Ad 728x90

الأحد، 19 أغسطس 2018

هيغل.. الفاتن الصّعب

هيغل.. الفاتن الصّعب


نص جان مونتينو

ترجمة: حسونة المصباحي
هيغل يفتن، ويُزْعج في نفس الوقت. وفكره التّجريدي عادة ما يُقَلّص إلى بعض الصّيغ التي تُكرّر بحسب الرّغبات مثل هذه: «كلّ ما واقعيّ، هو عقلانيّ». وهذه أيضا: «ليس هناك شيء عظيم لا يتمّ من دون شغف، وَوَجْد». وهذه الثالثة: «الشّعوب السّعيدة لا تاريخ لها». كما يمكن أن تُخْتصر فلسفته إلى بعض النصوص البارعة الأسلوب مثل: «ديالكتيك السيّد والعبد» الذي كان بمثابة «جسر الحمير» الحقيقيّ للأنتلّيجنسيا الفرنسيّة منذ أن جعل منه ألكسندر كوجيف في الثلاثينيات من القرن الماضي، نموذجا للفكر الهيغلي، أو شكلا من أشكال التّوقّع الإقطاعيّ للصّراع الطبقيّ. كما تمّ اختصار جدله الشهير إلى تأكيد الشيء ونقيضه في نفس الوقت، أي إلى «قضيّة - نقيض القضيّة - التّحصيلة».

أن لا نكترث بمثل هذه المصطلحات العامّة، لا يكفي لكي نرفع الشكّ الذي يضغط على الفكر الهيغلي، والذي كان غوته الذي كان يعتزّ بـ (عزيزه هيغل) يشكّله على النّحو التّالي: «نحن نستعين به إذا نحن لم نقم فقط باستعمال مثل هذه الفنون غالب الأحيان، ومثل هذه البراعات الفكريّة لكي نجعل من الخطأ صوابا، ومن الصّواب خطأ». ولكن هل كان هيغل فيلسوف الغموض، ومفكّر التّجديد، والمبهم، والبعيد عن الواقع؟

علينا أن نفتح أيّ مؤلّف من مؤلّفاته التي صدرت عندما كان لا يزال على قيد الحياة، والتي كانت قليلة على أيّة حال، مثل «فينومينولوجيا الرّوح»، و«علم المنطق ومبادئ فلسفة القانون»، وسوف يكون من الصّعب علينا ألاّ نجعل هيغل من المفكّرين المُحَيّرين، والغريبين عن الإدراك السّليم الذي يكون القطّ قطّا بالنسبة له.

هيغل الإنسان
لنبدأ بهيغل الإنسان. كانت حياته حياة أستاذ جامعيّ ارتقى جميع الدرجات. وهو ابن موظّف صغير من مقاطعة «فورتنبارغ». وبعد حصوله على منحة دراسيّة، انتسب إلى معهد اللّاهوت في مدينة «توبنغن»، وهو معهد مختصّ في تكوين رجال دين بروتستنتييّن، طيّعين، ليصبح في النهاية أستاذ كرسيّ في جامعة برلين المرموقة، وذلك عام 1818. وفي 1829، أصبح عميدا للجامعة. غير أن هذه المسيرة لم تكن سهلة، وسريعة. فقد كان على هيغل أن ينتظر بلوغه سنّ الأربعين لكي يحصل على شيء ممّا كان يبتغيه من مجد، وشهرة. فاللّهجة التي كان يتكلّم بها، وهي لهجة منطقة «الشواب» الواقعة جنوب غربيّ ألمانيا، وفكره الصّعب، والعسير على الفهم، المغلّف أحيانا بهالة لاهوتيّة، لم يسمحا له بصعود سهل، ومريح. إلى جانب هذا، وبسبب حذره الشّديد، كان يبدو مشكوكا في أمره بالنسبة للمحافظين، والتّقدّميين في نفس الوقت.

وكانت مقتضيات الحياة قد قادت هيغل إلى امتهان وظائف متواضعة كمربّ لدى العائلات الغنيّة في كلّ من «بارن»، و«فرانكفورت». بعدها تمكّن من أن يصبح أستاذا مساعدا للفلسفة في جامعة «إيينا». وفي تلك الفترة، عاش حياة البورجوازيّ، لكن من دون ترف. وكان عليه أن يعمل صحافيّا في «بامبارغ»، ثمّ مديرا لمعهد «نورمبارغ» بعد أن تمّ غلق جامعة«إيينا» بسبب الحرب. وخلال السّنوات التي أمضاها في «نورمبارغ»، انشغل بكتابة مؤلّفه المرموق «علم المنطق»، وتزوّج من ماري فون توشير. وبعد الأربعين عرف المجد، والشّهرة خصوصا بعد أن عيّن أستاذا للفلسفة في جامعة «هايدلبارغ» (1816)، ثمّ في جامعة برلين (1818)، حيث أصبح فيلسوفا رسميّا للمملكة البروسيّة. لذلك يمكن القول إن هيغل ظلّ لوقت طويل «يجذب الشّيطان من ذيله» كما يقال. باختصار يمكن القول إن حياة صاحب «فينومينولوجيا الرّوح» كانت بعيدة عن ما نسمّيه «التّاريخ الكبير» على مستوى الظّاهر على الأقل. ومن الجانب الدّقيق، والمحض للسّيرة الذّاتيّة، كانت حياة هيغل حياة رجل يطمح إلى أن يصبح موظّفا، وأن يتزوّج، وأن يحصل على الاستقرار الضّروريّ للتّطوّر الفكريّ.

المفاهيم الهيغليّة
للمفارقة يمكن القول إنّ فكر هذا الرجل، أي هيغل، الباحث عن الاستقرار، وعن التقدير بحسب المفاهيم البورجوازيّة، يتمثّل لنا كمحاولة للمسك بالواقع، وتحليله في حركيّته، وفي التّناقضات المتّصلة به. وإذا ما كان الواقع «هذه المفْسَقَة التي لا يكون فيها عضو واحد ليس منتشيا»، هو أساسا صيرورة، وحركة، ونزاع، وتمزّق، فكيف لنا أن نمسك به في إطار اللّغة العامّة التي تتميّز بثبات بمعانيها. وإذا ما كانت اللّغة، مثل المنطق الكلاسيكيّ في إطار آخر، تنزع إلى «تجميد»، و«تثبيت» الواقع، فإنه يتعيّن علينا أن نعيد للّغة سيولتها حتّى تتمكّن من أن تعبّر بشكل أفضل عن حاجتها. لذلك علينا أن نتعامل بكلّ حذر مع القاموس الهيغليّ، إذ أن جميع المفاهيم الكلاسيكيّة التي يستعملها مثل (الوجود، العدم، العقل، المطلق، الماهية، الموضوع، المفهوم، الرّوح، الإدراك، الوعي...) لا يمكن أن نأخذها في معانيها التقليديّة، وإنّما أيضا في معانيها «النظريّة»، أي وكأنّها تسميات تحيل إلى سيرورات في حالة حركة مرتبطة ببعضها البعض. مثلا، كلّ واحد منّا يعرف أن الوجود يتعارض مع العدم. غير أن هيغل يضيف بأن هذا التّعارض لا يمكننا أن نأخذه فقط كتعارض خارجيّ، ذلك أن الوجود، والعدم ليسا كلبيْ مرمر يواجه كلّ واحد منهما الاخر. إنّ الحقيقة «النّظريّة» للوجود والعدم، هي علاقتهما، وبمعنى آخر هي مرور كلّ واحد منهما نحو الآخر. أن تأخذ الوجود، والعدم في مفهومهما النّظري، هذا يعني أنّه يتحتّم علينا أن ندرك كيف يتولّد انطلاقا من تعارضهما مع المقولة الثالثة للصّيرورة، وبمعنى آخر المرور من العدم إلى الوجود - التّجلّي والظّهور، ومن الوجود إلى العدم - الزّوال والغياب، وهي كلّها لحظات «نظريّة» للانتشار العقلاني للمعارضة الأوّليّة. إنّ الوجود ليس فقط هويّته لذاته في تعارضه الجامد للعدم، وإنّما هو حركة تجاوز لذاته من خلال استبطان ما يتعارض معه. وهذا ما يدوّخ العقل! غير أنّ ما هو حقيقيّ بالنسبة للوجود، وبالنسبة للعدم، هو أيضا حقيقيّ بالنسبة للحقائق الأكثر موضوعيّة. وبحسب المفاهيم الهيغليّة، فإنّ الزّهرة ليست فقط زهرة، وإنّما هي كذلك بحسب وجودها، نقض، وتفنيد للبرعم الذي جاءت منه، والذي لا بدّ ان يختفي فيها. ولكن يمكن أن يتمّ تجاوز الزّهرة، وأن تكتمل بالثّمرة التي ترمي بها إلى العدم. إنّ مجموع هذه اللّحظات التي يجمعها العقل، ويمسك بها من جديد هو أيضا حقيقة كلّ واحدة منها في هويّتها، وفي تناقضها: حقيقة الزّهرة في برعمها، وحقيقة الزّهرة في ذروة تفتّحها، وحقيقة الزّهرة في ذبولها، والتي لم يتبقّ لها غير أن تختفي لتترك مكانها للثّمرة. وكلّ هذه لحظات متعارضة، وضروريّة للضّرورة العضويّة التي تتحكّم في النّبتة. وما هو حقيقيّ بالنسبّة للزّهور، هو أيضا حقيقيّ على مستوى آخر، وبطريقة أخرى بالنسبة لإنتاجات العقل، والثقافة (الفن، الدّين، الفلسفة، وأيضا القانون، والنّظم السياسيّة، والحركة العامّة للتّاريخ الإنساني).

