مشاركة مميزة

رعب السطر الأول

حمد العيسى -  تقديم المترجم: فيما يلي ترجمة لنص روائي يعرف كشكل سردي بالميتافيكشنMetafiction وهو مصطلح يتكون من مقطعين. الأول: (Meta)...

طقاطيق محرمة

المصيبة والعزاء | عن الشجن في الغناء العراقي

موسيقى

العثمانيون سبقوا الاسرائيليين في اللعب بتاريخ القدس

حيوات اسطنبول وأحلامها في القرن السادس عشر

مدن

أحمد العجمي... في جنوح الشعر

جنى الحسن... البوكر وموت الرواية

ثقافة

أحدث المواضيع

رعب السطر الأول

4:56:00 ص اضف تعليق

حمد العيسى


تقديم المترجم: فيما يلي ترجمة لنص روائي يعرف كشكل سردي بالميتافيكشنMetafiction وهو مصطلح يتكون من مقطعين. الأول: (Meta) أي «ما وراء»، والثاني: (Fiction) أي «قص تخييلي» أو سرد وهو الجنس الأدبي الذي يشمل القصص التي تكتب نثراً، وتصور مواقف وأحداثاً من صميم خيال مؤلفها، وإن كان من الممكن أن تشبه شبهاً يكاد يبلغ حد التطابق مواقف الحياة الواقعية وشخصياتها. وهكذا يصبح معنى مصطلح «ميتا فيكشن» Metafiction: «ما وراء التخييل» أو «ما وراء القصة» (أي «ميتاقص») أو «ما وراء السرد» (أي «ميتا سرد») وهو ما نفضله. ويمكن تعريف «الميتا سرد» بأنه نوع من الأدب التخييلي ينتمي أساسا لتيار «ما بعد الحداثة» ويتناول بوعي ذاتي متعمد أدوات السرد ليكشف خدع النص الداخلية، كما يفسر النص التخييلي ويطرح أسئلة عن العلاقة بين التخييل والواقع مستخدما المفارقة الساخرة والتأمل الذاتي. ويمكن مقارنته بالفعل المسرحي الذي لا يجعل الجمهور ينسى أنه يشاهد مسرحية. وبالمثل، «الميتا سرد» لا يسمح للقارئ أن ينسى لوهلة أنه يقرأ عملا روائيا تخييليا.

وهذا النص بقلم الكاتب الفرنسي البروفيسور برنارد كيغيني المولود عام 1978 والذي يُدرس الفلسفة والقانون في مقاطعة برغنديا الفرنسية. ويتناول في هذا النص رعب وذعر مؤلف وهمي اسمه غولد من استبداد وإرهاب الجملة الافتتاحية الأولى لروايته (أي ما يسميه السطر الأول). 

ونلفت النظر إلى أننا استخدمنا مصطلح «سطر» لترجمة كلمةLine واستعملنا أحيانا منعا للتكرار «عبارة» أو «جملة» لنفس المعنى وبالعكس. وكذلك استخدمنا مصطلح «كامل» لترجمة كلمة Perfect ولتعني «مثالي» و»خالي من العيوب» وبالعكس. ونشر هذا النص في صفحة السرد الخيالي Fiction في مجلة «الأدب العالمي اليوم» (World Literature Today) بتاريخ يوليو/أغسطس 2010، وهي مجلة أدبية تصدر كل شهرين عن جامعة أوكلاهوما الأمريكية منذ عام 1927. ونلفت النظر أن القارئ قد يواجه بعض الصعوبة مع هذا النص لكونه ترجم على مرحلتين: أولا من الفرنسية إلى الإنجليزية بواسطة إدوارد غوفان ثم إلى العربية بواسطتنا.

رعب السطر الأول

كما قال الفيلسوف والمنظر الأدبي الفرنسي جان فرنسوا ليوتارد في كتابه «الاختلافي: عبارات متنازعة»: «لتكون عبارة ما هي الأخيرة في النص، فإن هناك حاجة لعبارة أخرى قبلها لتعلن عنها، ومن ثم لا تصبح العبارة الأولى فعليا آخر عبارة».

همس غولد: أتى السطر الأول، وهنا يكمن العدو المرعب. أو كما ظن غولد في اليوم الذي قرر أن يكتب الكتاب الذي كان يفكر فيه منذ عدة سنوات. قضى ساعات أمام الصفحة الفارغة باحثا عن السطر الأول الكامل أي المثالي الخالي تماما من العيوب. مرة بعد أخرى وضع رأس قلمه على الورقة وحاول تحرير معصمه ليتحرك بطريقة دائرية لرسم الحرف الأول؛ ولكنه في كل مرة توقف مع يقين مرعب بأن هناك - بالتأكيد - طريقة أفضل لبداية روايته. أي شيء يكتبه سوف يتبع السطر الأول، وإذا كان ذلك السطر الأول رديئا فإنه سيلوث الكتاب بأكمله. يجب أن يكون السطر الأول صلبا مثل حجر زاوية من غرانيت صلد في زاوية مبنى ليكون البناء بأكمله في أمان تام، ويجب أن يصاغ ذلك السطر بعناية شديدة ليصل مرحلة الكمال المثالي التام والمطلق. معظم قراء كتابه في المستقبل سيبدأون به، وسيكون مثل اليد التي يمدها لمصافحة الناس عندما يجتمع بهم لأول مرة. إذا كانت أظافرك قذرة أو كنت قد سحقت أصابعهم عند مصافحتهم لتصبح مثل عصفور ميت، فليس هناك أي فرصة لترك انطباع جيد عنك لديهم. ونفس الفكرة تنطبق على السطر الأول لأي كتاب. لقد فكر فيه غولد طوال اليوم كما لو كان ذلك السطر مخلوقا ماكرا، مع إحساسه برعب مخيف بأنه وقع في أتون صراع لا يرحم لكتابة ذلك السطر.

لقد كان هذا الخوف من البداية - بدون شك - هو الذي أدى إلى اختراع كتابة «اقتباس» Epigraph يُصَدَّرْ بها كتاب لتوحي بفكرته العامة. ولذلك يعتبر «الاقتباس» طريقة مبتكرة للتحايل على رعب السطر الأول عن طريق اقتراض سطر من كاتب شهير. عارض غولد هذه الممارسة لأنه وجد فيها نوعا من الجبن. لقد بدا له أن أي شخص يمكنه أن يسرق جملة من نص رائع سابق، وهذه الجملة المقتبسة سوف تنعكس عبقريتها الفذة بلا مبرر منطقي على النص الذي سبقته. وهذا الأسلوب للفرار من المسؤولية عن طريق الاختباء وراء مؤلف عظيم أمر غير مقبول عنده. وهو أسلوب هابط ربما بالكاد أفضل من لطش شعار سيارة رولز رويس العريقة من فوق غطاء محركها الأصلي ووضعه على سيارة صينية -مثلا- رديئة. رفض غولد الباحث عن الكمال المثالي والذي لا يستسلم بسهولة فكرة «الاقتباس» وواصل العمل للبحث عن السطر الأول الكامل والمثالي والرائع. وتذكر غولدر الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير الذي قال إنه لم يستطع كتابة السطر الأول من كتابه «بوفار وبيكوشيه» Bouvard et Pecuchet إلا بعد محاولة استمرت طوال فترة ما بعد ظهيرة كاملة كانت حافلة بالعذاب وقيل أنه قرأ 1500 كتاب لكي يستعد لكتابة ذلك السطر المرعب. تساءل غولد: ترى كيف استطاع الكُتاب العظام تجاوز هذه المحنة العظمى؟ قرر غولد تأمل افتتاحيات بعض الروايات المفضلة لديه، على أمل استخلاص الدروس من الأساتذة العظماء ما قد يساعده على تجاوز محنة السطر الأول المرعبة.

فكر غولد متهكما: السطرين الافتتاحيين الأكثر شهرة في الأدب الوطني هما بدون شك: «أمي توفيت اليوم» و»لفترة طويلة، كنت أذهب إلى النوم مبكرا». قرأ غولد كل منهما عدة مرات بصوت عال. إنهما ليسا طويلين ولا معقدين، ولكن يجب على المرء أن يعترف أن بساطتهما تظهران عبقرية حقيقية!! وبمجرد إلقاء نظرة فاحصة عن قرب، يكتشف المرء أنه تم إبداعهما لتدشين التحف الروائية اللاتي تليهما!! بل يبدو كما لو أن اللغة الفرنسية قد تكونت لتسمح بمثل هذه المجموعة الكاملة والمذهلة من الكلمات أي تركيبات لغوية خلقت ليكتشفها أمثال بروست أو كامو. فكر غولد أنه ربما كان هناك بالفعل مجموعة من السطور الأولى الكاملة المثالية مبعثرة في الهواء من حوله والتي لا يراها ويلتقطها سوى الكتاب العظماء. وكما كتب كاتب عظيم ذات مرة: الكتب العظيمة تكون عظيمة لأنها تفتتح دائما بسطر أول كامل مثالي ورائع.

