مشاركة مميزة

رعب السطر الأول

حمد العيسى -  تقديم المترجم: فيما يلي ترجمة لنص روائي يعرف كشكل سردي بالميتافيكشنMetafiction وهو مصطلح يتكون من مقطعين. الأول: (Meta)...

طقاطيق محرمة

المصيبة والعزاء | عن الشجن في الغناء العراقي

موسيقى

العثمانيون سبقوا الاسرائيليين في اللعب بتاريخ القدس

حيوات اسطنبول وأحلامها في القرن السادس عشر

مدن

أحمد العجمي... في جنوح الشعر

جنى الحسن... البوكر وموت الرواية

ثقافة

أحدث المواضيع

طارق أبي سمرا...غريبُ اللُّغَتَيْن

2:32:00 م اضف تعليق
 

1. شذراتٌ شعريّةٌ وفحولةُ اللّغةِ العربيّةِ


لم أفهم يوماً الشعر العربي القديم، ولم أحفظ منه سوى أبيات أربعة وشطر واحد: "أراك عصي الدمع شيمتك الصبر/ أما للهوى نهي عليك ولا أمر"؛ الأبيات الثلاثة الأولى من "دع عنك لومي"؛ و"تجري الرياح بما لا تشتهي السفن". أمّا حصادي من الحداثة العربيّة، فمهزلة: "مطر... مطر... مطر..."؛ و"يعبرون الجسر... (تبخَّر شيءٌ هنا)/ أضلعي امتدّت لهم جسراً وطيد".


مُعيراً نصف أذنٍ لمعلّمي العربيّة الذين تعاقبوا على تدريسي في المرحلة الثانوية، كنتُ أجد لغة الشعر العربي وعِرةً ووعظيّةً، كأنّ مفرداتها حجارةٌ يقذفني بها شيخُ مسجد من منبر الخطابة. وكان البيتُ تلو البيتِ يطلع من حناجر المُدرّسين والمُدرِّسات أجشّاً مُترعاً بالفحولة، فأشعر بأنّ للكلام العربي الفصيح، لا سيما المنظوم منه، قدرة على تذكير الأنثى الأكثر نعومة، وشحنِ الذَّكَر بفائضٍ من الرجولة، حتّى لو كان مُتشبِّها بالنساء. لا شكّ في أنّ الحروفَ الغليظةَ النُطْقِ، الخاء والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والغين والقاف، لعبَت دوراً معتبَراً في عزوي الفحولة إلى العربيّة، إلا أنّ العاملَ الأساس في ذلك آياتُ القرآن التي كنتُ ألمحُ وميضَها الخافتَ البعيدَ وراء كلّ كلامٍ فصيح. آياتٌ لم أقرأ منها سوى القليل، وبالكاد فهمت منها شيئاً، غير أنّها بدت لي صارمةً عنيفةً، مُشَبَّعةً بنيران جهنّمٍ وعذاباتها.


2. "الجسدُ سجنُ الروحِ" (عبارة منسوبة خطأً إلى أفلاطون، مع أنّه يقول شيئاً من هذا القبيل)


الغريب في نفوري من العربيّة آنذاك، أنني كنتُ، على الأرجح أكثر مِن المراهقين سواي (وربما لا، فمَن يدري ما تُخفيه النفوس؟)، أحسُّ بنقصٍ فادح في رجولتي، وعبثاً أجْهَدُ في تعويضه. وكان أكثر ما أخشاه أن أُنْعَتَ بالمُخَنَّثِ، فيتهيّأ لي أنّ الصِفَةَ هذه محفورةٌ في عيون أترابي المُحدِّقة بي، ولا يتطلّب تحوّلها لفظةً تخرج من أفواههم سوى هفوة مني. صرتُ أرتاب من أيّ فعل أقدِم عليه عفويّاً، فأرى جسدي وصوتي كعَدُوَّيّن ينبغي على الدوام الإحتراس مِن غدرهما، مِن أيّ نعومة قد يُتيحان لها التسلُّلَ إلى حركاتي ونبرتي.


احترازاً من أيّ أنوثة قد تشوبهما، بدأتُ أراقِب مُدقّقاً في سلوكي وحركة جسمي قبل أن يصدرا عنّي. وفي خيالي أخذتُ أتدرَّبُ على أفعالي، أكرِّرها، أُقَوْلِبها، وأهندسها لتُبصرَ النورَ مُكتملةَ الرجولة. أعتقد أن ما نَتَجَ حينذاك عن تماريني الذهنية العسيرة سلوكٌ على مسافة واحدة من التخنّث والفحولة بدا، في أغلب الظّن، عادياً طبيعيّاً لمَن أعاره انتباهاً؛ غير أنّ قطيعة وقعت بيني وبين جسمي، فأصبحَ غريباً عنّي، كأنّه ليس لي، يتحرّك على  نحو شِبْه آليّ، مُنفِّذاً ما بَرمجْتُه مُسبقاً القيام به ومُستقلّاً إلى حدٍّ ما عن إرادتي الآنيّة.


كنتُ أبصِرُني في أحلامِ يقظتي مُتبخْتِراً مزهوّاً بنفسي، فيما أمشي لوحاً خشبيّاً على أرضِ الواقعِ. ذاك أنّني، أثناء سَيْري، كنتُ أشعر أنّ الجزءَ العلوي من جسمي قطعةٌ واحدة متصلِّبة، دِرع حديد بلا مفاصل، يَعتصِر ما كان يتهيَّأ لي أنه جذعي وكتفَيّ وذراعَيّ الحقيقيّة. على الرغم من ذلك كلّه ارتضَيْتُ قوقعتي سجناً لروحي وبديلاً مِن فحولةٍ عجزْتُ عن بلوغها.


3. أَبْلَهُ دوستويفسكي


يعود اهتمامي بالمطالعة إلى سنّ الخامسة عشر، حينما راحت مُعلِّمةُ الفرنسيّةِ تعرض لنا شهرياً روايات ثلاث لنختارَ منها واحدةً نقرأُها ثم نُمْتَحَن فيها خطيّاً أو شفويّاً. في السنوات السابقة لم أكن أقرأ الروايات المُفروضة علينا، بل أَطْلُبُ من أحدِ زملائي أن يروي لي أحداثها قبل يومٍ أو يومَيْن مِن الإمتحان، ذلك أنه كان عليّ تعذيب مُخيِّلَتي وجَلْدها لحملها على تحويلِ الكلماتِ صوراً حسيّةً باهتةً فحسب. لست أدري، إذاً، ما الذي دفعني إلى قراءةِ "اسم الوردة" لأمبرتو إيكو، عندما اقترحتها علينا المُدرِّسةُ تلك. لكنني أذكر كمّ عانَيْت وأنا أحاول فَهْمَ هذه القصّة البوليسيّة المُطَعَّمة بالفلسفةِ وعلمِ اللاهوتِ القروسَطِيَّيْن، حتّى أنّني اسْتَعَضْتُ عن الترجمةِ الفرنسيّةِ بأخرى عربيّةٍ لم تُسهِّل مهمّتي كثيراً.

كان افتخاري ببلوغِ الصفحةِ الأخيرةِ متعتي الوحيدة التي نلْتُها آنذاك، لكنّها كانت كافيةً لحثّي على الغوص في "الأبله" لدوستويفسكي (أحد اقتراحاتِ المُعلِّمةِ أيضاً)، فاكتشفت حينئذٍ متعَتَيْن مِن صنفٍ آخَر: القراءة، والقراءة بالفرنسيّة.

أتاحت لي تلك الروايةُ العيشَ موقّتاً خارج جسدي، أو بالأحرى نسيانَه. صرتُ طيفاً منعدمَ الوزنِ يسرح حرّاً في روسيا القرن التاسع عشر بِصُحبة مجانين دوستويفسكي. وما كان انعتاقي من جسدي ليحصل لو كنتُ قرأت "الأبله" بالعربيّة: فالغُرْبَة المكانيّة (روسيا) والزمنيّة (القرن التاسع عشر) التي سمحت لي بنسيان نفسي (أيّ جسمي ورجولته وأنوثته وحركاته المُبرمجة والآليّة، إلخ...) لم تكن ممكنة لولا الغربة اللغويّة. وهي غُرْبَةٌ أدمنتها كمُسكرٍ، ولا أزال حتى اليوم أبحث عنها في الروايات. لقد عثرتُ في الفرنسيّة على فضاء ينتفي فيه ذاك الشّطْر من ذاتي المُتجذِّر في لغتي الأُمّ، عاميّة كانت أَمْ فصحى. صار لديّ، إذاً، مكانٌ آمِن ألْتَجِئُ إليه: الروايات الفرنسيّة أو المترجمة إلى الفرنسية؛ مكانٌ حيث لا تحيلني فحولةُ العربيّةِ إلى رجولتي المُترنِّحة المضّطربة.


4. بين قوسَيْن: النبيُّ المحاربُ والإلهُ الأضْحِيَّة

(أصبحتُ، إذاً، مفتوناً بالفرنسيّة، ولمّا كنتُ أتخيَّلُ أنّ هويّة المسيحيِّ في ديارنا اللبنانيّة على صِلَةٍ لا فكاك منها بالفرنسيّة، أكان يجيدها أم لا، أمسيتُ مفتوناً بنصارى لبنان أيضاً، ثم بفريق كرة السلة المحلّي والمسيحي، "الحكمة"، وأخيراً بيسوع المسيح، هو إياه لا غيره، ذاك الإله الناعم، الرقيق والمظلوم الذي تخيّلته ناطقاً بالفرنسية فيما هو ينازع على صليبه، وأحببته أكثر من نبيّنا الفاتح والمُجاهد).


5. الفرنسيّةُ لغةٌ بلا جسد (في ما يخصّني حصراً)

كانت الفرنسيّةُ بلسماً لروحي (عِبارةٌ مُستهلكة، خشبيّة، لكن دقيقة وفي محلِّها هنا)، فصرتُ أقرأ بنهمٍ لأشعر بأنني شخصٌ آخر، تماماً كما يتقمّص امرؤ بطلَ مسلسلٍ سفيهٍ أو فيلمٍ رديءٍ يشاهده غارقاً في أريكته مُحدِّقاً في شاشة التلفزيون. لكنني في المقابل كنتُ أقرأ لأرضي غروراً كان يذهب بي إلى الأَنَفةِ من طلبِ الهروبِ عَبْر مسلسلٍ سفيهٍ أو فيلمٍ رديءٍ، فأجنح إلى طلبه عَبْر أمّهات الأدب العالمي. إنّ مداواةَ كبرياءٍ جريحٍ (وهل رجولتي المُترنِّحة سوى شكل من أشكال الكبرياء الجريح؟) مِن المُحفّزاتِ الرئيسة التي تدفع مراهقاً إلى قراءة الأدب – وقد يتبدّى هذا القَوْلُ، بعد شيءٍ من التمحيصِ، تعميماً مفرطاً لحالةٍ هي حالتي وحدي. فعادة المراهق شِبه السريّة هذه (قراءة الروايات وليس الإستمناء، مع أنّ أَوْجُه الشَّبه بين العادَتَيْن كثيرة كثيرة)، وهي حكرٌ على قلّة قليلة، تُوْهِم مُمارِسَها الدؤوبَ أنه اكتسب عِلْماً لا تملكه سوى صفوة مِن البشر، كأنه صار مُدركاً بواطن الأمور، أيّ بات يَفْقَه الحياةَ كما لا يفقهها العَوامّ.