إن المفاهيم الأكثر ألفة بالنسبة لنا مثل المفاهيم الأشدّ عموميّة، والتي بالأحرى قام هيغل بابتكارها، وصنعها لتصوير هذه الصّيرورة المتعلّقة بظهور، وتجلّي الحقيقة (مثل تلك المتّصلة بالاستلاب، والسّلبيّة، والاضطلاع لا تأخذ إذن معنى إلاّ نسبيّا مع الجملة في حركتها، والتي يتحتّم على الفيلسوف أن يفكّر فيها.

جدلية هيغل
ما هو حقيقيّ بالنسبة للمفاهيم التي في حدّ ذاتها ليست سوى كلمات، هو أيضا بالنسبة للشّروح التي هي مقترحات نظريّة. بالنسبة للفلسفة الكلاسيكيّة، عندما نقول (السّماء زرقاء)، نحن ننسب إلى موضوع معيّن ما يستند إليه. فبالنسبة للسّماء هناك (أزرق). لكن عندما نعبّر على هذا النّحو، وبحسب هذه الطريقة، فإننا نتوقّف عند مستوى الإدراك، أي عند مستوى العقل الكلاسيكيّ الذي يفرّ هاربا أمام التّناقض، ويحافظ على الانفصال بين ما لا يمكن أن يُفكّر فيهما معا. بالنسبة لهيغل، لا يعني (الإسناد) أن نضيف إلى الموضوع (مسندا إليه) مثلما نحن نضيف عربة إلى قطار، وإنما يعني الأمر أن نصف هذه الصّيرورة الغريبة التي يصبح من خلالها الموضوع (مسندا إليه)، ويختفي ليحتفظ بنفسه في داخله. وهذا ما يسمّيه هيغل (الحركة الجدليّة للقضيّة). إن تحوّل الموضوع إلى (مسند إليه)، وتجلّي الموضوع في وجهه الآخر، يعبّر عنه هيغل بكلمة ألمانيّة مزدوجة المعنى هي (Aufbehung) التي علينا أن نفهمها كتسام باتّجاه مستوى أعلى، وكإلغاء (مثلما نلغي قانونا). وكان هيغل يدرك صعوبة فلسفته هذه. لذلك كتب عام 1812 لأحد طلبته يقول: «أنا آسف لأن هناك من يشتكي من صعوبة التّحليل، والعرض الذي قمت به. إنّ الفلسفة النظريّة الحقيقيّة لا يمكن أن تلبس لباس فلسفة لوك، والفلسفة الفرنسيّة العادية، ولا أن تستعمل أسلوبيهما. وبالنسبة لغير المطّلعين على أسرارها، فإن هذه الفلسفة لا بدّ أن تتجلّى لهم كما لو ان العالم مقلوب، أو هو متناقض مع كلّ المفاهيم التي تعوّدوا عليها».

تنكّر التاريخ
متجسّدة في التّطوّر التّاريخي، تكون إرادة «الرّجل العظيم» بحسب مفهوم هيغل أكثر واقعيّة، وأكثر فاعليّة من تذبذب، وضعف إرادة الرجال العاديين الذين لا يتردّدون، ولا يتوصّلون إلى معرفة ما يريدون، ويثرثرون إلى ما لا نهاية حول إذا ما كان باستطاعتهم أن يفعلوا لو كانوا الإسكندر، أو قيصر، أو نابليون. في الآن نفسه، وعلى مستوى آخر، لا يمكن أن تتأكّد الإرادة الفرديّة للرجل العظيم، أي أن تثبت نفسها في الواقع إلاّ إذا كانت التعبير الفردي، والملموس لإرادة روح الشعب الذي أنجب الرجل العظيم على الأقّل في فترة حكمه. إن هذا النوع من العلاقة لا يفهم إلاّ على ضوء النظريّة الهيغليّة للتّاريخ. إنّ الفكرة الأوّليّة، والافتراض الأساسيّ للفلسفة الهيغليّة هو أنّ «العقل هو الذي يحكم العالم». لذا فإنّ التطوّر التّاريخيّ الكوني بحسب هيغل، والذي يوحّد شيئا فشيئا التّواريخ الخاصّة للشعوب، والحضارات، له معنى عقلانيّ. وعلى هذا النّحو، فإنّ فلسفة هيغل التاريخيّة هي أيضا فكرة حول العولمة التي تتجلّى بصفة خاصّة في أن تكون السّوق العالميّة - وهذا ما أدركه ماركس، المتممّ لفلسفة هيغل-، والتي لها معنى سياسيّ أوّلا، وقبل كلّ شيء.
يقول هيغل: "التّاريخ الكونيّ هو التطوّر في وعي الحريّة". وبمعان أخرى، هناك تطوّر العقل، وتطوّر الحريّة، وهو يحتفظ في تجلّياته بوعي الناس. لكن، يمكن القول إنّ «العقل الهيغليّ» يتابع مسيرته في التّاريخ متلاعبا بالشعوب، وبعظماء الرجال. إنّ صيرورة التحرّر التّاريخي للبشريّة لا علاقة لها إطلاقا بالمسيرة الواثقة، والخطّيّة للعقل الكلاسيكيّ، عقل «فلسفة الأنوار». فلهذه الصّيرورة لحظات تقهقرها، وسلبيّتها، مثلما يقول هيغل، أي الحروب، والانفعالات الإنسانيّة، والعنف، وكلّ ما يعطي للتّاريخ مظهرا مخيفا، ومنفّّرا لفوضى عارمة، ولنسيج من التّفكّكات. إنّ التّاريخ الواقعيّ للناس هو ما أكّده شكسبير على لسان ماكبث حين قال واصفا الحياة بأنها "حكاية يرويها معتوه، مليئة بالصّخب، والعنف، ولا تعني شيئا". وهذا التّاريخ لا يتّبع إذن نظاما غالبا ما يكون معناه مخفيّا عن صانعيه (الشعوب، الرجال، العظام) الذين يحتلّون الصّفّ الأوّل في مسرح التّاريخ الكونيّ. وهذا التّنكّر هو الذي يسمّيه هيغل بـ "حيلة التّاريخ"... وإذن، فإنّ الشعوب يقودها العقل، لكن كما لو أن ذلك يتمّ رغما عنها. والعقل يتجلّى في الدولة الحديثة التي من خلالها تتشكّل فعليّا، وعمليّا المطامح التجريديّة مثل الحرية، والعدالة، والمساواة.