أخذ غولد الروايات المفضلة لديه من مكتبته وقرأ السطر الأول فقط لكل رواية. وليس بدون مفاجأة، لاحظ أن العديد من الروائيين العباقرة أنفسهم قد ابتكروا حيلا بارعة لتجنب محنة السطر الأول لبدايات كتبهم.

لجأ بعضهم لفكرة وضع اقتباس Epigraph التقليدية. ولكن غولد كما أسلفنا لم تعجبه هذه الممارسة، ولكنه - في نفس الوقت - شعر أن استخدامه بالطريقة التي لجأ إليها كبار الكتاب لا تستحق الشجب. الكويتب الصغير الذي يرفض مواجهة رعبه من السطر الأول ويلجأ للاقتباس والاستشهاد بعبارة من نص كلاسيكي لا يعتبر عبقريا مثل مبدع ذلك النص الكلاسيكي والذي - بالطبع - يرحب بنقل استشهاد من نصه. بالنسبة للمقتبس، فإن كتابة اقتباس ليس سوى حيلة لإعلان عضويته في مجتمع العقول العظيمة، وليس درعا لا يجرؤ بدونه على اقتحام أسوار كتابه الشخصي. وفي العموم وفوق مستوى معين من العبقرية، فإن الكتاب العظماء يصبحون واحدا ونفس الشخص أي أنهم أفراد مستخرجون من شكل معين يسمى الأدب. لقد رأى غولد عالم الكتاب العظماء كنوع من المائدة المستديرة حيث الكل واحد والواحد هو الكل. ومن هذا المنظور، ليس مهما إذا كان السطر الأول من كتاب الكاتب العظيم (س) كان بالفعل قد كتبه الكاتب العظيم (ص): فهما في كلا الحالتين أدب عظيم. ويبقى هناك احتمال مزعج بأن الكاتب العظيم (س) قد يستخدم استشهاد من الكاتب الرديء (ر) كـ «اقتباس» ليفتتح به كتابه، ولكن غولد وجد تلك الفكرة كريهة بل مثيرة للاشمئزاز لدرجة أنه رفض مواصلة التفكير فيها.

في رواية «لوليتا»، استخدم الروائي فلاديمير نابوكوف فكرة ذكية بوضع مقدمة تسبق الكتاب بأكمله بقلم طبيب خيالي (وهمي) اسمه جون راي. لقد كانت حركة تنم عن دهاء، لأن لا أحد سيفكر أن يطلب من وثيقة طبية أن تقدم أي سمة رائعة للأسلوب الروائي الذي يليها. لا أحد يختار طبيبا دجالا ليكون الريشة التي تكتب له. وبالتالي تخلص نابوكوف من رعب السطر الأول بإلقائه على جون راي، ومن ثم أصبح قادرا على تأليف الكتاب بقلب مرتاح وغير معذب. وبطريقة ما، كانت تلك الحيلة بمثابة اختراع اقتباسك الخاص عن طريق نسبه إلى شخصية وهمية لا يكون شاغلها الرئيس هو الأسلوب.

ومن ناحية أخرى اختار أوسكار وايلد طريقا صعبا. فقد بدأ بورتريه «دوريان غراي» بإعلان مزدهر بنية بذخ لا مثيل له صدم به القارئ: «الفنان هو مبدع الأشياء الجميلة» كما قال السطر الأول من المقدمة. غولد عرف أن تلك المقدمة هي جزء لا يتجزأ من النص، وأن الشجاع وايلد لم يتعثر في مواجهة العدو: لقد تفجر ذلك السطر مثل شمس ساطعة، وقد أعجبه المزيد من ذلك.

وبالمثل بدأ الروائي الألماني توماس مان روايته «الجبل السحري» بعبارة طويلة عن هدفه ما عزز استنتاج غولد بأن المقدمة هي بالفعل جزء لا يتجزأ من النص، وقد واجه توماس مان رعب الهجوم على السطر الأول بكل شجاعة قد يتوقعها المرء من هذا الرجل العظيم.

لقد كتب كل من موزيل، جويس، فوكنر، بوويز، لورانس، جورج أورويل، سيلين، دوبلاين، سطور أولى بكمال مثالي مدهش. وكلما تعمق في بحثه عن السطر الأول، تشكك غولد في طريقته هذه للعثور على سطر أول مثالي. فبدلا من بعثرة نفسه بهذه الطريقة، ألم يكن من الأصوب أن يستقر على أسلوب لأحد العباقرة ودراسته؟ ثم أليس هناك شيء ما مضحك بصورة طنانة في دراسة فقط أعظم العظماء؟ الأسطر الأولى من الروايات التجارية الرديئة وكذلك الكتب الشعبية في المطارات لربما علمته درسا أكثر واقعية لطرد ذلك الرعب الشرير للسطر الأول. وهل توقع في محاولته الأولى أن يصيغ عبارة افتتاحية مذهلة مثل تلك التي كتبها ستيرن أو والسر، وهو الذي حتى لم يؤلف كتابا لكونه لم يعرف كيف يكتب سطره الأول؟ وفكر في ذلك لبضع لحظات ورفض تلك الحجة. بالطبع، كان ينبغي أن يكون أكثر تواضعا لدراسة الأسطر الأولى لأعمال أقل عظمة من القمم الرائعة التي حاول تسلقها، ولكن تعمد اختيار أستاذ متواضع هو منهج غير مجد وغير مفيد. فالذي يريد تعلم الرسم سوف يكسب أكثر عندما يتأمل لوحات الرسام الفرنسي العظيم ماتيس أكثر من أي رسام متوسط القيمة. وبالمثل فإن نفس المنطق ينطبق على الأدب.

وعلى أية حال، فإن دراسة الأسطر الأولى من الكتب المفضلة لديه لم تساعد غولد بقدر ما كان يرغب. وتركت قراءاته انطباعا غامضا عنده. شعر في بعض الأحيان أنه مستعد للمعركة، قائلا لنفسه إن ذلك الرعب هو مجرد عائق نفسي فقط، وأن الكلمات الأولى ليست سوى جزءا من النص وأنها مسألة تتعلق بقوة الإرادة والحالة العقلية ولا علاقة لها مع أي مراوغة وجودية مزعومة للعبارة الأولى. ولكن في أوقات أخرى، قال لنفسه إنه لن ينجح، وأن السطر الأول هو بالفعل وحش مرعب ومفترس لا يقدر على مواجهته، وأن فقط الكتاب العظماء هم القادرين حقا على مواجهته. وفي مثل هذه الأوقات تغلب عليه اليأس ولجأ إلى التهكم ليلعب كرت السخرية الماكر (والذي كان سينتج عنه عبارات مثل: «أمي توفيت اليوم، ولم يمنعني ذلك من النوم مبكرا»). شعر بقلق، فقد كان لديه انطباع بأن السطر الأول الكامل الذي سعى للبحث عنه طويلا كان يسخر منه طوال الوقت مثل أوزة برية شريرة. إنه سام ومتوحش وجعله يشعر كم كان رديئا بحق، وكم كان لا يستحق المقارنة مع العظماء. ولأنه لم يعد يتحمل إمكانية كتابة افتتاحية يرثى لها، فقد بدت له مشكلة السطر الأول بدون حل.

ثم بزغت في عقله فكرة عظيمة. وذلك أن الرغبة في مواجهة تلك العقبة قد تكون عبر تجاوزها والمرور فوقها بدلا من اقتحامها والدخول فيها. ألم يفشل في العثور على سطر أول كامل؟ حسنا، فليكن ذلك كذلك إذن! سيبدأ بالسطر الثاني. يا لها من فكرة مثيرة!! ثم أمسك قلمه وبدأ السطر بقوسين يحتويان على ثلاث نقاط بمعنى أن هناك عبارة محذوفة حيث كتب: «(...) هذا هو السبب في أنني لم أتقدم أكثر». ثم شعر براحة هائلة. الصخرة التي كانت تقفل تدفق فكره طارت للتو في مهب السماء العالية. غولد بدأ كتابه، وهو الكتاب الذي يبدأ بالجملة الثانية. تأمل في الأمر وهو يشعر بارتياح عميق. ولكن مع ذلك، لاحظ بسرعة بروز مشكلة جديدة. لقد كانت بسيطة للغاية، لأنه في الواقع: القارئ الذي سيفتح كتابه سيبدأ مباشرة بالجملة الثانية، دون أن يدرك أنها ليست الجملة الأولى. إذا كان غولد قد نجح في كتابتها، فهذا لكونه يعرف أنها ليست العبارة الأولى ونتيجة لذلك لم يكن عليه السعي لتحقيق الكمال المثالي المطلق. لو كان أبدعها كسطر أول فمن المرجح أن يكون سعى لابتكار عبارة أكثر كمالا وأناقة من تلك العبارة، حتى لو تطلب ذلك أيام وأيام لمطاردة شكلها المثالي. «لامبالاة» القارئ المتوقعة دمرت فكرته المثيرة: فإذا كان القارئ سيعتبر الجملة الثانية بمثابة الجملة الأولى فإن غولد بالتالي لن يكون قادرا على كتابتها أيضا. وفكر في وضع ملاحظة تمهيدية في بداية الكتاب لتوضح أن الجملة الأولى هي الثانية، ولكن لسوء الحظ، فإن هذه الحركة حولت ونقلت المشكلة فقط ولم تحلها، وذلك لأن الملاحظة التمهيدية ستحتوي على السطر الأول الفعلي للكتاب وبالتالي لن يكون هو قادرا على كتابته.

