مشاركة مميزة

طلال طعمة... عن رضا حداد

لا اذكر بالتحديد تاريخ هذه الصورة التي تجمعني بالصديق الشهيد رضا حداد من سوريا. ما اذكره انها التقطت في بيروت التي كان يحبها وله فيها اص...

طقاطيق محرمة

المصيبة والعزاء | عن الشجن في الغناء العراقي

موسيقى

العثمانيون سبقوا الاسرائيليين في اللعب بتاريخ القدس

حيوات اسطنبول وأحلامها في القرن السادس عشر

مدن

أحمد العجمي... في جنوح الشعر

جنى الحسن... البوكر وموت الرواية

ثقافة

أحدث المواضيع

فهمي جدعان يكتب فيه عن يوسف زيدان وتركي الحمد

11:50:00 م اضف تعليق
الأوغاد


19 مايو 2018

الوغد في "لسان العرب": الخفيف، الأحمق، الضعيف العقل، الرذْل، الدنيء ...، الذليل. وفي هذه الأيام، وأنا أرقب أعلام ورسوم الظفر والنصر والسعادة الغامرة التي تستبدّ بالمحتلين الغاصبين في الذكرى السبعين لاختراع دولتهم، والمخاض الأول لما نعت ب "توحيد القدس" في رعاية البغي الأميركي، تستغرقني، على نحو هجوم طاغ، معاني "الوغد العربي" النابت، الذي، في السنوات القريبة الأخيرة، يجسد أحوال الحمق والدناءة والخسّة والذل. 
عصبة من الأوغاد تحتل ساحات الإعلام ومنابر الرأي.. تتضافر وتوجه حمقها ودناءتها وذلها إلى جملة "المعاني الرمزية" التي تقوم "الذات العربية"، وتضفي عليها القيمة والمعنى. رموز التاريخ تنعت ب "الحقيرة"، والمقدس الديني يحوّل إلى خرافة، والوطن – الهوية يصبح "خارج الطاولة".
"العرب الأوغاد" يقولون إن القضية الفلسطينية لم تعد تهمهم، وإن لبني صهيون الحق في فلسطين. يوسف زيدان، الذي لا يفلت من سفهه علم ولا معرفة، في كل الأزمان وفي كل الحقول، ويروّج له الإعلام السوقيّ التافه، ينعت صلاح الدين الأيوبي ب "أحقر إنسان في التاريخ"! ويهدي الصهاينة أثمن هدية: أن "المسجد الأقصى خرافة"! 
وتركي الحمد، الليبرالي الكذاب المنافق، يفقد العقل والحياء والمروءة: فلسطين ليست قضيته، وأصحابها أنفسهم باعوها.. أما البيت فله رب يحميه! وبالأمس تمكّنت اللوثة الفيروسية الإيرانية من دماغه، فراح يهذي، وينكر على شهداء انتفاضة نقل السفارة ومقاومتهم الاحتلال ونقاء قضيتهم وشهادتهم! أما الحرية والانعتاق اللذان يطلبهما لبلده، فإن ليبراليته الزائفة تأباهما للشعب الفلسطيني! روح مسلمة الكذاب، المنافق، تتلبسّه من قمة رأسه إلى أخمص قدميه!
صفة "الوغد" هي التي تلحق وتليق بكل هذه الشخوص والوجوه. في شخوصهم خفّة، وفي ذواتهم حمق، وفي عقولهم ضعف، وفي مسالكهم وأخلاقهم عطب ورذيلة ودناءة. وفي وجودهم وفي نفوسهم يرتع الزيف والنفاق والكذب والذل. إلامَ نردّ هذه الأعراض والاختلالات؟ من المؤكد أن الخفة والحمق والسفه تلحق بيوسف زيدان وأضرابه، وأن ترهل العقل وتدلّي الخلق وامتهان الحرية الليبرالية واحتقار مبدأ العدل تتجسد في مسيلمة الكذاب، تركي الحمد.
أما الذين يطلبون منا أن نعد مقبرةً لدفن فلسطين، والفلسطينيين، فإنه لن يلحقهم إلا الذل والعار وال "لا" التي لا تعرف إلا الغضب المقدّس.
في الذكرى السبعين لاغتصاب فلسطين نستديم، بقلوبنا وأرواحنا وأجسامنا، فعل الحرية المقدس، الذي يكلل بالغار والمجد والشرف الجباه التي تتفجر الدماء من عروقها، والأبدان التي تخترقها شظايا الغاصب الجبان، والقلوب والنفوس التي تودع أحبتها إلى دار الخلد، بمجدٍ وعزةٍ وفخار وأمل .. وفي الوقت نفسه، نتوسل بهذا كله لأن نبعث رسائل الإدانة والشجب إلى رمز الوغودة والعار والذل والتبعية .. الأوغاد .. الفاقدين كل قيمة وكل معنى.

طلال طعمة... عن رضا حداد

5:05:00 ص اضف تعليق

لا اذكر بالتحديد تاريخ هذه الصورة التي تجمعني بالصديق الشهيد رضا حداد من سوريا. ما اذكره انها التقطت في بيروت التي كان يحبها وله فيها اصدقاء كثر، وانها تعود الى ما قبل 1975.
رضا حداد، صحافي سوري، اعتقله النظام السوري عام 1980 بتهمة مناهضة الدولة، وبقي مسجونا حتى العام 1995، وذاق خلال سنوات سجنه كل انواع التعذيب، ولم يفرج عنه الا بعد ان اصيب بمرض اللوكيميا-ابيضاض الدم، ومات بعد ثمانية اشهر من اطلاق سراحه.
اشكر الصديق المغربي يوسف طلالي الذي ارسل لي الصورة.
في ما يأتي نص كتبه الشهيد رضا عن التعذيب الذي تعرض له أثناء اعتقاله.

تجنبت طوال الحديث السابق الكلام عن مرحلة الإعتقال الأولى، وفترة التحقيق لأن ذكراها تؤلمني، تشوشني، تحيي في داخلي كل مشاعر الذل والمهانة والألم النفسي.. عندما تصبح لا شيء وهم يؤكدون لك بوسائلهم في كل لحظة انك مجرد رقم يمكن أن تمحى ليس من سجلاتهم بل من الوجود متى شاؤوا وببساطة.. رقمي أنا كان 61. هذا ما علمته بعد عودتي من المشفى إلى فرع التحقيق، قضيت في المستشفى سبعة أيام، إثنان منها في غرفة العناية المشددة وأنا بحالة غياب كامل عن الوعي. والسبب ببساطة إنهم طلبوا مني بعد اعتقالي بدقائق وأنا معصب العينين ومغلول اليدين والقدمين.. طلب مني هشام بختيار، وهو عميد حالياً، كما طلب فيما بعد علي دوبا رئيس شعبة الإستخبارات العسكرية تزويده بمعلومات لا أملك منها شيئاً. قال: «قل ما نريد وستعود إلى عملك وبيتك، أنت صحفي ومثقف ونحن لا نريد إيذاءك". رغم شعوري بالخوف ابتسمت في سري: خمسة عناصر مسلحون بالرشاشات الكلاشنيكوف يسوقونني في منتصف الشارع ويخطفونني من الطريق، يعصبون عيني ويكبلون يدي بالأصفاد، ويقول "لا نريد إصابتك بأي أذى"؟. أكدت لهما مرات عدة أني لا أملك معلومات عن الموضوع الذي يحققون به.. نعم أنا صديق ومؤيد لخط الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، لكن هذا لا يعني إمتلاكي المعلومات التي تطلب، أجبت السيد علي دوبا.

وبدأت دورة العذاب الجهنمية التي تركت آثارها في أيامي وطيلة حياتي المتبقية. آثارها جسدية تمثلت بأعطال شبه دائمة وأخرى موقته، وآثار نفسية لن تمحوها السنوات.

علقت على سلم حديدي مرتفع، يدي مشدودة إلى عارضة حديدية وجسمي يلوح في الهواء مرتفعاً عن الأرض بقدر متر تقريباً، بعد أن جردت من كافة ملابسي.. كل هذا وعيناي معصوبتان بعصابة سوداء.. مع عدة لكمات في البطن وأسفل الظهر.. لم أستطع تحديد الوقت الذي بقيت فيه معلقاً أتأرجح في الهواء. كل ما أذكره الألم الفظيع في عضلات البطن.. ثم تشنج وصبيب من العرق.. وغياب عن الوعي.. صحوني لتبدأ مرحلة أخرى من العذاب.. الضرب بالكابلات على القدمين حتى تورمتا تورماً كاملاً.. وكلا الضابطين يعيدان نفس الأسئلة أثناء عملية الضرب.. وأنا أؤكد أني لا أملك أي معلومات تفيدهم في الموضوع المطلوب. إغماء مرة أخرى.. وجدت نفسي بعدها مربوطاً إلى كرسي وركبتاي تبرزان إلى الأمام وتسبب في ثني ساقي وربطهما بطريقة لا أعرف كيف تتم حتى هذه اللحظة، لأني كنت في حالة تشوش عالية.. ولا تزال العصابة على عيني وفخذاي في وضعية الفسخ.

