Ad 728x90

الخميس، 16 أغسطس 2018

حسام عيتاني عن ملحم أبو رزق

حسام عيتاني عن ملحم أبو رزق

بعد خسارة صديق قديم، تتساءل عن سبب عدم الاتصال او اللقاء به منذ سنوات... تحيل الامر الى مشاغل الحياة وظروف البيت والعمل . تندم. تقول ليتني التقيته اكثر . يا ليت تحدثنا وقتا اطول في المسائل التي اختلفنا حولها. ليتني رأيته عندما مرض. ثم تكتشف انك لم تعرف بمرضه اصلا... حسرة وخسارة.
بعدما اقفلت "النداء" كان ملحم يمر علي احيانا في عملي الجديد. كنا نخرج للغداء في مطعم الشحرور . صحن حمص مع لحمة وصنوبر وكاس عرق.. وجبته المفضلة في تلك الايام. .. ثم نتمشى الى شاطئ الروشة حيث نشرب القهوة في مقهى مرتجل على حافة الصخرة.
"مش لازم نختلف مع الحزب. مهما صار"... كان ملحم يعرف. يعرف كثيرا وعميقا . اظن انني في تلك الجلسات على قلتها اكتشفت ملحم وسطحية الصورة المسبقة المكونة عنه بين صحافيي الحزب.
كثير من مكونات الشخصية التي كان يؤدي دورها في الجريدة والاذاعة حتى في ما يقال عن ولائه الشخصي لبعض قياديي الحزب، كانت مظهرا من مظاهر تعلقه بالحزب. لم يصغ هذا التعلق بكلمات كبيرة عن حركة التاريخ ووعي الضرورة والتناقض مع البرجوازية الخ....كان الحزب حياته وكفى. تفاصيل التجاوزات والصغائر والتفاهات كان يعرفها ويغض النظر عنها لان شيئا اكبر يستحق الاهتمام والتضحية. نكران الذات الذي عاشه كان يتعب من يعمل معه. "لكن من هو الحزب يا ملحم؟ انه انت وانا وهذه القيادة البائسة"- "نعم لكنهم اشخاص. سيرحلون والقضية حية"...
مرت اعوام من دون لقاء او اتصال. تغير العالم وظل ملحم وفيا لقناعاته وللمجموعة الضيقة التي شاركته وشاركها افكارا لم نعد نفهمها. ربما كان ملحم مصيبا. لا اعرف. لكنه كان صادقا في ايمانه. الايمان بالمعنى الخلاصي التطهري الفردي.
ربما سنكمل احاديثنا ذات يوم قرب صخرة الروشة وانت ترتشف القهوة بيد نحيلة وترفع عن جبينك خصلة شعر مصرة على النزول.
السلام عليك اينما كنت.

إسلامفوبيا في كوبنهاغن

إسلامفوبيا في كوبنهاغن

شاكر الأنباري *



قبل أشهر كنت أجلس في مقهى كاسترو، الواقعة في منطقة نوربرو، وهي منطقة تمتاز بكثرة الأجانب فيها، الشرقيين المسلمين خصوصاً، وفجأة سمعت لغطا بعيدا، وأصواتا عالية، وحركة غير طبيعية في الشارع. وبعد دقائق شاهدت تظاهرة ضخمة تتقدم صوب مركز المدينة. الواضح أن المتظاهرين إسلاميون، بدا ذلك واضحا من ملابسهم التقليدية، ولحاهم، واللافتات المكتوبة بالعربية والدانماركية، وكلها تؤكد على نصرة الإسلام والدفاع عن الرسول، وكانت هناك مجموعة كبيرة من النساء تسير خلف الرجال، وهن جميعا إما محجبات أو منقبات. التظاهرة الأصولية، تجاوزت الألف متظاهر، كانت محروسة من رجال الشرطة.