لكن ما أبعد الحياة أحياناً مِن الروايات، وحتّى مِن أكثرها واقعيّة وأقلّها غنائيّة ورومنطيقيّة! فالروايات لا تزيد عِلْماً بالحياة، إلّا مَنْ سبق أن عاش الحياة حقّاً. أمّا مَن كان مثلي متقوقعاً على نفسه، منقطعاً عن دنيا البشر، فسَكَن الكتبَ، والأفلامَ الرديئة وغير الرديئة، وأدمن أحلام اليقظة ووقودها التي هي الكتب والأفلام، فلن تزيده الروايات إلّا جهلاً بالحياة، وتقوقعاً على نفسه، وانقطاعاً عن دنيا البشر. وإذا كان لا يلتهم الروايات إلّا بلغةٍ قد يجيدها كتابةً وقراءةً، لكنّه نادراً ما ينطق بها، لغة لا تمت إلى محيطه بصلة (الفرنسيّة في حالتي)، فسرعان ما سيصبح مُقيماً في عالَمٍ آخَر، الكائنات كلّها فيه نسخة شبحية باهتة مِن مخلوقاتِ العالم الواقعي الحيّ.

والحقّ أنني لم أَعِ ذلك إلّا بعد سنوات. كنتُ تجاوزْتُ العشرين فيما آفَةُ القراءةِ التي أعاني منها آخذة في التفاقم، ومِن أعراضها المُتقدِّمة بدئي بكتابة قصصٍ قصيرة باللغة الفرنسيّة. كانت قصصي تلك مُستلهمةً مِن كافكا إلى حدٍّ ما، غرائبيّةً ورمزيّةً بإفراط. في إحداها (وقد عَنْوَنْتُها "الصحراء") يخرج البطل من منزله للتنزّه في المدينة. هائماً في الشوارع، يروح يُدخِّن سيجارة مارلبورو تلو أخرى إلى أن تَفْرَغَ علبتُه. يشرع حينئذٍ يبحث عن متجر ليبتاع منه علبة أخرى، فينتبه إلى ما لم يكن قد تنبّه إليه طوال ما لا يقلّ عن ساعةٍ من السير على غير هدى: الشوارعُ والأزقةُ كلّها خاليةٌ تماماً من البشر، المتاجرُ كلّها مُقفلةٌ. لا يُدهَش بطلُنا ولا يَضطرب كثيراً؛ فقط تُقلقه فكرةُ اضطراره إلى قضاء ليلته من دون سجائر. ليلةٌ لن يُغمَض له جفن في ساعاتها الطويلة، مُتذوِّقاً عذابات الحرمان من التبغ. ومع بزوغ أوّل شعاع شمس، يهرع إلى الشارع راكضاً، هلِعاً، لاهثاً من متجرٍ إلى آخر، فيجدها مُغلقةً كلها، إلى أن يُدرِك أنه الإنسانُ الأخيرُ المُتبقي على وجه الأرض.

هذه مقدمّة القصّة. أمّا لُبّها فوصفٌ للتحولات النفسيّة التي تطرأ على هذه الشخصيّة بعد اكتشافها أن الدنيا باتت صحراء مقفرة. لكن دعك مِن تفاصيل مُملّة كهذه. أكتفي بالقول إن بطلي الذي لم أتكرَّمْ عليه بِاسْمٍ، لم يكلّف نفسه عناء التفكير في سبب اختفاء البشر، بل إن التساؤل هذا لم يخطر حتّى في باله. كلّ ما فعله هو التأقلم مع هذه الحالة الجديدة. ومِن تقنيات التأقلم الرئيسة التي يلجأ إليها، إسرافه في الإستمناء. وهكذا تنتهي الحكاية.

كانت هذه أوّل قصّة ابتدعها. وأعتقد أنها النموذج الأصليّ لتهويماتي الكتابيّة الفرنسيّة كلها. ففي قصصي اللاحقة جميعها، كنتُ بطريقةٍ أو بأخرى أَمْحُو الواقع محواً تامّاً. لم يكن ذلك عن سابق تصوّر وتصميم، إذ كنتُ لا أنفكّ أضع تخطيطاً أوّلياً تلو آخر لحكاياتٍ واقعيّة تُوْلَد ميتةً، فينتهي الأمر بي إلى ابتكار قصص لا أسماء لشخصيّاتها ولا حتّى سمات جسدية، فيما تدور أحداثها في بيئة غير مُحدَّدةٍ بلا معالم، أيّ في اللامكان، كأنما الخلفيّة الوحيدة لتلك الأحداث هي الورقة البيضاء التي تصطفّ عليها الكلمات.  

كانت نصوصاً مُغلقةً، منقطعةَ الصلةِ بكلّ ما هو خارجها، لا تُحيل سوى إلى نفسها، كأنّ مؤلِّفَها روحٌ خالصةٌ لم تتقمّص جسداً بعد. روحٌ منعدمةُ الوزنِ، تائهة في عالم المُثل الأفلاطونيّة، حيث الأشياء كلّها لا تزال مُجرّدةً، عامّةً، وبلا خصائص، لم تدخل بعد حيّزَ الوجودِ الحسّي المُحَدَّد والملموس. كانت، ببساطةٍ، نصوصاً عن لا شيء.  


6. وعُدْتُ إلى أحضان لغتي الأُمّ

لم أُدْرِكْ أن للفرنسيّة دَوْراً في انفصال قصصي عن الواقع، ولم أَرَ أصلاً في هذا الإنفصال أيّ مُشكلة، إلّا بعدما شرعت أكتب بالعربيّة. أقدمتُ على ذلك في عمر مُتأخِّر نسبيّاً (31 سنة)، ولأسبابٍ ظننتها عمليّةً بحتة في بادئ الأمر.

كنتُ آنذاك أعمل مديرَ مطعمٍ بدوام جزئي. وكي لا يغرَّكم لقبُ "مدير" وما قد ينطوي عليه مِن أُبَّهة، هذا وصفٌ مُقتضبٌ لمهامي الوظيفيّة: أجلس إلى إحدى طاولات المطعم أمام شاشة اللابتوب، فأرمي النادل الوحيد بين فينة وأخرى بنظرةٍ شاردة للتأكّد مِن أنه يخدم الزبائنَ القليلين على نحوٍ لا بأس به. هذا إن حدث ودخل إلى المطعم زبونٌ طوال ساعات دوامي التي كانت أكثر أوقات النهار خموداً. باختصار كنتُ أتقاضى أجراً لقاء عطالتي.

كانت تلك الوظيفةُ مثاليةً لمَن يحلم مثلي أن يصبحَ أديباً، فيبتغي عملاً يعتاش منه، لكن لا يستنزف كلّ طاقته ويسلبه كامل وقته. وبالفعل أمضيت جُلّ نهاراتي أكتبُ في ذلك المطعم: بضع قصص قصيرة، لكن مقالات صحافيّة خصوصاً، مُعظمها مراجعات رواياتٍ رحتُ أنشرها، على نحوٍ مُتقطِّعٍ، ثم بشيءٍ من الإنتظام، في مُلحق أدبيّ شهريّ لصحيفة لبنانيّة فرنكوفونيّة.

كنتُ أنبهر باسمي مطبوعاً بالخطّ العريض تحت كلٍّ مِن تلك المقالات، فأخالني غَدَوْتُ ناقداً أدبيّاً مُتمرّساً لن يلبث أن يتحوّل قاصّاً، ثم روائيّاً فرنكوفونيّاً ينحني كتّاب فرنسا أمام أناقة أسلوبه وبلاغته. ظللتُ مُكتفياً بهذا القدر مِن الكتابةِ  والأحلامِ حتى أُبْلِغْتُ بسلسلةٍ من الإجراءات اتّخذها أصحاب المطعم للحَدِّ من الإهدار المالي، ومنها خفض عدد أيام عملي إلى النصف. هكذا رأيتُني فجأةً في حاجة ماسّة إلى العثور على مصدر دخل إضافي: "عليكَ أن تنشر مزيداً مِن المقالات"، قلتُ لنفسي. لكن بما أن المنشورات التي تصدر بالفرنسية قليلة جدّاً في لبنان، عقدت سريعاً عزيمتي على أمرٍ لا أزال حتى اليوم، بعد أربع سنوات، أجد فيه شيئاً مِن جنون العظمة: قرّرتُ أن أكتبَ بالعربيّة.

حاوِلوا أن تتخيَّلوا مدى الغطرسة التي ينطوي عليها قرارٌ كهذا: كان عمري 31 سنة وأَرَدْتُ أن أكتبَ بلغةٍ لم أستخدمها إلّا مُشافهةً، ولم أَخْطُطْ بها كلمة واحدة منذ ثلاثة عشر عاماً. لغةٌ نسيتُ تماماً قواعدها التي لم أُعِرْها أصلاً الكثير من انتباهي أيّام الدراسة. لغةٌ لم أكن قد قرأتُ بها آنذاك ما يزيد عن عشرين رواية.


7. الفصحى لغةٌ مُتَرْجَمة

كان الأمر أشبه بتَعَلُّمِ لغةٍ أجنبيّة. صحيحٌ أنني لم أعتمد، عموماً، سوى العربية للمخاطبة، وحتّى للتفكير. إلا أنها كانت عربيةً عاميّةً، شعرتُ أن اختلافها عن الفصحى يكاد يُضاهي اختلافَ لغةٍ عن أخرى.

أخذتُ، إذاً، أكتبُ ببطءٍ مهولٍ، بل كارثيٍّ، مقالاتٍ نشرتُها في الملحق الثقافيّ الأسبوعيّ لصحيفة لبنانيّة تصدر بالعربيّة. كنتُ أصلاً أصوغ الجمل الفرنسيّة كمَنْ يُتَأْتِئُ ويُتَأْتِئُ كي تَخْرُجَ أخيراً كلمةٌ سليمةٌ مِن فمه، فأضحيتُ، في محاولاتي تركيبَ جملةٍ عربيّةٍ، مثل كسيحٍ ينتظرُ معجزةً تقيمه عن كرسيه وتَبُثّ الحركةَ في ساقَيْه... لكن ما الفرق بين الرِّجْلِ والسَّاق؟ وبين الجسم والجسد والبدن؟ وهل كلمة "مشى"، وغيرها وغيرها من الكلمات، عاميّة أم فصيحة؟ وهل أستهلُّ جملتي بالفعل أم بالفاعل أم بظرف زمانٍ أو مكانٍ أم بحرف جرّ؟ وماذا تكون هذه الـ"كان" التي تَجُرُّ خلفها قافلةً مِن الأخوات؟ أهي المُشعوذة الخبيثة التي تنصب المُبتدأ وترفع الخبر (وما المُبتدأ والخبر؟ كنتُ نسيتُ أن في العربيّة أشياء غرائبيّة من هذا القبيل)، أم أنّ تلك هي "إنّ" التي تؤازرها في عملها أخواتها الشريرات؟ وما هو الحال، والتمييز، والمُضاف والمُضاف إليه؟ ومتى يُحْذَف حرف العلّة مِن الفعل؟ "إِيَّاكَ وَتَشْكِيْلَ الكَلِمَاتِ، وَإلَّا الفَضِيحَةُ"، كنتُ أُحَذِّرُ نفسي – "لكن ماذا أفعل بألف التنوين؟".  

