Ad 728x90

الخميس، 13 سبتمبر 2018

محمد خضير... العشار 5- توازيات وتقاطعات:

محمد خضير... العشار 5- توازيات وتقاطعات:




ليلة ساخنة طاف المتظاهرون الغاضبون خلالها حول البنايات المحترقة، صاخبين ملثمين، نصف عراة. أوقِفُ اللقطةَ حتى صباح اليوم التالي، مع عشرات من لقطات الليلة الماضية. أعود في الصباح فأحرّك المشهد: الدخان ينعقد فوق البنايات الواطئة؛ رائحةُ احتراق تملأ الهواء.
مئة خطوة في مربع العشّار تُحسَب بمئة شظية تدخل الرأس. مفكرة الهاتف النقال تمتلئ بالملاحظات المتتابعة وتفيض عن حدّها على الحفظ، تقابلها ذاكرة تستعيد الصور وترتبها بالتوازي مع التقاط الشظايا على جانبي الممرات الداخنة. قائمتان متقابلتان تجهزان النصَّ الملولَب، رماديّ السحنة، بآلية التوازي والتقاطع. تتحرك الأقدام وتتصل الأفكار بتيار جامح، هو عزم الحركة في مربّع العشار الدافق نفسه.
القائمة على اليسار تتدرج بأحداث الأيام السبعة الماضية، توازيها قائمة بمحفوظات الأمس المرتبة على مدى العقود السبعة من حياة "العشّاري" المتجول دون هوادة. لا يقتضي سردُ المربّع الحياتي سوى الوصل بين السواكن والمتحركات كي تعمل ذاكرة النص آلياً وتقترب شواهد اليمين من كوامن اليسار، في القائمتين المتوازيتين. حركة لولبية متصلة على محور التجاور والتبادل.
أبدأ بسحب شظية من قائمة الملاحظات اليمنى (تمثال العامل ذي المطرقة أمام مئذنة الجامع بجانبه) فتتداعى القائمة الموازية بإجراء التقاطع المطلوب وتركّب المشهدَ المتحرك (النحات عبد الرضا بتّور يخطف بدراجته، على خلفية المشهد الملبّد بِسُحُب الدخان). تعوزني الرائحةُ والكلام المخزونان لهذه اللقطة، فتنجدني اللقاءاتُ السريعة على ضفة نهر ضحل، كان النحات يرتاده ويخوض في طحالبه بحثاً عن الديدان لحوض أسماكه البيتي. 
أنتقلُ الى مفردة أخرى في قائمة اليمين (طحالب) فيتحرك النهر الأخضر في قائمة الشمال، ويجهزّني بوقتٍ للسباحة في ظهائر الصيف القائظة (صِبية عراة يتقاذفون أجسامَهم النحيلة من قمة جذع نخلةٍ شديد الميلان على الضفة المطيَّنة). أما مفردة (شصّ) فستجتذب مزيداً من الأسماك المشكوكة في خوصة اصطادها صبيانُ النهر قبل سباحتهم فيه (أدخلتُ لقطتها في قصة: إله المستنقعات، قبل أربعين عاما). التفرس في صفحة نهرٍ أخضر يبعث لي بسهمٍ يخترق الروح ويشطرها كقبلة سامّة.
ومن وراء حُجُب القائمتين المتوازيتين، يسقط شِهاب من مدار كبسولة رائد الفضاء السوفييتي يوري غاغارين، فيكشف نورُه عن أوّل نصّ سردي كتبتُه على حافة مسفن "الدوكيارد" في العشار، أمام هيكل سفينة جانحة. آنذاك أهديت قصتي القصيرة الى عمّال المسفن، واليوم أعلّق صورةَ السفينة المجهَّزة للتصليح على جدار غرفة الاستقبال؛ أما الوجوه العمالية المكدودة فسأستدعيها من قائمة التجهيزات التي جمعتها الليلة البارحة.
أبتعد عن الأفق الداخن بحرائق الليالي الماضية، وأحصي مدخراتي من الألفاظ المجهّزة (نعال، قبعة، لثام، لافتة كارتون، مصيادة مطاط، قنينة ماء خالية، سفرطاس ألمنيوم، ملاعق، أقداح ورقية، قطرات دماء، ضماد متسخ..). أتوغّل في المربّع الحيّ، يستردّ أحياءه المأخوذين بتيار الصخب والغضب والتوجس، يرتّبهم في أماكن أعمالهم المعتادة؛ كلّ في حانوته وكلّ وراء عربته أو بسطته في أركان السوق؛ ثم أنيخ بقائمتيّ على تخت مقهى في ركن العطارين، أحتسي قدح شاي معطَّر.
العطّار المتدرّب في القائمة اليمنى، إزاء العطّار المتمرّس في روائحه وتأملاته البعيدة في القائمة اليسرى؛ توازيات الحاضر إزاء تقاطعات الماضي في وعي العشاريّ المتجول؛ أخوة الكاووس وأخوة الناموس يشقّان الممرَّ الهادئ ويدخلان اللقطةَ الأخيرة يداً بيد، وخطوة بخطوة.
بعد أسبوع، من تلك الليالي الرعناء، يصعب الوثوق بهذا التوازي البارد بين قوائم العشار المتداولة تحت قاعدة التمثال - يحدس العطار المتمرس. فلأنّك - أيها العطار - قرأتَ في ضحى السقوط البعيد للتماثيل، قبل خمسة عشر عاما، في قائمة التقاطعات الحادة، أسماءَ من غابوا/ أعدِموا، وقد ألصِقت على القاعدة نفسها، فقد لا تتشبّث طويلاً بتوازيات الليالي الفائتة. 
صباحاً، تتطاير الأوراق تحت سماء الخريف الداخنة، وسيأتي من يصبغ التمثال بلون ذهبي. لكن رائحة الاحتراق تملأ الهواء الرطب. هذا هو التقاطع الحقيقي الوحيد.
(جريدة بين نهرين)
٢٠١٨/٩/١٣ 
(تصوير أسامة الموسوي)
محمد خضير... العشار (4)