مثالية
إن المفاهيم الأكثر ألفة بالنسبة لنا مثل المفاهيم الأشدّ عموميّة، والتي بالأحرى قام هيغل بابتكارها، وصنعها لتصوير هذه الصّيرورة المتعلّقة بظهور وتجلّي الحقيقة (مثل تلك المتّصلة بالاستلاب، والسّلبيّة، والاضطلاع) لا تأخذ إذن معنى إلاّ نسبيّاً مع الجملة في حركتها، والتي يتحتّم على الفيلسوف أن يفكّر فيها. وفي مقدّمة «فينومينولوجيا الرّوح» نحن نقرأ: «الحقيقيّ هو الكلّ». ذلك هو رمز المثاليّة الهيغليّة.

الوجود والعدم
لذلك علينا أن نتعامل بكلّ حذر مع القاموس الهيغليّ، إذ إن جميع المفاهيم الكلاسيكيّة التي يستعملها لا يمكن أن نأخذها في معانيها التقليديّة، وإنّما أيضاً في معانيها «النظريّة»، أي وكأنّها تسميات تحيل إلى سيرورات في حالة حركة مرتبطة ببعضها البعض. مثلاً، كلّ واحد منّا يعرف أن الوجود يتعارض مع العدم. غير أن هيغل يضيف بأن هذا التّعارض لا يمكننا أن نأخذه فقط كتعارض خارجيّ، ذلك أن الوجود، والعدم ليسا كلبيْ مرمر يواجه كلّ واحد منهما الآخر. إنّ الحقيقة «النّظريّة» للوجود والعدم، هي علاقتهما، وبمعنى آخر هي مرور كلّ واحد منهما نحو الآخر.

الجمعة، 17 أغسطس 2018

براين بيلستن: اللاجئون

براين بيلستن: اللاجئون

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب "أمير شعراء تويتر" على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض مثلما يلفه دخان غليونه ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له مؤخرا مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان "استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار".

اللاجئون
إنهم ليسوا بحاجة إلى مساعدتنا
لا تقل لي إذاً 
يمكن لهذه الوجوه الهزيلة أن تعود لي أو لك
لو أن الحياة عاملتهم على نحو مختلف
نحن بحاجة لأن نراهم على حقيقتهم
متصيدي فرص ومتسولين
متسكعين كسالى وعاطلين
يحملون القنابل تحت أكمامهم
سفاحين ولصوص
إنهم ليسوا 
موضع ترحيب هنا
علينا أن نجعلهم  
يعودوا من حيث أتوا
لا يمكن أن
نشاركهم طعامنا
نشاركهم بيوتنا
نشاركهم بلداننا
دعونا بدلا من ذلك
نبني جدارا يفصل بيننا وبينهم
ليس مستحسنا القول بأن
هؤلاء بشر مثلنا تماما
إن الأرض ينبغي أن تعود للذين يولدون فيها فقط
لا تكن غبيا إلى حد يجعلك تعتقد
إن العالم يمكن رؤيته بطريقة مختلفة


عن ايلاف


الخميس، 16 أغسطس 2018

الهر لبودلير

الهر لبودلير


LE CHAT
*
هرّ جميلٌ قويٌ ناعمٌ يجوس في دماغي
كما يجوس في شقته
وعندما يموء تكاد لا تسمعه
فلرنين صوته رقة ورصانة
وسواء زمجر أم لان
فهو دائماً عميق الصوت غني النبرات
وهنا يكمن سرّ فتنته
صوته الذي يقطر ويتسرب إلى أعماقي
يملؤني كالشِّعر ويُسكرني كالرحيق
يسكِّن في نفسي أقسى الآلام
ويحتوي على كل النشوات
ولكي يعبّر عن أطول الجمل
لا يحتاج مطلقاً إلى كلمات
وما من وتر يستطيع أن يعزف
على أوتار قلبي هذه الألة المتقنة
وينتزع منه أشجى النغمات
سوى صوتك أيها الهر الغامض الملائكي العجيب
هذا الذي يحوي كل ما في صوت الملائكة
من رقة وانسجام
فمن شُقرة فروته وسمرتها
انطلق عبير بلغ من النعومة
أنه غمرني بالعطر ذات مساء
لمجرد أني لامسته مرة واحدة
إنه روح البيت الأليف
يقضي ويرأس ويلهم كل شيء في امبراطوريته
أفيمكن أن يكون جناً أفيمكن أن يكون إلهاً
وعندما تشَدّ عيناي نحو هذا الهر
الذي أحبه كأنما جذبهما مغناطيس
ترتدان طائعتين لتتأملا داخلي
فأرى وأنا مأخوذ أنوار حدقتيه الشاحبتين
تتأملني محدّقة
كأنها السُرُج المضيئة واللآلئ المتألقة
*

ترجمها عن الفرنسية
حنّا الطيّار
جورجيت الطيّار
من سولجنتسين الى نايبول ... وبينهما "أمناء عامون"

من سولجنتسين الى نايبول ... وبينهما "أمناء عامون"


وضاح شرارة | منذ 18 أكتوبر 2001 / الحياة
> لمّا طبعت دور نشر اوروبية كتاب ألكسندر سولجنتسين الكبير، "أرخبيل الغولاغ"، في 1974، سئل جورج مارشيه، أمين عام الحزب الشيوعي الفرنسي وأحد بقايا جهاز الشيوعية العالمية، عن حظ سولجنتسين من الترجمة الى اللغة الفرنسية في عهد حزبه، إذا قيض لحزبه ان يحكم فرنسا، فأجاب جواباً بقي على مر الزمن: "إذا وجد ناشراً". وفي عهد جورج مارشيه وأمثاله الناشرُ الوحيد، الأوحد، هو "الدولة" أي "الحزب - الدولة". ولكي لا يبقى شك في رأي الناشر المفترض في حظ اعمال سولجنتسين، ومن هم مثله وبينهم ربما ف.س. نايبول، أردف الأمين العام الشيوعي قائلاً: "حاولت ان أقرأ أحد كتبه فوجدته مملاً فتركته".

ولم يكن جورج مارشيه، سياسي الجهاز الثابت على رأي وعلى وظيفة "أدبية" ومهمة ثقافية واحدة، مبتدعاً في نقده هذا، ولا فردياً. فهو يتصدى الى تصفية "عدو" أدبي وثقافي بوسائل الحرب وآلاتها، وعلى رسم الأحكام العرفية ومثالها. وعلى هذا فسولجنتسين "ممل"، و"رتيب"، و"مناهض بدائي للشيوعية"، وهو يحقِّر تجربة "ثلث الإنسانية" وكان "ثلث الإنسانية" شيوعياً "مؤمناً"، على مذهب المحازبين الشيوعيين الذين يحتسبون عقيدة الناس على نظام دولهم ومجتمعاتهم ويعمى عن "غناها" و"تنوعها"، وهو يكتب ما يكتب سعياً في الكسب والرواج والربح، ويسوقه "هجاسه" و"ثأره" الشخصيان سوقاً يستبد به...

ويقرأ القارئ اليوم "الحياة" في 12 تشرين الأول/ اكتوبر الجاري نقلاً عن الصحيفة في 4 ايلول /سبتمبر 1998 "أفكار" جورج مارشيه الأدبية والنقدية، بقلم السيد إدوارد سعيد، "أمين عام" "حياة بليون مسلم"، في الروائي الترينيدادي البريطاني، نايبول، الذي حل محل سولجنتسين، سلف نايبول على نوبل الآداب قبل ربع قرن من الزمن.

فعناصر الإدانة، أي التصفية والإجهاز، واحدة في الحالين. وأولها ما مرّ للتو، وهو الموازنة بـ"البليون مسلم". فهؤلاء يُجمعون في كلٍّ أو جميع واحد، وتحت باب واحد هو المعتقد الذي يسود بلدانهم وجماعاتهم، ولكن بذريعة "حياة" لا يحاط بها ولا بتنوعها و"غناها" ولا يجوز اختزال "تجاربها"، على قول براه ترديد الجهاز الشيوعي إياه. ويرمي الروائي، أو "المتقصي الأدبي" على ما وصفَ سولجنتسين عمله في "الأرخبيل" وقد يصح الوصف في "عقد" "الدولاب الأحمر"، عمله الروائي والتاريخي الضخم، كلها، على نحو ما يصدق على "جناح السرطان"، وهو من يفحص عن خليقته الأدبية نفْساً نفساً فلا يطلق كلامه فيها ولا يجمله - يرمي الروائي، وهذا شأنه، بالإجمال وبعموم القول. أما من يرميه بهذه التهمة فهو أوهم القائم على دفتر الولادات والوفيات، أي "دفتردار" السكان الغفل إلا من اعتقاد مجتمعاتهم الموروث. وهذا ليس خُلفاً وحسب بل هو توسل ذريع وحشوي بالأهواء المتناقضة.