هذه مجرّد عيّنة بسيطة مِنْ أسئلةٍ كانت تزدحم في ذهني عند كتابة كلّ كلمة تقريباً، ثم تُؤَرِّقُني ساعة أو أكثر في الليل. وحين يتعاظم القلق، كنتُ أُذَكِّرُ نفسي بأن عَمّي، وهو روائي وصحافي، سوف ينقّح مقالتي تنقيحاً تامّاً قبل أنّ أُرسِلها إلى مُحرِّر المُلحق الثقافي. لكن ما كان يُرعبني ويشلّني هو إحساسي الذي لم يبارحني إلى اليوم بأنني لا أكتبُ بالفصحى، وإنما أُترجِم إليها. وكنتُ أتخيّل أن القرّاء جميعهم سوف يلاحظون ذلك فوراً، مِنْ السطر الأوّل.

مُحدِّقاً في شاشة اللابتوب وأناملي موشكة على مُلامسة لوحة المفاتيح، كنتُ أسمع صدى أفكاري يتردّد في رأسي، إمّا بالعاميّة اللبنانيّة، وهي لغة حياتي اليوميّة، وإما بالفرنسيّة التي كانت تستحوذ جزئيّاً على دماغي حين أريد أنّ أكتب. وبعدما قرّرتُ اعتمادَ العربيةِ، صار عليّ، باستمرار، إمّا تفصيح ما يتوارد إلى ذهني، وإمّا تعريبه. هكذا أصبح فعل الكتابة ترحالاً متواصلاً مُضنياً بين لغاتٍ ثلاث، تمنّيتُ لو أستطيع نسيان اثنتَيْن منها علّني أستقرُّ في بلاد الفصحى التي كنتُ هجرتها منذ زمن بعيد.

لم تَنْبَعْ تلك الأمنيّةُ مِن حنينٍ، بل مِن رغبةٍ دفينةٍ في أن أكتبَ بلُغَةٍ تَمتلكُ جسداً. كنتُ صرتُ مُدرِكاً آنذاك أنّ قصصي القصيرة لا تُعَبِّر عن شيء سوى عن تقوقعي وقطيعتي مع جسمي، أيّ عن تَحَوُّلي طيفاً هارباً مِن مُحيطِه ومُجتَمَعِه وحتّى مِن حياتِه. وقد أيقنتُ أيضاً أنّ الفرنسيّةَ لغةٌ عديمةُ الصلةِ بالدنيا التي أسكُنُها، فلا تُحيلني مُفرداتُها وجُمَلُها سوى إلى الروايات الغربيّة التي كنتُ قرأتُها. روايات تُصَوِّر عالماً خلتُني أعرفه، لكن الحقّ أنني كنتُ أجهله جهلاً تامّاً، فأُعيد بناءَه، في مُخيِّلتي، عالماً روحيّاً شَبَحِيَّاً يفتقر إلى أيّ عُنصِر حِسّيّ أو مادّي.


8. كيف انتزعتُ عربيَّتي من الفرنسيّة

بعد حوالي سنة ونصف السنة مِن مباشرتي الكتابة بالعربيّة، عرضَت عليّ دارُ نشرٍ ترجمةَ روايةٍ عن الفرنسيّة. تردّدتُ كثيراً طوال أسبوعَيْن، لكنني وافقت في نهاية المطاف، إذ ظننتُ الترجمةَ إلى العربيّة أفضلَ تمرينٍ على الكتابة بهذه اللغة.

أرهقني هذا العملُ واستنزفني سنتَيْن. بعد إتمامه، أدركتُ أنّني لم أكن أسعى فيه إلى التدرُّب على الكتابة بالعربيّة، بقدر ما كنتُ أسعى إلى إخمادِ ضجيج الكلماتِ والجملِ الفرنسيّةِ التي كانت تتردّد في رأسي عندما أكْتُبُ بلُغتي المُسماة لغتي الأمّ. أردتُ، إذاً، أن أَعْكِسَ، على نحوٍ ما، تلك العمليّةَ الذهنيةَ التي تقوم على ترجمة أفكاري من الفرنسيّة إلى العربية، وذلك باستبدال الأفكارِ بنصٍّ فرنسيٍّ يكون جامداً أمام ناظريّ، فأنقله إلى العربيّة. باختصار كان هدفي ترويض دماغي وإرغامه على التفكير بالعربيّة الفصحى.  

لم أنجَح في ذلك إلّا جزئيّاً: خَفتت أصداء الفرنسيّة في رأسي، فصارت تأتيني الكلمات والجمل بالعربية الفصحى على نحوٍ مُتزايد، وبتُّ أشعرُ أن ما أكتبه ليس مُنْقَطِع الصلة بالحياة. لكنني اكتشفتُ أن عربيَّتي لغةٌ بُتِرَ جزءٌ مِن جسدها، لغةٌ ستبقى كسيحةً على الأرجح.  


9. لغةٌ بلا إرث

حين أكتبُ بالعربيّة أرتكبُ إثماً. أُدَنِّس شيئاً مُقدَّساً. إذ أشعرُ بأنني لا أَخْلُق نصّاً فقط، وإنما لُغةً لا حقّ لي أصلاً في استخدامها. ليس مِن مَرجعٍ أّتَّكِئُ عليه حين أكتبُ بلغةٍ يُفتَرَض أنها لغتي الأمّ. جهلي بتراثها الأدبيّ مُدْقِعٌ. صحيحٌ أنني قرأتُ عدداً لا بأس به مِن الروايات العربيّة في السنوات الأربع الأخيرة، بيد أنها روايات نُشِرَت حديثاً، مُعظمها رديء. أمّا اطلاعي على ما كَتَبه العربُ منذ الجاهليّة وحتى العام 2010، فيناهز الصفر.

أخُطُّ كلماتي في فراغٍ لغويّ، حيث لا سَنَد لي ولا مُعين. ذاكرتي خاليةٌ مِن النصوص العربيّة، لم تختزن أيّ شذرات نثريّة أو شعرية. هي ذاكرة مُعتِمة، سوداء، لا يسكُنها أيّ كاتب عربيّ كبير أستنجد به حين أضلّ طريقي، لأستلهمَ منه، لأتمرّد عليه، أو حتى لأسأله فقط ما إذا كانت هذه المُفردة أو تلك في محلِّها أم في غير محلِّها، ما إذا كانت هذه الجُملة أو تلك ركيكة أم لا.


10. موسيقى بلا كلمات

لم أحبّ يوماً العربيّة. ومع الوقت تعلّمت ألّا أكرهها. كنتُ في ما مضى، طوال سنوات إفتتاني بالفرنسيّة، أنسُبُ إلى اللغة، إلى أيّ لغة، قدرات سحرية، بل حتّى صوفيّة: كنتُ أعتقد أن الأسلوب البديع هو غاية الكتابة الرئيسة، وأنّ موسيقى الكلمات تفوق المعنى أهميّةً. لكن بعدما ابتعدت عن الفرنسيّة باتت نظرتي إلى هذه المسألة أكثر عمليّة، فصرت أرى اللغة مجرد أداة للتعبير عمّا أريد قَوْله.

لا أزال أرغب في الهروب مِن الدنيا، مِن جسدي ومِن ذاتي، لكنني أصبحت مُدركاً أن الكتابة ليست الوسيلة لذلك. بل هي، على العكس تماماً، وسيلةٌ لمقاومة ذلك، مُحاولةٌ – غالباً ما يكون مصيرها الفشل – لنزع ستار الوهم عن الذات والعالم. والستار هذا، في حالتي، كان الفرنسية، هذه اللغة التي حجبْتُ بها حياتي عن نفسي. لكنني بها اكتشفْتُ الأدب، وتعلّمتُ الكتابة، فجعلتني أوقِنُ أن ما كتبتُه كان يوسِّع الشرخ بيني وبين الحياة، حياتي. الفرنسيّة هي التي دفعتني إلى هجرانها، وهي التي حملتني أخيراً على اعتماد العربية.

لقد هجرتها ورحلْت. لكنني لم أخسرها بالكامل. حملتُ معي شيئاً منها. موسيقاها التي عَشِقْتُ. موسيقى خافتة بلا كلمات ترافق اليوم جملي العربيّة كلّها. جملٌ ستحمل دوماً أثر الترجمة، حتّى لو لم يَلْحَظْه أحدٌ سواي.
عن المدن

تجربة الألم للأنثروبولوجيّ الفرنسيّ دافيد لوبروطون

2:23:00 م اضف تعليق

المهدي مستقيم*

تكتسي أبحاث العالِم الأنثروبولوجيّ الفرنسيّ دافيد لوبروطون، أهمّية خاصّة، ضمن حقل العلوم الاجتماعيّة المُعاصِرة، وذلك بالنظر إلى جِدّة القضايا التي يشتغل عليها وعُمقها، وتفرُّد مُقاربته لها، حيث عُرِف باهتمامه بمجالاتٍ هامشيّة، لا ينتبه إليها علماء الأنثروبولوجيا وعُلماء الاجتماع إلّا في ما ندر، ونخصّ بالذكر منها لا الحصر بحثه الموسوم بـ "تجربة الألم"، الصادرة ترجمته العربيّة حديثاً، عن دار توبقال للنشر والتوزيع/المغرب(2018)، بقلم الباحث والمُترجِم المغربيّ فريد الزاهي.


يبسط الأستاذ فريد الزاهي في الكلمة التي خصّها لهذه الترجمة، مجموع الدوافع التي جعلته ينكبّ على نقْل هذا الكِتاب إلى اللّغة العربيّة، مركّزاً على سعيه الحثيث إلى الإسهام في تبديد الشحّ والهزالة التي تحيط باستقبال النصوص الكبرى، التي تهمّ الجسد واليومي على مستوى حقل العلوم الاجتماعيّة؛ ففي  العالَم العربي، لا تولي هذه العلوم " أهمّية كبرى للجسد واليومي، مديرة الظهر للظواهر الفرديّة التي يعيشها الإنسان… فالعلوم الاجتماعيّة لا تختصّ فقط بالجمعي وإنّما بالفردي، ولا أدلّ على ذلك من أنّ دوركهايم رائد عِلم الاجتماع، قد خصَّص دراسة مرجعيّة مهمّة عن ظاهرة الانتحار في بدايات القرن الماضي، وهي الظاهرة التي صارت تستشري بين الشباب، من مدّة، في بلدان العالَم العربي من غير أن يتمّ الاهتمام بها وبِعللها وبطبيعة مُمارستها والألم الشخصي والاجتماعي الثاوي وراءها".

يوضح دافيد لوبروطون، أنّ هذا المصنّف هو امتداد لمصنّفات سابقة، حين يؤكّد قائلاً: " الكِتاب امتداد لكِتاب أنتروبولوجيا الألم (1995 ، أعيد طبعه سنة 2004)، الذي ألحَّ بالأخصّ على البُعد الاجتماعي والثقافي للألم. ومنذ الطبعة الأولى لذلك الكِتاب، لم أكتفِ فقط بمُتابعة تلك الأبحاث في سياق المرض أو الحوادث، وإنّما تابعتُ أيضاً الأبحاث الخاصّة بالسلوك ذي المَخاطر لدى الشباب (2002 ،2003، 2007) والرياضة القصوى (2002)، والبودي آرت (فنّ الجسد) والطقوس المُعاصرة لتعليق الجسد (2003). إنّ هذه الأوجه المتعدّدة للألم توسِّع من فهمه بتبيان التنويعات الهائلة للإحساس به". ومن ثمّة على القارئ، إن هو أراد الإمساك بخيوط المعاني والدلالات المتشعّبة، داخل هذا المصنّف، أن يستحضر نتائج هذه الابحاث.

