، يطوف بنا دافيد لوبروطون في رحلة مُمتعة داخل عوالِم الألم، انطلاقاً من أبعاده المادّية، المتمثّلة في المرض أو التعرّض لحادثة، وصولاً إلى أبعاده الرمزيّة المتمثّلة في العذاب النفسي الذي يهدِّد هويّة الفرد، مُستنطقاً بذلك أنواع الألم القسريّة والطوعيّة، وطُرق تملّك الألم وضبطه وترويضه؛ إذ يُعالج تجربة الألم والطريقة التي يُعاش بها ويتمّ الإحساس بها من قبل الأفراد، ويحاول الاقتراب ما أمكن من الشخص ليحقِّق فهماً دقيقاً حول الحياة الفرديّة المَعيشة، وذلك بالاستناد إلى أدوات البحث الأنثروبولوجي.

يسعى لوبروطون إلى الكشف عن مجموع التمفصلات التي تسكن العلاقة القائمة بين الألم Douleur، والعذاب Souffrance، إذ باستثناء الفصل الأوّل المُعنوَن بـ: "لا وجود لألمٍ من غير عذاب"، الذي صوَّر فيه الألم كتجربة تقود إلى العذاب، كالذي يعيشه الشخص أثناء المرض أو مخلّفات الحوادث أو التعذيب، يصرّ  لوبروطون على تصوير الألم كضرورة وجوديّة تتعالى على العذاب لتحصيل اللّذة وتحقيق الذّات، والمتعة، والتفتّح الذاتي، وخصوصاً في فصول الكِتاب الموالية التي جاءت عناوينها كما يلي: "الألم والمعنى"/ "ألمٌ ضروريّ للوجود"/ "الألم والتعذيب"، "تهميش الذات" / "اشتغال الألم"، "الألم المُلتبس: الوضع/الألم ضدّ العذاب". ويرجع ذلك إلى اعتقاد لوبروطون في أطروحة أساسيّة، مفادها أنّ "الألم المطلوب أو المَعيش من خلال السلوك ذي المخاطر أو حزّ الجسم هو من طبيعة مُغايرة للألم المُلِمّ بالمريض مثلاً. فالرياضي المُمارِس للرياضات القصوى أو الرياضي في المُسابقات أو من خلال التدريبات هو امرأة أو رجل يقبل بالألم باعتباره مادّة أوّلية لمنجزاته، فيسعى إلى ترويضه وكبحه، ويعلم أنّه إن لم "يُهاجمه بكلّ قواه" فسيكون ذلك من باب التهوّر. أمّا الشخص الذي يعلِّق نفسه بمعلاق من الحديد في الصدر، فإنّه يسعى إلى النشوة أو إلى عيش تجربة روحانيّة. وفي سجلّ آخر، تبيّن تجربة وضع الحامل لحملها عن لَبس قويّ، بحيث إنّ بعض النساء يعشنها باعتبارها عذاباً لا يُحتمل والأخريات بوصفها إحساساً لا يُنسى لكن لا علاقة لها بالألم. ثمّة أيضاً مَن يبحث عن النشوة الجنسيّة من خلال تمارين متنوّعة للقسوة في المُمارسات السادومازوشيّة. الألم مُتراكِب كالدمى الروسيّة. ما إن نفتح واحدة حتّى تظهر أخرى وهكذا دواليك. بالجملة فأوجه الألم لا حصر لها". غير أنّه لا تفوتنا الإشارة إلى أن نؤكّد رفقةً لوبروطون أنّ هذا البحث بعيد كلّ البعد عن كلّ أنواع التصوّف، إذ بإمكان قائل أن يقول إنّ المرء، رجلاً كان أم امرأة، بإمكانه أن يعرِّض نفسه لمختلف أنواع الحرمان الفظيع وأن يعيش شتّى أنواع الجروح، ليس بما هي عذاب وإنّما بما هي ضرب من ضروب التلذّذ، تبعاً لاعتقادٍ مفاده أنّ هذه المحن قد تقرّبه من الله. قول كهذا لا يدخل ضمن دائرة اهتمام هذا الكِتاب، بيد أنّ لوبروطون قد أفرد لهذا المستوى من النقاش، كتاباً خاصّاً يحمل عنوان: "أنتروبولوجيا الألم"، صدر سنة 2001 .