تناول العميد هشام جسماً صلباً مفلطحاً وأخذ يضربني بشدة ولؤم على ركبتي ويكيل لي السباب والشتائم بلغة فاحشة مليئة بالبذاءة والرذيلة: "ياكلب، يا حيوان، أنت حشرة سأمعسك بقدمي.. يا إبن الشرموطة سأفعل وأترك بأخواتك وأمك" ويعيد الضرب.. وأنا أكرر الإجابة ذاتها. كان اللواء علي دوبا أمهر منه بكثير في السباب والشتائم، ولا غرابة في ذلك، فهو رئيسه. وبعد أن ثار غضبه، اخذ علي دوبا يكلمني ويركلني بقدميه.. وقال: «والله يا كلب، يا إبن...، إذا ما إعترفت، لأحضر زوجتك... وأعريها قدامك هون وأفعل فيها". أصبت بدوار شديد وشعرت برغبة شديدة في تقيؤ كل محتوياتي في وجه هذا الوحش. غبت عن الوعي مرة أخرى.. وصحوت لأجد نفسي ممدداً على الأرض.. وقد ربطوا بأصابع يدي ورجلي سلكين كهربائيين.. وبدأ التيار يسري في جسدي وأنا ممدد على أرض مبللة بالماء.. العميد بختيار يقف عند رأسي.. واللواء علي دوبا يجلس على كرسي. للحظات قليلة استطعت مشاهدته من خلال فرجة تحت عصبة العينين السوداء لأني كنت في وضعية استلقاء كاملة. كان يرتدي بنطالاً سكرياً حريرياً.. يضع رجلاً على رجل وفي فمه سيكار ضخم، ويحمل في يده كأساً من الويسكي. هذا ما شاهدته حقاً وأنا أرتعد من سريان التيار الكهربائي في جسدي والألم يمزق كل خلية في جسمي وبشكل خاص دماغي. كانوا يقفون للحظات يعيدون السؤال.. ثم يسكبون الماء على جسدي، ويعودون لتمرير التيار الكهربائي.. لم أستطع معرفة مقدار المدة الزمنية التي قضيتها تحت التعذيب. في المرحلة الأخيرة لم أعد أقدر على إحتمال الألم. رأسي كرة تلتهب، أشعر بأني أتمزق وأتلاشى، دماغي تكاد تنفجر من شدة الألم والتيار لا يتوقف عن السريان في عروقي. بيأس كامل أخذت ألطم رأسي بشدة بالأرض بكامل القوة التي بقيت في جسدي كنت أرفع رأسي لأخبطها وأضرب الأرض بشدة. أخذوا يشتمونني. أمسكوا برأسي.. وقف علي دوبا مغتاظاً من عدم حصوله على أي نتائج مرجوة لمعلومات لا أملك منها شيئاً، وأخذ يركل رأسي بحذائه بقسوة ويدوس على رقبتي ويدخل مقدمة حذائه في حلقي وهو يقول غاضباً: «بدي موتك يا عرص يا إبن الـ...، تريد أن تموت بطلاً؟ سألبي لك رغبتك. موت يا إبن العاهرة". وسمعت شتائم لم أسمعها طيلة حياتي من بشر. ثم تناول خيزرانة وإخذ يضربني بها على مختلف أنحاء جسدي.. وهشام يشاركه الضرب بكابل نحاسي.. لقد فقد صوابه. تكسرت عصاه. تناول الكابل من يد هشام وأخذ يتابع ضربي بشكل هستيري. لم أعد أشعر. غبت عن الوعي تماماً. بعد مضي ساعات وجدت نفسي في مشفى لا أعرفه، علمت فيما بعد أنه مشفى المزة، حيث قضيت سبعة أيام، أعدت بعدها إلى فرع تحقيق المنطقة حيث قضيت خمسة عشر يوماً ملقىً على أرضية غرفة تقع تحت الأرض، محشوراً مع خمسة وخمسين رجلاً في أربعة أمتار مربعة لا نعرف ليلاً من نهار، عيوننا معصوبة في الليل والنهار وأيدينا مكبلة بالأصفاد طيلة أربع وعشرين ساعة، والسجان مقيم معنا في الغرفة، كل عدة ساعات يغيرون السجان الذي يحمل في يده كابلاً نحاسياً لمعاقبة كل من يحاول الكلام مع جاره. العقوبة ضربات وركلات وشتائم لكل من يهفو بحرف إلى جاره الذي يلتصق جسده بجسده، أو حاول التخفيف من أثر العصبة التي على عينيه بأن يحك عينه من فوق العصبة الجلدية الضاغطة على العينين.

أنا شخصياً كنت في شبه حالة انفصال عما يحدث، لأني أعاني من آلام حادة في كافة أنحاء جسدي. لم أكن أستطع الوقوف أو المشي من دون مساعدة أحد للسير أمتار عدة خارج الغرفة لقضاء حاجتي في التبول. أما التغوط فلم يحدث، فقد أصبت بإمساك حاد، طيلة أسبوعين لم أستطع التغوط، ما أدى إلى إصابتي بتشققات شرجية توسعت مع سني السجن الطويلة الخمسة عشر، وعانيت بسببها آلاماً مبرحة. اكتشفت بعد استعادتي لوعيي بالتدرج أني مصاب بشلل نسبي في يدي. فأنا لا أستطيع حمل السندويشة بأصابعي، بل بجماع كفي وكذلك كأس الماء. وبقيت حالة الشلل هذه مدة عشرة أشهر تقريباً، ثم أخذت تتلاشى بالتدريج.. كما أصبت بتمزق في غضروف ركبتي اليمنى. أجري لي عمل جراحي في بداية عام 1993، وتم استئصال الغضروف الممزق في مشفى حكومي. وها أنا أكتشف بعد أربعين يوماً من إطلاق سراحي أني مصاب باللوكيميا "ابيضاض الدم". رغم أني غادرت السجن إلا أنه لم يغادرني، فآثار آلامه تغلغلت في دمي، لكن روحي ما زالت تهفو إلى الحرية والكرامة والعدالة.

عبير منصور... حزب الله : الغاية تبرّر التزوير في الانتخابات !!!

12:29:00 م اضف تعليق

منذ اللحظة الأولى التي قرّر فيها حزب الله خوض الانتخابات النيابية وفق القانون النسبيّ كان يدرك أنه سيواجه في محافظة بعلبك الهرمل معركة مصيرية لعلمه بأن سياسته المجحفة تجاه المنطقة على مدار السنوات الماضية خلّفت ندوباً عميقة لدى بيئته الحاضنة بالدرجة الاولى، فضلاً عن أن القانون نفسه يعطي فرصة كبيرة لخصومه في الوصول الى الندوة البرلمانية.
ولهذا قرّرت قيادة الحزب خوض المعركة على قاعدة أن الغاية تبرر الوسيلة، فسخّرت كل امكاناتها المالية والاعلامية والتعبوية التي لم تفلح في المرحلة الاولى بإحداث أي تغيير يذكر على صعيد المزاج الشعبي البقاعي، خصوصا أن الذي تولّى ادارة الماكينة الانتخابية للحزب استخدم في خطاباته نفَساً استعلائيّاً أثار استياء أهل المنطقة بمؤيّديها ومعارضيها، ممّا اضطر أمينه العام الى تنحيته وتصدى هو شخصيا للمهمة الصعبة، فكثّف خطاباته التحريضية ضد خصومه، وهي خطابات متشنجة اعتمد فيها بشكل كبير على التخوين والاتهام بالعمالة للسفارات ودعم الارهابيين وانفاق المال الانتخابي، وبدا خطابه الاخير في بعلبك هزيلا يفتقد للمصداقية، سيما أنه تركّز على تزوير الحقائق وتحريفها. 
ولا ننكر أن تلك الخطابات كان لها تأثير لا يستهان به في تبديل مواقف الكثيرين ممن قرروا مقاطعة الانتخابات سابقا، ومعظمهم من الطيبين الذين يثقون بالسيد ويقدّسونه، خصوصاً انه ابتزهم بشهدائهم ومنّ عليهم بحمايتهم من الارهاب، ووعدهم بعد الانتخابات بالعفو العام وتحريك عجلة الانماء ومحاربة الفساد، وواكبه في ذلك مرشحوه الذين زاروا معظم البلدات البقاعية وحاراتها وعشائرها واطلقوا وعودا هم اكثر من يعلم انهم عاجزون عن تحقيقها، وقاموا باستعراضات مخجلة مذلة لدرجة انهم اضطروا للانشاد والرقص واطلاق عبارات التقديس والتمجيد بحق سيدهم.
ورغم أن القانون الانتخابي في بعلبك الهرمل فُصِّل تماماً على قياس الحزب باعتبار انها المنطقة الوحيدة التي اعتُمد فيها الصوت التفضيلي على اساس المحافظة لا على اساس القضاء، وهذا يعني أن الاصوات التفضيلية في قضاء الهرمل تؤثر بشكل كبير على مجريات الانتخابات في قضاء بعلبك، والعكس صحيح، فإن استطلاعات الرأي التي اجراها الحزب كانت مخيفة في نتائجها، مما اضطرّه للانتقال الى المرحلة الثانية التي أُعِدّت خططُها سابقاً، فانتخب آلاف الاموات والشهداء وكثير ممن لم يحضروا الى مراكز الاقتراع، كما استغلّ حالة التأخير التي حصلت في بعض المراكز ليمدّد فترة الاقتراع حتى العاشرة ليلاً مما رفع نسبة التصويت من ٤٩٪ الى ٦٣٪، وكل هذا تمّ تحت أعين رؤساء الاقلام والقوى الأمنية الذين تواطأ بعضهم وتغاضى البعض الآخر خوفاً على انفسهم.
ولم يتوانَ الحزب عن استخدام المساجد والحسينيات ودور العبادة ومكبرات الصوت في الأزقة لدعوة الناس الى الاقتراع حتى لو ضده بغية رفع الحاصل الانتخابي، كما استخدم اموال البلديات لشراء الأصوات وتمويل ماكيناته الانتخابية وحملاته الاعلانية وتنقلات مناصريه، واستقدم البقاعيين المقيمين في ايران على نفقته للادلاء بأصواتهم، وبهذا خسرت لائحة الكرامة اثنين على الأقل من مرشحيها الشيعة.
لقد بذل الحزب بتزويره الانتخابات في البقاع آخر ذرة من مصداقيته، وتماهى بذلك مع اعتى الانظمة الديكتاتورية، كله تحت عناوين براقة ما زالت تخدع الكثيرين.

محمد عبدالحميد بيضون... انتهت الانتخابات ....بدأت المبارزات٠

9:27:00 ص اضف تعليق

فور انتهاء الانتخابات النيابية قامت ثنائية الفساد والسلاح باستعراض للعضلات في شوارع بيروت بغربها وشرقها بإرسال مجاميع من الحثالات على دراجات لإهانة العاصمة وإهانة مؤسسات الأمن كلها وإهانة الدولة والقضاء ناهيك عن حفلات إطلاق النار العشوائي. شعر رئيس الجمهورية بأنها إهانة او طعنة لرئاسته أولاً خصوصاً ان شعارات او هتافات هذه المبارزة او الغزوة كانت تهدف الى تغيير هوية العاصمة من عاصمة العرب المتألقة بالحرية والثقافة الى هوية مذهبية متخلفة ومنغلقة لا تثير سوى الاشمئزاز والاستفزاز لدى اي لبناني او اي شخص عرف العاصمة او عاشها وأحب مزيجها وألوانها ٠
جاء رد عون على هذه المبارزة فورياً ولماحاً عبر توجيه صفعتين قويتين الى نبيه بري المزمن في رئاسة مجلس النواب منذ خمسة وعشرين عاماً وذلك في كلمته الى اللبنانيين للتهنئة بإنتهاء الانتخابات٠
الصفعة الاولى جاءت عندما قال عون انه يريد ان يستعيد المجلس النيابي دوره التشريعي والرقابي وهذا أوضح اعتراف وإقرار بان المجلس وخلال اكثر من خمسةوعشرين سنة كان فاقداًلدوره التشريعي والرقابي اي كان فاقداً للأهلية وليس اكثر من ديكور داخل النظام وهذا ما يضع نبيه بري موضع التشكيك والمساءلة حول دوره طوال هذه السنوات العجاف٠
الصفعة الثانية جاءت عندما قال الرئيس انه يريد استكمال تطبيق اتفاق الطائف وهي إشارة الى ان بري ومجالسه يُسجّل عليها التقصير الفادح في استكمال تطبيق اتفاق الوفاق الوطني طوال ربع قرن وهو تقصير يوازي الجريمة في حق الوفاق والعيش المشترك وعملية تطوير الدستور وتطوير الحياة العامة والنتيجة المباشرة لهذا التقصير هي التخلف الذي يعيشه البلد وتعيشه بقايا مؤسساته٠
مبروك لعون صراحته ويبدو ان إنجازات العهد ستبدأ بوضع اليد على ملف تعطيل وشلل مجلس النواب الذي قام به بري طوال خمسة وعشرين عاماً خدمةً للوصايةعلى لبنان وخدمةً للمحاصصة في لبنان٠
بري لن يرد على مبارزة عون حالياً لأنه يريد تمرير استحقاق انتخابه رئيساً للمجلس للمرة السادسة لكنه سيرد بالتأكيد في استعراض عضلات جديد بعد انتخابه بقرار من حزب ايران٠كيف سيكون الرد ؟ ربما بغزوات جديدة على بلدة الحدث او على مركز التيار في ميرنا الشالوحي او مدينة بعبدا الهانئة بوجود القصر الجمهوري فيها٠
اما الصفعة الاخيرة لبري فتأتي من الطائفة الشيعية بأكملها وهي تسأله لماذا قصّر وغفل وسكت طوال خمسة وعشرين عاماً عن تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية المنصوص عنها في اتفاق الطائف والمُناط تشكيلها بالمجلس النيابي٠بري يحاول ان يراوغ الطائفة بالحديث يومياً عن إلغاء الطائفية والعمل فعلياً على ترسيخ الطائفية والمذهبية كما فعل في قانون الانتخاب الأخير وهو اكثر القوانين تخلفاً ومذهبية وتقسيماً للبنانيين لمصلحة الوصاية وسلاحها واموالها٠
اكثر ما تحتاجه الطائفة الشيعية هو قيام دولة تحررها من الميليشيات والحثالات وأكثر ما اراده ويريده الثنائي السوري- الإيراني هو تهديم كل ما تبقى من الدولة٠