وثاني عناصر التصفية الأدبية والثقافية، اي الحزبية والقتالية، هو التنديد بـ"الإطالة والإملال"، و"الحمق والإملال"، على قول المندد الفلسطيني الأميركي البليغ اختصاراً، والمسلي، والنبيه. فالأعمال التي تتناول جماعات عظيمة، عدداً ومحنة ربما، يضطر اصحابها الى تدوين شكاويها، الرتيبة في معظم الأحوال. ويضطرون، من وجه آخر متصل بالأول الى نقل ترديدها المتخلع أهومتَها ورواياتها المتقطعة والفقيرة على نحو نماذج كثيرة أشهد عليها نايبول قارئ "غسق على الإسلام". فإذا انحاز الكاتب الى الأمانة، وهذا شأن سولجنتسين كذلك، ترك الإلماح والكنايـة الى بعـض التطـويل. وسبق أن أُنكر هذا على كبار الروائيين "الواقعيين" مثل زولا وبلزاك الفرنسيين وتولستوي الروسي. وتسـتر المنكـرون بإنـكـارهم ونقدهم على ما يرويه الروائيون وتتناوله رواياتهم. وكان "الشكل" الذريعة المراوغة والمخاتـلة. ولكـن الجمع بين الطـعـن في تطويل نايبول وبين اختزاله "حياة بليون مسلم في جملة واحدة" تعسف ينقض بعضه بعضاً.

وثالث العناصر الغمز من المنافع التي تعود على الكاتب من امتهانه المفترض التشهير بالجماعات التي يكتب في احوالها، والغمز من جمهور القراء. فنايبول "يتنقل بين المسلمين ويكتب عن ذلك، ويتسلم مبالغ محترمة من الناشر والمجلات التي تنشر مقتطفات من كتبه". ولا فائدة ترجى من مذهب نايبول أو رأيه في إسلام الأقوام غير العربية من ايرانيين وأندونيسيين وماليزيين وباكستانيين... وترك وأفغان منسيين ومهملين إلا تلك التي تعود على "الناشرين الذين سيبيعون الكثير من الكتب"، وعلى نايبول نفسه "الذي سيحصل على الكثر من المال"، على قول الناسك الفلسطيني والواقف عائد مبيع "مئات الألوف" من نسخ كتبه على ما قال متفاخراً في مقابلة مع "الحياة" قبل نحو تسعة أعوام على يتامى المسلمين.

وأما قراء نايبول الكثر - ونايبول هذا ليس بحسب سعيد إلا "صناعي" أهاجٍ في الإسلام "مدفوعاً بأهمية العمل - الاقتصادية على الأرجح وبحسب السياق، و.ش. - وليس حباً به" ولم يكتب لا في افريقيا ولا في الهند الهندوسية ولا في ترينيداد جزيرته الأم - فلا ريب انهم اكثر إملالاً وحمقاً وهوساً وانتحاراً فكرياً وتوقفاً عن التفكير وجهلاً باللغات اللازمة لتناول الإسلام" ومن يكتب هذا لا يكتب... العربية، ولكنه يقرأ الأوردية والتركية والفارسية والأوسيتية، شأن برنارد لويس وانتهازاً رخيصاً "للصيد الحلال" من كاتبهم الأثير.

وعلى نحو اختصار قراء سولجنتسين، وسولجنتسين نفسه على مثال سبق إليه رسامو اليمن الفرنسي وكتابه المقذعون فاختصروا قراء زولا في ميولهم الحيوانية والخنزيرية، واستدلوا على ذلك بتناول روايات الروائي أفعالاً حيوانية وخنزيرية، في مناهضة الشيوعية والضغينة عليها، يرى الأديب الفلسطيني الى قراء نايبول "ليبراليين غربيين محبطين... لا يملون سماع أسوأ ما يمكن عن اساطير العالم الثالث، أي حركات التحرر الوطني، والأهداف الثورية..." ويتم صاحب الأهجية "... وشرور الكولونيالية"، فهل هذه من "أساطير العالم الثالث"؟ على سوية حركات التحرر الوطني؟ ابحث عن الخطأ.

وقراء نايبول "الأميركيون والبريطانيون" والفرنسيون والإيطاليون والسويديون و... العرب الذين لا يدينون بأحكام ادوارد سعيد في الكاتب الترينيدادي وهم "يفترضهم" صاحب التنديد على قوله، "يعتبرون المسلمين ... اجانب مضحكين، أو متشددين ارهابيين محتملين لا يستطيعون التهجي أو التفكير المنطقي أو الحوار السليم مع الغربيين الرهيفي التحضر". ويحمل الافتراضُ الهجَّاء "الأجنبي" - وهو يريد التمثيل على افتراء "أعداء" الإسلام والمسلمين بأخذه على كاهله ومنكبيه الافتراءات والمزاعم كلها، ولا يشك في ان نسبة الأجنبية والإضحاك والتشدد والإرهاب والعجز عن التهجي... الى رجل مثله، هو الأصلي والمهيب والمتسامح والمنطقي والمحاور، يدحض النسبة ويردها على اصحابها فيخرسهم - يحمل الافتراض الرجل على وصفه مهجويه على مثال ضغائنه ومخاوفه كلها. وهي، في مرآة قراء نايبول "المفترضين"، لا تحصى. وإحصاء رذائل المسلمين "المضحكة" بحسب اعدائهم الليبراليين الغربيين، وهو ما لا يمل الشاكي من إملال نايبول أستاذ كولومبيا من العود على بدئه حتى غدا صنعة قائمة برأسها، يبدو دعوة الى دحضها من طريق جهر أسمائها جهراً شعائرياً وطقسياً. ولا يُرَدُّ دراكولا، ولا يرد عليه إلا بجهر الاسم والشارة. ولا يداري الأستاذ الأميركي جدل الأقنعة في استرساله مع فعلته هذا.

ومن شأنُه شأن نايبول وقرائه، حمقاً وإضحكاً وانتحاراً فكرياً، لا يُحمل على غير محمل "الاختزال". فيُرد له، وعليه، الصاع صاعين. وهذا من أدب التصفية والإجهاز و"كسر العين"، على قول العراقيين في بعض آدابهم الجنسية القاسية. وهو كذلك من أركان "الفكر القويم"، والنص على ما يصح ان يقال في المسائل المختلفة، وما يجب ان يقال فيها قولاً واحداً صادقاً وقويماً. فالمحازبات النسويات لا ينسبن ماركس الى كتابة "رأس المال"، أو إلى صنيع آخر من أفعاله، بل ينسبنه الى نكاحه خادمته، وحملها منه سراً.

فالمرء صاحب فعل واحد يغلب ان يكون، على مذهب قضاته، جريمة وشراً فسيمون دوبوفوار لم تكتب "الجنس الثاني" بل "قرفت" من الفلسطينيين، وميشال فوكو "خاف" من تظاهرات الفلسطينيين والتونسيين غداة حزيران/ يونيو 1937.... وإذا كتب نايبول "عند منعطف النهر" أو "بيت للسيد بيسواس" أو "أضاحٍ" أو "لغز الوصول" أو "شِعْب في العالم"، وهي اعمال على حدة من الرحلة في بلاد المسلمين ومقالاتهم، تبددت اعماله هذه في مهب "الحمق" الناجم عن تناوله بعض المسلمين ومجتمعاتهم تناولاً "ليبرالياً غربياً" و"معتمداً" من الوكيل المعتمد، والصفة من النعوت التي يكيلها امين عام "حياة بليون مسلم".