تنطوي تجربة الألم على خاصّية جوهريّة، تجعله لا يمنح الشهيّة في أيّ شيء، إذ سرعان ما يستأصل الإنسان من فضاء عاداته القديمة، ويدفعه مُكرهاً إلى التملّص والانفلات من ذاته، ليعيش مُغترباً عنها، في ما يشبه الحداد على الذّات، من دون أن يتيح له أدنى إمكانات الالتحاق بها مرّة أخرى. وفي الوقت نفسه، يستأنف العذاب توسيع هذا الانزياح ومطّه، ليشمل الوجود بكامله، ما يجعل العذاب جزءاً من الألم، أو وظيفة للمعنى الذي يكتسيه الألم، إنّه بعبارة أدقّ، العنف الذي يخضع له الإنسان. ومن أجل ذلك فإن "الألم يكون دوماً متضمَّناً في عذاب معيّن، إنّه منذ البدء ألم وعدوان لا يُطاق إلى هذا الحدّ أو ذاك. العذاب هو الصدى الحميم للألم، ومقياسه الذاتي. إنّه هو ما يفعله الفرد بألمه، وهو يشمل مجمل سلوكه ومواقفه، أي استسلامه أو مُقاومته للانصياع لتيّار الألم ومَصادره الجسمانيّة والمعنويّة ليصمد أمام المحنة. العذاب ليس امتداداً لتشوّه عضوي، وإنّما هو نشاط للمعنى لدى الإنسان الذي يتعذّب. وإذا كان الألم زلزالاً حسّياً، فإنّه لا يصيب إلّا بمقدار العذاب الذي يؤدّي إليه، أي المعنى الذي يتّسم به. لنذكّر بهذا الصدد بتعريف بول ريكور، الذي يعتبر أنّ الألم ينطبق على " الأحاسيس التي يتمّ عيشها باعتبارها متموقعة في أعضاءٍ خصوصيّة من الجسد أو في الجسد بكامله، وأنّ العذاب لفظ يحيل على أحاسيس مُنفتحة على الانعكاسيّة واللّغة والعلاقة بالذات والعلاقة بالغَير والعلاقة بالمعنى وبالتساؤل".

الألم إذن، تجربة تعاش، وقوّة لا يتلمّس مفعولها إلّا مَن يحسّ بها، بيد أنّ الألم شأنه شأن المرض أو الموت فدية للبُعد الجسماني للوجود، إنّه حظوة الشرط الإنساني والحيواني ومأساته، وعلى الرّغم من أنّه ضرورة يشترك فيها جميع الناس، إلّا أنّه يظهر دوماً للشخص الذي يعيش تجربته وكأنّه معطى دخيل على ذاته، "هذا الألم لم نكُن نتصوّره قبل أن يصيبنا. ونحن، بعد أن ألمَّ بنا، بالكاد نستطيع تصوّره باعتباره ألماً".

*باحث من المغرب

عيسى مخلوف عن ضياء العزّاوي

9:32:00 ص اضف تعليق
يحضر الفنّان العراقي ضياء العزّاوي في باريس من خلال أعماله المعروضة في "معهد العالم العربي" وفي ‫"متحف بيكاسو‫" حتّى نهاية هذا الشهر، وهي أعمال تنطلق من مجزرة صبرا وشاتيلا التي وقعت في أيلول‫/ سبتمبر ١٩٨٢، أثناء الحرب الأهليّة في لبنان، ومن نصّ كتبه جان جونيه عن تلك المجزرة، وأيضًا من حصار مخيّم تلّ الزعتر وسقوطه. في ما يأتي، مقالي في العدد الأخير من "مجلّة الدراسات الفلسطينيّة".