قصائد مختارة للشاعر باولو بوتزي

9:10:00 م اضف تعليق




باولو بوتزي في سطور:

شاعرٌ وكاتبٌ إيطاليٌّ، وُلِدَ في ميلانو في 15 شباط/ فبراير 1874، وماتَ فيها في 18 شباط/ فبراير 1956. بعد حصوله على الإجازة في علم القانون، عملَ لبقيَّةِ حياته في الهيئةِ الإداريَّة لمقاطعةِ ميلانو حيث عُنِيَ بالكثير من المشاكل الاجتماعيَّة التي كانت سائدةً في وقتِها، كالحُصاف (البلاغرا).

بدأ نشاطَه الأدبيَّ بكتابةِ مسرحيَّةٍ في عام 1886 ونصٍّ أوبراليٍّ في عام 1907؛ كما غامر بنشر مجموعةٍ من القصائد اللهجويَّة بعنوان "مَهد فارغ" ليختتم مرحلةَ المبتدئ هذه بأشعاره الغنائيَّة "أناشيد ليوبارديَّة".

بعد تعرُّفه بمارينِتِّي انضمَّ بوتزي الشَّابُّ بحماسٍ إلى الحركة المستقبليَّة وكان في عام 1905 من بين أولئك الذين ساهموا في تأسيس مجلَّة Poesia الشَّهيرة، وقد اشترك في أوَّل مسابقةٍ أدبيَّةٍ أعلنت عنها هذه المجلَّة بقصيدةٍ نثريَّةٍ طويلةٍ عنوانها "المنفى"، ليحصدَ الجائزة. كانت مجموعته الشِّعريَّة "طائرات" التي نُشِرَتْ في عام 1909 أوَّلَ عملٍ مطبوعٍ له حملَ الصِّبغة المستقبليَّة. وفي عام 1912 نُشِرَتْ له عدَّة قصائد ضمن أنطولوجيا "الشُّعراء المستقبليُّون"، تلتْها في عام 1915 روايته "الإهليلجيُّ واللولبيُّ".

في السَّنوات اللاحقة انكبَّ بوتزي بين 1915-1918 على تأليف ملحمتِه "حرائق"، وهي مذكَّراتٌ عن الحرب العالميَّة الأولى لم تُنشَر حتَّى عام 1963، أي بعد وفاتِه. من مجموعاته الشِّعريَّة الأخرى نذكر: "أشعارٌ حرَّة" 1913؛ "أغنيةٌ جميلة" 1916؛ "أيُّها الشَّعب، أنشِدْ هكذا!" 1920؛ "قصيدةُ بلوغِ الأربعين" 1922؛ "أغانٍ للكنائس الخاوية" 1930.

 *   *   *

النُّصوص:

[من مجموعة "طائرات (1909)"]

مساءٌ عاصف



السَّماءُ دخانٌ أسودُ يتقلَّبُ، وينتكثُ، ويهيجُ

كزفيرِ النَّار. عجلاتٌ من الرَّماد

تطوي الحقلَ اللانهائيَّ: لُجَجٌ من مُغرةٍ وسُخامٍ

تتكاثرُ وتتلاطم.

كلُّ شيءٍ ينخزلُ كمثلِ بحرٍ كئيب.

البيوتُ تشحبُ متلوِّعةً فوق الجبال،

تُبِينُ عن ألفِ عينٍ من وراء الجفون المغلقَة.

البروقُ ورديَّةٌ

كأنَّها الاصطفافُ العابرُ لأرجلِ الرَّاقصات

في الخطوة الختاميَّة.

الصَّواعقُ أفاعٍ خضراء وبنفسجيَّة.

كثيراً ما يكون لها عروقُ دمٍ في الرَّأسِ، والذَّيل. مشهدُ

الجبال البعيدة توارى.

الجبالُ القريبةُ هي البعيدة. إنَّها المسافةُ تكمُدُ.

هي ذي الجبالُ توارَتْ.

صخرةُ دولوميتٍ ترفعُ، وحدها، ذروتها السَّاطعة،

تتركُها مشدودةً في أغنيةِ الظَّلام.

كلُّ المياه هطلَتْ،

رذاذاً، شظايا، سِهاماً، وشعائلَ نارٍ نشوانة.

الطُّيورُ تولِّي فِراراً من العيون المتَّقدة لقِطاطٍ ارتقَتِ الأشجار:

القِطاطُ تولِّي فِراراً من بروقٍ كأنَّها وشائعُ نار:

أوراق الشَّجر ترتعشُ مدى الكون.

وأنا أستكينُ

لكلِّ الأنهارِ المظلمة، أنهارِ نفسي التي تفيض.

*

غجَر



لعلَّها الحياةُ الحقيقيَّة.

العربةُ الملوَّنة،

الخيولُ البرِّيَّةُ المنقادَة، المنتشيةُ بالرِّيح،

البناتُ الجميلاتُ في أسمالهنَّ،

ولائمُ التَّخييم المستتِرة تحت النُّجوم،

دروبُ العالَم البيضاء.

سأعودُ إلى حبسيَ المكين

حيث أنا الآمرُ

والمأمور:

سأطلِقُ من الغضبِ عنانَ أمهاريَ الفِكريَّة

على درب الحُلُم، ميِّتَ القلب، في المساءات المتعَبة:

ولأجل الحبِّ

سأستعطي مَن تتسوَّلُني في ظلمةِ أحدِ الشَّوارع.

أدفعُ ثمنَ الجسد بيدٍ كأنَّها اليدُ

التي تستعطي الصَّدقةَ لا التي تُعطيها.

وحياتي

شبكةُ مجارٍ عامَّة

حيث لا يشعُّ شيءٌ سوى عين الفأر.

ها أيُّها الغجر، اسلخوني حيَّاً، على السَّفُودِ اشووني

بين جذعَي شجرتين!

أنا ابنُ حضارةٍ بائسٌ   

يعشق البربريَّة.

*

[من مجموعة "أشعارٌ حُرَّة (1913)"]



النَّوم



غنَّيتُ الحربَ.

مُحاربٌ نهاريٌّ أنا:

الأفجرُ، والظَّهيراتُ، والمغاربُ تنفخُ لي في أبواقِها.

ولكن دعوني أغنِّي النَّومَ أيضاً

بعدَ المساء!

أحبُّ النَّومَ.

أحبُّ الليلَ والعيون مُغمَضَةٌ.

نائماً أريدُ أن أحيا حتَّى الممات.

لكنيستي إلهان

كِلَيهما أعبُدُ.

الشَّمسُ، والنَّوم.



بعد لذَّاتكنَّ التي أسبغتنَّ عليَّ،

يا نساءَ الجسد، يا موسيقاتِ الخيال:

بعد أن عشتُ نهارَ الغوَّاصِ المُعتِمَ

والثَّقيلَ في قاعِ البحر،

وأكلتُ خبزَ الفئران الرَّماديَّ

الذي بطعمِ قرطاسٍ رماديٍّ،

هأنذا، في المساء، وادعاً، وهادئاً، وواهناً

أحني،

كشيخٍ سكرانٍ،

على الفِراشِ جسدَ لاعبِ قوى إغريقي،

وعلى الوسادةِ رأسَ موسيقيٍّ وشاعر.

لا أحدَ بعدئذٍ يراني ويسمعني ويتفحَّصُني ويحبُّني ويكرهني.



السَّريرُ هو العرش.

إنَّني على قمَّةِ نفسي،

مع ضوئيَ الأخير الذي ما يزال متوقِّداً:

أنا بين الذِّراعين الشَّهويَّتين

لروحي. أحبُّ روحي

وقد بودِلْتُ الحبَّ. كنتُ أقرأ، مِن قبلُ،

على نور ذُبالةٍ، كتبَ الحبِّ.

اليومَ، لا أقرأ إلَّا كتابَ روحي،

في ضوءٍ أسودَ،

كتابَ فنِّ حُبِّ الذَّات.

أوه أيُّها الشَّطحُ في فردوس الظِّلال!

بلا أشباحٍ، وبلا مخاوفَ، وبلا لدغاتٍ في العروق.

دافئٌ أنا ووحيدٌ وعارٍ وصامتٌ وهامدٌ ومُسالم.

في الخارج،

عشَّاقُ الليل بعيونٍ مفتوحةٍ يتعذَّبون تحت المصابيح.



أوه أيُّها النَّوم! ما أُمضيه فيك

والذي هو بمقياسك قرونٌ، أجهلُ أنا كُنهَهُ.

لَكأنَّني أحيا

على قمَّة الشَّهوة الأصليَّة؛ لَكأنَّني

أتموَّجُ على هُوَىً سائلة،

هُوَى الوعي البشريِّ الغابر: لَكأنَّني

أجري خارجَ عجلاتِ السَّماوات المرئيَّة.

حدائقُ مِن أزهارِ رمادٍ، حدائقُ ماءٍ في الصَّمتِ

تمسُّ

قدميَّ الطَّريَّتين مسَّ القطنِ المندوف.

نشوتي الصَّادقة مكمنُها القلب.

شمسُ سعادةٍ كاملةٍ تتخلَّلُ

أضلُعي: ها أنا أشعُّ ملايين الأقطارِ

السَّائبة تماماً، والخافتة، والعديمة اللون، والجذلى.



ربَّما أصيرُ الآن

جنينَ نفسي. أحيا

في الخواء الكلِّيِّ المقفَل. مخلوقٌ آخرُ

مهولٌ وقاهرٌ يلفُّني، يغذِّيني، ويحضنني.