وقبل فترة أيضا، وخلال شهر محرم، شهد الشارع ذاته مواكب حسينية مرافقة بالرايات، وطقوس البكاء واللطم والسواد، نساء ورجالاً، تحرس تلك المواكب شرطة دنماركية من راكبي الدراجات. وكالعادة تم قطع الشارع لتسهيل سير المناسبة ونجاحها. وفي أحوال مثل تلك، يقف الدنماركيون بعيون مندهشة وفضولية تجاه ظواهر مثل تلك، تجري، مستجدة، في شوارعهم. 
الدنماركيون فضوليون، وكشعب صغير منزو في شمال أوروبا، تغازل هكذا أنماط من الظواهر غروره الحضاري، فيتقبلها كي يثبت للعالم أنه يمتلك تعدديته الحضارية، وغرائبه، وتسامحه، وإرهابه، ومتطرفيه. لكن هذا الغرور الحضاري لشعب صغير سرعان ما اصطدم بحقيقة مرعبة، هي أن الإرهاب وصل إلى شوارعه الخلفية، ولم يعد يحدث في دول بعيدة. إذ أقدم شاب فلسطيني لا يتجاوز عمره الثالثة والعشرين سنة على مهاجمة اجتماع لمفكرين، وسياسيين، ومثقفين، في المركز العالمي للثقافات وسط العاصمة. وكان الاجتماع حول الحركات الإسلامية المتطرفة وحرية التعبير، وحضره الرسام السويدي لارس فيليكس، الذي أشعل فتيل أزمة عارمة قبل سنوات، حين رسم كاريكاتوراً للرسول محمد. كما حضر الاجتماع السفير الفرنسي في الدانمارك وذلك بعد أيام من هجوم شارلي إبيدو في باريس. الأصولي المسلم قتل شخصين في ذلك المركز، ثم هاجم كنيساً يهودياً في الصباح الباكر، ثم طاردته الشرطة الدانماركية وقتلته في منطقة نوربرو ذاتها. 

هذا الحادث أعاد طرح مسألة وجود الأجانب في الدنمارك وجدوى برامج الدمج، وما هو مستقبل المسلمين في البلد، وانشغلت الميديا الدانماركية، والشرطة كذلك، بالحدث أسبوعاً كاملاً، وما زالت ذيول القصة تتردد كل يوم. منذ تدفق الأجانب إلى الدنمارك، قبل أكثر من عقدين، ولأسباب تتعلق بالحروب والاضطهاد السياسي والفقر والحريات الشخصية... وقضية الاندماج تأخذ حيزاً واسعاً في اهتمامات الرأي العام الدانماركي، بمؤسساته وإعلامه وقوانينه، باعتبار أن هذه الظاهرة جديدة على مجتمع ظل، ولمئات السنين، يتمتع بخصوصيات معروفة، كاللون الجسدي الواحد، ونمط التفكير، واللغة، والتراث. وكانت معظم الخطط والدراسات تركز على دراسة هذه العينة من البشر للوصول إلى نمذجتها، وإيجاد طريقة للتعامل معها ضمن المحيط الدنماركي والاسكندنافي عموماً. فكانت هناك إحصائيات عن عدد الوافدين، ومناشئهم، وخلفياتهم، ودولهم، وميولهم نحو الجريمة والاستيعاب. وكلما حدثت قضية تخص الأجانب تعاد الحسابات والدراسات، لتنقص أو تزيد من الصيغة النهائية للنمذجة. إلا أن ثمة أمراً واحداً يغيب عن أذهان المهتمين في هذا المجال، هو أن التعامل مع الأجانب عملية متصلة ومستمرة ومتحولة، لها جذورها في ضفتين هما ضفة المجتمع ذاته، والعينة الأجنبية القابلة للتحول والتغير على مر السنين، أي الأجانب ذاتهم. 