*
‫ "صبرا – تغنّي نصفها المفقود بين البحر والحرب الأخيرة / لمَ ترحلون/ وتتركون نساءكم في بطن ليل من حديد؟/ لمَ ترحلون/ وتعلّقون مساءكم/ فوق المخيّم والنّشيد"‫.‬‬‬ محمود درويش
*
في جداريّاته ورسومه، وفي أعمال الحفر والطباعة الحجريّة التي تصوِّر المجزرة، يعلن ضياء العزّاوي حنانه الإنساني، ويُطلق صرخة مدوّية‫ ضدّ الجريمة. يطغى اللون الأسود وتدرُّجاته على هذه الأعمال كأنّها جريدة حائط تتألّف حروفها من الأعضاء المتلاشية المفكّكة التي سحلتها آلة القتل. الحمامة البيضاء هي الكائن الحيّ الوحيد في هذه الأرض الخراب، أمّا وجوه البشر المطعونة في الصميم فلا تحضر إلاّ لتأكيد موتها وغيابها.‬‬‬
يستلهم ضياء العزّاوي أعماله التي تعبّر عن المجزرة من لوحة « غيرنيكا » التي أنجزها بيكاسو عام ١٩٣٧ خلال الحرب الإسبانية ردًّا على قصف مدينة غيرنيكا الذي أودى بحياة المئات من المدنيين. لوحة تنطلق من التاريخ الآنيّ لتذهب أبعد منه‫، ومن مدينة صغيرة منكوبة لتعبِّر عن أهوال الوحشيّة وعن الوجع الإنساني بصورة عامّة. يروي متحف بيكاسو في معرضه تاريخ لوحة غيرنيكا والمسار الذي مرّت به من خلال الأعمال التحضيريّة التي يمثّل كلّ منها عملًا فنّيًّا قائمًا بذاته. عناصرها وشخوصها: الثور، والحصان، والجنديّ الميت، والطفل القتيل، والنساء الباكيات التي تتّخذ عيونهنّ شكل الدموع...
يخصّص المعرض كذلك حيّزاً للأعمال التي استوحت من لوحة بيكاسو، وهي لفنّانين من مختلف الجنسيّات، ومن بينهم العزّاوي (تدير أعماله في العاصمة الفرنسيّة غاليري كلود لومان‫) وجاكسون بولوك وروبير لانغو‫…‬‬‬ يقول العزّاوي: "تشكّل غيرنيكا مُنعَطَفًا في فنّي وفي تاريخ الفنّ ككلّ. لقد نجح بيكاسو في ابتكار رموز بسيطة ومعبِّرة، تاريخيّة وكونيّة على السواء، صاغها بأسلوب يتلاءم والقيم الإنسانية والأخلاقية الرافضة لاستعمال العنف ضدّ المدنيين، والذي لا يمكن تَسويغه من ق طرف أيّ إيديولوجيا وأيّ نظام سياسي".‬‬‬‬‬‬
كثيرة هي المصادر التي استوحى منها بيكاسو لوحته، ومنها بالأخصّ محفورات فرانثيسكو دي غويا وعنوانها ‫« كوارث الحرب‫ » ولوحات لبيار بول روبنز ونيكولا بوسان‫.‬‬‬ غويا حاضر بقوّة في أعمال بيكاسو، ولوحة « مجزرة في كوريا » التي أنجزها هذا الأخير عام ١٩٥١ هي صيغة أخرى للوحة غويا، « الثالث من مايو » (١٨١٤)، وتمثّل مسلّحين يطلقون الرصاص على المقاتلين الإسبان الذين ألقي القبض عليهم خلال المعارك‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لوحة غويا التي تمثّل أيضاً محطّة بارزة في تاريخ الفنّ الغربي بموضوعها وبأسلوبها - كانت مصدرًا لأعمال فنية كثيرة منذ القرن التاسع عشر، ومنها لوحة بعنوان « إعدام مكسيميليان » (١٨٦٩) لإدوار مانيه‫.‬‬‬
لوحة "الثالث من مايو"‫ ولوحة ‫« غيرنيكا‫ » تنتصران للسّلام ضدّ البربريّة، وللعدالة والحقّ ضدّ الظلم والطغيان. ألم يقل بيكاسو نفسه: « لا، الفنّ ليس من أجل تزيين المنازل: إنّه إحدى وسائل الحرب الهجومية الدفاعية ضدّ العدوّ‫ ».‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
في هذا السياق، رسم ضياء العزّاوي أعماله « الملتزمة »، من دون أن تسقط اللوحة في خطاب الالتزام وشعاراته. أمّا الالتزام في هذه الأعمال فهو التزام فنّي بقدر ما هو التزام إنساني وسياسي، وهو تعبير عن رفض الصراعات الدمويّة أينما تكن. وإذا كان العزّاوي استوحى من تصوُّر بيكاسو العامّ للوحة ‫« غيرنيكا‫ »، فإنّ عمله يأتي أيضًا في سياق تجربته الخاصّة، أسلوبًا ومفردات وبُنيَة فنّيّة، فضلًا عن علاقته بالشعر. فالوجوه التي رسمها، وهي أقرب ما تكون إلى أقنعة، تجد جذورها العميقة في الفنّ السومري، وفي تلك العيون الفاغرة، المفتوحة على العدم‫…‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أعمال ضياء العزّاوي المعروضة الآن في باريس ليست فقط تصويرًا لمأساة صبرا وشاتيلا وتلّ الزعتر، بل هي أيضًا إدانة للمأساة الموجودة في العالم، ولا سيّما تلك التي يعيشها العالم العربي الغارق في الحروب، والذي يشهد مجازر يوميّة ودمارًا منظَّمًا يَطُول البشر والحجر‫. من هنا، فإنّ هذه الأعمال تنبش ذاكرة الحرب، الجرح الأعمق للإنسان، وهي حكاية العنف الذي يُلطّخ تاريخ البشر بالدِّماء، زمنًا بعد آخر، وجيلًا بعد جيل (...)‫. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬
*
(تفصيل من لوحة "مجزرة صبرا وشاتيلا" لضياء العزّاوي.
المصدر: "موقع غاليري كلود لومان).