بي شهوةٌ بعيدةُ المنالِ

لأن أكون اللحمَ لجسد،

لأن أهتزَّ

في النَّبض الدَّخيلِ المطعَّمِ بعذوبةٍ بنبضي.

أوه أيُّها النَّوم! أنتَ بيتيَ الأجمل،

أنتَ قصريَ الملكيُّ المحتَّم،

أنتَ سريرُ زفافيَ الفرديُّ المعَدُّ 

لأفكاري الوارثةِ مملكةَ الأشباح!

أوه أيُّها النَّوم! أيُّها المجدُ الشَّامخُ على عرشِ

جلالتي المُغرِبةِ في سكينتها.



عاطفتي محقتُها  

بيديَّ، باليدين النَّاحلتين

لشاعرٍ عاطفي.

رغبتي محقتُها خنقاً

في جسدي الطَّويل، المتروكِ مائتاً في رُقادِه.

محقتُ وعيي:

عيناي تبصران هاويةَ الباطن،

وتسمعُ أذنايَ

أوركسترا كلِّ الرَّغبات التي تتهاوى.

محقتُ قاطرةَ نفْسي:

دونما صفيرِ ألمٍ، صمتَتْ

متوقِّفةً تحت سقفِ ما تصوَّرَتْهُ محطَّة.



أهذا هو الموتُ،

لا أدري. ربَّما هو شبيهُه.

ربَّما الحياة هي هذا:

والموتُ هو الشَّيءُ الآخر، هو ذاك

الكابوسُ النَّهاريُّ العموديُّ، المتيقِّظُ الحواسِّ، في الشَّمس.

يقيناً، أُحِسُّني وُلِدْتُ

فاتحاً عينيَّ على غبطةِ موتٍ شهيٍّ سهلِ المنال:

ولَكَم أشتهي

لو أنَّ طعنةَ السِّلاح الأبيض للفجر

لا توقظني بعد اليوم على عذاب الحركة!

كراهيتي تبدأ مع صياحِ الدِّيك.

أكره الأحلامَ فائقةَ الغموض

التي ترقِّقُ الليلَ العقليَّ فوق الفجر.



أكرهُ. وأصابعي تحاولُ أن تمزِّقَ 

أخمرةً بيضاً،

أن تقطِّعَ لحماً ورديَّاً،

وتُغرِقَ بحبر الأخطبوطِ الدَّمَ الغزيرَ الحارَّ، دمَ

الأشباحِ الأنثويَّةِ التي تتعقَّبني.

مِن أين أتيتِ، يا تهيُّجاتي

الرَّائعة؟ مَن يحثُّكِ على إغوائي؟

مِن سماءِ أيِّ هاويةٍ

ينبجسُ نبعُكِ الدُّوَّاميُّ المُريع؟

أوه أيُّها النَّوم، أيُّها الإلهُ الخبيثُ الذي ينبذُني،

متى

تؤويني في معبد المعابدِ، معبدِك،

في فردوسِ الفراديس، فردوسِك؟ متى  

تكفُّ عن العودةِ إلى عينيَّ

الأحلامُ والشَّمسُ والأشياءُ والنَّاسُ والميدوسات؟



متى؟ أو، ربَّما، ألَّا ننامَ

أبداً، ألَّا ننامَ، ربَّما، أبداً، هو

القانونُ الأكيدُ، حتَّى بالنِّسبة إلى الموتى، هو فحسب.

ستنامُ، ساعتئذٍ، في غسقِ ذاتِكَ

الأخير: سيكون عذباً وجارفاً،

ثقيلاً وخفيفاً، قصيراً وطويلاً، السُّباتُ بعدئذٍ.

ستستفيقُ (كما في نهايةِ ليلةٍ قصيرةِ السَّاعات)

بعدَ ألفيَّةٍ، من مرقَدك في كوكبٍ إلى مرقَدٍ في كوكبٍ آخر.

ومرَّةً أخرى ستحيا، لتَعبُرَ دربَكَ الأبديَّة،

أو العظمى، أو المتوسِّطة، أو الصُّغرى، لا فرق،

متنفِّساً هواءَ الغموضِ الفاسدَ.

*

الأظفار



أحبُّكِ في الرُّضَّع،

بيضاءَ، طريَّةً، صغيرة

كأوَّلِ البتلات

في زهرِ الإجاص:

مثنيَّةً

في مستهلِّ الأحلام،

تريدُ الإمساكَ

ليس إلَّا بنُدَفِ

ثلجِ عالَمِ النِّسيان

أو بالجبل الورديِّ

للثَّدي المرضِع

الذي يخبِّئ لهمُ العالَمَ.

إناثٌ، ذكورٌ؟

من يستطيع التَّخمين؟

أظفارُ الطُّفولةِ في أقمطتِها

هي الطُّفولة نفسُها في قماطِها.

لا جنسَ لها.

وكلُّ ندفةِ ثلجٍ

كلُّ قطرة حليبٍ

تسقط كاللؤلؤ عليها

جديرةٌ أن تصوغَ،

بيدِ ملاكٍ صغيرٍ،

زهرةَ النَّقاء الفردوسيَّة.



أحبُّكِ في النِّساء:

نِصالاً قرنيَّةَ الشَّكل: تستطيعين

الخمشَ حتَّى الإدماء: تستطيعين

أن تَشِمي بألف علامةٍ بربريَّةٍ

الجسدَ المناوئَ العاشق.

وتلك الهُلَيلاتُ عليكِ، البيضاءُ

بياضَ ابتسامةٍ ألماسيَّة، تعرفُ

متى تتلظَّى بنسغِ ياقوتٍ  

إذا ما اخترقتِ عميقاً من الغيرةِ يوماً

العنقَ الإبليسيَّ لخائن.

البشرةُ الورديَّةُ الباردة تنعكسُ

في شُدُفاتِكِ

كأنَّها الجلدُ الوحشيُّ السَّاخنُ لهنديٍّ أحمر.

تُسكِرُني العطورُ المتراكزةُ

لسطوحِكِ الكأنَّها بلَّورُ قناني عطرٍ منزوعةِ السِّداد:

والأقواسُ الطَّرفيَّةُ الصَّافيةُ والشَّاحبةُ والمسنَّنة

كمناقيرِ بُوماتٍ صُفرٍ

أعبدُها، فلو على مخرطةٍ برقيقِ المباردِ والمَراودِ

راحت الأناملُ لساعاتٍ وساعاتٍ            

بصبرٍ تشكِّلُكِ لتلصَّصتُ عليكِ

من النَّافذة المقابلة

حيث يقف رجلٌ يكرهُ المرأة ومع ذلك يلتهمُها بعينيه.



وأحبُّكِ يا أظفاري، أنتِ البرَّاقة

في ذؤاباتِ يدَيَّ هاتين، يدَي الموسيقيِّ والشَّاعر،

أحبُّكِ يا شُعَلاً صغيرةً صُلبةً وناحلة

فوق هذه الشُّموع الغريبة

شموعِ أصابعي المشتعلةِ على الدَّوام أعياداً.

كلَّما أنشأتُ أكتبُ

اشتعلتِ متلألئةً، ومضاعَفةً

عندَ الغُرزةِ الأشدِّ احليلاكاً للقلم.

أنتِ الضِّياءُ، أيَّتها الأظفار،

الضِّياءُ الذي ظِلُّهُ نصلةُ الحبرِ السَّوداء.

وإذا لمستُ مفاتيحَ الهاربسيكورد

- الصَّديقِ الإلهيِّ الدَّائمِ

لعزلاتي الدَّائخة-

مالأتِ سرَّ اللمسةِ الطَّريَّةِ

لأناملي، أنتِ يا مضارب قيثاريَ العشرةَ

التي بها ألامسُ الأوتارَ التي

تربطُ أوصالَ روحي

بطحالب اللانهائيِّ الحسِّيَّةِ

الأكثر عمقاً.



وأحبُّكِ في المجانين:

في المجانين الذين يقصُّونكِ ويحتفظون بكِ

في كثيرٍ من اللِفافاتِ الثَّمينة:

ويقتلُ أحدُهم الآخرَ

الذي سرقَ منهُ مغلَّفاً فيهِ

تلك البقايا

العظميَّة

الصَّغيرة

والرَّقيقة.

مَن منَّا فكَّرَ يوماً

بمصائرِ الأظفار المقصوصة؟

أين تسقطُ؟

مَن يُتلفها قضماً؟

أليست هي أجزاءَنا الصُّغرى؟

أليست تربيعاتِ قمرٍ ناحلةً

نمَتْ مع مدِّ النَّهارات؟


ويقولون

إنَّه حتَّى عندَ الموتى

تنمو تحت التُّراب الأظفارُ:

أظفارٌ سعيدةٌ، حُرَّةٌ،

لن يقصَّها أيُّ مقصٍّ هناك.  

[اختارها وترجمها عن الإيطاليَّة: أمارجي] 

مشروع مذكرات

9:27:00 ص اضف تعليق


من الآخر (من الذاكرة)