على امتداد مائتي صفحة، يطوف بنا دافيد لوبروطون في رحلة مُمتعة داخل عوالِم الألم، انطلاقاً من أبعاده المادّية، المتمثّلة في المرض أو التعرّض لحادثة، وصولاً إلى أبعاده الرمزيّة المتمثّلة في العذاب النفسي الذي يهدِّد هويّة الفرد، مُستنطقاً بذلك أنواع الألم القسريّة والطوعيّة، وطُرق تملّك الألم وضبطه وترويضه؛ إذ يُعالج تجربة الألم والطريقة التي يُعاش بها ويتمّ الإحساس بها من قبل الأفراد، ويحاول الاقتراب ما أمكن من الشخص ليحقِّق فهماً دقيقاً حول الحياة الفرديّة المَعيشة، وذلك بالاستناد إلى أدوات البحث الأنثروبولوجي.

يسعى لوبروطون إلى الكشف عن مجموع التمفصلات التي تسكن العلاقة القائمة بين الألم Douleur، والعذاب Souffrance، إذ باستثناء الفصل الأوّل المُعنوَن بـ: "لا وجود لألمٍ من غير عذاب"، الذي صوَّر فيه الألم كتجربة تقود إلى العذاب، كالذي يعيشه الشخص أثناء المرض أو مخلّفات الحوادث أو التعذيب، يصرّ  لوبروطون على تصوير الألم كضرورة وجوديّة تتعالى على العذاب لتحصيل اللّذة وتحقيق الذّات، والمتعة، والتفتّح الذاتي، وخصوصاً في فصول الكِتاب الموالية التي جاءت عناوينها كما يلي: "الألم والمعنى"/ "ألمٌ ضروريّ للوجود"/ "الألم والتعذيب"، "تهميش الذات" / "اشتغال الألم"، "الألم المُلتبس: الوضع/الألم ضدّ العذاب". ويرجع ذلك إلى اعتقاد لوبروطون في أطروحة أساسيّة، مفادها أنّ "الألم المطلوب أو المَعيش من خلال السلوك ذي المخاطر أو حزّ الجسم هو من طبيعة مُغايرة للألم المُلِمّ بالمريض مثلاً. فالرياضي المُمارِس للرياضات القصوى أو الرياضي في المُسابقات أو من خلال التدريبات هو امرأة أو رجل يقبل بالألم باعتباره مادّة أوّلية لمنجزاته، فيسعى إلى ترويضه وكبحه، ويعلم أنّه إن لم "يُهاجمه بكلّ قواه" فسيكون ذلك من باب التهوّر. أمّا الشخص الذي يعلِّق نفسه بمعلاق من الحديد في الصدر، فإنّه يسعى إلى النشوة أو إلى عيش تجربة روحانيّة. وفي سجلّ آخر، تبيّن تجربة وضع الحامل لحملها عن لَبس قويّ، بحيث إنّ بعض النساء يعشنها باعتبارها عذاباً لا يُحتمل والأخريات بوصفها إحساساً لا يُنسى لكن لا علاقة لها بالألم. ثمّة أيضاً مَن يبحث عن النشوة الجنسيّة من خلال تمارين متنوّعة للقسوة في المُمارسات السادومازوشيّة. الألم مُتراكِب كالدمى الروسيّة. ما إن نفتح واحدة حتّى تظهر أخرى وهكذا دواليك. بالجملة فأوجه الألم لا حصر لها". غير أنّه لا تفوتنا الإشارة إلى أن نؤكّد رفقةً لوبروطون أنّ هذا البحث بعيد كلّ البعد عن كلّ أنواع التصوّف، إذ بإمكان قائل أن يقول إنّ المرء، رجلاً كان أم امرأة، بإمكانه أن يعرِّض نفسه لمختلف أنواع الحرمان الفظيع وأن يعيش شتّى أنواع الجروح، ليس بما هي عذاب وإنّما بما هي ضرب من ضروب التلذّذ، تبعاً لاعتقادٍ مفاده أنّ هذه المحن قد تقرّبه من الله. قول كهذا لا يدخل ضمن دائرة اهتمام هذا الكِتاب، بيد أنّ لوبروطون قد أفرد لهذا المستوى من النقاش، كتاباً خاصّاً يحمل عنوان: "أنتروبولوجيا الألم"، صدر سنة 2001 .

تنطوي تجربة الألم على خاصّية جوهريّة، تجعله لا يمنح الشهيّة في أيّ شيء، إذ سرعان ما يستأصل الإنسان من فضاء عاداته القديمة، ويدفعه مُكرهاً إلى التملّص والانفلات من ذاته، ليعيش مُغترباً عنها، في ما يشبه الحداد على الذّات، من دون أن يتيح له أدنى إمكانات الالتحاق بها مرّة أخرى. وفي الوقت نفسه، يستأنف العذاب توسيع هذا الانزياح ومطّه، ليشمل الوجود بكامله، ما يجعل العذاب جزءاً من الألم، أو وظيفة للمعنى الذي يكتسيه الألم، إنّه بعبارة أدقّ، العنف الذي يخضع له الإنسان. ومن أجل ذلك فإن "الألم يكون دوماً متضمَّناً في عذاب معيّن، إنّه منذ البدء ألم وعدوان لا يُطاق إلى هذا الحدّ أو ذاك. العذاب هو الصدى الحميم للألم، ومقياسه الذاتي. إنّه هو ما يفعله الفرد بألمه، وهو يشمل مجمل سلوكه ومواقفه، أي استسلامه أو مُقاومته للانصياع لتيّار الألم ومَصادره الجسمانيّة والمعنويّة ليصمد أمام المحنة. العذاب ليس امتداداً لتشوّه عضوي، وإنّما هو نشاط للمعنى لدى الإنسان الذي يتعذّب. وإذا كان الألم زلزالاً حسّياً، فإنّه لا يصيب إلّا بمقدار العذاب الذي يؤدّي إليه، أي المعنى الذي يتّسم به. لنذكّر بهذا الصدد بتعريف بول ريكور، الذي يعتبر أنّ الألم ينطبق على " الأحاسيس التي يتمّ عيشها باعتبارها متموقعة في أعضاءٍ خصوصيّة من الجسد أو في الجسد بكامله، وأنّ العذاب لفظ يحيل على أحاسيس مُنفتحة على الانعكاسيّة واللّغة والعلاقة بالذات والعلاقة بالغَير والعلاقة بالمعنى وبالتساؤل".

الألم إذن، تجربة تعاش، وقوّة لا يتلمّس مفعولها إلّا مَن يحسّ بها، بيد أنّ الألم شأنه شأن المرض أو الموت فدية للبُعد الجسماني للوجود، إنّه حظوة الشرط الإنساني والحيواني ومأساته، وعلى الرّغم من أنّه ضرورة يشترك فيها جميع الناس، إلّا أنّه يظهر دوماً للشخص الذي يعيش تجربته وكأنّه معطى دخيل على ذاته، "هذا الألم لم نكُن نتصوّره قبل أن يصيبنا. ونحن، بعد أن ألمَّ بنا، بالكاد نستطيع تصوّره باعتباره ألماً".

*باحث من المغرب

عيسى مخلوف عن ضياء العزّاوي

9:32:00 ص اضف تعليق
يحضر الفنّان العراقي ضياء العزّاوي في باريس من خلال أعماله المعروضة في "معهد العالم العربي" وفي ‫"متحف بيكاسو‫" حتّى نهاية هذا الشهر، وهي أعمال تنطلق من مجزرة صبرا وشاتيلا التي وقعت في أيلول‫/ سبتمبر ١٩٨٢، أثناء الحرب الأهليّة في لبنان، ومن نصّ كتبه جان جونيه عن تلك المجزرة، وأيضًا من حصار مخيّم تلّ الزعتر وسقوطه. في ما يأتي، مقالي في العدد الأخير من "مجلّة الدراسات الفلسطينيّة".



*
‫ "صبرا – تغنّي نصفها المفقود بين البحر والحرب الأخيرة / لمَ ترحلون/ وتتركون نساءكم في بطن ليل من حديد؟/ لمَ ترحلون/ وتعلّقون مساءكم/ فوق المخيّم والنّشيد"‫.‬‬‬ محمود درويش
*
في جداريّاته ورسومه، وفي أعمال الحفر والطباعة الحجريّة التي تصوِّر المجزرة، يعلن ضياء العزّاوي حنانه الإنساني، ويُطلق صرخة مدوّية‫ ضدّ الجريمة. يطغى اللون الأسود وتدرُّجاته على هذه الأعمال كأنّها جريدة حائط تتألّف حروفها من الأعضاء المتلاشية المفكّكة التي سحلتها آلة القتل. الحمامة البيضاء هي الكائن الحيّ الوحيد في هذه الأرض الخراب، أمّا وجوه البشر المطعونة في الصميم فلا تحضر إلاّ لتأكيد موتها وغيابها.‬‬‬
يستلهم ضياء العزّاوي أعماله التي تعبّر عن المجزرة من لوحة « غيرنيكا » التي أنجزها بيكاسو عام ١٩٣٧ خلال الحرب الإسبانية ردًّا على قصف مدينة غيرنيكا الذي أودى بحياة المئات من المدنيين. لوحة تنطلق من التاريخ الآنيّ لتذهب أبعد منه‫، ومن مدينة صغيرة منكوبة لتعبِّر عن أهوال الوحشيّة وعن الوجع الإنساني بصورة عامّة. يروي متحف بيكاسو في معرضه تاريخ لوحة غيرنيكا والمسار الذي مرّت به من خلال الأعمال التحضيريّة التي يمثّل كلّ منها عملًا فنّيًّا قائمًا بذاته. عناصرها وشخوصها: الثور، والحصان، والجنديّ الميت، والطفل القتيل، والنساء الباكيات التي تتّخذ عيونهنّ شكل الدموع...
يخصّص المعرض كذلك حيّزاً للأعمال التي استوحت من لوحة بيكاسو، وهي لفنّانين من مختلف الجنسيّات، ومن بينهم العزّاوي (تدير أعماله في العاصمة الفرنسيّة غاليري كلود لومان‫) وجاكسون بولوك وروبير لانغو‫…‬‬‬ يقول العزّاوي: "تشكّل غيرنيكا مُنعَطَفًا في فنّي وفي تاريخ الفنّ ككلّ. لقد نجح بيكاسو في ابتكار رموز بسيطة ومعبِّرة، تاريخيّة وكونيّة على السواء، صاغها بأسلوب يتلاءم والقيم الإنسانية والأخلاقية الرافضة لاستعمال العنف ضدّ المدنيين، والذي لا يمكن تَسويغه من ق طرف أيّ إيديولوجيا وأيّ نظام سياسي".‬‬‬‬‬‬
كثيرة هي المصادر التي استوحى منها بيكاسو لوحته، ومنها بالأخصّ محفورات فرانثيسكو دي غويا وعنوانها ‫« كوارث الحرب‫ » ولوحات لبيار بول روبنز ونيكولا بوسان‫.‬‬‬ غويا حاضر بقوّة في أعمال بيكاسو، ولوحة « مجزرة في كوريا » التي أنجزها هذا الأخير عام ١٩٥١ هي صيغة أخرى للوحة غويا، « الثالث من مايو » (١٨١٤)، وتمثّل مسلّحين يطلقون الرصاص على المقاتلين الإسبان الذين ألقي القبض عليهم خلال المعارك‫.‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لوحة غويا التي تمثّل أيضاً محطّة بارزة في تاريخ الفنّ الغربي بموضوعها وبأسلوبها - كانت مصدرًا لأعمال فنية كثيرة منذ القرن التاسع عشر، ومنها لوحة بعنوان « إعدام مكسيميليان » (١٨٦٩) لإدوار مانيه‫.‬‬‬
لوحة "الثالث من مايو"‫ ولوحة ‫« غيرنيكا‫ » تنتصران للسّلام ضدّ البربريّة، وللعدالة والحقّ ضدّ الظلم والطغيان. ألم يقل بيكاسو نفسه: « لا، الفنّ ليس من أجل تزيين المنازل: إنّه إحدى وسائل الحرب الهجومية الدفاعية ضدّ العدوّ‫ ».‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
في هذا السياق، رسم ضياء العزّاوي أعماله « الملتزمة »، من دون أن تسقط اللوحة في خطاب الالتزام وشعاراته. أمّا الالتزام في هذه الأعمال فهو التزام فنّي بقدر ما هو التزام إنساني وسياسي، وهو تعبير عن رفض الصراعات الدمويّة أينما تكن. وإذا كان العزّاوي استوحى من تصوُّر بيكاسو العامّ للوحة ‫« غيرنيكا‫ »، فإنّ عمله يأتي أيضًا في سياق تجربته الخاصّة، أسلوبًا ومفردات وبُنيَة فنّيّة، فضلًا عن علاقته بالشعر. فالوجوه التي رسمها، وهي أقرب ما تكون إلى أقنعة، تجد جذورها العميقة في الفنّ السومري، وفي تلك العيون الفاغرة، المفتوحة على العدم‫…‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أعمال ضياء العزّاوي المعروضة الآن في باريس ليست فقط تصويرًا لمأساة صبرا وشاتيلا وتلّ الزعتر، بل هي أيضًا إدانة للمأساة الموجودة في العالم، ولا سيّما تلك التي يعيشها العالم العربي الغارق في الحروب، والذي يشهد مجازر يوميّة ودمارًا منظَّمًا يَطُول البشر والحجر‫. من هنا، فإنّ هذه الأعمال تنبش ذاكرة الحرب، الجرح الأعمق للإنسان، وهي حكاية العنف الذي يُلطّخ تاريخ البشر بالدِّماء، زمنًا بعد آخر، وجيلًا بعد جيل (...)‫. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬
*
(تفصيل من لوحة "مجزرة صبرا وشاتيلا" لضياء العزّاوي.
المصدر: "موقع غاليري كلود لومان).