محسن أ. يميّن...عن لوحات داود القرم في كنيسة مار جرجس- إهدن

10:40:00 ص اضف تعليق

بإنتهاء أعمال تدعيم وترميم كنيسة مار جرحس في إهدن التي كتب عنها المؤرّخ المطران يوسف الدبس( 1907-1833) في كتابه: "الجامع المفصَّل في تاريخ الموارنة المؤصَّل" يقول : "هي أحسن الكنائس في لبنان وأفسحها"، أُعيد جثمان بطل لبنان يوسف بك كرم إلى ضريحه الأصلي في الكنيسة، بعدما سُجِّي في كنيسة مار ماما طوال المدّة التي إستغرقتها ورشة الترميم. كما أُعيدت اللوحات الثلاث المزيّنة لمذبحها.
وهي لوحات كان رسمها الفنّان اللبناني الرائد داود القرم على مرحلتين: أولى رسم خلالها لوحة مار جرجس، عام 1884، وثانية أكمل خلالها معروفه الفنّي برسم لوحَتيْ مار يوسف والسيّدة العذراء حاملين إبنهما الطفل يسوع، عام 1895.
وكان القرم قد أنجز لوحة مار جرجس بعد الفراغ من أعمال بناء الكنيسة التي إستهلّت عام 1859، وتقطّعت مرّات عدّة بسبب المذابح في لبنان، ثمّ بسبب حروب كرم وداود باشا، قبل ان تستكمل عام 1870، وتمتدّ على عشر سنوات لغاية 1880، بإشراف وكيل أوقاف إهدن حبيب بك كرم.
ومن لم يكن يعرف أن رسمه لمار جرجس على حصانه الأبيض، وفي يده الرمح يطعن به صدر التنّين قد أتمّه عام 1884 من أسفل اللوحة لتعذّر قراءة ما يذّيلها فضلاً عن التوقيع،بسبب علّوها عن أرض الكنيسة، ربّما كانت فرصة المعرفة قد أتيحت له من طريق إطلاعه على ما جاء في كتاب " حياة ومراسلات المطران يوسف فريفر، مطران اللاذقية شرفاً، كرسيّه مدرسة مار يوحنا مارون-كفرحي، البترون الذي صدر عام 2005، مفتتحاً سلسلة "شخصيات في تاريخ لبنان " (1)، بقلمي الدكتورين ميشال أبي فاضل وجان نخّول. وقد تضمنّت الرسالة المحفوظة في أرشيف دير مدرسة مار يوحنا مارون في كفرحي ( أوراق المطران فريفر،الوثيقة رقم 43). معلومات عن عمل القرم، كانت حتى صدور الكتاب المومأ إليه مجهولة تماماً من قبل المهتمّين . وقد جاء فيها:
"قدس الاب الجليل والفائق الإحترام أدام الله تعالى برّه
غبّ لثم أناملكم بكل توقير وإحترام وإلتماس درر بركتكم ودعاكم الصالحة نعرض بأشرف آن حظونا بأسطركم العزيزة وسرّنا جدّاً بشاير راحتكم حسب أمركم واصل صحبة ناقله الجمال مرسلكم أناني بيره عدد ه من جنس العال بعداً نخبركم عن سعرها ثم وجودنا كان في بيروت لحدّ الآن بهذا الشوب المهول لأجل تميم صورة ماري جرجس إهدن التي تمت بقوت الله وحسن أنظاركم بغاية الإتقان وركبنا لها بروازها وهي حاضرة تحت أمركم وإنشالله نهار الأحد نتوجّه إلى نواحي الشام بعلبك نظن يلزم ثمانية رجال لأجل قيام صورة ماري جرجس لإهدن نظراً لكبرها وعرض بروازها هذا ونؤمل إتحافنا دايماً ببشاير أنشراحكم ومن يلزم خدم مكررين لثم أناملكم مع طلب البركة وأطال الله بقاكم".