كان في إجازة.
في الرابع من حزيران عام 1982 بدأ القصف الإسرائيلي على أرنون وبقية المواقع العسكرية للقوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية في الجنوب وبيروت.
قطع إجازته وعاد إلى مركزه العسكري الذي كان مسؤولاً عنه. هو موقع مدفعية يضم حوالي عشرين عسكرياً ومدفعاً من عيار 130 ملم، إضافة إلى مدفع آخر من عيار 76 ملم.
كان هذا المركز قد أنشئ قبل حوالي نصف سنة من تاريخه. موقع معزول في مرتفع مطل في منطقة إقليم الخروب، يسمى القريعة، وهو ربما الموقع الوحيد الذي لم يتعرض لقصف الطيران الإسرائيلي قبل ذلك بفضل التمويه الكبير الذي كان معتمداً، بسبب الحرص على عدم ترك أي أثر يمكن أن يصورة الطيران، من علبة السجائر إلى الأسلحة التي كانت مموهة بأشجار القندول، والخيم المنصوبة تحت أشجار الصنوبر المعمرة.
أول ما قام به هو تحضير الإحداثيات لأهداف محتملة. المدى الأقصى الذي يمكن أن تصله قذائف المدفع 132 كانت منطقة مرجعيون.
في النهار كان التدبير المعتمد هو انتشار العسكريين بعيداً عن الموقع تحسباً لاكتشاف المربض وقصفه من الطيران. وفي الليل كانت الحراسة تحسباً لإنزال ما..
على أجهزة اللاسلكي كان يتم رصد الكثير من المكالمات العبرية.
مرّ اليوم الأول واليوم الثاني. في ليل اليوم الثاني حضر إلى الموقع النقيب ع. ط. المسؤول عن قطعات المدفعية، وهو ضابط سابق في الجيش اللبناني.
تم إخباره بأن المدرعات الإسرائيلية في تلك الأثناء كانت على طريق عام مرجعيون، وهي طريق كان قد تم التحضير لها مسبقاً كهدف محتمل. وافق النقيب على ضرب تلك الطريق. وقبل أن تبتعد سيارته عن المكان، بدأ تنفيذ الأمر بإطلاق حوالي عشر قذائف من رصيد كان لا يتجاوز الخمس عشرة منها، ثم تم تمويه المدفع من جديد بشكل جيد.
في صباح اليوم التالي، تم تنفيذ الاجراءات المتبعة: الانتشار بعيداً عن المربض، مع توزيع بعض الذخائر الاحتياطية الإضافية. تم الانتشار في منطقة وسيطة بين المربض وموقع عسكري آخر يبعد بضعة كيلومترات من المكان.
الاندفاعة الإسرائيلية كانت سريعة ضمن خطة ما. كانت بعض الجيوب المقاوِمة تُترك ويتم تجاوزها والاندفاع نحو الأمام. بدأت أصوات طلقات تسمع في مكان يبعد حوالي الكيلومتر الواحد عن مكان انتشار المقاتلين. الخطوة التالية كانت في الانتقال إلى المركز العسكري التالي، وهي خطوة كانت ملحوظة مسبقاً بسبب وجود الموقع الأول في منطقةٍ حرجية معزولة دون وجود التموين الذي كان يتم إحضاره إلى المكان بشكل يومي. والسلاح الذي كان موجوداً في الموقع الأول يقتصر على مدفعين والأسلحة الفردية.
لكن الموقع البديل كان خالياً تماماً. 
تم التوجه شمالاً عبر بساتين الزيتون، حيث كانت هناك مجموعة من بعض القوى الصديقة منتشرةً في المكان. شعر مسؤول المجموعة بخور في قواه، وتذكر أنه لم يذق الطعام منذ يومين. كان لدى المجموعة الصديقة في المكان بعض اللحوم المعلبة، فتح إحدى معلبات اللحم البقري وتناول بهضها قضماً لعدم وجود الخبز، مما سمح له باستعاد قدرته على السير، ثم قرر التوجه سيراً نحو المواقع المركزية في بيروت، مستعيناً بخارطة طبوغرافية وبوصلة لتحديد الاتجاه المناسب.
حوالي الخامسة عصراً، وصل الجميع إلى منطقة فيها موقع عسكري يضم بضعة مدافع من عيار 130 ملم، (ربما ثلاثة أو أربعة مدافع)، الموقع كان خالياً. لا يمكن تحاشي الموقع. يجب معرفة المنطقة ومعرفة الطرف صاحب الموقع العسكري. كان هناك احتمال أن يكون الموقع لإحدى قوى الخصوم. الحذر كان مطلوباً، والتعب والإنهاك لا يسمحان بالالتفاف والابتعاد عن الموقع لمتابعة المسير.
طلب من المجموعة المرافقة (وهي كانت قد انقسمت إلى مجموعتين في بداية الرحلة) الانتشار بشكل قتالي حول الموقع، ثم دخل هو إلى الموقع، إلى إحدى الخيم المنصوبة في المكان. كان يبحث عن نشرة سياسية أو أي أثر يدل على الهوية السياسية لأصحابه.. لكنه لم يجد شيئاً.
كانت هناك علبة من راحة الحلقوم تناول بعضاً منها على جوع.
الموقع كان قبالة قرية تبعد حوالي أقل من الكيلومتر الواحد، دخوله إلى الموقع كان مراقباً، فحضرت إلى المكان سيارتان عسكريتان.
اقترب من السيارة الأولى وتفحص في مستقليها وشاهد شعارات أحد الأحزاب اليسارية على ملابسهم العسكرية، فأشار إلى المجموعة المتمركزة بالحضور. صعدت المجموع في السيارات وانطلق الجميع نحو القرية. طلب من المجموعة تأمين سلاحهم بعد أن كان مهيئاً للاستخدام. وبالرغم من حصول ذلك، فقد بدا الخوف على أفراد المجموعة الصديقة وتكرار الطلب بتأمين الأسلحة ..
عند الوصول إلى المركز الحزبي للقوة المذكورة، تبيّن أنها تعج بالقوات المنسحبة وكان ذلك المركز محطة في الطريق إلى بيروت.
كانت تلك القوة الصديقة تخبر الجميع بأن الإسرائيليين على مداخل البلدة، وبأن على الجميع تسليم سلاحهم وارتداء الثياب المدنية قبل متابعة طريقهم نحو بيروت من معبر جسر القاضي..
كان أمراً مفاجئاً إلى حد كبير، رغم أن أحوال من وصلوا إلى المكان لم تكن تسمح بالكثير من الأحاسيس، التي يمكن أن يفكروا فيها لاحقاً، أما في تلك اللحظة فكان الإرهاق والبحث عن التقاط النفس هو السيد.
مع الإشارة إلى أن مسؤول المجموعة "المهاجرة" كان قد اقترح على القوات الصديقة بعد وصول السيارتين العسكريتين إلى المكان بالبقاء معهم في الموقع، كون المجموعة "المهاجرة" متخصصة في هذا النوع من المدفعية، فكان الجواب أن لا حاجة إلى ذلك، وبأن الإسرائيليين يطوقون المكان.
تم تسليم الأسلحة في المركز المذكور بناءً على محضر تسلم وتسليم، باعتبار أن المسألة مؤقتة، أو هو ربما بسبب اعتياد هذه التدابير العسكرية. تسلم وتسليم السلاح بالأرقام وبالتفاصيل.
تمت المغادرة من جديد، ولم يكن هناك أسرائيليون على الطريق رغم طول المسير. هل هي خدعةٌ إذاً. لماذا تريد تلك القوة الصديقة الحصول على سلاح المقاتلين المنسحبين الفردي إذا لم يكن هناك قوات إسرائيلية على المداخل؟
ولماذا بقي هذا الموقع المكشوف بمدافعه المكشوفة أيضاً دون استهداف الطيران رغم استهداف كل المواقع المشابهة في أماكن أخرى؟ أسئلة بدأت تخطر في البال.
كانت أرتال المنسحبين على الطريق إلى جسر القاضي تشبه القطار الطويل الذي لا تبدو نهايته.
وفي منطقة جسر القاضي، في الحادية عشرة ليلاً تقريباً، كان أحدهم يسأل: هل يوجد أحدٌ من الفصيل الفلاني؟ 
كانت والدة أحد رفاق مسؤول المجموعة قد استقلت سيارة أحد أقاربه وجاءت للبحث عنه. 
كانت جائزةً غير متوقعة. استقل صاحبنا ورفيقه السيارة وكانت وجهة سيرهم البقاع بدلاً من بيروت.
في البقاع كانت هناك أماكن تجمع تستقبل المنسحبين، يعودون أولاً إلى منازلهم للعودة إليها بعد استعادة النفس والقليل من الراحة والتحضير للمرحلة المقبلة.
وصل صاحبنا إلى منزله في الثانية بعد منتصف الليل. كان الجميع نياماً أو شبه نيام..
غداً سيكون يوماً آخر. ومرحلة أخرى. ومعطياتٍ أخرى. وإنساناً آخر. ومراجعاتٍ لا تنتهي.
خرجت قافلة النار من بيروت. وضع الأشقاء يدهم بشكل كامل على ما تبقى من البلاد، غاب هامش الخيارات عن الكثير من القوى التي كانت تتمتع به في مناطق كانت تسمح بمثل ذلك الهامش. كان عليها إما الذوبان بشكل كامل في بحر الأخوّة أو الذوبان، الذوبان فقط.
(من محطات من ذاكرة صديق)

م ح

نعي، صبا محمود

12:39:00 م 2 تعليقات



رحلت صبا محمود، أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، في 10 آذار، 2018 بعد صراع مع مرض السرطان. كانت الأستاذة محمود متخصصة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وباحثة في شؤون مصر الحديثة. ولدت في كويته، باكستان في العام 1962، ثم قدمت إلى الولايات المتحدة في العام 1981 لدراسة الهندسة المعمارية والتخطيط المديني في جامعة واشنطن في سياتل. حصلت على الدكتوراه في الأنثروبولوجيا من جامعة ستانفورد عام 1998، ثم درّست في جامعة شيكاغو قبل ذهابها إلى جامعة كاليفورنيا في بيركلي في العام 2004، حيث قامت بتدريس آخر حلقة بحث لها في خريف العام 2017. في بيركلي، وبالإضافة إلى دائرة الأنثروبولوجيا، كانت الأستاذة محمود عضواً في مركز دراسات الشرق الأوسط، وبرنامج النظرية النقدية، ومعهد دراسات جنوب آسيا (حيث لعبت دوراً أساسياً في إنشاء مبادرة الدراسات الباكستانية في بيركلي، وهي الأولى من نوعها في الولايات المتحدة).

لقد قدَّمت محمود مساهمات رائدة في السجالات المعاصرة حول العلمانية، فاتحةً آفاقاً بحثية جديدة لفهم دور ومكانة الدين في الحياة العامة، ومتحدية عدداً من الافتراضات السائدة حول الديني والعلماني. وفي مواجهة مساهمات أكاديمية حادَّة تندد بالمجتمعات الإسلامية، قامت محمود بتطوير فهم معمق ومطلع للإسلام في الجدل القائم حول: النظرية النسوية، والأخلاق، والسياسة. وقد ترددت أصداء منشوراتها ومحاضراتها في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية كافة، ولعبت دوراً مؤثراً في تشكيل المساهمات الأكاديمية لجيل جديد من الأكاديميين الباحثين عن تطوير مقاربة مطّلعة ونقدية للدين في عصر الحداثة. كباحثة ومعلمة، جسدت محمود المبادئ الأخلاقية والسياسية التي نادت بها، حيث قدمت تحليلات ثاقبة للسلطة الاستعمارية والرأسمالية في تناولها لحداثة العلمانية، وصاغت أطراً جديدة لفهم الذات النسوية، والذاتية العلائقية، والحرية الدينية، وإيذاء الشعور الديني، وحقوق الأقليات الدينية، والتحليل القانوني المقارن لقانون الأسرة الديني والعلماني، والتشريعات الجنسانية.

إلى جانب الأنثروبولوجيين طلال أسد وشارلز هيرشكيند، كشفت محمود عن العلمانية كتشكيل سياسي مركب ينتج التباينات بين التقاليد الدينية التي يسعى لتنظيمها. بكلماتها، "العلمانية السياسية هي السلطة السيادية للدولة الحديثة التي تسعى لإعادة تنظيم السمات الجوهرية للحياة الدينية، بما يشمل تحديد ما هو الدين أو ما يجب أن يكون عليه، وتعيين محتواه الصائب، وتعميم ما يصاحبه من ذاتيات وأطر أخلاقية وممارسات يومية مقترنة به". وقد حاججت محمود أنه لا انفكاك ما بين العلمانية وتاريخها الديني على الإطلاق، فهي لا تحقق استقلالاً عن التشكيلات الدينية التي تسعى لتنظيمها. في الواقع، إن التمييز المؤسس للمنطق العلماني بين الحياة العامة والحياة الخاصة، يستمد أصوله من الفهم المسيحي الحديث للعبادة كممارسة خاصة. إنَّ هذا الفهم الديني المسيحي، الذي يركز على الاعتقاد كممارسة روحانية، هو على تناقض حاد مع أديان مثل الإسلام، الذي تحتل فيه الممارسات الدينية المجسدة موقع الصدارة. واستناداً إلى ذلك، فقد جادلت محمود أن الإبستمولوجيات العلمانية عاجزة عن استيعاب الطريقة التي يعبّر بها الإسلام عن القيم الدينية، ما يؤدي إلى سوء فهم كل من الذات المسلمة والمعاني العامة لممارساتها الدينية.