محسن أ. يميّن...عن لوحات داود القرم في كنيسة مار جرجس- إهدن

10:40:00 ص اضف تعليق

بإنتهاء أعمال تدعيم وترميم كنيسة مار جرحس في إهدن التي كتب عنها المؤرّخ المطران يوسف الدبس( 1907-1833) في كتابه: "الجامع المفصَّل في تاريخ الموارنة المؤصَّل" يقول : "هي أحسن الكنائس في لبنان وأفسحها"، أُعيد جثمان بطل لبنان يوسف بك كرم إلى ضريحه الأصلي في الكنيسة، بعدما سُجِّي في كنيسة مار ماما طوال المدّة التي إستغرقتها ورشة الترميم. كما أُعيدت اللوحات الثلاث المزيّنة لمذبحها.
وهي لوحات كان رسمها الفنّان اللبناني الرائد داود القرم على مرحلتين: أولى رسم خلالها لوحة مار جرجس، عام 1884، وثانية أكمل خلالها معروفه الفنّي برسم لوحَتيْ مار يوسف والسيّدة العذراء حاملين إبنهما الطفل يسوع، عام 1895.
وكان القرم قد أنجز لوحة مار جرجس بعد الفراغ من أعمال بناء الكنيسة التي إستهلّت عام 1859، وتقطّعت مرّات عدّة بسبب المذابح في لبنان، ثمّ بسبب حروب كرم وداود باشا، قبل ان تستكمل عام 1870، وتمتدّ على عشر سنوات لغاية 1880، بإشراف وكيل أوقاف إهدن حبيب بك كرم.
ومن لم يكن يعرف أن رسمه لمار جرجس على حصانه الأبيض، وفي يده الرمح يطعن به صدر التنّين قد أتمّه عام 1884 من أسفل اللوحة لتعذّر قراءة ما يذّيلها فضلاً عن التوقيع،بسبب علّوها عن أرض الكنيسة، ربّما كانت فرصة المعرفة قد أتيحت له من طريق إطلاعه على ما جاء في كتاب " حياة ومراسلات المطران يوسف فريفر، مطران اللاذقية شرفاً، كرسيّه مدرسة مار يوحنا مارون-كفرحي، البترون الذي صدر عام 2005، مفتتحاً سلسلة "شخصيات في تاريخ لبنان " (1)، بقلمي الدكتورين ميشال أبي فاضل وجان نخّول. وقد تضمنّت الرسالة المحفوظة في أرشيف دير مدرسة مار يوحنا مارون في كفرحي ( أوراق المطران فريفر،الوثيقة رقم 43). معلومات عن عمل القرم، كانت حتى صدور الكتاب المومأ إليه مجهولة تماماً من قبل المهتمّين . وقد جاء فيها:
"قدس الاب الجليل والفائق الإحترام أدام الله تعالى برّه
غبّ لثم أناملكم بكل توقير وإحترام وإلتماس درر بركتكم ودعاكم الصالحة نعرض بأشرف آن حظونا بأسطركم العزيزة وسرّنا جدّاً بشاير راحتكم حسب أمركم واصل صحبة ناقله الجمال مرسلكم أناني بيره عدد ه من جنس العال بعداً نخبركم عن سعرها ثم وجودنا كان في بيروت لحدّ الآن بهذا الشوب المهول لأجل تميم صورة ماري جرجس إهدن التي تمت بقوت الله وحسن أنظاركم بغاية الإتقان وركبنا لها بروازها وهي حاضرة تحت أمركم وإنشالله نهار الأحد نتوجّه إلى نواحي الشام بعلبك نظن يلزم ثمانية رجال لأجل قيام صورة ماري جرجس لإهدن نظراً لكبرها وعرض بروازها هذا ونؤمل إتحافنا دايماً ببشاير أنشراحكم ومن يلزم خدم مكررين لثم أناملكم مع طلب البركة وأطال الله بقاكم".


التوقيع 
داود القرم مصوّر 
هذه الرسالة إن دلّت على شيء، فعلى أن المطران فريفر هو الذي عهد إلى الفنّان القرم برسم اللوحة، بتكليف من خليل بك كرم نيابةً عن أوقاف إهدن، لأن مطرانية إهدن كانت قد ترمّلت منذ 1844. أمّا لوحتا السيّدة العذراء ومار يوسف فقد أنجزهما القرم بعد 11 عاماً من تعليقه للوحة مار جرجس في الكنيسة، أي عام 1895، بوكالة خليل بك كرم، نجل حبيب بك كرم، على ما تظهره الكتابة في أسفلهما وهي معلومة كان قُدّر لها أن تبقى مطويّة لو لم تنزل اللوحتين المذكورتين طوال ورشة الترميم، وتعادان من ثم، الى المكانين اللذين كانا يحتلّانهما حول مذبح الكنيسة. وتلتقطهما العدسات.مبدّدة بما سجلته الجهل العام للتاريخ الفعلي للوحتين مار يوسف ومريم العذراء. لسريان الظن طويلاً وخطأً بأن اللوحات الثلاث قد أبصرت النور في عام واحد. بينما الرسوم الجداريّة المزيّنة لكنيسة مار جرجس ككل، بما فيها رسم بطل لبنان الذي يعلو ضريحه،فهي تحمل توقيع الفنّان الإيطالي دونتامارو .

صور الكنيسة لسليم بريص فرنجيّة

زين الدين زيدان... أسرار نطحة لم تنته

11:38:00 ص اضف تعليق

محمد الحجيري (الجريدة)
22-04-2012 | 

منذ وجَّه لاعب كرة القدم الفرنسي من أصول جزائرية زين الدين زيدان نطحته الشهيرة إلى صدر لاعب المنتخب الإيطالي ماركو ماتيراتزي، والتي تلقى على إثرها بطاقة حمراء في نهائي مسابقة كأس العالم 2006، ما زال سر النطحة عالقاً كأنها باتت أسطورة للقيل والقال، أو ميديا لتأليف الكثير من الكتب، آخرها كتاب لزوجته بعنوان «زيدان حياة سرية».

قيل الكثير عن سر «النطحة الزيدانية»، كأن في براثينها ما يمكن تسميته صراع الهويات أو صدام الحضارات والثقافات والأخلاقيات. اليوم، تأتي زوجة زين الدين زيدان الإسبانية فيرونيكا فرنانديز لتقول جديداً في سياق سر النطحة، وتكشف في الطبعة الثانية من كتابها «زيدان حياة سرية» عن حدوث شجار بينها وبين زوجها قبل يوم من مباراة نهائي كأس العالم لكرة القدم 2006 في عاصمة ألمانيا برلين، والذي جمع المنتخب الفرنسي بنظيره الإيطالي، ما جعل النجم الفرنسي يدخل المباراة في حالة نفسية سيئة جداً أثرت سلباً على أدائه ودفعته إلى الاشتباك مع مدافع إيطاليا. فيرونيكا، التي احتفظت بهذا السر حوالى ست سنوات، أشارت إلى أن زوجها بدا عصبياً ومتوتراً للغاية، بينما كانت الأمور لا تمضي على خير بالنسبة إلى المنتخب الفرنسي، ذلك بعدما أضاع زيدان فرصة ذهبية لتسجيل هدف الفوز، ما زاد من توتره وجعله يضرب ماتيراتزي برأسه بعدما أهانه.

بعد بوح فيرونيكا بسرها، سارع بعض غلاة الإنترنت إلى القول إن «كيدهن لعظيم» (أي النساء). أضيفت هذه العبارة الذكورية الشرقية إلى مجمل التفسيرات والتأويلات التي ألصقت بنطحة لم تجل تفاصيل أسرارها حتى اللحظة. فباتت مثل الرموز القديمة، كل فريق يفسرها بحسب المرجع الذي ينطلق منه، أو يوظفها في سياق فكرة يريد إيصالها.

في الواقع، إذا كانت زوجة زيدان تبوح بسر فهي كأنها تفتعل خبرية لتبيع كتابها عن زيدان النجم، فلا أحد يمكنه تصديق أو تكذيب ما تقوله عن حياتها الخاصة مع زوجها بين أربعة جدران. ربما الوحيد الذي يمكنه أن يؤكد أو ينفي أقوالها هو زيدان نفسه، وحتى الآن لم يصدر عنه أي تصريح في هذا السياق، وهو كان ذكر بعد مدة من حادثة النطحة أن سببها توجيه الشتائم إلى أخته وأمه.