المجتمع الدانماركي استوعب كتلة الأجانب الوافدة من دون شك، وكانوا عراقيين، لبنانيين، فلسطينيين، إيرانيين، صوماليين، وأخيرا سوريين، فهو صار يألف انكسار الواحدية اللونية، واللغة غير الفصيحة، والدين الآخر، والاهتمامات التي تخرج عن إطار المجتمع الاسكندنافي. لم يعد الفرد الدانماركي يعاني صعوبات كبيرة في فهم أفكار الأجنبي الذي يعبر عنها بلغة متعثرة، كما كان يحدث قبل عشرين سنة مثلاً. والسبب من دون شك هو إلفة الأذن الدانماركية لتقعرات اللسان غير البلدي حينما يتكلم بلغة أحفاد الفايكنغ، إضافة إلى إلمام الفرد بنمط تفكير الشخص المستقر بين ظهرانيه، وألمّ بشكل عام بالخلفيات الثقافية والحضارية. وهذه الظاهرة المستجدة استغرقت عقوداً من الزمن لكي تصل إلى ما وصلت إليه اليوم. 
وعلى صعيد اللون فإن الفرد الدنماركي صار يرى الشعر البني، والعيون السود، والبشرة غير الذهبية، في كل مكان تقريباً. لم يعد الأمر محصوراً في الشارع، فهناك البنوك والباصات والشواطئ والمدارس والمؤسسات، وكلها تضم الدانماركيين الجدد، سواء من الجيل السابق أم من الجيل الجديد، وهذا ما جعل العين الدانماركية تألف تعدد الألوان ذاك، فلا تحتج عليه أو تستنكره، كونه صار حقيقة ماثلة، تقبلها المجتمع ذاته سواء على مضض أو بقناعة. أما في ضفة الأجانب، أو أبنائهم من الجيل المولود على أرض هو. سي. أنسن، وكيركورد، وكيم لارسن وعروس البحر، فالفرد الدانماركي تحول من شخص غامض، عليه اكتشافه والتعامل معه بحذر، إلى شخص يجاوره في العمل ومقاعد الدراسة ومحلات الترفيه. طبعاً من دون نسيان تلمسه العام لتاريخ البلد ورموزه السياسية والثقافية والفنية والتاريخية. صفة الغموض زالت عنه، وحوله الأجنبي، بعد طول معايشة، إلى نموذج، له صفاته المعروفة وذائقته وميكانيزماته الذهنية وآراؤه السائدة المعروفة. 
بقول آخر، إن سليلي المغتربين الذين ولدوا هنا ودرسوا في المدارس والمعاهد والجامعات، وكوّنوا صداقات، أحبوا وعشقوا وتزوجوا، امتلكوا أيضاً المفاتيح الصحيحة أغلب الأحيان للفرد الدنماركي العادي. المفاتيح المحكومة بزمنها، ومكانها، ومستواها التعليمي.
لم يبق الفرد الدنماركي غريباً على الدنماركيين الجدد. صار واحداً منهم بنسبة ما، وإن اختلفت الألوان، والاهتمامات، والأديان، والخلفيات الثقافية. والملاحظ أن علاقة السلم الأهلي هي المتحكمة اليوم بهذين البعدين. وإذا ما نشبت أزمة هنا أو هناك، أو شذّ نموذج من النموذجين عن المسار، فهذا لا يربك العلاقة السلمية بينهما، هو فقط يشحذ الذهن كي يعيد ترتيب دراساته وقراءاته لظاهرة الأجانب في البلد. الدانمارك من دون شك ليست البلد الوحيد في أوروبا الذي مر بهذه العملية المتواصلة الخاضعة لفعل الزمن، إنما ينطبق عليها ما ينطبق على معظم العالم الغربي الذي تحول إلى عالم متعدد الثقافات، غير صاف دينياً ولا لغوياً. وثمة اندماج فرضته الحياة على التعددية تلك. هذه الحقيقة لا يحاول بعض السياسيين الدنماركيين، أو الأوروبيين، قراءتها بدقة، كونهم ظلوا محكومين بالنمط القديم من التفكير الذي يحاول إرجاع ساعة الزمن إلى الوراء. وهو نمط لن ينجح بالتأكيد، مهما بدا ناشطاً. وكذلك حال قسم من العرب والمسلمين المقيمين في أوروبا. بعض المتطرفين يلم حوله عدداً لا بأس به من الجالية العربية والإسلامية، يعيد نسف جسور التواصل بين الحضارة المشرقية والغربية، فهو عادة ما يفجر قنابله الإعلامية بين الحين والآخر. القنابل التي طالما أصابت ذوي الأصول الأجنبية بجراح شبه قاتلة، يدركها من يعيش في الدنمارك.