في إطار مساهماتها المتعلقة بالنظرية النسوية، لفتت محمود قرَّاْها إلى أن المسلمات المتدينات اللواتي عملت معهن في القاهرة، خلال بحثها، لم يكنّ محض فاعلات ممتثلات بلا تفكير، بل كن منخرطات في مقاربات تأويلية مميزة لقراءة القرآن في المدارس الخاصة بهن، بما يساهم في ترسيخ الممارسة الدينية كشكل من أشكال السلوك الأخلاقي. وفي تحدٍّ للرؤى الموروثة عن الفلسفة الأخلاقية الغربية حول الحرية الذاتية، قدمت صبا محمود محاججة جريئة مفادها أنه من أجل فهم المسلمات المتدينات، على المرء أن يتصور ذاتاً معرفة بعلاقتها بالتمثيلات النصية والتصويرية للإلهي. فالنساء المنخرطات في ممارسة دينية من هذا النوع، كما جادلت محمود، يجب فهمهن على أنهن منخرطات في ممارسات أخلاقية لتشكيل الذات. ومع ذلك، فإن الذات الأخلاقية، في هذه الحالات، ليست طوعيةً، تفصل "الإرادة الحرة" عن الأعراف الاجتماعية والدينية التكوينية؛ بل بأكثر من ذلك، تأخذ الذات الأخلاقية، في الإسلام، شكل علاقة مجسّدة حية، وقيد الممارسة مع الإلهي، بما يتطلب فهماً بديلاً لتكوين الذات. وقد ظهرت إحدى نتائج هذه الرؤية واضحة في مداخلاتها ضمن مناظرات العام 2006 حول الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية التي تصور النبي محمد. فالذين زعموا أن هذه الرسومات كانت مسيئة فقط فاتتهم ماهية الأذى الناجم عنها. ففي الإسلام، كما تقول محمود، يعتبر الهجوم على الصورة الإلهية هجوماً على النفس الحيّة والمتجسّدة، لأن النفس تحلُّ في تلك العلاقة تحديداً.

في عملها الأخير، درست صبا محمود التمييز الواقع على المسيحيين الأقباط الأرثوذكس في ظل النظام العلماني المعاصر في مصر. وفي مواجهة النظرة التي تستدل بالتباينات القبلية والدينية على عدم اكتمال عملية العلمنة، أظهرت الراحلة أن التباينات القبلية والدينية، وما يصاحبها من نزاع، تفاقمت في ظل أنظمة السلطة العلمانية. فقد جادلت أن التمييز والعنف الذي يعانيه المسيحيون الأقباط ازداد مع قيام الدولة الحديثة باستكمال تنظيم الحياة الدينية وإدارتها، وفرض منطقها الخاص على النقاش حول العقيدة والممارسة الدينيتين. بعيداً عن تحقيق المثل العليا للمساواة المدنية والسياسية، سهلت الدولة العلمانية التفاوتات الدينية والعنف بين الأديان. كما تطرقت محمود إلى القيم والممارسات التي تطورت ضمن الإسلام لمفاوضة الاختلاف الديني، مظهرة كيف طغت أنظمة السلطة العلمانية على التقنيات الدينية للحوكمة المدنية.

ألفت محمود كتاب الاختلاف الديني في عصر علماني: تقرير حول الأقليات (ترجمه كريم محمد وصدر عن مركز نماء للدراسات والبحوث، 2015) وسياسة التقوى: الإحياء الإسلامي والشخصية النسوية (ترجمت أجزاء منه عبير العبيداء لمؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2016) والذي فاز بجائزة فيكتوريا شاك من جمعية العلوم السياسية الأمريكية. كما شاركت في تأليف كتاب هل النقد علماني؟ (ترجمه إبراهيم الفريح وصدر عن دار جداول، 2017) وفي تحرير سياسات الحرية الدينية (جامعة شيكاغو، 2015)، وقد ترجمت أعمالها إلى العربية والفرنسية والفارسية والبرتغالية والإسبانية والتركية والبولندية. كما نشرت العديد من المقالات في حقول الأنثروبولوجيا والتاريخ والدراسات الدينية والعلوم السياسية والنظرية النقدية والنظرية النسوية والنقد الفني، وخدمت في العديد من مجالس الدوريات وكتبت للعديد من الصحف. حصلت الأستاذة محمود على العديد من الأوسمة والجوائز، بما في ذلك زمالة أكسل سبرينغر في الأكاديمية الأمريكية في برلين، وزمالتين في مركز الدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية بجامعة ستانفورد ومعهد أبحاث العلوم الإنسانية بجامعة كاليفورنيا. وقد حصلت على منحة كبرى من مبادرة مؤسسة هنري لوس حول الدين والشؤون الدولية، فضلاً عن أكاديمية هارفارد للدراسات الدولية والمناطقية. كذلك حصلت على زمالة فريدريك بوركهارد من المجلس الأمريكي للجمعيات العلمية، بالإضافة إلى برنامج باحثي أندرو كارنيجي كباحثة شابة. أخيراً حصلت على الدكتوراه الفخرية من جامعة أوبسالا في السويد عام 2013.

كانت صبا محمود أكاديمية لامعة، وزميلة عزيزة، ومعلمة ومرشدة متفانية لطلاب الدراسات العليا. وإلى جانب حماسها السياسي المتواصل وتحليلها الحاد، كانت شغوفة بجمال البراري، وشعر غالب، وبهجة الطبخ ومشاركة الطعام الفائق الجودة. كانت تنمّي علاقاتها مع العائلة والأصدقاء باهتمام وفرح. كما قامت بإرشاد طلابها برعاية وانتباه مميزين، تطالبهم أن يقدموا أفضل ما لديهم، وتستمع إليهم وتستجيب لهم بكرم هائل، حاضرة في فكرها معهم دوماً، وداعية الآخرين للقيام بمثل ذلك. في الأشهر الأخيرة من حياتها، أكدت الراحلة على قيم الفكر والمحبة، تاركة إرثاً نابضاً بالحياة سيستمر ويزدهر بين كل من لمست حياتهم حياتها وأعمالها. رحلت صبا محمود وتركت وراءها زوجها شارلز هيرشكيند، وابنها نمير هيرشكيند، وأخويها خالد محمود وطارق محمود.

قسم الأنثروبولوجيا، جامعة بيركلي. R

فاطمة المحسن عن فالح عبد الجبار

12:38:00 م 2 تعليقات




كتبت مذكراتي بعد مرضي وأهديتها إلى فالح عبد الجبار، كان عنوانها " الرحلة الناقصة ". سألني لماذا هي ناقصة؟. كنت على ثقة بمعرفته قصدي، ولكنه رفض أنْ تَخْلف رحلتي موعدها، وما كنت أظن انه هو الذي سيتركها على نقصانها. رحلة عمر معه فكيف لي أنْ أتذكر الآن نتفاً منها. ما برح الضنى بفقدانه يحجب كل الكلمات الصغيرة والكبيرة، ففالح لم يكن شخصاً بعينه بل هو مرايا من الشخصيات المتكاثرة. وقدر ما أتعبتني تلك المرايا التي تحيطني مثل دائرة فلكية، قدر ما كانت تمنحني أفقاً مفتوحاً على تجارب ثرة مفعمة بالعنفوان والغنى. كل ارتباكات فالح وجنونه تبدأ وتنتهي عند معركته مع الزمن، الوقت الذي حاول أن يمسك بقرنيه بجماع قوته. فهو عجول يركض في براري الله كي يسبق الزمن. وإن نظرت إلى الأمر بعين العقل فقد أختار فالح حتى توقيت موته. خاض الحياة بالمناكب وكان شجاعاً بمواجهة المرض، ولو جاز لي التخمين فهو كان هكذا حتى لحظة غيابه الأخير. أكثر ما كان يرعبه أن يكون عاجزاً يودع أيامه وهو يحدق بالفراغ. 
ليس من المجدي ان أقول انه أضاف إلى الثقافة العراقية والعربية، فأنا في لحظة ذهول يتفوق فيها الفقدان الشخصي على كل المناقب. لقد جعلني أصدق انه لن يموت، فكم من المرات التي كنت أحدق في تلك النُذر التي تعصف به، ولكنه يخرج منها كما لو كانت لا تعنيه. وكم من المرات التي قارب فيها الموت وأنكره على نفسه ليبدأ مشروعا بل مشاريع مجتمعة. 
تحرر فالح من جسده ولكن عقله بقي ينبض بالحياة إلى آخر لحظة، فقد ملك أثمن قيمة للوجود الإنساني : التفكير المتواصل بالظواهر والفضول العلمي. ساعده عقل رياضي مركّب تتفرع فيه اهتماماته من علم الاجتماع والتاريخ والفلسفة والرياضيات والفيزياء وحتى السينما وكرة القدم والشطرنج. لعل هذه الكثرة عند غيره تبعث على التشتت، وتحتاج حياة منشطرة، بيد ان قدرته على التركيز والاختزال والتكثيف ساعدته كثيرا على تنظيم مساره الفكري نحو أهداف محددة. ولم يكن مثقف طاولة مع أنه جلس عليها كما لم ألتق كاتباً صرف وقتاً في البحث والكتابة مثله. كان معلماً يفيض بكرمه المعرفي على الصغير والكبير، محاضراً متميزاً ومتفرغاً للإجابة على الأسئلة التي تغمض على الشباب، وكم من واحد منهم أخبرني انه يدين له بالفضل في فتح نوافذ ومسارات جديدة في الدرس والتحصيل. 
يكره فالح الطقوس وبروتكولات التأبين، وكان يعرف كل ما يبقى منه ليست تلك الكلمات التي تخطها ساعات الفجيعة، بل التي تعبر زمن الكائن البشري الى ما تركه من لمسات صغيرة أو كبيرة في هذه الحياة الفانية. 
يكمل الموت فعل الحرية او هو الوجه الآخر للوجود الفيزيقي للبشر، ولكن الحياة بالنسبة للمشتغل بالفكر، عالم أوسع من وجوده الشخصي، إنه السعي نحو اكتشاف المعنى الحقيقي للحياة نفسها. ومع ان فالح كان مولعاً بماركس ومؤمناً باقتران النظرية بالفعل، غير انه كان يملك روحا عدمية لا تعبأ بجسده كمصير، مثلما كان يحمل قلقاً متواصلا من عبثية هذا الوجود ولا جدواه. يطرد هذا القلق بهوس العمل والإنجاز وامتلاك العالم الذي يخاف أن يفلت منه. 
كنا في سباق مع الوقت في النوم والصحو وفي الصحة والمرض، ولم تكن حياتنا سعادات متواصلة، بل كانت التباينات بيننا عاملا أساسياً في ثراء تلك العلاقة التي يعرف كلانا حاجتنا المشتركة إليها. تنشط قراءاتنا وأفكارنا بالنقاشات، نتقاطع فيها ونتواصل، نتخالف ونتفق ولكننا نشعر بما لم نقله مرة، عمق تلك الرابطة التي تمتد منذ ما أجهل من الوقت، حتى الساعة الأخيرة التي غادر فيها الكلام. 
أجد نفسي في آخر المطاف مدينة له بسعادات كثيرة، ومنها سعادة الحياة الثقافية التي عشناها معا : القراءات والسفر والأفلام والصداقات. ولعلني أذكر تفصيلا منها يلح عليّ في هذا الوقت، وهو تلك السويعات التي قضيناها في نقاشات مفتوحة على الكثير من اهتماماتنا المشتركة. ففالح قارئ نبه في الفلسفة والفكر، وذكاؤه الاستثنائي ومعرفته العميقة بالكثير من ظلالهما، ساعداني على الوصول إلى ما غمض أو أشكل منها، وكنت أدرك أن عليّ أنْ أعارضه كي أروض ذهني وأصل إلى بوابات جديدة من المعرفة. كنا نتشارك بمتعة الاهتمامات المتباينة والمشتركة بما فيها من نقص او فيض، ونتبادل المواقع في كل معاركنا مع النفس ومحاولتنا فهم المزيد عنها. نتخاصم ونختلف ونفترق ثم نعود كما لو لم يكن بيننا هواجس الجنون والوساوس. 
الفقدان يدفعنا للسير في خط عكسي، حيث يكون بمقدورنا امتلاك تلك الشظايا المبعثرة من ماضينا، فعبثية الموت أقوى من كل تصورنا عنه وعن المستقبل. إنه يسكن كل غفلة عنه. 
فكرة فقدان فالح قربتني من المعني الحقيقي للنهاية التي تضعنا في سديم الأبدية الصماء، مع أنني مررت بتجربة تركتني قاب قوسين من الموت وما برحت تسكن جسدي، بيد ان الاختلاف هو في إحساسي بأنه كان معي، أدرك من نبرة صوته قدرتي على ان اجتازها بسلام وبأقل الخسارات. هل كنت على خطأ؟ ربما فبين النهاية والبداية خط رفيع نجهل متى نصل طرفيه.