في مديح المآثر السيئة

حظيت نطحة زيدان باهتمام فلسفي وأدبي وفني، فكتب أستاذ الفلسفة أوليفيه بوريول قبل سنوات أن أداء لاعبي كرة القدم قد يكون مدار بحث وتفكير فلسفيين. وثمة ست حوادث كروية ذائعة الصيت في أوساط هواة كرة القدم وغيرهم، يتناولها كتابه «في مديح المآثر السيئة». النماذج هذه موضوعها حركة أو سكنة ارتكبها لاعب معروف، وما كان ينبغي له أن يرتكبها. ثمة صلة بين الحوادث هذه وبين الفكر اليوناني وفلسفة سارتر وسبينوزا وأخلاق كانط، وقد تحصى في النماذج هذه نطحة زين الدين زيدان، ويد مارادونا، ويد تييري هنري، وركلة إيريك، وتهليل بلاتيني على رغم وفاة 39 شخصاً في ملعب هايزل. وأضاف بوريول أن نطحة رأس زيدان ليست حركة غير متعمدة أفلتت من صاحبها في لحظة غضب، بل هي بادرة مجنونة أداها صاحبها ببراعة مهندس لامع، ذلك أن زيدان لم يوجه النطحة إلى رأس ماتيرازي، بل إلى قلبه، بؤرة الشجاعة والغضب. وهي ضربة من الرأس الذي تعتمل فيه حسابات باردة وعقلانية إلى الصدر العامر برغبات متنازعة ومشبوبة. وتعتبر نطحة زيدان ويد مارادونا من الحوادث الأشهر في تاريخ كرة القدم، وهما أضفيتا بعداً أسطورياً على اللاعبين، بل بعداً تراجيدياً في حياتهما.

أما الكتاب الأشهر عن نطحة زيدان فكان للمؤلفة آن ديلبي بعنوان «الدقيقة 107»، صدر عام 2007 وحظي باهتمام النقاد. ديلبي مخرجة مسرحية أولت اهتمامها منذ سنوات للكتابة، خصوصاً عن التراجيديا في الفكر الإنساني. الدقيقة 107 المعنيّة في عنوان هذا الكتاب هي تلك التي شهدتها المباراة النهائية لبطولة كأس العالم عام 2006. في تلك الدقيقة «حدث ما لم يكن ممكناً التفكير به» عندما وجّه زين الدين زيدان ضربة رأسه إلى اللاعب ماتيرازي.

لم تلجأ ديلبي إلى كشف الأسرار كما فعلت زوجة زيدان، ولم تفتعل قضية لتجذب أكبر عدد من القراء، فهي كأنها تشخِّص تراجيديا إنسانية حصلت أمامها في تلك الدقيقة الصاخبة بالمعاني والتأويلات، فالكاتبة التي لم تكن تعرف حسب اعترافها من أسماء الفريق الوطني الفرنسي إلا زيدان النجم البارز، لم تتردد في التأكيد أنها كانت تتمشى في الشوارع عندما كانت أنظار الملايين معلّقة على شاشات التلفزة لمشاهدة المباراة النهائية بانتظار اللحظة الحاسمة.

هنا شبّهت المؤلفة ملعب كرة القدم بمسرح جديد يعرف كيف يلهب مشاعر الجموع الهائلة. هذا هو الدور الذي كان المسرح يؤديه تحديداً عند اليونانيين القدماء، كان وقت المباراة النظامي، 90 دقيقة، قد انتهى. لم تكن هناك أية ضجة صادرة عن فرح أو عن يأس، وبحركة شبه آلية شغَّلت التلفزيون وكانت صورة زيدان وخلفه أحد لاعبي الفريق الخصم. من هنا، تبدأ المسرحية التراجيدية من اللحظة التراجيدية، بدأت المؤلفة في تدوين مؤلفها الذي يشبه الرواية أو الفيلم السينمائي، نطحة زيدان فجَّرت معها مجموعة كبيرة من التحليلات، خصوصاً أن هذا النجم كان الأول في فرنسا وهو من أصول جزائرية عربية في مرحلة كان اليمين الفرنسي ينظر إلى المهاجرين بعين الريبة، وفي مرحلة أيضاً كانت الولايات المتحدة الأميركية مندفعة بقوة في حربها ضد الإرهاب. بناء على هذا، أصبح للنطحة بعد آخر في تأويلات المفكرين والكتاب المعروفين.

وجدت المؤلفة في النطحة فرصة لتقديم كتاب في سياق إصداراتها (من بينها «ابتسامة سارة برنار»)، يتحدث عن النطحة من مختلف أبعادها الغرائزية والتراجيدية والإنسانية، وهي رأت في لحظة النطحة كأن زيدان يطير نحو فضاءات أخرى: «لم يكن يلامس الأرض حقيقة وحلمت عندها بصورة أخرى، صورة خطوات أرمسترونغ الأولى على سطح القمر»، كما تقول.

تذكر المؤلفة أنه عندما شتمه الخصم الإيطالي، تسمَّر زيدان في مكانه و{كأن الخصم قد طعنه بخنجر بين كتفيه». قال زيدان عن خصمه: «لقد تفوّه بكلمات شديدة القسوة وكررها وقد أصابتني في صميمي». كلمات جعلت الكيل يطفح، تتابع الكاتبة: «كانت صورة الأم التي يراها بكثير من القداسة مثل القدماء، وعند الدقيقة 8,107 انتهى زمن التردد، كانت لحظة الحقيقة ولم يهرب من ذلك الموعد والمواجهة مع نفسه (...). كان على أهبة أن يسجل الهدف الأخير في حياته الكروية...». فضلاً عن ذلك، تحولت نطحة زيدان إلى عمل فني في ولاية نيويورك الأميركية بعنوان «من يخاف من الذئب الكبير السيئ».

شعر الجاز

2:02:00 ص اضف تعليق
ترجمة:عباس الحسيني
يعد شعر الجاز نمطاً أدبيا مستقلا، ويعرف علي انه شعر يكتب بنمطية انثيالات الأفكار في روح موسيقى الجاز، وهو شعر تكشف عنه موسيقي الجــاز ايضا. وجوهر هذا الجنس الأدبي، انه شعر يستجيب ويكتب حول حيثيات واتجاهات فن الجاز وكما يبدو فانه يحتمل الارتجال والتنويع في الإيقاعات والأوزان مع الاحتفاظ بنسق الجرس الداخلي، ووحدة الموضوع. وهو شعر يكتب بامضاءات متعددة، ويتمييز بتنوع الاشكال ومع ان تعدد الاجراس الوزنية، يخلق نوعا من الارتباك حين الاصغاء اليه، لكنه شعر فيه العديد من الاصوات والاتجاهات وتمثل ولادة موسيقي البلوز والجاز البداية لهذا الجنس الادبي، في القرن العشرين حصراً.

المتتبعون لهذا الشعر ينظرون له، على انه يمثل الخيط المنبث والمرتبط بحي هارلم الأميركي الشهير بالفقر والابداع من سكنته من الزنوج في مانهاتن، في ولاية نيويورك، ومع الظهور المدوي لفن موسيقي الجاز وأدب وفن الرجل الاسود، وما يعرف ادبياً بحركة الفنون السوداء، وهي الحركــة الدؤوبة والنشيطة الى يومنا هذا. ومنذ الظهور الاول لموسيقي الجاز والبلوز حتي الموسيقي التجريبية، والجدير بالذكر ان سلالم موسيقى الجاز تتميز بالتغير الحر والمستمر مع التداخل اللحني، ومحطات الاستعراض الفردي الحر لمهارات العازفين، والذين يتميزون بقدرتهم على الارتجال وخصوبة ذاكرتهم الموسيقية لتدوين وتجسيد الثقافة وأنماط التفكير موسيقيا، هذا مع الوقفات المتأنية التي تذكر بمداخل الطبقات الصوتية وعذوبة انتقاء الاَلات المجسدة لكل نغم ولون موسيقي ويعتمد شعراء الجاز علي هذه المكونات من الاجناس الفنية كملهم شعري لهم، في اقتناص نصوصهم. انها ليست الموسيقي فحسب، بل يشمل هذا التمظهر الفنانين انفسهم، فهم من يعيد تكرار الالظهور الفني، علي مسارح الابداع في شعر الجاز، والشعر الغنائي المعاصر، ومن اهم شعراء هذا المسار الادبي: لويــس آرمسترونـــغ وجون كولتريـــن وديـــزي كلسبي ومايلز دايفـــز وبيلي هوليداي وجارلس مينغيز وثيلونيوس جارلي باركر وسوني رولينز وبيسي سميث وليستر يونغ. والشعراء المتقدمون يمثلن النخبة من شعراء الجاز.

لكن الكتابة عن شعر الجاز بحد ذاتها كما يصفون هم ذلك، اشبه بالرقص حول بنية المعنى. وربما يتسني لنا فهم ذلك المنظر من ثراءة نماذج من شعر الجاز المتقدم الوصف، حيث نقرا للشاعر لانغستون هاغس قصيدته المعنونه "البلوز القلق" ومنها هذا المقطع:
انه لحن مدغمٌ، ناعــسٌ ومتكاسلْ
لحن يتهادي جيئا وذهابا... لدندنة فتي يافع
لقد سمعت زنجيــا وهو يصدحُ به...
ليلاً في شارع لينوكس،
حيث الضياء الغازي الهرم
والشاحب
والاكثر ضرا
اذا يخلف هو الآخر ...
أثــراً كسولا
في نبرة جــــاز منهك وقلق
ونقرأ للشاعرة: جايـــــن كورتــــيز
لقد تقاطعت افكاري مع افكار راهب مـــا
فصرخت بالبراعم...
واحصيت النجوم مع ستيتي
وكنت أردد أغنية: "ساره"
وهي تشدو: " لا تلمـْــــني"
- حيث وضعت زهرة ، كما يفعل " بيلي "
ورحت أصرخ في مدارات مدينة " دينا "
متداركا خيال إيــــلا فيتزديرالد:"
كم عال كم هو القمر".
وكما تعالت مدوية نفحات موسيقي جاز
تندب محباً
وهي تخترق سقف قاعة المزار...
ومن شعراء الجاز الجديرين بالذكر ايضا: أميــري باركاك ومارفين بيل وستيرليين براون وهايدن كاروث وجاين كورتيز ومايكل س. هاربـــر ولانكستون هوكز وجاك كيوراك ويوسف كومونياكا ومينا لوي وكينيث ريكسروث وسونيا ساشيز.

في إبـــريل من عام 2002 أعلن المتحف الاميركي للتأريخ، تخصيص شهر كامل، لفن الجـــاز، وذلك لإعادة التذكير بالارث الفني والأدبي المتفـــردين لتاريخ الجاز وأهميته، حيث قدم - شعر الجاز - علي انه الحدث الاكثر اهمية، ضمن نشاط المتحف الوطني الاميركي، وعلي انه شهر مخصص للشعر الوطني.