التوقيع 
داود القرم مصوّر 
هذه الرسالة إن دلّت على شيء، فعلى أن المطران فريفر هو الذي عهد إلى الفنّان القرم برسم اللوحة، بتكليف من خليل بك كرم نيابةً عن أوقاف إهدن، لأن مطرانية إهدن كانت قد ترمّلت منذ 1844. أمّا لوحتا السيّدة العذراء ومار يوسف فقد أنجزهما القرم بعد 11 عاماً من تعليقه للوحة مار جرجس في الكنيسة، أي عام 1895، بوكالة خليل بك كرم، نجل حبيب بك كرم، على ما تظهره الكتابة في أسفلهما وهي معلومة كان قُدّر لها أن تبقى مطويّة لو لم تنزل اللوحتين المذكورتين طوال ورشة الترميم، وتعادان من ثم، الى المكانين اللذين كانا يحتلّانهما حول مذبح الكنيسة. وتلتقطهما العدسات.مبدّدة بما سجلته الجهل العام للتاريخ الفعلي للوحتين مار يوسف ومريم العذراء. لسريان الظن طويلاً وخطأً بأن اللوحات الثلاث قد أبصرت النور في عام واحد. بينما الرسوم الجداريّة المزيّنة لكنيسة مار جرجس ككل، بما فيها رسم بطل لبنان الذي يعلو ضريحه،فهي تحمل توقيع الفنّان الإيطالي دونتامارو .

صور الكنيسة لسليم بريص فرنجيّة

زين الدين زيدان... أسرار نطحة لم تنته

11:38:00 ص اضف تعليق

محمد الحجيري (الجريدة)
22-04-2012 | 

منذ وجَّه لاعب كرة القدم الفرنسي من أصول جزائرية زين الدين زيدان نطحته الشهيرة إلى صدر لاعب المنتخب الإيطالي ماركو ماتيراتزي، والتي تلقى على إثرها بطاقة حمراء في نهائي مسابقة كأس العالم 2006، ما زال سر النطحة عالقاً كأنها باتت أسطورة للقيل والقال، أو ميديا لتأليف الكثير من الكتب، آخرها كتاب لزوجته بعنوان «زيدان حياة سرية».

قيل الكثير عن سر «النطحة الزيدانية»، كأن في براثينها ما يمكن تسميته صراع الهويات أو صدام الحضارات والثقافات والأخلاقيات. اليوم، تأتي زوجة زين الدين زيدان الإسبانية فيرونيكا فرنانديز لتقول جديداً في سياق سر النطحة، وتكشف في الطبعة الثانية من كتابها «زيدان حياة سرية» عن حدوث شجار بينها وبين زوجها قبل يوم من مباراة نهائي كأس العالم لكرة القدم 2006 في عاصمة ألمانيا برلين، والذي جمع المنتخب الفرنسي بنظيره الإيطالي، ما جعل النجم الفرنسي يدخل المباراة في حالة نفسية سيئة جداً أثرت سلباً على أدائه ودفعته إلى الاشتباك مع مدافع إيطاليا. فيرونيكا، التي احتفظت بهذا السر حوالى ست سنوات، أشارت إلى أن زوجها بدا عصبياً ومتوتراً للغاية، بينما كانت الأمور لا تمضي على خير بالنسبة إلى المنتخب الفرنسي، ذلك بعدما أضاع زيدان فرصة ذهبية لتسجيل هدف الفوز، ما زاد من توتره وجعله يضرب ماتيراتزي برأسه بعدما أهانه.