وأصبح غولد مهتاجا وقلقا وبدأ جسمه يتنافض بأكمله وعندها خطرت له فكرة أكثر راديكالية. بما أن وضع السطر الأول بين قوسين، كذا (...)، جعله يبدو كأنه السطر الثاني، فسوف يضع السطر الثاني بالمثل بين قوسين أيضا. وهكذا يصبح السطر الثالث هو الأول وهلم جرا للسطر الرابع والخامس إلخ. وفي ذروة الإثارة مع الاهتياج المزعج، كتب غولد الفقرات الثلاث الأولى من كتابه دفعة واحدة هكذا: «(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...)(...) (...)(...)(...)(...)(...)(...)».

وفي النهاية لم يستغرق الأمر سوى 24 ساعة للانتهاء من الكتاب. شرب نخبا وهو يشعر بفخر ثم قرأه ما يزيد على مرتين قبل السقوط من الإرهاق. وهكذا أصبح غولد مؤلف للرواية التي من أجل صياغة سطر أول مثالي لها، لم تبدأ على الإطلاق.

وبعد سنوات عديدة، تغلب غولد على رعبه من السطر الأول وكتب بالفعل بعض الكتب. لقد أصبح مؤلفا محترما ومعروفا في جميع أنحاء أوروبا. وعندما شاخ وبدأ صيته يأفل، بدأ يكتب ذكرياته. ستكون كتابه الأخير، وسيكتبه بأسلوب شفاف وطبيعي. وفي ذلك الكتاب، سيتحدث بطرافة عن القلق السخيف في شبابه الذي وضع حدا مؤقتا لطموحاته الأدبية. الكلمات كانت تتدفق أمامه كالسحر. وبعد عدة أسابيع من النعمة الإبداعية، قرر إنهاء هذا الأمر. ثم سقط ضحية مفاجئة لقلق مفرط. تولدت لديه شكوك في قدراته جعلته يدور مرارا وتكرارا في دوائر، ويفقد ثقته الرائعة بنفسه. ولأنه صار يشعر بأنه تقدم في العمر لدرجة لا تجعله يأمل في تأليف كتاب آخر، فإنه يعلم أن الكلمات التي يوشك على كتابتها ستكون الأخيرة. السطر الأخير من كتابه سيكون آخر شيء يفعله في حياته أي عمله الأدبي النهائي، وسيكون نوع من الإرث التاريخي. إنه مدين لنفسه أن يفعل شيئا يخلده، وهذه الفكرة تسرق منه النوم. يخاف غولد أن يموت قبل العثور على السطر الأخير المثالي. إنه عذاب حقيقي بالنسبة له. ويشعر بسرعة أن آخر طاقة إبداعية لديه بدأت تتسرب وتهرب منه. وعندما بدأ يفقد الأمل، كتب مع غمغمة غاضبة: «(...)». وللحظة خاطفة نظر للصفحة الأخيرة من كتابه الأخير، وعرف أن إخفاء السطر الأخير لا يكفي، لأن السطر السابق للأخير يصبح هو بمثابة السطر الأخير. ولذلك، يجب أن يخبأ السطر قبل الأخير بوضع قوسين بينهما ثلاث نقاط وكذلك السطر السابق لما قبل الأخير وبالطبع السطر الذي قبل قبل الأخير. وشيئا فشيئا بدا كأنه يمسح صفحات الكتاب ويواصل وضع تلك الأقواس ليخفي سطور الكتاب هربا من رعب السطر الأخير ليبلغ حجم المسح 500 صفحة من كتاب ذكرياته خلال بضع ساعات فقط وذلك لأنه يرغب في إنهاء الكتاب بسطر أخير مثالي . وهكذا أصبح مؤلفا لكتاب ذكرياته الذي بسبب عدم انتهائه بسطر أخير مثالي ومستحيل، لا يبدأ بكتابته مطلقا. وهكذا أصبح السطر الأخير لأهم كتبه مماثلا للسطر الأخير للكتاب الذي قبله. شعر بقلق مرعب وأعاد قراءة الكتاب ثم قرر بشكل قاطع أنه لا يستطيع وداع الأدب بهذه الكلمات. ولذلك قرر حجب وإخفاء ذلك الكتاب وكذلك الذي سبقه. ثم قام أيضا بمسح كتابه السابق للأخير من النهاية إلى البداية بسبب رعب السطر الأخير. وفجأة يشعر غولد بهلع مرعب، وتناول كتبه السابقة وبدأ بمسحها بالعكس. وتوقف قلبه عن الخفقان بينما كان يمسح روايه الثانية. ويترك وراءه عملا لم يكتمل. ولكن ليس لأنه لم ينهه بالكامل ولكن لأنه لم يجد وقتا لمسحه وتدميره تماما. انتهى النص.

برنارد كيغيني - ديجون، فرنسا


- المغرب hamad.aleisa@gmail.com

كـيف خـلـق ماركـيز عـالمـا في جـملـة؟

2:53:00 م اضف تعليق

ماري موريس –
ترجمة أحمد شافعي –

حينما قرأت (مائة عام من العزلة) للمرة الأولى، كان ذلك في عام 1974، وكنت قد اتخذت للتو قرارا بترك كلية الدراسات العليا والسعي إلى أن أصبح كاتبة، فتحت الكتاب ذات يوم رمادي، وأنا مستلقية في سرير بشقتي الضيقة، تلك لحظة لم يكن فيها أحد في حياتي، كنت وحيدة تماما. وقد تكون الحياة في نيويورك وحيدة إلى ذلك الحد. لم أكن أعرف كيف ستكون خطوتي التالية. لم أكن أعرف ما الذي سوف أفعله.