النمذجة السلبية، وهي فكرة شائعة في الاستشراق الغربي عن العرب والمسلمين، راحت في العقود الأخيرة تتضاءل بسبب احتكاك المواطن الأوروبي مع المشرقيين: عرفوا تنوعهم، وعلمانييهم، وأصولييهم، وقابلياتهم الثقافية والفنية، ومنظوماتهم الدفاعية التي بنيت على أساس مجتمعات سابقة. الا أن بعض الأصوليين لا يريد لتلك الصورة، عن العربي والمسلم، أن تزول. يرتاح اليها مثلما يرتاح غريمه العنصري الأوروبي المتشبث بالمركزية الأوروبية، وصراع الحضارات، وسيادة الحضارة الغربية ودونية ما عداها.
ومثلما شقت الحركات الأصولية، الشائعة اليوم، المجتمعات الشرقية بين مؤيد ومعارض، حسب الدين والطائفة، كداعش وحزب الله والحوثيين والقاعدة والنصرة وكتائب أبو فضل العباس والإخوان المسلمين، وغيرهم، زلزلت أحداث كوبنهاغن الجالية المسلمة برمتها بين مؤيد ومعارض، مثلما حركت نوازع الإسلامفوبيا في نسيج المجتمع الدانماركي. هناك بين التيارات اليمينية والفاشية من صار يحسب عدد المسلمين في الدانمارك حتى سنة ألفين وخمسين، حيث سيشكلون ربما نصف السكان، ويمكنهم أن يحولوا الدانمارك إلى بلد إسلامي تحكمه الشريعة. وهذا يثير الرعب والخيالات المجنحة المنبعثة من مشاهد القتل، وجز الرؤوس، وتدمير الآثار، وتحجيب النساء، وذبح المسيحيين، ومحاربة الفنون، كما يبث على الفضائيات هذه الأيام. 
لقد ودع القتيل عمر الفلسطيني إلى المقبرة، كما قيل، أكثر من ألف شخص، رغم أن عمر كان مرتبطاً، قبل أشهر من ارتكاب الجريمة، بعصابات المخدرات، وله تاريخ جنائي لدى الشرطة. ويقرأ هذا الرقم، الضخم نسبياً، على أنه تأييد واسع لما قام به من قبل المسلمين في الدنمارك، في حين تكدست باقات الورود في المكان الذي قتل فيه. وقيل أيضا أن ثمة من غرس العلم الفلسطيني في ذلك المكان، وروى لنا صديق الحادثة مؤكدا الخبر، وقد قام بمهاتفة السفير الفلسطيني في الدنمارك منبهاً إياه على وجود العلم، وخطورة الزج باسم فلسطين في حادث مثل هذا، وما يعكسه من نظرة سلبية من قبل المجتمع الدنماركي. وتمّت إزالة العلم فوراً، يؤكد ذلك الصديق.

(*) كاتب روائي عراقي
عن الفايسبوك
مات الروائي ف. س. نايبول

مات الروائي ف. س. نايبول

شاكر الأنباري *


ولم يصل إلينا من كتاباته سوى عدد ضئيل من الروايات، والقصص، ترجمت إلى العربية بترجمات متعجلة، ركيكة بعض الأحيان. الكاتب الحائز على جائزة نوبل العام 2001 هو وريث حضارات، وثقافات مختلفة، فعائلته هندوسية من الهند، هاجر جده إلى ترينيداد، وكانت مستعمرة بريطانية تقع في قارة أميركا اللاتينية واشتغل هناك قاطع قصب سكر، فيما أصبح أبوه صحافيا من الدرجة الثانية، بينما هاجر نايبول إلى بريطانيا ودرس في جامعة أكسفورد، وكتب مؤلفاته التي تزيد على الثلاثين، بين الرواية والقصة والبحث، باللغة الانكليزية. 