بعد بوح فيرونيكا بسرها، سارع بعض غلاة الإنترنت إلى القول إن «كيدهن لعظيم» (أي النساء). أضيفت هذه العبارة الذكورية الشرقية إلى مجمل التفسيرات والتأويلات التي ألصقت بنطحة لم تجل تفاصيل أسرارها حتى اللحظة. فباتت مثل الرموز القديمة، كل فريق يفسرها بحسب المرجع الذي ينطلق منه، أو يوظفها في سياق فكرة يريد إيصالها.

في الواقع، إذا كانت زوجة زيدان تبوح بسر فهي كأنها تفتعل خبرية لتبيع كتابها عن زيدان النجم، فلا أحد يمكنه تصديق أو تكذيب ما تقوله عن حياتها الخاصة مع زوجها بين أربعة جدران. ربما الوحيد الذي يمكنه أن يؤكد أو ينفي أقوالها هو زيدان نفسه، وحتى الآن لم يصدر عنه أي تصريح في هذا السياق، وهو كان ذكر بعد مدة من حادثة النطحة أن سببها توجيه الشتائم إلى أخته وأمه.

في مديح المآثر السيئة

حظيت نطحة زيدان باهتمام فلسفي وأدبي وفني، فكتب أستاذ الفلسفة أوليفيه بوريول قبل سنوات أن أداء لاعبي كرة القدم قد يكون مدار بحث وتفكير فلسفيين. وثمة ست حوادث كروية ذائعة الصيت في أوساط هواة كرة القدم وغيرهم، يتناولها كتابه «في مديح المآثر السيئة». النماذج هذه موضوعها حركة أو سكنة ارتكبها لاعب معروف، وما كان ينبغي له أن يرتكبها. ثمة صلة بين الحوادث هذه وبين الفكر اليوناني وفلسفة سارتر وسبينوزا وأخلاق كانط، وقد تحصى في النماذج هذه نطحة زين الدين زيدان، ويد مارادونا، ويد تييري هنري، وركلة إيريك، وتهليل بلاتيني على رغم وفاة 39 شخصاً في ملعب هايزل. وأضاف بوريول أن نطحة رأس زيدان ليست حركة غير متعمدة أفلتت من صاحبها في لحظة غضب، بل هي بادرة مجنونة أداها صاحبها ببراعة مهندس لامع، ذلك أن زيدان لم يوجه النطحة إلى رأس ماتيرازي، بل إلى قلبه، بؤرة الشجاعة والغضب. وهي ضربة من الرأس الذي تعتمل فيه حسابات باردة وعقلانية إلى الصدر العامر برغبات متنازعة ومشبوبة. وتعتبر نطحة زيدان ويد مارادونا من الحوادث الأشهر في تاريخ كرة القدم، وهما أضفيتا بعداً أسطورياً على اللاعبين، بل بعداً تراجيدياً في حياتهما.

أما الكتاب الأشهر عن نطحة زيدان فكان للمؤلفة آن ديلبي بعنوان «الدقيقة 107»، صدر عام 2007 وحظي باهتمام النقاد. ديلبي مخرجة مسرحية أولت اهتمامها منذ سنوات للكتابة، خصوصاً عن التراجيديا في الفكر الإنساني. الدقيقة 107 المعنيّة في عنوان هذا الكتاب هي تلك التي شهدتها المباراة النهائية لبطولة كأس العالم عام 2006. في تلك الدقيقة «حدث ما لم يكن ممكناً التفكير به» عندما وجّه زين الدين زيدان ضربة رأسه إلى اللاعب ماتيرازي.

لم تلجأ ديلبي إلى كشف الأسرار كما فعلت زوجة زيدان، ولم تفتعل قضية لتجذب أكبر عدد من القراء، فهي كأنها تشخِّص تراجيديا إنسانية حصلت أمامها في تلك الدقيقة الصاخبة بالمعاني والتأويلات، فالكاتبة التي لم تكن تعرف حسب اعترافها من أسماء الفريق الوطني الفرنسي إلا زيدان النجم البارز، لم تتردد في التأكيد أنها كانت تتمشى في الشوارع عندما كانت أنظار الملايين معلّقة على شاشات التلفزة لمشاهدة المباراة النهائية بانتظار اللحظة الحاسمة.