ولكن جريمة نايبول العظمى هي مقالته في وفادة الإسلام على شعوب ومجتمعات اسلمت ولم تؤمن، على قول الكتاب في الأعراب. وهي "جريمة"، على ما هو بيِّن وظاهر، أثبتها التنزيل وتعقب اثرها واقتصه في غير موضع وخبر. واستدخلت الشعوبُ والأقوام التي دخلت الإسلام معتقدَها الجديد هذا على وجوه كثيرة. فكان تشيع الفرس وجهاً من هذه الوجوه. وكان التصوف وطرقه التي انتشرت في الأقوام التركية والكردية وأهل المغرب الافريقي ومصر، وامتنعت جزيرة العرب منها شأن معظم بلاد الشام وفلسطين والأردن، وجوهاً اخرى من وجوه الاستدخال والمزج والتأليف.

وليست هذه الحال وقفاً على الإسلام. فالمسيحية لم تكسر مقاومة الكونفوشيوسية والتاوية الصينيتين، وعجزت عن ترويضها. والكاثوليكية بقيت مذهب قلة في شرق المسيحية الذي غلبت عليه الأرثوذكسية. ويحتفل مثقفون أوروبيون وأميركيون كثر ببقايا ثقافات سبقت غلبة المسيحية على ثقافات مجتمعاتهم. ويبحث آخرون عن هذه "البقايا" في "طبقات" وعي أو وجدان بدئية، "غريزية" أو لغوية.

وعلى خلاف زعم أستاذ الأدب المقارن أن "أحداً اليوم لا يمكنه ان يؤلف كتاباً مشابهاً لـ"ما بعد الإيمان" عن المسيحية أو اليهودية" ويتولى "تعريتهما وفضحهما" - وهذا تلخيص الرجل لأعمال نايبول - انصرف شطر عظيم من الرواية والمسرح والسينما والفلسفة الأوروبية الى نقض المسيحية واليهودية ونقدهما ما هي "الأنوار" غير هذا؟ وماذا يصنع اصحاب "الطاعون" الفرويدي غيره؟ وفيم "كتب" السورياليون شعرهم ونثرهم ورسومهم؟ وعلام دارت اعمال بونويل وفلِّيني وتدور اعمال اصحابهما؟.

وقد يكون نايبول احد وارثي هذا التراث. وتحقيق هذا الزعم يدعو الى قراءة ر واياته أولاً، وقراءة رحلاته وسيره، الشخصية والأخرى، في مرآة رواياته، ثانياً. فالرواية ذريعة الى معرفة قريبة من احوال الناس الذين تلم بهم. ولعل صفحة "عند منعطف النهر" الأخيرة إلماع الى هذه المعرفة التي تاق إليها نايبول، وكناية عنها. ففي الصفحة ضوء مصباح مسلط على ركاب عَبَّارة قَطَّعت امراسها وتعوم على صفحة الماء، وفي ضوء المصباح القوي ركاب، خلف الحواجز وعوارض الحماية، يبدون غافلين بعد عن جري عبارتهم مع مياه النهر... فهل هذا مضحك حقاً؟

حسام عيتاني عن ملحم أبو رزق

حسام عيتاني عن ملحم أبو رزق

بعد خسارة صديق قديم، تتساءل عن سبب عدم الاتصال او اللقاء به منذ سنوات... تحيل الامر الى مشاغل الحياة وظروف البيت والعمل . تندم. تقول ليتني التقيته اكثر . يا ليت تحدثنا وقتا اطول في المسائل التي اختلفنا حولها. ليتني رأيته عندما مرض. ثم تكتشف انك لم تعرف بمرضه اصلا... حسرة وخسارة.
بعدما اقفلت "النداء" كان ملحم يمر علي احيانا في عملي الجديد. كنا نخرج للغداء في مطعم الشحرور . صحن حمص مع لحمة وصنوبر وكاس عرق.. وجبته المفضلة في تلك الايام. .. ثم نتمشى الى شاطئ الروشة حيث نشرب القهوة في مقهى مرتجل على حافة الصخرة.
"مش لازم نختلف مع الحزب. مهما صار"... كان ملحم يعرف. يعرف كثيرا وعميقا . اظن انني في تلك الجلسات على قلتها اكتشفت ملحم وسطحية الصورة المسبقة المكونة عنه بين صحافيي الحزب.
كثير من مكونات الشخصية التي كان يؤدي دورها في الجريدة والاذاعة حتى في ما يقال عن ولائه الشخصي لبعض قياديي الحزب، كانت مظهرا من مظاهر تعلقه بالحزب. لم يصغ هذا التعلق بكلمات كبيرة عن حركة التاريخ ووعي الضرورة والتناقض مع البرجوازية الخ....كان الحزب حياته وكفى. تفاصيل التجاوزات والصغائر والتفاهات كان يعرفها ويغض النظر عنها لان شيئا اكبر يستحق الاهتمام والتضحية. نكران الذات الذي عاشه كان يتعب من يعمل معه. "لكن من هو الحزب يا ملحم؟ انه انت وانا وهذه القيادة البائسة"- "نعم لكنهم اشخاص. سيرحلون والقضية حية"...
مرت اعوام من دون لقاء او اتصال. تغير العالم وظل ملحم وفيا لقناعاته وللمجموعة الضيقة التي شاركته وشاركها افكارا لم نعد نفهمها. ربما كان ملحم مصيبا. لا اعرف. لكنه كان صادقا في ايمانه. الايمان بالمعنى الخلاصي التطهري الفردي.
ربما سنكمل احاديثنا ذات يوم قرب صخرة الروشة وانت ترتشف القهوة بيد نحيلة وترفع عن جبينك خصلة شعر مصرة على النزول.
السلام عليك اينما كنت.

إسلامفوبيا في كوبنهاغن

إسلامفوبيا في كوبنهاغن

شاكر الأنباري *



قبل أشهر كنت أجلس في مقهى كاسترو، الواقعة في منطقة نوربرو، وهي منطقة تمتاز بكثرة الأجانب فيها، الشرقيين المسلمين خصوصاً، وفجأة سمعت لغطا بعيدا، وأصواتا عالية، وحركة غير طبيعية في الشارع. وبعد دقائق شاهدت تظاهرة ضخمة تتقدم صوب مركز المدينة. الواضح أن المتظاهرين إسلاميون، بدا ذلك واضحا من ملابسهم التقليدية، ولحاهم، واللافتات المكتوبة بالعربية والدانماركية، وكلها تؤكد على نصرة الإسلام والدفاع عن الرسول، وكانت هناك مجموعة كبيرة من النساء تسير خلف الرجال، وهن جميعا إما محجبات أو منقبات. التظاهرة الأصولية، تجاوزت الألف متظاهر، كانت محروسة من رجال الشرطة.

وقبل فترة أيضا، وخلال شهر محرم، شهد الشارع ذاته مواكب حسينية مرافقة بالرايات، وطقوس البكاء واللطم والسواد، نساء ورجالاً، تحرس تلك المواكب شرطة دنماركية من راكبي الدراجات. وكالعادة تم قطع الشارع لتسهيل سير المناسبة ونجاحها. وفي أحوال مثل تلك، يقف الدنماركيون بعيون مندهشة وفضولية تجاه ظواهر مثل تلك، تجري، مستجدة، في شوارعهم. 
الدنماركيون فضوليون، وكشعب صغير منزو في شمال أوروبا، تغازل هكذا أنماط من الظواهر غروره الحضاري، فيتقبلها كي يثبت للعالم أنه يمتلك تعدديته الحضارية، وغرائبه، وتسامحه، وإرهابه، ومتطرفيه. لكن هذا الغرور الحضاري لشعب صغير سرعان ما اصطدم بحقيقة مرعبة، هي أن الإرهاب وصل إلى شوارعه الخلفية، ولم يعد يحدث في دول بعيدة. إذ أقدم شاب فلسطيني لا يتجاوز عمره الثالثة والعشرين سنة على مهاجمة اجتماع لمفكرين، وسياسيين، ومثقفين، في المركز العالمي للثقافات وسط العاصمة. وكان الاجتماع حول الحركات الإسلامية المتطرفة وحرية التعبير، وحضره الرسام السويدي لارس فيليكس، الذي أشعل فتيل أزمة عارمة قبل سنوات، حين رسم كاريكاتوراً للرسول محمد. كما حضر الاجتماع السفير الفرنسي في الدانمارك وذلك بعد أيام من هجوم شارلي إبيدو في باريس. الأصولي المسلم قتل شخصين في ذلك المركز، ثم هاجم كنيساً يهودياً في الصباح الباكر، ثم طاردته الشرطة الدانماركية وقتلته في منطقة نوربرو ذاتها. 