كنت قبل ذلك أحاول الحصول على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن بجامعة كولمبيا، ولكن قلبي لم يكن مخلصا في ذلك. ولا بد أن ذلك كان واضحا. فقبل سنتين حينما ذهبت إلى أستاذي ميشيل ريفاتير ـ أستاذ الأدب الفرنسي الشهير الذي كان يدرِّس لي ـ طالبة منه توصية للحصول على منحة كنت أسعى إليها، فاجأني بأن قال لي أغلقي الباب. في أول الأمر لم أكن أعرف فيم ينبغي أن أفكر.
سألني (ماذا تفعلين بجانب دراستك العليا؟ هل أنت كاتبة؟)
الحقيقة أنني كنت أكتب في ذلك الوقت. وطول الوقت، وفي السر. قال: إنه خمَّن ذلك، من أبحاثي وإجاباتي في الامتحانات. الأمر المدهش أنه شجعني تماما. كان يعاملني تقريبا معاملة شخص تحت الوصاية، شخص في البدايات، ولكن ذلك ما كان، شجعني تقريبا على المضي في طريق مختلف تماما. وكان ذلك الطريق في نهاية المطاف هو الذي اخترته.
في ذلك الوقت كنت أقيم في سكن ظريف يدعى (البيت الدولي للممشى النهري) وكان يقيم فيه طلبة من جميع أنحاء العالم. كان رائعا من أوجه كثيرة، لكنه كان في الوقت نفسه فوضويا أيضا. فقد كانت تعيش في الغرفة المقابلة لي امرأة لا تكف عن تشغيل موسيقى شديدة الصخب، ومثيرة للضيق، فكانت تشتتني تشتيتا رهيبا حينما أحاول العمل. وحدث مرة أن طرقت بابها طالبة تخفيض الصوت فما كان منها إلا أن صرخت في وجهي في اهتياج. وفي النهاية كان عليّ أن أنتقل إلى غرفة أخرى في جزء أهدأ من المبنى. وتصورت أن تلك نهاية المطاف.
في ذلك الوقت تقريبا، سألتني صديقة كانت شاعرة باكستانية تدعى شوجا إن كنت أريد أن ألقي قصائدي ضمن قراءة يرتبها. ولم أكن عرضت كتابتي على أي أحد حتى ذلك الوقت. أقصد أنه كانت لديّ أدراج مليئة بالقصص والقصائد لكنني لم أفكر قط في أنني قد أكون بالفعل كاتبة. كان زمنا مختلفا للنساء. فكنت أفكر أنني في أفضل الحالات إذا حصلت على درجة الدكتوراه، فقد يكون بوسعي أن أدرِّس لبعض الوقت بضعة مساقات بينما أربي طفلين. ولم يخطر لي قط أنني قد أقفز القفزة اللازمة لأكون كاتبة حقا، بكل ما كان يعنيه ذلك.
لكنني وافقت بالطبع. ولما تقدمت للقراءة في تلك الليلة، كانت جالسة أمامي في الصف الأول، عدوتي، المرأة التي صرخت في وجهي حينما طلبت منها تخفيض صوت موسيقاها. خطر لي أن بوسعي أن أقرأ هذه القصائد أمام أي شخص، لكنني لا أحتمل أن أقرأها في مواجهتها هي. وبطريقة أو بأخرى، وبرغم فزعي التام، قرأت. والمدهش أنها بعد ذلك جاءت إلي وقالت (لو كنت أعرف أنك تكتبين هذه القصائد، لكنت خفضت صوت الموسيقى).
قالت لي إن عليَّ أن أبدأ في إرسال قصائدي إلى العالم، وإنني ينبغي أن أقدمها لمجلات أدبية. وتلك كانت البداية لي. بعثت بضع قصائد إلى مجلة (ذي كولمبيا رفيو)، ونشروها. وفي ظل تلك التجربة، لم يعد بوسعي أن أتظاهر بالعكس: ذلك ما أردت أن أفعله. بعد سنتين في كلية الدراسات العليا وبينما كنت أستمع إلى الناس وهم يتكلمون عن أشياء من قبيل النظائر الأدبية – التي لا أعرف ما معناها إلى الآن – قررت أن الدراسة ليست مناسبة لي. لم أكن أعرف ما المناسب لي، ولكنني كنت أعرف أنه ليس الدراسات العليا. لعلكم تعرفون النكتة التي تقول إن الطيور ليست بحاجة إلى علماء الطيور؟ لقد كنت لفترة طويلة أتظاهر أنني من علماء الطيور بينما الحقيقة أنني من جملة الطيور.
هكذا تركت الكلية. ولم تكن لديّ خطة. تركت السكن الجامعي وانتقلت إلى شقة صغيرة من غرفة واحدة. كنت أعمل في وظيفة مساعد مدرس، وبدأت الكتابة. لم يفهم والداي ما الذي كنت أفعله، أو السبب الذي يمنعني من النجاح في نيويورك مثلما كنت ناجحة في شيكاغو. لم يبد أن شيئا يسير على النحو الصحيح. حتى قطتي كانت تتجاهلني. وكنت قد عثرت على قطة في الشارع فتبنيتها، وتبيّن أنها من أخبث القطط. فذات ليلة هربت القطة إلى السطح وكان على فرقة إنقاذ الحيوانات أن تأتي لإنقاذها. وبعدما أتى بها الضابط قدَّم لي (كتاب أدعية) ظنا منه أنني (بحاجة إليه). مؤكدًا أنه لم يكن وقتا جيدا في حياتي.
لكن حدث في يوم من الأيام ـ ولا أتذكر السبب ـ أن بدأت قراءة (مائة عام من العزلة). كانت نسخة من الترجمة الإنجليزية الأولى، في غلاف جميل مقوّى. كانت تمطر، في نهار رمادي تماما، وأنا مستلقية بالكتاب في سريري. وفيما بدأت أقرأ، بدا وكأنني أرى اللون من جديد. تبدّد الرمادي. وحتى في هذا اليوم، بينما كنت أنظر إلى الكلمات الأولى مرة أخرى، شعرت بذلك الإحساس بالعمق واللون والثراء والخصوبة: شعرت بإحساس الحياة.
بدأت بتلك الجملة الأولى الفاتنة:
(بعد سنين كثيرة، فيما كان يواجه فصيلة الإعدام، كان على العقيد أورليانو بوينديا أن يتذكر عصر ذلك اليوم البعيد الذي اصطحبه فيه أبوه لاكتشاف الثلج).
كان عليّ أن أتوقف وأقرأ الجملة الأولى مرارا وتكرارا. لم أكن قرأت من قبل جملة كتلك، جملة بدا أنها تحتوي عالما بأكمله. كنت محبة للسفر وأدب الرحلات ولتلك اللحظة التي يطبع فيها الخاتم في جواز السفر. حينما قرأت الجملة الأولى من هذه الرواية، شعرت وكأن خاتما طبع للتو في جواز سفري. كنت قد خطوت إلى عالم مختلف تماما، عالم يتجاوز كل ما كنت رأيت أو تخيلت أو علمت أنه قد يكون ممكنا.
كيف يحقق ماركيز سحر هذه الجملة الافتتاحية؟ أولا، هناك حقيقة أن الشخصية تواجه فصيلة الإعدام، فثمة بالتالي ذلك التهديد بالموت الوشيك منذ اللحظة الأولى. ينتابك هذا الإحساس الفوري بعالم سياسي خطر، عالم مليء بالخطر. ومع ذلك يتجاور مع العتمة إحساس بالدهشة، بفضل تفصيلة تجعل الأمر كله فاتنا وخارجا عن المألوف: ذكرى رحلة في الطفولة ، ذكري يوم مر في (اكتشاف الثلج). كلنا نعلم ماذا يكون الثلج، هو مألوف لنا جميعا. لذلك تترك الجملة في نفسك هذا السؤال: في أي أرض يبدو الثلج أشبه بعنصر سحري ذي قوة توشك أن تكون ما وراء طبيعية؟ طبعا في كثير من أرجاء أمريكا اللاتينية في ذلك الوقت، كان الثلج شيئا نادرا، ولعله غرائبي. ولعل في هذا تذكرة بما قاله ماركيز دائما من أنه لم يكتب واقعية (سحرية) وإصراره على أن كل ما كان يكتبه إنما هي أشياء مرّ بها بطريقة أو بأخرى. في تلك التفصيلة البسيطة ترون مزيج العادي والاستثنائي شديد الارتباط بهذا الكاتب.

ثم تأتي الحقيقة المدهشة، في هذه اللحظة الصعبة من حياته، إذ يتذكر ذلك الشخص الناضج كيف كان إحساسه وهو مع أبيه، وكيف أن عصر ذلك اليوم البعيد قد غيّر مجرى حياته. بدا بديعا لي إحساسُ ماركيز بأن الماضي يبقى حميميا ومتاحا لنا، مجاوزا حدود الحاضر. حياتي أيضا كانت ممتلئة بالذكرى في ذلك الوقت. كنت بعيدة عن البيت، وأفكر في ذكريات عن أسرتي، وعن الأشياء التي سبق أن قمت بها مع أبويّ حينما كنت صغيرة، كما حدث وأنا طفلة صغيرة للغاية حينما لفني أبي في بطانية ووضعني في السيارة، ومضى بي إلى حقل مزارع فأجلسني على مقدمة السيارة ومضينا نشاهد الغروب الناري البديع. منحتني هذه الافتتاحية بطريقة ما تصريحا بالحفر في ذكرياتي، في تلك اللحظات المشرقة من طفولتي. رأيت في مائة عام من العزلة وشخصياتها الممتدة على مدار الأجيال، كيف يمكنني أخيرا أن أحاول معانقة التاريخ الشخصي الذي كنت أعرفه بينما أشتبك مع رؤية أوسع امتدادا.