هنا شبّهت المؤلفة ملعب كرة القدم بمسرح جديد يعرف كيف يلهب مشاعر الجموع الهائلة. هذا هو الدور الذي كان المسرح يؤديه تحديداً عند اليونانيين القدماء، كان وقت المباراة النظامي، 90 دقيقة، قد انتهى. لم تكن هناك أية ضجة صادرة عن فرح أو عن يأس، وبحركة شبه آلية شغَّلت التلفزيون وكانت صورة زيدان وخلفه أحد لاعبي الفريق الخصم. من هنا، تبدأ المسرحية التراجيدية من اللحظة التراجيدية، بدأت المؤلفة في تدوين مؤلفها الذي يشبه الرواية أو الفيلم السينمائي، نطحة زيدان فجَّرت معها مجموعة كبيرة من التحليلات، خصوصاً أن هذا النجم كان الأول في فرنسا وهو من أصول جزائرية عربية في مرحلة كان اليمين الفرنسي ينظر إلى المهاجرين بعين الريبة، وفي مرحلة أيضاً كانت الولايات المتحدة الأميركية مندفعة بقوة في حربها ضد الإرهاب. بناء على هذا، أصبح للنطحة بعد آخر في تأويلات المفكرين والكتاب المعروفين.

وجدت المؤلفة في النطحة فرصة لتقديم كتاب في سياق إصداراتها (من بينها «ابتسامة سارة برنار»)، يتحدث عن النطحة من مختلف أبعادها الغرائزية والتراجيدية والإنسانية، وهي رأت في لحظة النطحة كأن زيدان يطير نحو فضاءات أخرى: «لم يكن يلامس الأرض حقيقة وحلمت عندها بصورة أخرى، صورة خطوات أرمسترونغ الأولى على سطح القمر»، كما تقول.

تذكر المؤلفة أنه عندما شتمه الخصم الإيطالي، تسمَّر زيدان في مكانه و{كأن الخصم قد طعنه بخنجر بين كتفيه». قال زيدان عن خصمه: «لقد تفوّه بكلمات شديدة القسوة وكررها وقد أصابتني في صميمي». كلمات جعلت الكيل يطفح، تتابع الكاتبة: «كانت صورة الأم التي يراها بكثير من القداسة مثل القدماء، وعند الدقيقة 8,107 انتهى زمن التردد، كانت لحظة الحقيقة ولم يهرب من ذلك الموعد والمواجهة مع نفسه (...). كان على أهبة أن يسجل الهدف الأخير في حياته الكروية...». فضلاً عن ذلك، تحولت نطحة زيدان إلى عمل فني في ولاية نيويورك الأميركية بعنوان «من يخاف من الذئب الكبير السيئ».

شعر الجاز

2:02:00 ص اضف تعليق
ترجمة:عباس الحسيني
يعد شعر الجاز نمطاً أدبيا مستقلا، ويعرف علي انه شعر يكتب بنمطية انثيالات الأفكار في روح موسيقى الجاز، وهو شعر تكشف عنه موسيقي الجــاز ايضا. وجوهر هذا الجنس الأدبي، انه شعر يستجيب ويكتب حول حيثيات واتجاهات فن الجاز وكما يبدو فانه يحتمل الارتجال والتنويع في الإيقاعات والأوزان مع الاحتفاظ بنسق الجرس الداخلي، ووحدة الموضوع. وهو شعر يكتب بامضاءات متعددة، ويتمييز بتنوع الاشكال ومع ان تعدد الاجراس الوزنية، يخلق نوعا من الارتباك حين الاصغاء اليه، لكنه شعر فيه العديد من الاصوات والاتجاهات وتمثل ولادة موسيقي البلوز والجاز البداية لهذا الجنس الادبي، في القرن العشرين حصراً.