هذا الحادث أعاد طرح مسألة وجود الأجانب في الدنمارك وجدوى برامج الدمج، وما هو مستقبل المسلمين في البلد، وانشغلت الميديا الدانماركية، والشرطة كذلك، بالحدث أسبوعاً كاملاً، وما زالت ذيول القصة تتردد كل يوم. منذ تدفق الأجانب إلى الدنمارك، قبل أكثر من عقدين، ولأسباب تتعلق بالحروب والاضطهاد السياسي والفقر والحريات الشخصية... وقضية الاندماج تأخذ حيزاً واسعاً في اهتمامات الرأي العام الدانماركي، بمؤسساته وإعلامه وقوانينه، باعتبار أن هذه الظاهرة جديدة على مجتمع ظل، ولمئات السنين، يتمتع بخصوصيات معروفة، كاللون الجسدي الواحد، ونمط التفكير، واللغة، والتراث. وكانت معظم الخطط والدراسات تركز على دراسة هذه العينة من البشر للوصول إلى نمذجتها، وإيجاد طريقة للتعامل معها ضمن المحيط الدنماركي والاسكندنافي عموماً. فكانت هناك إحصائيات عن عدد الوافدين، ومناشئهم، وخلفياتهم، ودولهم، وميولهم نحو الجريمة والاستيعاب. وكلما حدثت قضية تخص الأجانب تعاد الحسابات والدراسات، لتنقص أو تزيد من الصيغة النهائية للنمذجة. إلا أن ثمة أمراً واحداً يغيب عن أذهان المهتمين في هذا المجال، هو أن التعامل مع الأجانب عملية متصلة ومستمرة ومتحولة، لها جذورها في ضفتين هما ضفة المجتمع ذاته، والعينة الأجنبية القابلة للتحول والتغير على مر السنين، أي الأجانب ذاتهم. 

المجتمع الدانماركي استوعب كتلة الأجانب الوافدة من دون شك، وكانوا عراقيين، لبنانيين، فلسطينيين، إيرانيين، صوماليين، وأخيرا سوريين، فهو صار يألف انكسار الواحدية اللونية، واللغة غير الفصيحة، والدين الآخر، والاهتمامات التي تخرج عن إطار المجتمع الاسكندنافي. لم يعد الفرد الدانماركي يعاني صعوبات كبيرة في فهم أفكار الأجنبي الذي يعبر عنها بلغة متعثرة، كما كان يحدث قبل عشرين سنة مثلاً. والسبب من دون شك هو إلفة الأذن الدانماركية لتقعرات اللسان غير البلدي حينما يتكلم بلغة أحفاد الفايكنغ، إضافة إلى إلمام الفرد بنمط تفكير الشخص المستقر بين ظهرانيه، وألمّ بشكل عام بالخلفيات الثقافية والحضارية. وهذه الظاهرة المستجدة استغرقت عقوداً من الزمن لكي تصل إلى ما وصلت إليه اليوم. 
وعلى صعيد اللون فإن الفرد الدنماركي صار يرى الشعر البني، والعيون السود، والبشرة غير الذهبية، في كل مكان تقريباً. لم يعد الأمر محصوراً في الشارع، فهناك البنوك والباصات والشواطئ والمدارس والمؤسسات، وكلها تضم الدانماركيين الجدد، سواء من الجيل السابق أم من الجيل الجديد، وهذا ما جعل العين الدانماركية تألف تعدد الألوان ذاك، فلا تحتج عليه أو تستنكره، كونه صار حقيقة ماثلة، تقبلها المجتمع ذاته سواء على مضض أو بقناعة. أما في ضفة الأجانب، أو أبنائهم من الجيل المولود على أرض هو. سي. أنسن، وكيركورد، وكيم لارسن وعروس البحر، فالفرد الدانماركي تحول من شخص غامض، عليه اكتشافه والتعامل معه بحذر، إلى شخص يجاوره في العمل ومقاعد الدراسة ومحلات الترفيه. طبعاً من دون نسيان تلمسه العام لتاريخ البلد ورموزه السياسية والثقافية والفنية والتاريخية. صفة الغموض زالت عنه، وحوله الأجنبي، بعد طول معايشة، إلى نموذج، له صفاته المعروفة وذائقته وميكانيزماته الذهنية وآراؤه السائدة المعروفة. 
بقول آخر، إن سليلي المغتربين الذين ولدوا هنا ودرسوا في المدارس والمعاهد والجامعات، وكوّنوا صداقات، أحبوا وعشقوا وتزوجوا، امتلكوا أيضاً المفاتيح الصحيحة أغلب الأحيان للفرد الدنماركي العادي. المفاتيح المحكومة بزمنها، ومكانها، ومستواها التعليمي.
لم يبق الفرد الدنماركي غريباً على الدنماركيين الجدد. صار واحداً منهم بنسبة ما، وإن اختلفت الألوان، والاهتمامات، والأديان، والخلفيات الثقافية. والملاحظ أن علاقة السلم الأهلي هي المتحكمة اليوم بهذين البعدين. وإذا ما نشبت أزمة هنا أو هناك، أو شذّ نموذج من النموذجين عن المسار، فهذا لا يربك العلاقة السلمية بينهما، هو فقط يشحذ الذهن كي يعيد ترتيب دراساته وقراءاته لظاهرة الأجانب في البلد. الدانمارك من دون شك ليست البلد الوحيد في أوروبا الذي مر بهذه العملية المتواصلة الخاضعة لفعل الزمن، إنما ينطبق عليها ما ينطبق على معظم العالم الغربي الذي تحول إلى عالم متعدد الثقافات، غير صاف دينياً ولا لغوياً. وثمة اندماج فرضته الحياة على التعددية تلك. هذه الحقيقة لا يحاول بعض السياسيين الدنماركيين، أو الأوروبيين، قراءتها بدقة، كونهم ظلوا محكومين بالنمط القديم من التفكير الذي يحاول إرجاع ساعة الزمن إلى الوراء. وهو نمط لن ينجح بالتأكيد، مهما بدا ناشطاً. وكذلك حال قسم من العرب والمسلمين المقيمين في أوروبا. بعض المتطرفين يلم حوله عدداً لا بأس به من الجالية العربية والإسلامية، يعيد نسف جسور التواصل بين الحضارة المشرقية والغربية، فهو عادة ما يفجر قنابله الإعلامية بين الحين والآخر. القنابل التي طالما أصابت ذوي الأصول الأجنبية بجراح شبه قاتلة، يدركها من يعيش في الدنمارك.

النمذجة السلبية، وهي فكرة شائعة في الاستشراق الغربي عن العرب والمسلمين، راحت في العقود الأخيرة تتضاءل بسبب احتكاك المواطن الأوروبي مع المشرقيين: عرفوا تنوعهم، وعلمانييهم، وأصولييهم، وقابلياتهم الثقافية والفنية، ومنظوماتهم الدفاعية التي بنيت على أساس مجتمعات سابقة. الا أن بعض الأصوليين لا يريد لتلك الصورة، عن العربي والمسلم، أن تزول. يرتاح اليها مثلما يرتاح غريمه العنصري الأوروبي المتشبث بالمركزية الأوروبية، وصراع الحضارات، وسيادة الحضارة الغربية ودونية ما عداها.
ومثلما شقت الحركات الأصولية، الشائعة اليوم، المجتمعات الشرقية بين مؤيد ومعارض، حسب الدين والطائفة، كداعش وحزب الله والحوثيين والقاعدة والنصرة وكتائب أبو فضل العباس والإخوان المسلمين، وغيرهم، زلزلت أحداث كوبنهاغن الجالية المسلمة برمتها بين مؤيد ومعارض، مثلما حركت نوازع الإسلامفوبيا في نسيج المجتمع الدانماركي. هناك بين التيارات اليمينية والفاشية من صار يحسب عدد المسلمين في الدانمارك حتى سنة ألفين وخمسين، حيث سيشكلون ربما نصف السكان، ويمكنهم أن يحولوا الدانمارك إلى بلد إسلامي تحكمه الشريعة. وهذا يثير الرعب والخيالات المجنحة المنبعثة من مشاهد القتل، وجز الرؤوس، وتدمير الآثار، وتحجيب النساء، وذبح المسيحيين، ومحاربة الفنون، كما يبث على الفضائيات هذه الأيام. 
لقد ودع القتيل عمر الفلسطيني إلى المقبرة، كما قيل، أكثر من ألف شخص، رغم أن عمر كان مرتبطاً، قبل أشهر من ارتكاب الجريمة، بعصابات المخدرات، وله تاريخ جنائي لدى الشرطة. ويقرأ هذا الرقم، الضخم نسبياً، على أنه تأييد واسع لما قام به من قبل المسلمين في الدنمارك، في حين تكدست باقات الورود في المكان الذي قتل فيه. وقيل أيضا أن ثمة من غرس العلم الفلسطيني في ذلك المكان، وروى لنا صديق الحادثة مؤكدا الخبر، وقد قام بمهاتفة السفير الفلسطيني في الدنمارك منبهاً إياه على وجود العلم، وخطورة الزج باسم فلسطين في حادث مثل هذا، وما يعكسه من نظرة سلبية من قبل المجتمع الدنماركي. وتمّت إزالة العلم فوراً، يؤكد ذلك الصديق.