لا بد أن يكون هذا هو أول كتاب قرأته فكان محتويا على خريطة نسب في بدايته. أتذكر دهشتي حينما أدركت أن بوسع المرء أن يحوي في كتاب واحد أجيالا عديدة وسنوات من التناسل والتعاقب. كان ماركيز هو الذي منحني التفويض بتجريب ذلك، في روايات سأجرب يدي فيها بعد ذلك بكثير. حينما بدأت كتابة "بوابة القمر"، شعرت بالروع من تحدي الكتابة عن أشخاص عاشوا قبل خمسمائة سنة، أشخاص عاشوا في فترة محاكم التفتيش. ذكرتني مائة عام من العزلة بأنني قادرة على كتابة تلك القصة، وأنها لا تستوجب أكثر من تصور الشخصيات في كفاحها وخيبتها وإحساسها. وفي رأيي أن من طرق القبض على الإنسانية طريق يتمثل في النظر إلى لحظات كالتي تستهل ذلك الكتاب، اللحظات الأصيلة التي تعاود الشخصية الرجوع إليها مرارا وتكرارا على مدار حياتها.
حينما بلغ أبي الثمانين، اتصلت لأتمنى له عيد ميلاد سعيدا، ففوجئت به ينخرط في البكاء. حكى لي أنه رأى في الليلة السابقة حلما عن شيء حدث له وهو في الرابعة من عمره، شيء لم يكن يتذكره إلى أن حلم به في الليلة السابقة. أذهله أن يقدر على استخراج الذكرى الضائعة منذ أمد بعيد، ويفعل ذلك على أتم أشكال الكمال. قال إن (حياتي كلها تعيش بداخلي). وقراءتي مفتتح مائة عام من العزلة تذكرني بأنني يجب أن أومن بهذا الشعور، أومن بأن الحياة كلها باقية بداخل المرء لا تغادره، منتظرة أن يجد سبيلا إلى الارتباط بها.

يبقى عصر ذلك اليوم البعيد الذي اكتشفت فيه تلك الجملة – مثلما تذكر الكولونيل أورليانو بوينديا اكتشافه للثلج – إحدى هذه اللحظات في نفسي، اللحظة التي تعاودك وأنت في مواجهة فصيلة الإعدام. شعرت كما لو أنني في مواجهة فصيلة إعدام ما في ذلك الوقت وإن لم يكن الخطر يتعلق بالحياة الأدبية أو الموت، وحتى لو أن بعض مشكلاتي كان من صنعي أنا. ولكنه أصبح بالنسبة لي أشبه بالمذهب المتكرر، اللحظة التي استلقيت فيها في السرير وحيدة ذات نهار رمادي قبل سنين بعيدة، غير عارفة شيئا عن الطريق الذي سوف أسلكه في حياتي. أرجع إلى اللحظة التي فتحت فيها كتابا فانتقلت من حيث كنت، إلى عالم مليء بإمكانيات جديدة انفتح أمامي، حيا، مشرقا، كامل الألوان.

* ماري موريس روائية أميركية صدرت لها سبع روايات منها "قصر الجاز"
كيف تكتب رواية عظيمة؟

كيف تكتب رواية عظيمة؟

2:32:00 م اضف تعليق

ترجمة: أحمد شافعي
إعداد: ألكسندر أولتر
الكتابة منذ الرابعة صباحًا
الكتابة منذ الرابعة صباحًا
نيكولاس بيكر
في أغلب الأيام يستيقظ نيكولاس بيكر في الرابعة صباحا، ليكتب في بيته في برويك الجنوبية بولاية مين. يترك النور مطفأ، ويجعل صفحة الكمبيوتر سوداء، والكتابة بالرمادي؛ فلا تكسر الشاشة عتمة المكان. وبعد ساعتين من الكتابة في هذه الحالة التي يصفها بالحلمية، يعود إلى الفراش، ثم ينهض في الثامنة والنصف ليقوم بتحرير ما سبق وكتب.
كتب روايته الأولى “الطابق المسروق” أو The Mezzanine عبر إملائها على كمبيوتر مزود ببرنامج للتعرف على الصوت. أما روايته الأخيرة “المحرر” The Anthologist فهي رواية مروية بضمير المتكلم، والمتكلم فيها شاعر محبط يكافح كي يكتب مقدمة مختارات شعرية جديدة. أطلق لحيته تشبها ببطل روايته، وارتدى قبعة لينة بنية، وثبت كاميرا فيديو على حامل ليصور نفسه وهو يلقي محاضرات في الشعر. ومن بعد قام بتفريغ أربعين ساعة من التسجيلات، فصار بين يديه قرابة ألف صفحة من الملاحظات والتفريغات. قال بيكر إن خلق صوت البروفيسير المحبط كان “أمرا تحتم عليَّ أن أعمل عليه كثيرا حتى أصل إلى إحساس الضياع”.
وبرغم ذلك، رأى بيكر المسودة الأولى منظمة أكثر مما ينبغي. فقسَّم الرواية إلى مقاطع مرقومة، ثم ذهب إلى أحد مواقع الإنترنت المتخصصة في الترقيم العشوائي، ورتب المقاطع بناء على أحد أنظمة الترتيب العشوائي التي أمده بها الموقع. وإذا بالرواية فوضى شاملة. فكان عليه أن يعود إلى النظام الأصلي، برغم أن بعض التوزيعات العشوائية بدت نافعة. “كان علي أن أدفع نفسي دفعا إلى الترتيب القديم”.
أصعب شيء دائما هو الجملة الأولى ـ هي المؤلمة
أصعب شيء دائما هو الجملة الأولى ـ هي المؤلمة
أورهان باموق
غالبا ما يقوم الروائي التركي الحائز على نوبل في الأدب أورهان باموق بإعادة كتابة السطر الأول في روياته من خمسين إلى مائة مرة. “أصعب شيء دائما هو الجملة الأولى ـ هي المؤلمة”، هكذا يقول باموق الذي صدرت له مؤخرا باللغة الإنجليزية رواية “متحف البراءة” ـ وهي قصة حب تدور في اسطنبول في السبعينيات من القرن الماضي.
يكتب باموق بالقلم، على كراسات رسم، يكتب في صفحة، ويترك المقابلة لها فارغة للتعديلات، ويدرج ما يشبه البالونات الحوارية المعهودة في القصص المصورة. ثم يرسل كراساته إلى طباع يعيدها إليه مخطوطات مطبوعة، فيدخل عليها تعديلاته، ثم يعيدها إلى الطباع، وتستمر هذه العملية من ثلاث مرات إلى أربع.
يقول باموق إنه يكتب في أي مكان يأتيه فيه الإلهام، في الطائرات، في غرف الفنادق، على أرائك الحدائق. ومع ذلك، فهو لا يستسلم لاندفاعات العفوية حينما يتعلق الأمر بحبكة قصة أو ببنيتها. يقول باموق “إنني أخطط لكل شيء”.
الكتابة من الحلم مباشرة
الكتابة من الحلم مباشرة
هيلاري مانتل
تحب الروائية البريطانية هيلاري مانتل أن يكون أول ما تفعله في صباح كل يوم هو الكتابة، قبل أن تنطق بكلمة، أو تأخذ رشفة من فنجان قهوة. بسرعة تدون أفكارا وملاحظات مستقاة من أحلامها. “وأنزعج جدا إذا لم أفعل هذا”.
هي مهووسة بتدوين الملاحظات ودائما معها دفتر مخصص لهذا الأمر. العبارات الغريبة، شذرات الحوارات، والأوصاف التي ترد على خاطرها، جميعا تنتهي مدونة على لوحة معلقة في مطبخها، وتبقى هنالك إلى أن تجد لها مانتل مكانا في رواية لها.
قضت هيلاري مانتل خمسة شهور في البحث وفي الكتابة قبل أن يثمر ذلك عن روايتها الفائزة بالبوكر “قاعة الذئب”، وهي دراما تيودرية تدور أحداثها في بلاط هنري الثامن والتي تصدر طبعة منها هذا الشهر في الولايات المتحدة. كان التحدي الأكبر أمامها هو أن تأتي روايتها مطابقة للتاريخ. فكان أن أعدت كتالوج بالشخصيات مرتبة إياها ترتيبا ألفبائيا. كل شخصية تحتل بطاقة توضح في أي الأماكن بالضبط كانت تتواجد في تواريخ بعينها.
تقول “هناك حاجة حقيقية إلى معرفة مكان تواجد دوق سفولك في لحظة معينة. فلا يمكنك أن تقول إنه كان في لندن بينما تاريخيا هو كان في مكان آخر”.
في أحد الأيام، كانت مانتل تمر بحالة من الاهتياج لعجزها عن إدراج كل ما تريد قوله في الرواية. فأخذت حماما، وتلك وسيلتها المعتادة لتصفية تفكيرها، وإذا بها تندفع من الحمام قائلة “إنهما كتابان يا هيلاري”. وهي الآن تعمل على رواية تالية تنتهي أحداثها بقطع رأس كورنول عام 1540.
يقضي سنتين في البحث
يقضي سنتين في البحث
كازو إيشيجيرو
منذ أن كان مراهقا وحتى أصبح في منتصف العشرينيات والروائي كازو إيشيجيرو يحاول دون أن يصادفه النجاح أن يجعل من نفسه كاتب أغنيات. وكان ذلك السعي المبكر هو الذي ساعده على تكوين أسلوبه السردي الموجز المعتمد على ضمير المتكلم حيث يبدو الراوي على معرفة بأكثر ما يقوله أو تقوله.
إيشيجيرو ـ صاحب الروايات الست ومن بينها “بقايا النهار” الحائزة على جائزة بوكر ـ “يقضي سنتين في البحث من أجل كتابة رواية، ثم يكتبها في سنة. ولأن رواياته تروى بضمير المتكلم، فإن النبرة تكون عاملا في غاية الأهمية، ولذلك فهو “يقيم روايته صوتيا” عن طريق كتابة بضع فصول من وجهات نظر بضع شخصيات. وقبل أن يبدأ في تسويد المسودة الأولى، يعد ملفات من الملاحظات والخرائط التي لا تكتفي بعرض الحبكة الأساسية بل وملامح السرد الدقيقة، وعواطف الشخصية وذكرياتها.
الهوس بالتجهيز “يمنحني فرصة لجعل شخصياتي تخفي معنى وتداري آخر حينما تقول شيئا وهي تعني شيئا آخر”. يجمع إيشيجيرو ملاحظاته ويكتب مسودة أولى بالقلم الرصاص. ويراجعها بالقلم الرصاص، ثم يطبع النسخة المنقحة على الكمبيوتر، وفي هذه النسخة الرقمية ينقح مرة أخرى، وفي هذه المرة قد يحذف كتلا ضخمة ربما تصل إلى مائة صفحة.
وبرغم كل العمل الأولي هذا، فإن بعض الروايات تتأبى على الاكتمال، ومن ذلك رواية تدور أحداثها في بريطانيا العصور الوسطى. “عرضت على زوجتي جزءا منها نقحته بعناية فقالت لي: إنه بشع. عليك أن تتبين اللغة التي يتكلمون بها مع بعضهم البعض، إنهم يتكلمون لغة بلهاء”.