المتتبعون لهذا الشعر ينظرون له، على انه يمثل الخيط المنبث والمرتبط بحي هارلم الأميركي الشهير بالفقر والابداع من سكنته من الزنوج في مانهاتن، في ولاية نيويورك، ومع الظهور المدوي لفن موسيقي الجاز وأدب وفن الرجل الاسود، وما يعرف ادبياً بحركة الفنون السوداء، وهي الحركــة الدؤوبة والنشيطة الى يومنا هذا. ومنذ الظهور الاول لموسيقي الجاز والبلوز حتي الموسيقي التجريبية، والجدير بالذكر ان سلالم موسيقى الجاز تتميز بالتغير الحر والمستمر مع التداخل اللحني، ومحطات الاستعراض الفردي الحر لمهارات العازفين، والذين يتميزون بقدرتهم على الارتجال وخصوبة ذاكرتهم الموسيقية لتدوين وتجسيد الثقافة وأنماط التفكير موسيقيا، هذا مع الوقفات المتأنية التي تذكر بمداخل الطبقات الصوتية وعذوبة انتقاء الاَلات المجسدة لكل نغم ولون موسيقي ويعتمد شعراء الجاز علي هذه المكونات من الاجناس الفنية كملهم شعري لهم، في اقتناص نصوصهم. انها ليست الموسيقي فحسب، بل يشمل هذا التمظهر الفنانين انفسهم، فهم من يعيد تكرار الالظهور الفني، علي مسارح الابداع في شعر الجاز، والشعر الغنائي المعاصر، ومن اهم شعراء هذا المسار الادبي: لويــس آرمسترونـــغ وجون كولتريـــن وديـــزي كلسبي ومايلز دايفـــز وبيلي هوليداي وجارلس مينغيز وثيلونيوس جارلي باركر وسوني رولينز وبيسي سميث وليستر يونغ. والشعراء المتقدمون يمثلن النخبة من شعراء الجاز.

لكن الكتابة عن شعر الجاز بحد ذاتها كما يصفون هم ذلك، اشبه بالرقص حول بنية المعنى. وربما يتسني لنا فهم ذلك المنظر من ثراءة نماذج من شعر الجاز المتقدم الوصف، حيث نقرا للشاعر لانغستون هاغس قصيدته المعنونه "البلوز القلق" ومنها هذا المقطع:
انه لحن مدغمٌ، ناعــسٌ ومتكاسلْ
لحن يتهادي جيئا وذهابا... لدندنة فتي يافع
لقد سمعت زنجيــا وهو يصدحُ به...
ليلاً في شارع لينوكس،
حيث الضياء الغازي الهرم
والشاحب
والاكثر ضرا
اذا يخلف هو الآخر ...
أثــراً كسولا
في نبرة جــــاز منهك وقلق
ونقرأ للشاعرة: جايـــــن كورتــــيز
لقد تقاطعت افكاري مع افكار راهب مـــا
فصرخت بالبراعم...
واحصيت النجوم مع ستيتي
وكنت أردد أغنية: "ساره"
وهي تشدو: " لا تلمـْــــني"
- حيث وضعت زهرة ، كما يفعل " بيلي "
ورحت أصرخ في مدارات مدينة " دينا "
متداركا خيال إيــــلا فيتزديرالد:"
كم عال كم هو القمر".
وكما تعالت مدوية نفحات موسيقي جاز
تندب محباً
وهي تخترق سقف قاعة المزار...
ومن شعراء الجاز الجديرين بالذكر ايضا: أميــري باركاك ومارفين بيل وستيرليين براون وهايدن كاروث وجاين كورتيز ومايكل س. هاربـــر ولانكستون هوكز وجاك كيوراك ويوسف كومونياكا ومينا لوي وكينيث ريكسروث وسونيا ساشيز.

في إبـــريل من عام 2002 أعلن المتحف الاميركي للتأريخ، تخصيص شهر كامل، لفن الجـــاز، وذلك لإعادة التذكير بالارث الفني والأدبي المتفـــردين لتاريخ الجاز وأهميته، حيث قدم - شعر الجاز - علي انه الحدث الاكثر اهمية، ضمن نشاط المتحف الوطني الاميركي، وعلي انه شهر مخصص للشعر الوطني.

عن أيلاف

العظام والرميم

أيّام محمّد الأخيرة: قراءة نقديّة في كتاب هالة الوردي

سعاد حسني في بيروت

عشرة أيام هزت العالم

«ثورتان طفيليتان» كرديّة و «داعشية» صادرتا الانتفاضة الشعبيّة «السورية»

تأريخ الثورة البولشفية تتنازعه ثلاثة تيارات أو مذاهب: السوفياتي والليبرالي والمراجع