عاش متنقلا بين أفريقيا، والهند، وأميركا، وبريطانيا، ومصر، ثم كتب عن كل ذلك الموروث الحضاري، والثقافي، عبر شخصيات بينها المسلم الهندي، والأفريقي من الساحل الشرقي، والأنكليزي، والأميركي، والترينيدادي، والعربي. ولذلك جاءت رواياته، حسب توصيف اللجنة المانحة لجائزة نوبل، تنويعا حكائيا بروح شعرية عميقة لحقبة الإستعمار، وتفاعلاتها في روح الشخصيات. أبرز ما ترسمه أحداثها، وشخصياتها، وبيئتها، هي معاناة الاغتراب، وفقدان الجذور المجتمعية، والفولكلورية، وصعوبة ذلك على الصعيد الانساني. جاءت مقاربات نايبول للشخوص في رواياته حاملة ذلك التوتر الحضاري، والديني، والسلوكي، مع غياب الطريق الواضح للخلاص. فالاستلاب البشري شامل، يمكن تلمسه وعرضه عبر اللغة لكن يستحيل الخلاص منه. إنه سمة عصر وتطور صناعي وتقني منفلت ولا يمكن إيقافه. لم يكن نايبول يهتم كثيرا بحبكة رواياته، أو ترابط موضوعاتها، بقدر ما عني بإيصال روح الحدث، ومشاعر البشر الذين فقدوا أوطانهم، أو وجدوا صعوبة في التأقلم مع بيئات الهجرة الجديدة. ولهذا، كثيرا ما وجد قارؤه حوارات طويلة، هدف منها الكاتب الوصول إلى جوهر معاناة المتحدث، وهمومه. حوارات ربما نجد حدوثها على صعيد الواقع شبه متعذر، خاصة وهي تلخص رؤية فلسفية، أو ثقافية، حول التخلف والتقدم، الهجرة والتوطن، المواطن الأصيل والمواطن المغترب. ومن ملامح سرد نايبول أيضا تلك الانتقالات السريعة، والمفاجئة، بين الأمكنة. يكون الحاضر في قارة أوروبا، ثم ينتقل الشخص عبر ذاكرته، وتداعياته الذاتية، إلى أفريقيا، أو إلى مدينة هندية بعيدة، وهذه واحدة من أهم مفارقات الكتابة لدى نايبول. وهي مفارقة راح يشهدها العالم اليوم بعد الموجات المليونية للمهجرين، والنازحين، والمغتربين. تصاعدت في العقد الأخير لتكون واحدة من فضائح حضارتنا المعاصرة، دون أن يستطيع أحد الحد منها أو ايقافها، فضلا عن أنها في تنام مهول، نتيجة حروب الجشع، والهيمنة، والتطرف. ومثلما يتحرر نايبول من عقدة المكان وأسواره، فهو يفعل الشيء نفسه مع زمان أحداثه، فتراه ينتقل بين الحاضر والماضي، أو يتوغل في الأزمنة المتوازية ليخلق من كل ذلك سمفونية من الشخصيات، والأمكنة، والحوارات، والمدن، والبلدان، في سعي هادف، ومبرمج، لرصد وإمساك روح العصر وإيقاعه المنفرط خارج أسوار المحلية، بأغلاقها الدينية، والمذهبية، والتقاليد المهيمنة، والثقافات الموروثة التي لم تعد تصلح لهذه البرهة من التاريخ. كل تلك الانطباعات، وغيرها، يقع عليها قارئ نايبول في رواياته: شارع ميجيل، وفي منعطف النهر، ونصف حياة، واخبرني من أقتل، وسواها من الكتب. نثر نايبول هو سمة عصرنا المأساوية، السابحة في الفوضى، القاسية، المشتتة، المهيمنة اليوم بالكامل على الفضاء الملوث لكرتنا الأرضية.