لا أعرف أبدا كيف ستكون الجملة التالية
لا أعرف أبدا كيف ستكون الجملة التالية
مايكل أونداتجي
يفضل الروائي الحائز على جائزة بوكر مايكل أونداتجي الدفاتر المسطرة التي تنتجها شركة موجي. وفيها، وبخط اليد، يكمل المسودات الثلاث أوالأربع الأوليات، وفي بعض الأحيان يقوم ـ حرفيا ـ بالقص واللصق، حيث يستخدم المقص والمواد اللاصقة في نقل بعض الفقرات أو الفصول من مواضعها. حتى أنك تجد في بعض دفاتره صفحات مكونة من أربع طبقات.
تتوارد الكلمات في سلاسة على الكاتب، ويبقى القدر الأكبر من العمل متمثلا في ترتيب الجمل وإعادة كتابتها. “أنا شخصيا لا أفهم ما يسمونه بالنضوب”. هكذا يقول أونداتجي الذي يعمل حاليا على رواية جديدة. “فلو حدث ووقفت، أعمل على مشهد آخر”.
بدأ أونداتجي شاعرا، ويقول إن الحبكات تأتيه على هيأة “ومضة موقف صغير”. روايته الصادرة عام 1992 بعنوان “المريض الإنجليزي” بدأت من رؤية صورتين: إحداهما لمريض راقد في فراشه يكلم الممرضة، والثانية للص يسرق صورة له.
وأحيانا يمر بمرحلة “فوضوية”، فيحذف شخصيات أو يعيد ترتيب مشاهد. “بعض الكتاب يكونون على علم بما ستكون عليه آخر جملة قبل أن يشرعوا في الكتابة، أما أنا فلا أعرف أبدا كيف ستكون الجملة التالية”.
أحب استخدام أجزاء مخي المختلفة
أحب استخدام أجزاء مخي المختلفة
ريتشارد باورز
ريتشارد باورز، روائي غالبا ما تنطلق رواياته من أفكار، وتأتي محكمة الحبكات ومكتظة بالعلوم السرية. ريتشارد باورز كتب رواياته الثلاثة الأخيرة في فراشه، ممليا إياها على كمبيوتر فيه برنامج للتعرف على الصوت.
لكي يكتب أحدث روايته “كرم” التي تدور حول البحث عن جين السعادة، عمل بهذه الطريقة لمدة تتراوح ما بين ثمان ساعات وتسع كل يوم. ثم استخدم قلما إلكترونيا للمراجعة والتحرير بملامسة الشاشة، معيدا صياغة بعض الجمل، ومحددا بعض الكلمات.
“ذلك يعيد لي الحكي من خلال الصوت ويعيد لي كذلك استخدام اليد واللمس”. ويضيف باورز قائلا “إنني أحب استخدام أجزاء مخي المختلفة”.
أحب استخدام أجزاء مخي المختلفة
يملأ جيبه بالبطاقات
دان تشاون
يكتب دان تشاون المسودة الأولى على بطاقة ملونة يشتريها من أوفيس ماكس. ويقول إن أفكار كتبه تأتيه على هيأة صور وعبارات، لا على هيأة حبكات أو شخصيات أو مشاهد. يبدأ بتدوين سريع لهذه الصور، دون أن تكون في ذهنه قصة تنتظم فيها. ويظل يقلب الصور في رأسه المرة بعد الأخرى إلى أن تظهر الشخصيات والثيمات.
بدأت أحدث رواياته ـ وعنوانها “في انتظار ردك” وتتناول ثلاث حكايات متداخلة عن انتحال الهوية ـ بصور مبعثرة لمنارة في برية، وسيارة منطلقة باتجاه القطب الشمالي تحت شمس ليلة، وصبي وأبوه في سيارة إلى مستشفى بينما يد الصبي مكسورة ومحاطة بالثلج. وصف دان تشاون كلا من هذه المشاهد في بطاقة منفصلة، ثم بدأ يكسوها بالحبكة، متنقلا بين البطاقات الملونة بالأزرق والوردي والأخضر وهو يتنقل بين القصص الثلاث.
خلال المراحل الأولى للكتابة، يملأ جيبه بالبطاقات أينما كان، وفيما تتراكم البطاقات يرتبها في كتالوج اشتراه من مزاد أقامته إحدى المكتبات. وينقضي في الغالب نحو سنتين قبل أن يتكون شيء شبيه برواية. وأخيرا يكتب البطاقات على الكمبيوتر ويظل يكتب باهتياج من الحادية عشرة مساء وحتى الرابعة صباحا.
“كنت أحسب أن معدلي ككاتب قصة قصيرة هو قصة مكتملة من كل عشرين قصة”، هكذا يقول دان تشاون، مضيفا أن معدله في الإنجاز تحسن مع اكتاسبه للخبرة. ويقول إن “لدي على الأقل روايتين أظنهما ميتتين، وقد تصبح ثلاثة لو توقفت الرواية التي أعمل عليها الآن قبل أن تكتمل”.
أغلب وقت الكتابة هو وقت عدم الكتابة
أغلب وقت الكتابة هو وقت عدم الكتابة
كيت كريستنسن
كانت كيت كريستنسن قد قضت سنتين وكتبت مائة وخمسين صفحة من روايتها “في العتمة” ـ عن سكير يعمل كاتبا من الباطن ـ قبل أن تكتشف أن الرواية في حقيقتها كانت عن شيء مختلف تماما، فما كان منها إلا أن فككت المسودة الأولى، ورمت قدرا كبيرا من صفحاتها وبدأت من جديد. وتكرر الأمر نفسه في روايتها الثانية، والثالثة، والرابعة. أما روايتها في 2009 بعنوان “مشكلة” ـ وفيها قصة لامرأتين شبيهة بمغامرة فرار ثيلما ولويز إلى المكسيك ـ فتوقفت بعد بدايتها مباشرة. تقول كيت كريستنسن ـ التي تعمل في بيتها بـ تريبيكا ـ إن أغلب وقت الكتابة لديها هو وقت عدم الكتابة. في صباح معظم الأيام، تكون مشغولة في الأعمال المنزلية وكتابة الرسائل الإكترونية وإجراء المكالمات في محاولة لتجنب الكتابة. في الماضي كانت تلعب سوليتير ثلاثين مرة قبل أن تكتب الجملة الأولى.
في الشهر الماضي، بدأت تكتب رواية جديدة بعنوان “النجم” عن شاعر في السابعة والخمسين من عمره تطرده زوجته ويحاول استرداد ابنه من براثن جماعة تستولي على عقله. تقول كيت كريستنسن “إن الأمور في البداية ـ وأنا الآن في البداية ـ تكون مرعبة، حيث لا تكون للرواية حياتها الخاصة”. الرعب إذن هو ما تشعر به الحاصلة في العام الماضي على جائزة بن فوكنر.
ضع يدك اليسرى على المنضدة، وضع يدك اليمنى في الهواء.
ضع يدك اليسرى على المنضدة، وضع يدك اليمنى في الهواء.
مارجريت آتوود
ضع يدك اليسرى على المنضدة، وضع يدك اليمنى في الهواء. ولو بقيت طويلا على هذا الوضع، ستأتيك الحبكة. ذلك كان رد مارجريت آتوود حينما سئلت من أين تأتيها الأفكار. وحين سئلت عما إذا كانت لجأت شخصيا إلى هذا التكنيك قالت إنها “لم تضطر إلى هذا”.
نادرا ما تعاني آتوود من النضوب. لقد كتبت حتى الآن ثلاث عشرة رواية، بجانب الشعر والقصص القصيرة والأعمال غير القصصية. حين تخطر لها فكرة، تدونها بسرعة على دفتر، أو فوطة مائدة، أو قائمة طعام في مطعم، أو في هامش صفحة من جريدة. تبدأ بفكرة عامة جدا عن الكيفية التي ستسير عليها الرواية، و”عادة يتضح أنها فكرة خاطئة”. تراوح ما بين الكتابة بالقلم والكتابة بالكمبيوتر. وحينما يبدأ قوس سردي في التشكل، تطبع الفصول وترتبها كومات على الأرض، وتلعب في ترتيبها من خلال تحريك الكومات على الأرض.
حدث لها مرتين أن تخلت عن كتابين بعد كتابة أكثر من مائتي صفحة في كل منهما، مرة في أواخر الستينيات، وأخرى في مطلع الثمانينيات. لم تستطع أن تستخلص من أحد الكتابين غير جملة واحدة، ومن الآخر استطاعت أن تستخلص قصتين قصيرتين إحداهما بعنوان “سرعة الدوامة”.
على مدار عمرها الإبداعي البالغ أربعين عاما، انتقلت مارجريت آتوود من القص واللصق باستخدام المقص، إلى التعامل مع العصر الإلكتروني. بل إنها مؤخرا استخدمت المدونات والتويتر لترويج روايتها الأخيرة “سنة الفيضان”.
تغير الفقرات التي تتلعثم في قراءتها.
تغير الفقرات التي تتلعثم في قراءتها.
إدودج دانتيكات
قبل أن تشرع في رواية، تقوم إدودج دانتيكات بتجهيز كولاج وتعلقه على لوحة في مكتبها، تضع فيها صورا تلتقطها أثناء رحلاتها إلى بلدها الأصلي هاييتي وصورا تقصها من مجلات متنوعة الاهتمامات. تقول إدودج دانتيكات ـ التي تعمل من بيتها في ميامي ـ إنها تعلمت هذه الطريقة من لوحة القصة التي يستخدمها مخرجو السينما لرسم خريطة المشاهد. “أحب هذه الطريقة اليدوية. صحيح أنها غير مسايرة للموضة. ولكنني أحب الأشياء غير المسايرة للموضة”.
أحيانا يكبر الكولاج إلى أن يجور على أربع لوحات كاملة، وكلما ازدادت الحبكة وضوحا، كلما امتدت يدها إلى الصور بالحذف إلى أن يتقلص الكولاج في لوحة واحدة.
يوجد الآن لدى إدودج دانتيكات لوحتان مليئتان بالصور لمدينة ساحلية في هاييتي حيث تدور روايتها الجديدة التي تجري أحداثها في قرية مستلهمة من القرية التي نشأت فيها أمها.
تكتب إدودج دانتيكات المسودات الأولى في دفاتر امتحانات زرقاء رديئة تشتريها إلكترونيا من أحد المتاجر. وهي تستخدم مائة دفتر في العادة لكتابة المسودة. تقول “إن الشركة التي أشتري منها تحسبني قطعا طالبة في الثانوي”. بعد المسودة الأولى تنقل الرواية إلى الكمبيوتر وتبدأ المراجعة والحذف.