عن أيلاف

رعب السطر الأول

4:56:00 ص اضف تعليق

حمد العيسى


تقديم المترجم: فيما يلي ترجمة لنص روائي يعرف كشكل سردي بالميتافيكشنMetafiction وهو مصطلح يتكون من مقطعين. الأول: (Meta) أي «ما وراء»، والثاني: (Fiction) أي «قص تخييلي» أو سرد وهو الجنس الأدبي الذي يشمل القصص التي تكتب نثراً، وتصور مواقف وأحداثاً من صميم خيال مؤلفها، وإن كان من الممكن أن تشبه شبهاً يكاد يبلغ حد التطابق مواقف الحياة الواقعية وشخصياتها. وهكذا يصبح معنى مصطلح «ميتا فيكشن» Metafiction: «ما وراء التخييل» أو «ما وراء القصة» (أي «ميتاقص») أو «ما وراء السرد» (أي «ميتا سرد») وهو ما نفضله. ويمكن تعريف «الميتا سرد» بأنه نوع من الأدب التخييلي ينتمي أساسا لتيار «ما بعد الحداثة» ويتناول بوعي ذاتي متعمد أدوات السرد ليكشف خدع النص الداخلية، كما يفسر النص التخييلي ويطرح أسئلة عن العلاقة بين التخييل والواقع مستخدما المفارقة الساخرة والتأمل الذاتي. ويمكن مقارنته بالفعل المسرحي الذي لا يجعل الجمهور ينسى أنه يشاهد مسرحية. وبالمثل، «الميتا سرد» لا يسمح للقارئ أن ينسى لوهلة أنه يقرأ عملا روائيا تخييليا.

وهذا النص بقلم الكاتب الفرنسي البروفيسور برنارد كيغيني المولود عام 1978 والذي يُدرس الفلسفة والقانون في مقاطعة برغنديا الفرنسية. ويتناول في هذا النص رعب وذعر مؤلف وهمي اسمه غولد من استبداد وإرهاب الجملة الافتتاحية الأولى لروايته (أي ما يسميه السطر الأول). 

ونلفت النظر إلى أننا استخدمنا مصطلح «سطر» لترجمة كلمةLine واستعملنا أحيانا منعا للتكرار «عبارة» أو «جملة» لنفس المعنى وبالعكس. وكذلك استخدمنا مصطلح «كامل» لترجمة كلمة Perfect ولتعني «مثالي» و»خالي من العيوب» وبالعكس. ونشر هذا النص في صفحة السرد الخيالي Fiction في مجلة «الأدب العالمي اليوم» (World Literature Today) بتاريخ يوليو/أغسطس 2010، وهي مجلة أدبية تصدر كل شهرين عن جامعة أوكلاهوما الأمريكية منذ عام 1927. ونلفت النظر أن القارئ قد يواجه بعض الصعوبة مع هذا النص لكونه ترجم على مرحلتين: أولا من الفرنسية إلى الإنجليزية بواسطة إدوارد غوفان ثم إلى العربية بواسطتنا.

رعب السطر الأول

كما قال الفيلسوف والمنظر الأدبي الفرنسي جان فرنسوا ليوتارد في كتابه «الاختلافي: عبارات متنازعة»: «لتكون عبارة ما هي الأخيرة في النص، فإن هناك حاجة لعبارة أخرى قبلها لتعلن عنها، ومن ثم لا تصبح العبارة الأولى فعليا آخر عبارة».

همس غولد: أتى السطر الأول، وهنا يكمن العدو المرعب. أو كما ظن غولد في اليوم الذي قرر أن يكتب الكتاب الذي كان يفكر فيه منذ عدة سنوات. قضى ساعات أمام الصفحة الفارغة باحثا عن السطر الأول الكامل أي المثالي الخالي تماما من العيوب. مرة بعد أخرى وضع رأس قلمه على الورقة وحاول تحرير معصمه ليتحرك بطريقة دائرية لرسم الحرف الأول؛ ولكنه في كل مرة توقف مع يقين مرعب بأن هناك - بالتأكيد - طريقة أفضل لبداية روايته. أي شيء يكتبه سوف يتبع السطر الأول، وإذا كان ذلك السطر الأول رديئا فإنه سيلوث الكتاب بأكمله. يجب أن يكون السطر الأول صلبا مثل حجر زاوية من غرانيت صلد في زاوية مبنى ليكون البناء بأكمله في أمان تام، ويجب أن يصاغ ذلك السطر بعناية شديدة ليصل مرحلة الكمال المثالي التام والمطلق. معظم قراء كتابه في المستقبل سيبدأون به، وسيكون مثل اليد التي يمدها لمصافحة الناس عندما يجتمع بهم لأول مرة. إذا كانت أظافرك قذرة أو كنت قد سحقت أصابعهم عند مصافحتهم لتصبح مثل عصفور ميت، فليس هناك أي فرصة لترك انطباع جيد عنك لديهم. ونفس الفكرة تنطبق على السطر الأول لأي كتاب. لقد فكر فيه غولد طوال اليوم كما لو كان ذلك السطر مخلوقا ماكرا، مع إحساسه برعب مخيف بأنه وقع في أتون صراع لا يرحم لكتابة ذلك السطر.

لقد كان هذا الخوف من البداية - بدون شك - هو الذي أدى إلى اختراع كتابة «اقتباس» Epigraph يُصَدَّرْ بها كتاب لتوحي بفكرته العامة. ولذلك يعتبر «الاقتباس» طريقة مبتكرة للتحايل على رعب السطر الأول عن طريق اقتراض سطر من كاتب شهير. عارض غولد هذه الممارسة لأنه وجد فيها نوعا من الجبن. لقد بدا له أن أي شخص يمكنه أن يسرق جملة من نص رائع سابق، وهذه الجملة المقتبسة سوف تنعكس عبقريتها الفذة بلا مبرر منطقي على النص الذي سبقته. وهذا الأسلوب للفرار من المسؤولية عن طريق الاختباء وراء مؤلف عظيم أمر غير مقبول عنده. وهو أسلوب هابط ربما بالكاد أفضل من لطش شعار سيارة رولز رويس العريقة من فوق غطاء محركها الأصلي ووضعه على سيارة صينية -مثلا- رديئة. رفض غولد الباحث عن الكمال المثالي والذي لا يستسلم بسهولة فكرة «الاقتباس» وواصل العمل للبحث عن السطر الأول الكامل والمثالي والرائع. وتذكر غولدر الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير الذي قال إنه لم يستطع كتابة السطر الأول من كتابه «بوفار وبيكوشيه» Bouvard et Pecuchet إلا بعد محاولة استمرت طوال فترة ما بعد ظهيرة كاملة كانت حافلة بالعذاب وقيل أنه قرأ 1500 كتاب لكي يستعد لكتابة ذلك السطر المرعب. تساءل غولد: ترى كيف استطاع الكُتاب العظام تجاوز هذه المحنة العظمى؟ قرر غولد تأمل افتتاحيات بعض الروايات المفضلة لديه، على أمل استخلاص الدروس من الأساتذة العظماء ما قد يساعده على تجاوز محنة السطر الأول المرعبة.

فكر غولد متهكما: السطرين الافتتاحيين الأكثر شهرة في الأدب الوطني هما بدون شك: «أمي توفيت اليوم» و»لفترة طويلة، كنت أذهب إلى النوم مبكرا». قرأ غولد كل منهما عدة مرات بصوت عال. إنهما ليسا طويلين ولا معقدين، ولكن يجب على المرء أن يعترف أن بساطتهما تظهران عبقرية حقيقية!! وبمجرد إلقاء نظرة فاحصة عن قرب، يكتشف المرء أنه تم إبداعهما لتدشين التحف الروائية اللاتي تليهما!! بل يبدو كما لو أن اللغة الفرنسية قد تكونت لتسمح بمثل هذه المجموعة الكاملة والمذهلة من الكلمات أي تركيبات لغوية خلقت ليكتشفها أمثال بروست أو كامو. فكر غولد أنه ربما كان هناك بالفعل مجموعة من السطور الأولى الكاملة المثالية مبعثرة في الهواء من حوله والتي لا يراها ويلتقطها سوى الكتاب العظماء. وكما كتب كاتب عظيم ذات مرة: الكتب العظيمة تكون عظيمة لأنها تفتتح دائما بسطر أول كامل مثالي ورائع.

أخذ غولد الروايات المفضلة لديه من مكتبته وقرأ السطر الأول فقط لكل رواية. وليس بدون مفاجأة، لاحظ أن العديد من الروائيين العباقرة أنفسهم قد ابتكروا حيلا بارعة لتجنب محنة السطر الأول لبدايات كتبهم.

لجأ بعضهم لفكرة وضع اقتباس Epigraph التقليدية. ولكن غولد كما أسلفنا لم تعجبه هذه الممارسة، ولكنه - في نفس الوقت - شعر أن استخدامه بالطريقة التي لجأ إليها كبار الكتاب لا تستحق الشجب. الكويتب الصغير الذي يرفض مواجهة رعبه من السطر الأول ويلجأ للاقتباس والاستشهاد بعبارة من نص كلاسيكي لا يعتبر عبقريا مثل مبدع ذلك النص الكلاسيكي والذي - بالطبع - يرحب بنقل استشهاد من نصه. بالنسبة للمقتبس، فإن كتابة اقتباس ليس سوى حيلة لإعلان عضويته في مجتمع العقول العظيمة، وليس درعا لا يجرؤ بدونه على اقتحام أسوار كتابه الشخصي. وفي العموم وفوق مستوى معين من العبقرية، فإن الكتاب العظماء يصبحون واحدا ونفس الشخص أي أنهم أفراد مستخرجون من شكل معين يسمى الأدب. لقد رأى غولد عالم الكتاب العظماء كنوع من المائدة المستديرة حيث الكل واحد والواحد هو الكل. ومن هذا المنظور، ليس مهما إذا كان السطر الأول من كتاب الكاتب العظيم (س) كان بالفعل قد كتبه الكاتب العظيم (ص): فهما في كلا الحالتين أدب عظيم. ويبقى هناك احتمال مزعج بأن الكاتب العظيم (س) قد يستخدم استشهاد من الكاتب الرديء (ر) كـ «اقتباس» ليفتتح به كتابه، ولكن غولد وجد تلك الفكرة كريهة بل مثيرة للاشمئزاز لدرجة أنه رفض مواصلة التفكير فيها.

في رواية «لوليتا»، استخدم الروائي فلاديمير نابوكوف فكرة ذكية بوضع مقدمة تسبق الكتاب بأكمله بقلم طبيب خيالي (وهمي) اسمه جون راي. لقد كانت حركة تنم عن دهاء، لأن لا أحد سيفكر أن يطلب من وثيقة طبية أن تقدم أي سمة رائعة للأسلوب الروائي الذي يليها. لا أحد يختار طبيبا دجالا ليكون الريشة التي تكتب له. وبالتالي تخلص نابوكوف من رعب السطر الأول بإلقائه على جون راي، ومن ثم أصبح قادرا على تأليف الكتاب بقلب مرتاح وغير معذب. وبطريقة ما، كانت تلك الحيلة بمثابة اختراع اقتباسك الخاص عن طريق نسبه إلى شخصية وهمية لا يكون شاغلها الرئيس هو الأسلوب.

ومن ناحية أخرى اختار أوسكار وايلد طريقا صعبا. فقد بدأ بورتريه «دوريان غراي» بإعلان مزدهر بنية بذخ لا مثيل له صدم به القارئ: «الفنان هو مبدع الأشياء الجميلة» كما قال السطر الأول من المقدمة. غولد عرف أن تلك المقدمة هي جزء لا يتجزأ من النص، وأن الشجاع وايلد لم يتعثر في مواجهة العدو: لقد تفجر ذلك السطر مثل شمس ساطعة، وقد أعجبه المزيد من ذلك.