(*) كاتب وروائي عراقي
عن الفايسبوك

  جيمي كارتر شاعراً

جيمي كارتر شاعراً

تقديم وترجمة: بول شاوول  
أن يكون رئيس جمهورية الولايات المتحدة شاعراً فهذا أمر استثنائي وخارج التوقع والمألوف.
وإذا استعرضنا أسماء رؤساء الجمهورية الأميركية فمن النادر اكتشاف شاعر: من لينكولن إلى واشنطن إلى نيكسون، إلى بوش الأب، وبوش الإبن، رجوعاً إلى جونسون، وكلينتون... وطبعاً الرئيس الحالي ترامب.
لكن وبينما كنت أبحث عن أحد كتب الشعرالأجنبية، وجدت كتاباً مختبئاً بين مجلّدين: ما هذا؟ سحبته: «كتاب أزرق، صغير الحجم» عنوانه طويل نسبياً «دائماً هناك حساب يجب تأديته».. والمفاجأة أن الشاعر هو الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر. فالكتاب كان موجوداً لكنه ضاع في غابة الكتب وفوضاها.
قرأته، فإذا به ينضح بالمشاعر الإنسانية، والحنان، والطفولة، مفرداً بضع قصائد للسياسة التي مارسها فيها نقداً، للولايات المتحدة في تعاملها مع الشعوب وفي حروبها من دون أن يغفل العودة إلى الطفولة، والحب والعشق، والحقول الطبيعية (جذوره فلاحية)، إلى البيت الأبيض، والحداثة، معتبراً أنه لا يمكن كتابة الشعر من دون الأصالة وبدون المجتمع، وبالحب الكثير.
الكتاب الذي صدر في الولايات المتحدة في الثمانينات وكان كارتر لقي نجاحاً كبيراً، وارتقى إلى لائحة «الأكثر مبيعاً» و(«البستلرز»).
هنا مختارات من ديوان جيمي كارتر.
*********************
السيّدة ليليان
كانت ممرضة وعندما كان الناس يعجزون
عن الدفع،
تستمر في العناية بهم.
كانت تحب الضحك
وغالباً ما كانت تضحك وحدها
لكن لا تبدو أنها تبالي بذلك
عندما كانت تبكي
لم تكن تذرف كثيراً من الدموع،
فهذا ما لم تتعلّمه.
ماتت
وتركنا جميعاً خلفها
فماذا عسانا سنفعل الآن؟
«بالاد» توم غوردي
تمكن عام 1941 اليابانيون من جنودنا في غيوام
أحياء او موتى
كنا نجهل ذلك.
أحدهم كان عمّي توم.
كان عمّي بطل الملاكمة في البحرية
مثالي و«بطلي» بتاجه.
بعد رحيله، انتقلت عائلته إلى العيش في مدينتنا جيورجيا.
كانت جدتي وعماتي يعتقدنَ
أن توم
لم يكن لزوجته بل لهنَّ
تلك أحسّت ببرودتهن
لكن بقينَ لتنضم إلى صلواتهن.
الأمل كان يجمعهن معاً
والإيمان والخوف
مرّت سنتان، ووصلت البرقية:
مات عمّي.
ذهبت زوجته وولداها نحو الغرب
للبدء بحياة جديدة
وبعد ثلاث سنوات من رحيل توم
تزوّجت صديق العائلة.
نهاية الحرب حملت خبراً مذهلاً:
توم غوردي حي.
وطيلة أربع سنوات عمل على استخراج
الفحم
من أعماق جنب جبلي.
أخذت النساء توم إلى عندهن
وغمرنه بالعناية، نظراً لضعفه،
ولم يخبر أحداً إطلاقاً بما جرى له هناك
استعاد توم غوردو قواه،
وكذلك الرغبة في حياة عادية
لكن أمّه وأخواته روينَ له
قصصاً
حول مسألة غياب زوجته.
وخيانتها. كان توم يريدها،
لكن لم يكن عنده فكرة عن
كيفية استعادتها أو تجاوز
عبثية أمنياته في زواج ثانٍ.
قبض أربعة أعوام من التعويض وعيّن
قائداً (في بحرية الحربية للولايات المتحدة
الأميركية).
ولم يتأخر طويلاً عن إيجاد
حب امرأة أخرى.
شطب بذلك الماضي، ما عدا
أن ثلاثة من أبنائه جاؤوا إلى المنزل.
عندما كنت أذكر، حسم زوجته الأولى
كان يدير رأسه.
ذات يوم رست غواصتي
حيث كانت تعيش مع أقربائها.
مررت للقائها، وأنا خائف
من ألا يسمحوا لي بالدخول.
لكنهم نادوا كل الناس الذين يعرفونهم
ما إن قلت اسمي؛
رقصنا طوال الليل وغنّينا
لأن حفيد توم قد جاء.
الروّاد البيض حاربوا
للاستيلاء
على أرض الهنود الذين كانوا
يبعدونهم إلى الغرب ليموتوا.
وجاء أجدادنا ليحتلوا السهول
المتموجة
التي أعطت المدينة اسمها.
كان هناك نصف ألف من
النفوس
من السود والبيض، السيد والعبد.