(*) كاتب روائي عراقي
عن الفايسبوك
مات الروائي ف. س. نايبول

مات الروائي ف. س. نايبول

شاكر الأنباري *


ولم يصل إلينا من كتاباته سوى عدد ضئيل من الروايات، والقصص، ترجمت إلى العربية بترجمات متعجلة، ركيكة بعض الأحيان. الكاتب الحائز على جائزة نوبل العام 2001 هو وريث حضارات، وثقافات مختلفة، فعائلته هندوسية من الهند، هاجر جده إلى ترينيداد، وكانت مستعمرة بريطانية تقع في قارة أميركا اللاتينية واشتغل هناك قاطع قصب سكر، فيما أصبح أبوه صحافيا من الدرجة الثانية، بينما هاجر نايبول إلى بريطانيا ودرس في جامعة أكسفورد، وكتب مؤلفاته التي تزيد على الثلاثين، بين الرواية والقصة والبحث، باللغة الانكليزية. 

عاش متنقلا بين أفريقيا، والهند، وأميركا، وبريطانيا، ومصر، ثم كتب عن كل ذلك الموروث الحضاري، والثقافي، عبر شخصيات بينها المسلم الهندي، والأفريقي من الساحل الشرقي، والأنكليزي، والأميركي، والترينيدادي، والعربي. ولذلك جاءت رواياته، حسب توصيف اللجنة المانحة لجائزة نوبل، تنويعا حكائيا بروح شعرية عميقة لحقبة الإستعمار، وتفاعلاتها في روح الشخصيات. أبرز ما ترسمه أحداثها، وشخصياتها، وبيئتها، هي معاناة الاغتراب، وفقدان الجذور المجتمعية، والفولكلورية، وصعوبة ذلك على الصعيد الانساني. جاءت مقاربات نايبول للشخوص في رواياته حاملة ذلك التوتر الحضاري، والديني، والسلوكي، مع غياب الطريق الواضح للخلاص. فالاستلاب البشري شامل، يمكن تلمسه وعرضه عبر اللغة لكن يستحيل الخلاص منه. إنه سمة عصر وتطور صناعي وتقني منفلت ولا يمكن إيقافه. لم يكن نايبول يهتم كثيرا بحبكة رواياته، أو ترابط موضوعاتها، بقدر ما عني بإيصال روح الحدث، ومشاعر البشر الذين فقدوا أوطانهم، أو وجدوا صعوبة في التأقلم مع بيئات الهجرة الجديدة. ولهذا، كثيرا ما وجد قارؤه حوارات طويلة، هدف منها الكاتب الوصول إلى جوهر معاناة المتحدث، وهمومه. حوارات ربما نجد حدوثها على صعيد الواقع شبه متعذر، خاصة وهي تلخص رؤية فلسفية، أو ثقافية، حول التخلف والتقدم، الهجرة والتوطن، المواطن الأصيل والمواطن المغترب. ومن ملامح سرد نايبول أيضا تلك الانتقالات السريعة، والمفاجئة، بين الأمكنة. يكون الحاضر في قارة أوروبا، ثم ينتقل الشخص عبر ذاكرته، وتداعياته الذاتية، إلى أفريقيا، أو إلى مدينة هندية بعيدة، وهذه واحدة من أهم مفارقات الكتابة لدى نايبول. وهي مفارقة راح يشهدها العالم اليوم بعد الموجات المليونية للمهجرين، والنازحين، والمغتربين. تصاعدت في العقد الأخير لتكون واحدة من فضائح حضارتنا المعاصرة، دون أن يستطيع أحد الحد منها أو ايقافها، فضلا عن أنها في تنام مهول، نتيجة حروب الجشع، والهيمنة، والتطرف. ومثلما يتحرر نايبول من عقدة المكان وأسواره، فهو يفعل الشيء نفسه مع زمان أحداثه، فتراه ينتقل بين الحاضر والماضي، أو يتوغل في الأزمنة المتوازية ليخلق من كل ذلك سمفونية من الشخصيات، والأمكنة، والحوارات، والمدن، والبلدان، في سعي هادف، ومبرمج، لرصد وإمساك روح العصر وإيقاعه المنفرط خارج أسوار المحلية، بأغلاقها الدينية، والمذهبية، والتقاليد المهيمنة، والثقافات الموروثة التي لم تعد تصلح لهذه البرهة من التاريخ. كل تلك الانطباعات، وغيرها، يقع عليها قارئ نايبول في رواياته: شارع ميجيل، وفي منعطف النهر، ونصف حياة، واخبرني من أقتل، وسواها من الكتب. نثر نايبول هو سمة عصرنا المأساوية، السابحة في الفوضى، القاسية، المشتتة، المهيمنة اليوم بالكامل على الفضاء الملوث لكرتنا الأرضية.