وبالمثل بدأ الروائي الألماني توماس مان روايته «الجبل السحري» بعبارة طويلة عن هدفه ما عزز استنتاج غولد بأن المقدمة هي بالفعل جزء لا يتجزأ من النص، وقد واجه توماس مان رعب الهجوم على السطر الأول بكل شجاعة قد يتوقعها المرء من هذا الرجل العظيم.

لقد كتب كل من موزيل، جويس، فوكنر، بوويز، لورانس، جورج أورويل، سيلين، دوبلاين، سطور أولى بكمال مثالي مدهش. وكلما تعمق في بحثه عن السطر الأول، تشكك غولد في طريقته هذه للعثور على سطر أول مثالي. فبدلا من بعثرة نفسه بهذه الطريقة، ألم يكن من الأصوب أن يستقر على أسلوب لأحد العباقرة ودراسته؟ ثم أليس هناك شيء ما مضحك بصورة طنانة في دراسة فقط أعظم العظماء؟ الأسطر الأولى من الروايات التجارية الرديئة وكذلك الكتب الشعبية في المطارات لربما علمته درسا أكثر واقعية لطرد ذلك الرعب الشرير للسطر الأول. وهل توقع في محاولته الأولى أن يصيغ عبارة افتتاحية مذهلة مثل تلك التي كتبها ستيرن أو والسر، وهو الذي حتى لم يؤلف كتابا لكونه لم يعرف كيف يكتب سطره الأول؟ وفكر في ذلك لبضع لحظات ورفض تلك الحجة. بالطبع، كان ينبغي أن يكون أكثر تواضعا لدراسة الأسطر الأولى لأعمال أقل عظمة من القمم الرائعة التي حاول تسلقها، ولكن تعمد اختيار أستاذ متواضع هو منهج غير مجد وغير مفيد. فالذي يريد تعلم الرسم سوف يكسب أكثر عندما يتأمل لوحات الرسام الفرنسي العظيم ماتيس أكثر من أي رسام متوسط القيمة. وبالمثل فإن نفس المنطق ينطبق على الأدب.

وعلى أية حال، فإن دراسة الأسطر الأولى من الكتب المفضلة لديه لم تساعد غولد بقدر ما كان يرغب. وتركت قراءاته انطباعا غامضا عنده. شعر في بعض الأحيان أنه مستعد للمعركة، قائلا لنفسه إن ذلك الرعب هو مجرد عائق نفسي فقط، وأن الكلمات الأولى ليست سوى جزءا من النص وأنها مسألة تتعلق بقوة الإرادة والحالة العقلية ولا علاقة لها مع أي مراوغة وجودية مزعومة للعبارة الأولى. ولكن في أوقات أخرى، قال لنفسه إنه لن ينجح، وأن السطر الأول هو بالفعل وحش مرعب ومفترس لا يقدر على مواجهته، وأن فقط الكتاب العظماء هم القادرين حقا على مواجهته. وفي مثل هذه الأوقات تغلب عليه اليأس ولجأ إلى التهكم ليلعب كرت السخرية الماكر (والذي كان سينتج عنه عبارات مثل: «أمي توفيت اليوم، ولم يمنعني ذلك من النوم مبكرا»). شعر بقلق، فقد كان لديه انطباع بأن السطر الأول الكامل الذي سعى للبحث عنه طويلا كان يسخر منه طوال الوقت مثل أوزة برية شريرة. إنه سام ومتوحش وجعله يشعر كم كان رديئا بحق، وكم كان لا يستحق المقارنة مع العظماء. ولأنه لم يعد يتحمل إمكانية كتابة افتتاحية يرثى لها، فقد بدت له مشكلة السطر الأول بدون حل.

ثم بزغت في عقله فكرة عظيمة. وذلك أن الرغبة في مواجهة تلك العقبة قد تكون عبر تجاوزها والمرور فوقها بدلا من اقتحامها والدخول فيها. ألم يفشل في العثور على سطر أول كامل؟ حسنا، فليكن ذلك كذلك إذن! سيبدأ بالسطر الثاني. يا لها من فكرة مثيرة!! ثم أمسك قلمه وبدأ السطر بقوسين يحتويان على ثلاث نقاط بمعنى أن هناك عبارة محذوفة حيث كتب: «(...) هذا هو السبب في أنني لم أتقدم أكثر». ثم شعر براحة هائلة. الصخرة التي كانت تقفل تدفق فكره طارت للتو في مهب السماء العالية. غولد بدأ كتابه، وهو الكتاب الذي يبدأ بالجملة الثانية. تأمل في الأمر وهو يشعر بارتياح عميق. ولكن مع ذلك، لاحظ بسرعة بروز مشكلة جديدة. لقد كانت بسيطة للغاية، لأنه في الواقع: القارئ الذي سيفتح كتابه سيبدأ مباشرة بالجملة الثانية، دون أن يدرك أنها ليست الجملة الأولى. إذا كان غولد قد نجح في كتابتها، فهذا لكونه يعرف أنها ليست العبارة الأولى ونتيجة لذلك لم يكن عليه السعي لتحقيق الكمال المثالي المطلق. لو كان أبدعها كسطر أول فمن المرجح أن يكون سعى لابتكار عبارة أكثر كمالا وأناقة من تلك العبارة، حتى لو تطلب ذلك أيام وأيام لمطاردة شكلها المثالي. «لامبالاة» القارئ المتوقعة دمرت فكرته المثيرة: فإذا كان القارئ سيعتبر الجملة الثانية بمثابة الجملة الأولى فإن غولد بالتالي لن يكون قادرا على كتابتها أيضا. وفكر في وضع ملاحظة تمهيدية في بداية الكتاب لتوضح أن الجملة الأولى هي الثانية، ولكن لسوء الحظ، فإن هذه الحركة حولت ونقلت المشكلة فقط ولم تحلها، وذلك لأن الملاحظة التمهيدية ستحتوي على السطر الأول الفعلي للكتاب وبالتالي لن يكون هو قادرا على كتابته.

وأصبح غولد مهتاجا وقلقا وبدأ جسمه يتنافض بأكمله وعندها خطرت له فكرة أكثر راديكالية. بما أن وضع السطر الأول بين قوسين، كذا (...)، جعله يبدو كأنه السطر الثاني، فسوف يضع السطر الثاني بالمثل بين قوسين أيضا. وهكذا يصبح السطر الثالث هو الأول وهلم جرا للسطر الرابع والخامس إلخ. وفي ذروة الإثارة مع الاهتياج المزعج، كتب غولد الفقرات الثلاث الأولى من كتابه دفعة واحدة هكذا: «(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...) (...)(...)(...)(...)(...)(...)».

وفي النهاية لم يستغرق الأمر سوى 24 ساعة للانتهاء من الكتاب. شرب نخبا وهو يشعر بفخر ثم قرأه ما يزيد على مرتين قبل السقوط من الإرهاق. وهكذا أصبح غولد مؤلف للرواية التي من أجل صياغة سطر أول مثالي لها، لم تبدأ على الإطلاق.

وبعد سنوات عديدة، تغلب غولد على رعبه من السطر الأول وكتب بالفعل بعض الكتب. لقد أصبح مؤلفا محترما ومعروفا في جميع أنحاء أوروبا. وعندما شاخ وبدأ صيته يأفل، بدأ يكتب ذكرياته. ستكون كتابه الأخير، وسيكتبه بأسلوب شفاف وطبيعي. وفي ذلك الكتاب، سيتحدث بطرافة عن القلق السخيف في شبابه الذي وضع حدا مؤقتا لطموحاته الأدبية. الكلمات كانت تتدفق أمامه كالسحر. وبعد عدة أسابيع من النعمة الإبداعية، قرر إنهاء هذا الأمر. ثم سقط ضحية مفاجئة لقلق مفرط. تولدت لديه شكوك في قدراته جعلته يدور مرارا وتكرارا في دوائر، ويفقد ثقته الرائعة بنفسه. ولأنه صار يشعر بأنه تقدم في العمر لدرجة لا تجعله يأمل في تأليف كتاب آخر، فإنه يعلم أن الكلمات التي يوشك على كتابتها ستكون الأخيرة. السطر الأخير من كتابه سيكون آخر شيء يفعله في حياته أي عمله الأدبي النهائي، وسيكون نوع من الإرث التاريخي. إنه مدين لنفسه أن يفعل شيئا يخلده، وهذه الفكرة تسرق منه النوم. يخاف غولد أن يموت قبل العثور على السطر الأخير المثالي. إنه عذاب حقيقي بالنسبة له. ويشعر بسرعة أن آخر طاقة إبداعية لديه بدأت تتسرب وتهرب منه. وعندما بدأ يفقد الأمل، كتب مع غمغمة غاضبة: «(...)». وللحظة خاطفة نظر للصفحة الأخيرة من كتابه الأخير، وعرف أن إخفاء السطر الأخير لا يكفي، لأن السطر السابق للأخير يصبح هو بمثابة السطر الأخير. ولذلك، يجب أن يخبأ السطر قبل الأخير بوضع قوسين بينهما ثلاث نقاط وكذلك السطر السابق لما قبل الأخير وبالطبع السطر الذي قبل قبل الأخير. وشيئا فشيئا بدا كأنه يمسح صفحات الكتاب ويواصل وضع تلك الأقواس ليخفي سطور الكتاب هربا من رعب السطر الأخير ليبلغ حجم المسح 500 صفحة من كتاب ذكرياته خلال بضع ساعات فقط وذلك لأنه يرغب في إنهاء الكتاب بسطر أخير مثالي . وهكذا أصبح مؤلفا لكتاب ذكرياته الذي بسبب عدم انتهائه بسطر أخير مثالي ومستحيل، لا يبدأ بكتابته مطلقا. وهكذا أصبح السطر الأخير لأهم كتبه مماثلا للسطر الأخير للكتاب الذي قبله. شعر بقلق مرعب وأعاد قراءة الكتاب ثم قرر بشكل قاطع أنه لا يستطيع وداع الأدب بهذه الكلمات. ولذلك قرر حجب وإخفاء ذلك الكتاب وكذلك الذي سبقه. ثم قام أيضا بمسح كتابه السابق للأخير من النهاية إلى البداية بسبب رعب السطر الأخير. وفجأة يشعر غولد بهلع مرعب، وتناول كتبه السابقة وبدأ بمسحها بالعكس. وتوقف قلبه عن الخفقان بينما كان يمسح روايه الثانية. ويترك وراءه عملا لم يكتمل. ولكن ليس لأنه لم ينهه بالكامل ولكن لأنه لم يجد وقتا لمسحه وتدميره تماما. انتهى النص.

برنارد كيغيني - ديجون، فرنسا


- المغرب hamad.aleisa@gmail.com

العظام والرميم

أيّام محمّد الأخيرة: قراءة نقديّة في كتاب هالة الوردي

سعاد حسني في بيروت

عشرة أيام هزت العالم

«ثورتان طفيليتان» كرديّة و «داعشية» صادرتا الانتفاضة الشعبيّة «السورية»

تأريخ الثورة البولشفية تتنازعه ثلاثة تيارات أو مذاهب: السوفياتي والليبرالي والمراجع