ثم تسجل شريطا لنفسها وهي تقرأ الرواية كاملة ـ وهي حيلة تعلمتها من وولتر موزلي ـ لتغير الفقرات التي تتلعثم في قراءتها.
مصرٌّ على عدم تدوين أي شيء
مصرٌّ على عدم تدوين أي شيء
جونو دياز
“أعتقد أن تسعين في المائة من أفكاري تتبدد بسبب بشاعة ذاكرتي وبسبب أنني فيما يبدو مصر على عدم تدوين شيء. إذ بمجرد أن أكتب شيئا، حتى يرفضه عقلي تماما”.
غير أن إعمال عقله في كل شيء لا يخلو من خسائر، أبسطها أنه يكتب ببطء بالغ. يقول جونو دياز إنه رمى نسختين أوليين من روايته “حياة أوسكار واو القصيرة الرائعة” ـ تعادلان نحو ستمائة صفحة ـ قبل أن يتشكل بين يديه ما يشبه النسخة النهائية. كما أنه مهووس بالبحث. فحينما كان يكتب “أوسكار واو” قرأ ثلاثية “ملك الخواتم” لتولكن أكثر من عشر مرات ليدخل إلى ذهن بطله وهو مراهق من الدومينيكان مهووس بالفنتازيا والخيال العلمي.
غالبا ما يستمع إلى الموسيقى التصويرية لبعض الأفلام أثناء الكتابة، إذ أن كلمات الأغاني تشتت تركيزه. وحين يحتاج إلى عزل نفسه عن العالم، فإنه يذهب إلى الحمام ويجلس على حافة حوض الاستحمام. “وكان ذلك يصيب مطلقتي بالجنون. ولكنها دائما ما كانت تعرف أنني موشك على الكتابة كلما سحبت دفترا ودخلت إلى الحمام”.
لا يسهل مطلقا، بل هو صعب دائما، هو اختبار دائم
لا يسهل مطلقا، بل هو صعب دائما، هو اختبار دائم
أميتاف جوش
انتهت الرواية الأولى لـ أميتاف جوش بالفشل. كان في منتصف العشرينيات، يجري أبحاثا في التنمية الزراعية في أحد مراكز البحوث بكرلا في الهند. ظل يعمل على المسودة الأولى لمدة عام. ولكنها “كانت بشعة فكان علي أن أرميها. ومنذ ذلك الحين كتب ست روايات منها “بحر الأفيون” و”القصر الزجاجي” ولكن الأمر لم يزل مرهقا.
“ولا يسهل مطلقا، بل هو صعب دائما، هو اختبار دائم”. ويضيف أميتاف جوش ـ الذي يقضي وقته بين جوا بالهند وبروكلن بالولايات المتحدة ـ “إنني وصلت في لحظة من حياتي إلى عدم الثقة بأي جملة يبدو أنها أتت بسهولة”.
يكتب أميتاف جوش باليد، ثم يطبع المخطوطات على كمبيوتره المحمول. وكل صباح يراجع ما كتبه في اليوم السابق، وكل جملة في أي كتاب له مرت ـ حسب ما يقول ـ بعشرين مراجعة.
يقول أميتاف جوش ـ الذي يعمل حاليا على الجزء الثاني من الثلاثية التي بدأها ببحر الأفيون ـ إنه حريص على اختيار كل شيء ابتداء من القلم الذي يكتب به وحتى نوع الورق الذي يكتب عليه. فيصر على الكتابة بأقلام بيليكان ذات الحبر الأسود، وعلى أن تكون من أفضل الأنواع، ويشتري ورقا أبيض مسطرا من مصنع فرنسي. يقول “إن من يعمل كثيرا على الورق، يستولي عليه التفكير حتى في المسافات بين السطور، وأنا أفضل المسافات الواسعة بين السطور”.
يكتب في معصرة لاستخلاص شراب القيقب
يكتب في معصرة لاستخلاص شراب القيقب
راسل بانكس
يعيش الروائي راسل بانكس في شمالي نيويورك، ويكتب المقالات والقراءات النقدية مباشرة على الكبميوتر لكنه يجد نفسه فارغا كلما حاول أن يكتب الرواية عليه مباشرة. يكتب بيده إذن، المسودات الأولى، من الثامنة صباحا وحتى الواحدة والنصف ظهرا في غرفة استوديو صغير خصصه للكتابة، وكان من قبل يستخدم كمعصرة لاستخلاص شراب القيقب. يقع هذا الاستوديو الخشبي الصغير على بعد ألف ياردة من منزله.
تبدأ رواياته في بعض الأحيان من جملة أو عبارة. ومع تقدم القصة، يكتب على الكمبيوتر بضع ورقات يلخص فيها الحبكة في خطوط عريضة، ويكتب ورقة أقل حجما يفصل فيها ما سيحدث في العشر صفحات أو العشرين صفحة التالية “وذلك هو الذي يمنعني من الوقوع من حالق”.
ينقل مخطوطاته إلى الكمبيوتر بمجرد أن تكتمل لديه مسودة، ويبدأ سلسلة لا تنهي من المراجعات. وهو الآن في غمار كتابة رواية جديدة تجري أحداثها في ميامي.
أتأمل كل كلمة لأفهم سر وجودها
أتأمل كل كلمة لأفهم سر وجودها
كولم مكان
حين يكون في منتصف رواية، يقوم كولم مكان أحيانا بطبع فصل أو اثنين بخط كبير الحجم، ويقوم بتدبيسه على هيأة كتاب، ويمضي به إلى حديقة سنترال بارك، وهناك يبحث لنفسه عن أريكة هادئة ويقرأ كأنما الكتاب لشخص غيره.
في أحيان أخرى، وحينما يقوم بمراجعة حوار أو النظر في صوت إحدى الشخصيات، يعمد إلى تصغير حجم الخط المستخدم، “وذلك يرغمني على تأمل كل كلمة لأفهم سر وجودها”. ويقول كولم مكان ـ في رسالة إلكترونية ـ إن تغيير الشكل الفيزيائي للكلمة بعطيه مسافة نقدية.
في أثناء قيامه بالبحث قبل كتابته روايته “فليدر العالم العظيم حول نفسه” ـ والتي نافست على الفوز بالجائزة الوطنية للرواية ـ كان عليه أن يقابل قتلة وضباطا وينصت إلى عاهرات وحملة تاريخ شفوي عساه يقبض على روح نيويورك السبعينيات التي تتناولها روايته.
غالبا ما تأتي أصعب لحظة في نهاية المشروع، حين يكون قد استنفد نفسه عاطفيا، وبات يخشى أنه لن يكتب رواية أخرى. وفي تلك اللحظات يذكر نفسه بنصيحة صمويل بيكيت “ليس مهما. جرب ثانية. افشل ثانية. افشل ثانية”.
الكتابة لتسع ساعات
الكتابة لتسع ساعات
آن رايس
حين كانت تعمل على روايها الأولى “حوار مع مصاص الدماء”، في مطلع السبعينيات، كانت آن رايس تنقح كل فقرة تكتبها على آلتها الكاتبة قبل أن تنتقل إلى التالية لها. أما في هذه الأيام، وقد انتقلت إلى العمل على الكمبيوتر، فقد أصبحت المراجعة فورية وأكثر سلاسة.
تكتب فصلا كل يوم، لتكون على ثقة من وحدة النبرة والأسلوب، وهي في الغالب تعمل لثماني أو تسع ساعات متواصلة حين تكون مشغولة بكتابة رواية. وهي تقضي في بعض الأحيان من عام إلى اثنين في البحث قبل أن تبدأ في كتابة المسودة الأولى.
تكتب بحجم خط 14، وتجعل المسافات بين السطور مضاعفة، وتستخدم ماكنتوش حجم شاشته ثلاثون بوصة، بحيث يكون مجالها البصري كله ممتلئا بالكلمات. تقول رايس المشغولة حاليا في كتابة الرواية الثالثة من ثلاثيتها عن الملائكة: “كلما كبر حجم الشاشة كلما ازداد التركيز”.
تقوم باستمرار بتحرير ما تكتبه، مرجئة بعض التغييرات الطفيفة للمرحلة النهائية. “وحتى حينما تنتهي من ذلك كله، تجد من يأتي بعدك، ليجد خطأ مطبعيا فيتهمك بالسذاجة”.
جون راي
لكي يكتب روايته الثالثة، التي تدور أحداثها في أنفاق المترو بمدينة نيويورك، استقل الروائي جون راي المقيم في بروكلن قطارات الأنفاق متنقلا في جميع أرجاء المدينة وهو ينقر على كمبيوتره المحمول مسودة الرواية الأولى. كان غالبا ما يجلس في ركن على مقربة من عربة السائق، واضعا السماعات على أذنيه. وظل يعمل بتلك الوتيرة لمدة ست ساعات يوميا وعلى مدار قرابة عام.
في البداية لم تكن كتابته في القطار تهدف إلى أغراض بحثية، بل لكي يعزل نفسه عن كل ما يمكن أن يشتت انتباهه، مثل البريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية. ثم بدأ الناس والحوارات التي تجري في القطار تتسلل إلى كتابه، الذي تناول فيه حياة مراهق مصاب بالشيزوفرينا والبارانويا. وفي الرواية شخصية لامرأة متشردة استلهمها راي من امرأة كان يراها في محطة ستيلول ببروكلن. ترد في الرواية أيضا بصورة حرفية شذرات حوارية كان راي ينصت إليها في جولاته تلك، ومن ذلك حوار حول ضرورة أن يقضي الناس ليلة في أي بيت قبل أن يقوموا بشرائه لمراقبة أي نشاط ما وراء طبيعي.
كانت الكتابة في الضوضاء، وفي القطارات المزدحمة صعبة في بعض الأحيان، ولكنها كانت بصفة عامة لطيفة، بالمقارنة مع الظروف التي كتب فيها روايته الأولى. يقول راي إنه بعد طرده من وظيفته في جاليري عام 1996، انتقل للعيش في خيمة أقامها داخل طابق تحت الأرض تعمره الفئران في حي دامبو ببروكلن. في تلك الخيمة كتب روايته الأولى مستخدمة آلة كاتبة تعود إلى أربعينيات القرن الماضي. “كنت أحاول أن أحقق كل صورة نمطية للروائي ما أمكنني ذلك”.
نشرت في ملحق قراءات صباح الأحد 13 ديسمبر 2009
المصدر: مدونة أحمد شافعي 