(*) كاتب وروائي عراقي
عن الفايسبوك

  جيمي كارتر شاعراً

جيمي كارتر شاعراً

تقديم وترجمة: بول شاوول  
أن يكون رئيس جمهورية الولايات المتحدة شاعراً فهذا أمر استثنائي وخارج التوقع والمألوف.
وإذا استعرضنا أسماء رؤساء الجمهورية الأميركية فمن النادر اكتشاف شاعر: من لينكولن إلى واشنطن إلى نيكسون، إلى بوش الأب، وبوش الإبن، رجوعاً إلى جونسون، وكلينتون... وطبعاً الرئيس الحالي ترامب.
لكن وبينما كنت أبحث عن أحد كتب الشعرالأجنبية، وجدت كتاباً مختبئاً بين مجلّدين: ما هذا؟ سحبته: «كتاب أزرق، صغير الحجم» عنوانه طويل نسبياً «دائماً هناك حساب يجب تأديته».. والمفاجأة أن الشاعر هو الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر. فالكتاب كان موجوداً لكنه ضاع في غابة الكتب وفوضاها.
قرأته، فإذا به ينضح بالمشاعر الإنسانية، والحنان، والطفولة، مفرداً بضع قصائد للسياسة التي مارسها فيها نقداً، للولايات المتحدة في تعاملها مع الشعوب وفي حروبها من دون أن يغفل العودة إلى الطفولة، والحب والعشق، والحقول الطبيعية (جذوره فلاحية)، إلى البيت الأبيض، والحداثة، معتبراً أنه لا يمكن كتابة الشعر من دون الأصالة وبدون المجتمع، وبالحب الكثير.
الكتاب الذي صدر في الولايات المتحدة في الثمانينات وكان كارتر لقي نجاحاً كبيراً، وارتقى إلى لائحة «الأكثر مبيعاً» و(«البستلرز»).
هنا مختارات من ديوان جيمي كارتر.
*********************
السيّدة ليليان
كانت ممرضة وعندما كان الناس يعجزون
عن الدفع،
تستمر في العناية بهم.
كانت تحب الضحك
وغالباً ما كانت تضحك وحدها
لكن لا تبدو أنها تبالي بذلك
عندما كانت تبكي
لم تكن تذرف كثيراً من الدموع،
فهذا ما لم تتعلّمه.
ماتت
وتركنا جميعاً خلفها
فماذا عسانا سنفعل الآن؟
«بالاد» توم غوردي
تمكن عام 1941 اليابانيون من جنودنا في غيوام
أحياء او موتى
كنا نجهل ذلك.
أحدهم كان عمّي توم.
كان عمّي بطل الملاكمة في البحرية
مثالي و«بطلي» بتاجه.
بعد رحيله، انتقلت عائلته إلى العيش في مدينتنا جيورجيا.
كانت جدتي وعماتي يعتقدنَ
أن توم
لم يكن لزوجته بل لهنَّ
تلك أحسّت ببرودتهن
لكن بقينَ لتنضم إلى صلواتهن.
الأمل كان يجمعهن معاً
والإيمان والخوف
مرّت سنتان، ووصلت البرقية:
مات عمّي.
ذهبت زوجته وولداها نحو الغرب
للبدء بحياة جديدة
وبعد ثلاث سنوات من رحيل توم
تزوّجت صديق العائلة.
نهاية الحرب حملت خبراً مذهلاً:
توم غوردي حي.
وطيلة أربع سنوات عمل على استخراج
الفحم
من أعماق جنب جبلي.
أخذت النساء توم إلى عندهن
وغمرنه بالعناية، نظراً لضعفه،
ولم يخبر أحداً إطلاقاً بما جرى له هناك
استعاد توم غوردو قواه،
وكذلك الرغبة في حياة عادية
لكن أمّه وأخواته روينَ له
قصصاً
حول مسألة غياب زوجته.
وخيانتها. كان توم يريدها،
لكن لم يكن عنده فكرة عن
كيفية استعادتها أو تجاوز
عبثية أمنياته في زواج ثانٍ.
قبض أربعة أعوام من التعويض وعيّن
قائداً (في بحرية الحربية للولايات المتحدة
الأميركية).
ولم يتأخر طويلاً عن إيجاد
حب امرأة أخرى.
شطب بذلك الماضي، ما عدا
أن ثلاثة من أبنائه جاؤوا إلى المنزل.
عندما كنت أذكر، حسم زوجته الأولى
كان يدير رأسه.
ذات يوم رست غواصتي
حيث كانت تعيش مع أقربائها.
مررت للقائها، وأنا خائف
من ألا يسمحوا لي بالدخول.
لكنهم نادوا كل الناس الذين يعرفونهم
ما إن قلت اسمي؛
رقصنا طوال الليل وغنّينا
لأن حفيد توم قد جاء.
الروّاد البيض حاربوا
للاستيلاء
على أرض الهنود الذين كانوا
يبعدونهم إلى الغرب ليموتوا.
وجاء أجدادنا ليحتلوا السهول
المتموجة
التي أعطت المدينة اسمها.
كان هناك نصف ألف من
النفوس
من السود والبيض، السيد والعبد.
ولا أحد، من الجانبين كان
ينسى أبداً أو يعطي الآخر
سبل الوصول إلى هدفهما
المشترك.
متساوون في الحاضر، وأحرار في التقدم
أو الغرق معاً، تعلّمنا أنه
تلزمنا القدرة على أن يتّكل الواحد
على الآخر. وبرغم صغر
المدينة،
أحببناها كمرفأ، كمنزل، كصديقة
ولا نترك الخلاف، ولا البؤس
أن يفرض، على أحلامنا - أحلامنا
المتواضعة، المعتدلة - أن تنتهي.
صورة لجمال واشنطن
أذكر أنني ذات ليلة شتاء
ذهبت إلى سطح البيت الأبيض
لمراقبة سديم أوريون
لكن بالكاد كنا نرى نجومه
وما دامت أضواء المدينة تطمس
نوره.
فجأة سمعنا صراخاً
تطلع من السماء، شمالاً، لكن صوتها
وإيقاعها يأتيان من أعماق الأعمار.
التفتنا لننظر بصمت
إلى إشارات «V» متموّجة
وصدور تتحوّل
ضوءاً صافياً
من تلك التي كنا نريد أن نحفظها.
أسراب البط تمرّ فوق
رؤوسنا،
ثمّ، ومن دون أيّ كلمة،
نزلنا للنوم بهدوء،
مدهوشين بما رأينا وسمعنا.
مغنّون متجوّلون يتوقّفون في حديقتنا
في ذلك المساء الذي جاء شعراء
إلى «بلينز»- كانا إثنين مع
مع غيتاريهما.
علّمتنا أغانيهما لإلقاء نظرة.
وربما نظرة لاهية
على طريقة عيشنا،
مشاعرنا، وأفكارنا.
بعد رحيلهما، بادرت
إلى الكتابة، أشعار ركيكة،
كيف يجب علينا أن نعطف على
طفل جائع في الطرف الآخر من العالم.
كيف يمكننا (تساءلت) أن نحبّ
خوف الحرب، والموت الذي
ينكبانه، متخفياً عن السلم الذي
هو ضعف؟ كيف يجرؤ شاعر
أن ينتزع من أعماق الذاكرة
الرؤوس القامعة الكامنة فيها،
وكيف يصعب علينا ما يحدث في
هذا العالم الشاسع،
لاحظت أن الكلمات تأتيني بصعوبة،
وعندها تحوّلت إلى مواضيع
بسيطة (وأقرب إليّ: فرس،
أمي الممرضة، منظر البط، غناء الحيتان،
صلاة معركة).
علّمني الشعر أن الفن يجد
مصوّره الأفضل في حياة
بلا تبرّج،
وأن هناك أسراراً يجب
استخراجها، وفهم ما
ما ينبثق،
بحرية، من فكري وعقلي
لا يأتي التقدم بسهولة
كوني مشرّعاً في جيورجيا،
وضعت قانون الأول لأقول
أن الموتى لا يحق لهم أن
يقترعوا بعد موتهم.
زملائي السيناتور يواجهون
هذه المسألة المقلقة
بشجاعة، ويعلمون بقوة ليعلموا
أنه، بعد موت شخص ما،
تتركه مهلة للعائلة، التي
كانت تتذكره
إذاً، حقاً
أن تحدد، كيف كان يرغب في
التصويت، حتى يوم التصويت التالي.
حذرني جيراني أنني ذهبت بعيداً
جداً بتغيير ما كنا نفعله دائماً.
خسرت الانتخابات التالية
بقرعة واحدة تقريباً:
كان ينقصني صوت من المقبرة.
صلاة المعركة
كل الذين يشاركون في الحرب
يصلون ليكسبوا
بركة الله.
إنما مع الذين يعانون.
هناك ناس لا يقولون أبداً:
«فلنعد إلى المنزل»،
لا يملكون منزلاً
خيمة بلاستيكية؛
عندما يشتد البرد يجهدون
لإيجاد هبّة هواء ساخن؛
خطوة باب أفضل من الشارع،
واثنان يتقاسمان علبة.
لبضائع طازجة
كوخ، يسخر منه ناس
الذوات،
يعيش فيه آخرون، ولا
يشكون.
ينظرون عبر السقف، يبتسمون
يتنهّدون:
«قد يضلل هذا الشمس
لكن ليس المطر».
تعتبر أن القبض على
حيوات في أيام السلم
لجرائم لا نغفرها
متذرّعين أن بعضهم فقد حقه
بالحياة.
نبرّر الحروب التي نقودها،
في كل مرة، بكلمات تبرهن
أننا نقتل من أجل قضية عادلة..
حولنا شتائم (أسماء الذين
نحاربهم -«الباب» (محل اليابانيين)
النازيين الألمان أو(«شلو»،
و«»الريتاليين)، عندما كانوا أعداء.
بعدها أصبحوا أصدقاءنا،
لكن للعادات حياة قاسية.
حتى اليوم، عندما ينشب
خلاف مع آخرين، نكره من جديد
وبكل ما أوتينا من قوة،
نؤكد، حرباً بعد حرب، شتيمة
بعد شتيمة
حقنا الصالح
لحظات صعبة
أحاول أن أفهم.
رأيتك تبتعدين
وتظهرين اسمك.
لا أعرف حقاً ماذا أقول
لأرتب الأمور
لأبرّر هذه البرودة بيننا،
لأشارك ولو مرّة أخرى
حرارة مشاعرنا الفائتة.