جورج سير عن الدويهي:

11:16:00 ص 2 تعليقات






يعرف سرّ الحقول
ورسالة الغيمة العابرة 25
إثنان يُلامان لعدم تناهي المقال الذي كتبه الرسّام الفرنسي جورج سير Georges Cyr الذي إرتبط إسمه بالحركة التشكيليّة في بيروت إبّان الحقبة الإنتدابيّة عن معرض الفنّان صليبا الدويهي في " أوتيل السان جورج" : الوقت، وصليبا الدويهي.
الوقت لأن السنين التي مرّت أكلت من أطراف القصاصة الصحافية. قصاصة الصفحة الأولى، على وجه التحديد، من " الريفو دي ليبان" ( العدد 41- الأحد 25 حزيران 1944-السنة 15) التي تصدّرها مقال الرسّام جورج سير.
وصليبا الدويهي بالذات لأنه إحتفظ بين أوراقه وملفّاته، بالصفحة المذكورة دون تتمّتها المنشورة على الصفحة الحادية عشر من العدد. وهو نقص في الأرشفة ممكن التدارك في حال البلوغ الى مجلّدات مجلّة الأخوين إبراهيم وإميل مخلوف، سواء في مكتبة عامة، أو في مكتبة خاصة.
الأمر الذي أفسد عليّ كمدقّق في محفوظات الدويهي متعة قراءة هذا المقال الشيّق كاملاً، المسّطر بقلم متمكّن، وبأسلوب طليّ. وعليكم أنتم، في الوقت عينه، لتعذّر إكمال معروف الكشف، بما يُرضي فضول المتابعين، ونَهَم المهتمّين. إنّما يظلّ الكحل أفضل من العمى . وفيما يلي ترجمة ما صَمَد منه على الأيّام.
المقال
" .... نستطيع أن نُطبّق عليه فكرة كورو Corot : " إنّ ربّة الفنّ هي في الغابات. إنها تنشد الصمت. وفي قرية إهدن تعلّم الإصغاء إلى أنشودة الطبيعة. وهو كبوسان Poussin ، وكلود لوران Claude lourrain تغذّى منذ نعومة أظفاره من نسغ الأرض. فهو شقيق الأشجار التي رآها مّرات عديدة تموت في الخريف، وتعود إلى الحياة في الربيع. يعرف سرّ الحقول. يفهم رسالة الغيمة العابرة. ويعلم أن الشمس تُعلّق أقراطاً من الذهب في أذنَيْ الفلاّحة الفقيرة. كان يُدرك كلّ ذلك، ويشعر به. إنّما كان يتعيّن عليه أن يتعلّم الإفصاح عنه كي يُبلغنا إحساسه، ومعنى الحياة العالمية.
الى باريس، عاصمة الفنون، كان قد توجّه ليكتسب لغة الرسم. الآخرون حرقوا أجنحتهم، أو عادوا بأمتعة من الخدع، والوصفات. أما الدويهي فعرف كيف يستوعب ما تعلّمه من المدرسة، ويخرج بخصوصّية فنّية. لاسيّما وإنه يعي أهمّيته. فرسّام ذو شأن كالدويهي لا يحقّ له الإنصياع بالإمتثال لميْل العدد الأكبر. إنّما هو الذي يعود إليه فرض ما يُلائمه، وكل الناس سيبتهجون. أمّا فيما يتّصل الآن بلوحاته المعروضة فيصعب عدم ذكر سوى البعض منها. مع ذلك يتعيّن وضع "منظر من إهدن"، المعلّقة على آخر لوح لجهة اليمين فوقها جميعاً. القريّة تبدو وكأنها تهتّز طرباً في مناخ من الراحة. كل شيء عذب في الجبل، والأرض. ما من شيء باهت لأن ظلال حائط صغير مُطوِّق للبيوت تخلق خطّ قوّة يقود النفس إلى حقيقة الأرض. ذلك كلّه قربنا. فأسواق حمص تبدو وليدة المراقبة. ويستوقفنا منظر الثلج المثبت عند مدخل المعرض، البسيط والسرّي، بإعطائه إنطباع الصمت المبطّن الغامر لبلدة مذرورة..."
جورج سير
عند هذا الحدّ ينقطع دوننا السبيل الى المتعة. الاّ أن ما وصلنا يكفي للإضاءة على جزء من المعروضات، وللتعبير عن دهشة وتقدير الرسّام الفرنسي أمام لوحات فنّاننا اللبناني الذي كان يتحفّز لبلوغ مكانته العالمية في وقت غير بعيد.
و "بعض الربيع ببعض العطر يُختصرُ".
محسن أ. يميّن

عيسى مخلوف... عن رامبو

1:11:00 م 2 تعليقات


كتب رامبو في كتابه "فصل في الجحيم": "كنتُ أرسل إلى الشيطان سعف الشهداء، أشعّة الفنّ، كبرياء المخترعين، حماسة اللصوص. كنتُ أعود إلى الشرق وإلى الحكمة الأولى الأبديّة". أيّ شرق يقصد، وأيّ حكمة؟ هذا الشعر الذي هو مشروع روحي يغوص في أعماق النفس البشرية، هو أيضاً شعر الرفض بامتياز. يتجلّى هذا الرفض في نقد البنى العميقة للمجتمع ولكلّ المؤسّسات السياسية والدينية والأخلاقية السائدة.

ضمن هذا الإطار، لا يحضر رامبو في الشعر العربي إلاّ بوصفه أفقاً مفتوحاً ومشروعاً للتغيير. يحضر كتجسيد لكتابة أخرى هي النقيض للسائد والمألوف. وإذا كان أثره في النصّ الشعري العربي لا يطالعنا، بصورة مباشرة، فهو حاضر على المستوى النقدي من خلال الإشارة أحياناً (كما عند أنسي الحاج في تصديره لمجموعته الشعرية الأولى "لن")، أو من خلال عدد ضئيل من الدراسات والأبحاث، ومن أكثرها إثارة للجدل دراسة أدونيس وعنوانها "رامبو – مشرقياً، صوفياً". نُشرت هذه الدراسة في مجلّة "مواقف"، العدد 57، عام 1989، ثمّ في كتاب "الصوفيّة والسورياليّة"، دار الساقي 1992. وكما هو واضح من العنوان، يسعى أدونيس إلى إظهار رامبو في حلّة مشرقيّة/ صوفيّة ويعتبر أنّ شعره لا يحتوي على أيّ أثر مهمّ للثقافة اليونانية، أو للثقافة "اليهودية - المسيحية"، ويستخلص أنّ تجربته فريدة داخل الثقافة الفرنسية نفسها وغريبة عن الشعر الفرنسي، وأن نصّه المفتوح على عالم التخييل والحلم والغرابة السحرية، يعارض الثقافة الغربية التي تتأسس على العقلانية المنطقية. بالنسبة إلى أدونيس، يؤكّد رامبو "ما كانت الصوفية العربية قد أكدته، تجربةً وكتابةً، في كل ما يتّصل، على الأخصّ، بتعطيل فعل الحواسّ بغية الوصول إلى حالة من الشفافية في الشخص، تخترق كثافة العالم الخارجي المادي إلى شفافيته، بحيث يسمع الشخص ما لا يسمع، ويرى ما لا يرى". يدعم أدونيس رأيه بالإشارة إلى دعوة رامبو إلى "تعطيل الحواس من أجل بلوغ المجهول" والتي يعبّر عنها الشاعر الفرنسي في رسالته إلى جورج إيزامبار (13 أيّار/ مايو 1871). ومن هذا المنطلق يدعو أدونيس إلى قراءة النصّ الرامبوي بالطريقة نفسها التي يُقرأ بها النصّ الصوفي.