ولا أحد، من الجانبين كان
ينسى أبداً أو يعطي الآخر
سبل الوصول إلى هدفهما
المشترك.
متساوون في الحاضر، وأحرار في التقدم
أو الغرق معاً، تعلّمنا أنه
تلزمنا القدرة على أن يتّكل الواحد
على الآخر. وبرغم صغر
المدينة،
أحببناها كمرفأ، كمنزل، كصديقة
ولا نترك الخلاف، ولا البؤس
أن يفرض، على أحلامنا - أحلامنا
المتواضعة، المعتدلة - أن تنتهي.
صورة لجمال واشنطن
أذكر أنني ذات ليلة شتاء
ذهبت إلى سطح البيت الأبيض
لمراقبة سديم أوريون
لكن بالكاد كنا نرى نجومه
وما دامت أضواء المدينة تطمس
نوره.
فجأة سمعنا صراخاً
تطلع من السماء، شمالاً، لكن صوتها
وإيقاعها يأتيان من أعماق الأعمار.
التفتنا لننظر بصمت
إلى إشارات «V» متموّجة
وصدور تتحوّل
ضوءاً صافياً
من تلك التي كنا نريد أن نحفظها.
أسراب البط تمرّ فوق
رؤوسنا،
ثمّ، ومن دون أيّ كلمة،
نزلنا للنوم بهدوء،
مدهوشين بما رأينا وسمعنا.
مغنّون متجوّلون يتوقّفون في حديقتنا
في ذلك المساء الذي جاء شعراء
إلى «بلينز»- كانا إثنين مع
مع غيتاريهما.
علّمتنا أغانيهما لإلقاء نظرة.
وربما نظرة لاهية
على طريقة عيشنا،
مشاعرنا، وأفكارنا.
بعد رحيلهما، بادرت
إلى الكتابة، أشعار ركيكة،
كيف يجب علينا أن نعطف على
طفل جائع في الطرف الآخر من العالم.
كيف يمكننا (تساءلت) أن نحبّ
خوف الحرب، والموت الذي
ينكبانه، متخفياً عن السلم الذي
هو ضعف؟ كيف يجرؤ شاعر
أن ينتزع من أعماق الذاكرة
الرؤوس القامعة الكامنة فيها،
وكيف يصعب علينا ما يحدث في
هذا العالم الشاسع،
لاحظت أن الكلمات تأتيني بصعوبة،
وعندها تحوّلت إلى مواضيع
بسيطة (وأقرب إليّ: فرس،
أمي الممرضة، منظر البط، غناء الحيتان،
صلاة معركة).
علّمني الشعر أن الفن يجد
مصوّره الأفضل في حياة
بلا تبرّج،
وأن هناك أسراراً يجب
استخراجها، وفهم ما
ما ينبثق،
بحرية، من فكري وعقلي
لا يأتي التقدم بسهولة
كوني مشرّعاً في جيورجيا،
وضعت قانون الأول لأقول
أن الموتى لا يحق لهم أن
يقترعوا بعد موتهم.
زملائي السيناتور يواجهون
هذه المسألة المقلقة
بشجاعة، ويعلمون بقوة ليعلموا
أنه، بعد موت شخص ما،
تتركه مهلة للعائلة، التي
كانت تتذكره
إذاً، حقاً
أن تحدد، كيف كان يرغب في
التصويت، حتى يوم التصويت التالي.
حذرني جيراني أنني ذهبت بعيداً
جداً بتغيير ما كنا نفعله دائماً.
خسرت الانتخابات التالية
بقرعة واحدة تقريباً:
كان ينقصني صوت من المقبرة.
صلاة المعركة
كل الذين يشاركون في الحرب
يصلون ليكسبوا
بركة الله.
إنما مع الذين يعانون.
هناك ناس لا يقولون أبداً:
«فلنعد إلى المنزل»،
لا يملكون منزلاً
خيمة بلاستيكية؛
عندما يشتد البرد يجهدون
لإيجاد هبّة هواء ساخن؛
خطوة باب أفضل من الشارع،
واثنان يتقاسمان علبة.
لبضائع طازجة
كوخ، يسخر منه ناس
الذوات،
يعيش فيه آخرون، ولا
يشكون.
ينظرون عبر السقف، يبتسمون
يتنهّدون:
«قد يضلل هذا الشمس
لكن ليس المطر».
تعتبر أن القبض على
حيوات في أيام السلم
لجرائم لا نغفرها
متذرّعين أن بعضهم فقد حقه
بالحياة.
نبرّر الحروب التي نقودها،
في كل مرة، بكلمات تبرهن
أننا نقتل من أجل قضية عادلة..
حولنا شتائم (أسماء الذين
نحاربهم -«الباب» (محل اليابانيين)
النازيين الألمان أو(«شلو»،
و«»الريتاليين)، عندما كانوا أعداء.
بعدها أصبحوا أصدقاءنا،
لكن للعادات حياة قاسية.
حتى اليوم، عندما ينشب
خلاف مع آخرين، نكره من جديد
وبكل ما أوتينا من قوة،
نؤكد، حرباً بعد حرب، شتيمة
بعد شتيمة
حقنا الصالح
لحظات صعبة
أحاول أن أفهم.
رأيتك تبتعدين
وتظهرين اسمك.
لا أعرف حقاً ماذا أقول
لأرتب الأمور
لأبرّر هذه البرودة بيننا،
لأشارك ولو مرّة أخرى
حرارة مشاعرنا الفائتة.