تخيلوا

12:54:00 ص اضف تعليق
عبير منصور

سؤال يراودني على الدوام :
لو أن امريكا انهارت فجأة لأسباب اقتصادية او طبيعية او بفعل نيزك يمحوها عن الخارطة، وبالتالي سقطت كل المنظومة المرتبطة بها من اسرائيل الى دول الخليج (ما عدا قطر) وغيرها، وزالت كل الانظمة الامبريالية العالمية، وخلت الساحة في بلداننا العربية ليحكمها خصوم اميركا من جماعة حلف الممانعة، فأي شكل من الحكم سيكون؟!
المنطق يقول أنه بعد اختفاء الشيطان الاكبر (امريكا) وأدواتها، وزوال الغدة السرطانية (اسرائيل) الذين يعتبرهم الممانعون مصدر كل الشرور والمؤامرات في العالم، فإن السلام سيحل في كل مكان وستنعم البشرية بالعدل والحرية والمساواة. 
ولكن تخيلوا معي أن نوري المالكي حكم العراق، وبشار الاسد وسهيل الحسن ورامي مخلوف في سوريا، ووفيق صفا ونعيم قاسم وحسين الحاج حسن وغيرهم من "الحجاج" في لبنان (هذا في حال أحسنّا الظن وصدقنا ان السيد نصر الله مكبّل في موضوع الاصلاح).
وقاسم سليماني وعلي اكبر ولايتي وعلي لاريجاني وأمثالهم في ايران (اطال الله بعمر القائد الخامنئي) واسماعيل هنية وجماعة الجهاد في فلسطين، والسيسي في مصر، وتميم في قطر (شكرا قطر)،
وطبعا كل ذلك تحت نظر ورعاية الاخ المجاهد أبو علي بوتين في روسيا.

تخيلوا لو انتشرت عشرات القنوات التلفزيونية من امثال "المنار" و "أن بي أن" و"العالم" و"الميادين" و"روسيا اليوم" وعشرات المواقع الالكترونية مثل موقع "العهد" و"جريدة الاخبار" بعد اقفال كافة القنوات والمواقع المدعومة من اميركا وحلفائها!!
تخيلوا لو اننا سنضطر يوميا لمشاهدة ناصر قنديل ووئام وهاب وسالم زهران وغسان جواد ورفيق نصر الله وانيس النقاش وفيصل عبد الساتر وابراهيم الامين!!!
تخيلوا كيف سيكون الوضع الاقتصادي والامني والاجتماعي والسياسي في لبنان!!!
تخيلوا حينها حال البقاع، ولكم ان تطلقوا هاهنا طائر الخيال!!
لعلّ من رحمة الله بهذا العالم أن لا ينفرد أعداء اميركا سيما جماعة الممانعة بحكمه لأن الوضع سيكون مخيفاً ... بل مخيفاً جداً.
(*) صحافية لبنانية

العظام والرميم

أيّام محمّد الأخيرة: قراءة نقديّة في كتاب هالة الوردي

سعاد حسني في بيروت

عشرة أيام هزت العالم

«ثورتان طفيليتان» كرديّة و «داعشية» صادرتا الانتفاضة الشعبيّة «السورية»

تأريخ الثورة البولشفية تتنازعه ثلاثة تيارات أو مذاهب: السوفياتي والليبرالي والمراجع