غير أنّ قراءة رامبو هذه تثير تساؤلات كثيرة وتستدعي مواقف أوجزها، هنا، بثلاثة:
أولاً: يتوقّف أدونيس عند دعوة رامبو إلى "تعطيل الحواسّ". لكن هذه الدعوة، وهي بمثابة بيان شعري، تكتمل وتأخذ بعدها الأعمق في رسالة ثانية بعث بها الشاعر الفرنسي إلى بول دوميني (15 أيار/ مايو 1871)، أي بعد يومين من كتابة رسالته الأولى، وفيها أنّ "الشاعر يصير رائياً عبر تعطيل الحواسّ كلّها، تعطيلاً طويلاً، عظيماً وعقلانيّاً". هذه العبارة يمكن أن تقدّم مفتاحاًُ أساسياً لقراءة المفهوم الشعري الجديد الذي طرحه رامبو والذي لا تغيب عنه العقلانية. وهل يمكن أن ينعتق من العقلانية إذا لم تكن موجودة كمرحلة أولى، كشرط أوّلي قبل تضييعها والتخلّص منها. هكذا تبدو العلاقة هنا بين الفكر والحدس، أكثر تركيباً وتعقيداً. لا يمكن إذاً التخلّص من العقلانيّة إلاّ إذا كانت موجودة في الأساس، وتشكّل مرحلة لا بدّ منها في هذا المسار الطويل والشاقّ، في هذه الرحلة التي تسعى إلى تجاوز الحدود الفاصلة بين الموجودات، بل إلى إلغائها بالكامل.
صحيح أنّ هدف رامبو تَجاوُز الحواسّ والعقلانية، لكنّه يعي أنّ التعاطي مع هذا العامل شرط من أجل تخطّيه. فهل يمكن أن نفصل الدعوة اللاعقلانية عن محيطها العقلاني حتى ولو كانت ردّ فعل عليه؟

ثانياً، يحاول أدونيس أن يضع رامبو في موقع خارج الثقافة الغربيّة طالما أنّ "الحدس الشعري الرامبوي، بالنسبة إليه، هو حدس صوفي ومناقض لأشكال المعرفة الغربيّة – العقلانيّة". هنا أيضاً يُطرَح السؤال حول الموقف الفكري والعلاقة مع الفكر الغربي والثقافة الغربية بشكل عام. هل يكفي رامبو أن ينتقد أو حتى أن ينقض الثقافة الغربيّة حتى يكون خارجها؟ في هذا المعنى ما هو مصير جميع الفلاسفة والمفكرين الذين انتقدوا ثقافتهم نقداً جذرياً منذ عصر الأنوار حتى اليوم، من فولتير وديدرو إلى نيتشه، وبالأخصّ نيتشه الذي انقضّ على الأسس الدينية لتلك الثقافة؟ ذلك الانقضاض أليس نقضاً للحضارة التي تسمّى خطأً، الحضارة المسيحية – اليهودية؟ لكن هل يخرجه هذا النقض من الثقافة الغربيّة أم من أحد أنساقها فقط؟ أين نصنّف كتّاباً ومفكرين وفلاسفة وأعلاماً كباراً في العلوم الإنسانية من فرويد إلى فوكو وديريدا، ومن كلود ليفي - ستروس إلى إدغار موران وميشال سار إلى سائر الذين ينتقدون النسق الغربي في التحكّم بالعالم ويحذّرون الغرب من الخراب الأكبر ويدعونه إلى تغيير هذا النسق إذا أراد الحفاظ على نفسه وعلى البشريّة جمعاء؟

إنّ جانباً مهماً من قوة الثقافة الغربيّة وحيويتها هو في قدرتها على النقد. الروح النقدي هو إحدى العلامات الفارقة لهذه الثقافة. هكذا، لا يعود نقد البنى التي قام عليها الغرب خروجاً على الغرب بل تجاوزاً له من داخله عندما تصبح النزعة الإنسانية هي المشروع الأكبر الذي تبطل معه الحدود فيصبح عندئذ رامبو فرنسياً - غربياً بمقدار ما هو ابن هذا العالم. ولا يعود بعدها من حاجة إلى القول مع رينه شار إنّ "رامبو هو أوّل شاعر لحضارة لم تظهر بعد". من جهتها، خرجت الصوفية الإسلامية من ثقافة محدّدة وتجاوزتها، تطلّعاً وأفقاً ولغة، وصارت أيضاً جزءاً من الإرث الإنساني والكوني على السواء.

نضيف إشارتَين، الإشارة الأولى أنّ التجربة الصوفيّة لا تقتصر على العالم الإسلامي فقط، بل تطاول العالم المسيحي الشرقي والغربي بروافده المتعددة. هناك كذلك التجربة الصوفية في آسيا، بل وفي الغرب نفسه مع أسماء كثيرة نذكر منها، على سبيل المثال، ميتر إيكارت، تيريزا الآبليّة، يوحنا الصليب، برنار دو كليرفو، أنجلوس سيلسيوس... أمّا الإشارة الثانية فهي أنّ التصوّف الإسلامي انتهى كتجربة وإبداع في القرن الثالث عشر فيما الرؤية الشعرية لا يمكن حصرها في زمن محدّد... الصوفية الإسلامية لا يمكن أن نعزلها عن فكر ديني يرقى إلى القرون الوسطى، فيما رؤية رامبو الشعريّة مفتوحة على الأسئلة والتغيُّر وتتزامن مع مرحلة فاصلة في تاريخ التقدّم العلمي والثورة الصناعيّة، وفي تاريخ الفكر أيضاً. أكثر من ذلك، لا يمكن تجريد رامبو من بُعده المسيحي. فلئن كان شعره "دنيوياً »، إذا جاز القول، وقادراً على الجمع أحياناً بين "الروحانيّة" والفجور، ولئن كان ينطوي على نقد للدين وللثقافة الدينيّة، فهو مُشبَع بالمرجعيّة الكاثوليكيّة وبالمفردات المسيحيّة، بخلاف نيتشه الذي التفت إلى ديونيزوس وإلى الثقافة اليونانيّة القديمة ككلّ.

ثالثاً، كلام أدونيس على علاقة رامبو والصوفيّة، ألا ينطبق على الكثير من الشعراء الرائين في العالم من أمثال ريلكه وهولدرلين؟ صحيح أنّ رامبو ابتكر لغة جديدة داخل اللغة الفرنسية مثلما ابتكر الصوفيّون لغة جديدة داخل اللغة العربية، وصحيح أنّ المسالك التي لجأ إليها رامبو قريبة، في بعض مناحيها، من مسالك الصوفية، لكن التوجّه كان مختلفاً والتجربة مختلفة. كان ثمّة لقاء معها من دون أن يكون تابعًا لها بالضرورة. علاقته مع المتصوفة تصل إلى نقطة يفترق عندها الإثنان ويتّجه كلّ منهما في اتجاه مغاير. إنّها النقطة التي تعكس التباين بين الدين والدنيا، وكذلك الفرق الجوهريّ بين عبارة: "أنت أنا لا نفترق"، وعبارة: "الأنا آخر"!

الصوفيّ بوصلتُه واضحة، هي الله الذي يمثّل "الحياة الحقيقية"، أما بالنسبة إلى رامبو، فـ "الحياة الحقيقية غائبة"…

صلاة من أجل مارلين مونرو

1:07:00 م 2 تعليقات
إرنستو كاردينال (كاهن وشاعر) ـ نيكاراغوا


ترجمة عن الإسبانية: غدير أبو سنينة
ـــــــــــــــ
إلهي
تقبّل هذه السيدة المعروفة باسم مارلين مونرو في كل بقاع الأرض
على الرغم من أنّ هذا ليس اسمها
(أنت وحدك من يعرف اسمها الحقيقي، اسم اليتيمة المغتصبة في سن التاسعة، وخادمة المتجر الصّغيرة ذات الستة عشر ربيعاً، حيث أرادت أن تقتل نفسها)
ها هي الآن بين يديك
من دون مكياج
من دون وكيلها الصحفي
أو تواقيع للذكرى
فقط كرائدة فضاء في ليلك الفسيح.
على ذمَة “التايمز”، كانت قد حلمت في طفولتها
أنها تقف عاريةً في كنيسةٍ
أمام حشدٍ من النّاس الساجدين
كان عليها أن تسير على أصابع قدميها كي لا تدوس رؤوسهم.
أنت تعرف أحلامنا أفضل مما يعرفها علماء النفس
كنيسةٌ، بيتٌ، كهف
هم أمان الرحم الأمومي
ويعني أيضاً أكثر من ذلك..
الكنيسة هي المعجبين، هذا واضح
(عجينةُ الرؤوس في العتمة تحت خيطِ الضوء).
لكن المعبد ليس استديوهات
20th Century Fox
المعبد الرخامي الذهبي، هو معبد جسدك
حيث يوجد ابن الإنسان والسوط في يده
يطرد العاملين في المحطَّة
الذين جعلوا من بيت عبادتك قبواً للصوص.
إلهي
في هذا العالم الملوّث بالخطايا والإشعاعات
لن تحاسب عاملة في متجرٍ
حلُمت كغيرها أن تُصبح نجمة سينما.
وصار الحلم حقيقةً (لكنّها شبيهةٌ بالأفلام الملونة)
لم تفعل شيئاً غير أنّها أدَّت الدَّور الذي أعطيناها إياه
– مشهد حياتنا- الذي كان مشهداً صامتاً.
اغفر لها يا إلهي ولنا
لقرننا العشرين
لتكلفة الإنتاج المرتفعة التي عملنا من أجلها جميعاً
كان لديها جوعٌ للحب ولم نمنحها سوى مُهدِّئات
كما أوصى الأطباء النفسيون
طالما أننا لسنا قدّيسين
تذكَّر أيُّها الرَّب خوفها الزّائد أمام الكاميرا
وكُرهها للمكياج- مع الإصرار على تزيينها عند كل مشهد-
وبما أن الرّعب ازداد
ازداد حتماً تأخرها عن الوصول للإستديو.
كأيِّ عاملةٍ في متجرٍ
حلمت أن تُصبح يوماً نجمةً في السينما
كانت حياتها وهماً كحلم فسَّرهُ طبيب نفسي وحفظه في أرشيفه.
حياتها العاطفيّة:
كانت مجرَّدَ قبلةٍ بعيون مغمضةٍ
بمُجرَّد أن تفتحهما
تكتشفُ أنَّها تحت الأضواء الكاشفةِ
ثم تنطفئ هذه الأضواء!
وتنفكُّ عن جدران الغرفة (كانت لقطة سينمائيَّةً وحسب)
بينما يبتعد المخرج مع لوحه
لأن المشهد انتهى تصويره.
أو
كرحلةٍ في قاربٍ،
قُبلةٍ في سنغافورة
رقصةٍ في ريو دي جانيرو
حفل استقبال في قصر دوق أو دوقة وندسور
كلها مشاهد مرئية في صالون شقتها البائسة.
وينتهي الفيلم دون القبلة الأخيرة.
وجدوها ميَّتة في سريرها والهاتف في يدها
لم يعرف المُحقِّقون مع من أرادت أن تتحدث
كأنَّ شخصاً طلب رقم صديقه الوحيد
ولم يُسمع سوى صوت المسجّل يقول:
الرقم المطلوب غير موجود
أو كأن عصابة قطعت يدها لتبعدها عن الهاتف المقطوع
إلهي
أيًّا يكن الشخص الذي كادت أن تحادثه
ولم تفعل (لربما لم يكن له وجودٌ، أو كانَ اسماً غير مُسجلٍ في دليل لوس أنجلس)
أنت يا رب
رُدَّ على الهاتف.

العظام والرميم

أيّام محمّد الأخيرة: قراءة نقديّة في كتاب هالة الوردي

سعاد حسني في بيروت

عشرة أيام هزت العالم

«ثورتان طفيليتان» كرديّة و «داعشية» صادرتا الانتفاضة الشعبيّة «السورية»

تأريخ الثورة البولشفية تتنازعه ثلاثة تيارات أو مذاهب: السوفياتي والليبرالي والمراجع