محمد خضير... العشار (4)

 ________________________
1. كاووس: 

أقف بعد جولة في سوق "الكاووس" المحشورة بالأقدام والجيوب والأزرار، على بسطة بائعةِ خضار مقبَّعة بعباءة النصف الثاني من عمرها، وقد انتهتْ للتوّ من تقشير حفنةِ باقلاء انتزعتْها من أقماعها الخضر الطويلة. أسألُها أن تبيعني كومة الباقلاء المقشَّرة الى فلقتين صغيرتين، فتعتذر وتدّعي أنها استبقتْها من بقية الخضار لإطعام كنّاتها، المعتصمات في البيت، وقد لمزَت كلَّ واحدة منهنّ بلفظ غريب: "هذه لغداء جنايني (أي كنّاتي) المنتظرات عودتي. إنهنّ كووايس لا فائدة منهن".
عجبتُ لنطق بائعة الخضر للفظةِ المحرَّفة عن اليونانية المستعملة اليوم في وصف الفوضى (الكاووس (chaos التي تعمّ العالم، ويُفسَّر بموجبها قانون "رفرفة الفراشة" العشوائي. فأي حركة غير مقصودة في الجوار، مهما كان وزنها واتجاهها، قد تُحدِث دماراً هائلاً في نظام الحياة السائلة في مربع العشّار. أمّا كنّات بائعة الخضار، فإنّ أيّ فعل بسيط يأتينه في البيت الذي خلا من الأزواج، مهما كانت براءته، سيعني لها دماراً هائلاً، مهما تفادتْه وحسبتْ له ألف حساب. ولما أجابتني على رغبتي في شراء حفنة الباقلاء المقشَّرة، بلطف وابتسام، فقد هزّت طمأنينتي لِما بقي من النهار، عندما نقلتْ تأثيرَ كاووس الكنّات البعيدات الى كياني المتسائل قرب بسطتِها. 
درتُ دورة كاملة خلال الجموع المزرّرة الجيوب، ثم عدتُ لبائعة الخضار، فاستقبلتني بوجه باسم: 
_ "إن كانت لك رغبة بهذه الكومة من الباقلاء فسأبيعها لك بلا أسف".
_ "وكنّاتك؟".
_ "سأتبع حدسي وأتركهنّ نائمات حتى الظهيرة".
_ "ولن يأكل أبناؤك حين يعودون طعاماً".
_ "فليأكلوا كما الخرفان". 
_ "وستدافعين عنهن لو عنّفهن الأزواج".
_ "بل سأدعهم يتشاجرون بينما أسلم رأسي للمخدة وأنام".
_ "بحقك أيتها العجوز! أتقولين إن بيتك ساحة سيرك؟".
_ "كاووس أيها الأفندي.. كاووس وحسب. التفتْ حولك فقط وسترى".
حسمت البائعة المقبّعة الجدال، وجمعت كومة الباقلاء المقشورة وعبأتها في كيس بلاستيكي أسود ورمته نحوي. كانت الرؤوس تتلاطم وتبحث عن مخرج لها بين الرفرفات العشوائية لمربع السوق، وسرعان ما ابتلعت الموجةُ السائلة كتيار كهربائي بائعة الخضار في كاووسها. 
____________________________________ 
2. طفلة النهار
اعتاد الرجل الريفيّ الجلوس على أريكة المقهى المقابل للنُزُل العائلي المسمّى باسم امرأة مقدسة، ونظره يراوغ بين الواجهة الكالحة للنُزل وبوابته الواطئة المنفرجة كفمٍ متسخ. وعلى ذكر الأفواه، فالأريكة الوحيدة في المقهى تسدّ فوهة الدربونة- الدهليز، مصفوفةً للجدار، بينما تنعطف الدربونة وراء الضلع البارز للنُزل، وتنقطع النظرة عند ذلك الحدّ الآجري. تشاغلَ الرجل بعباءته المكورة بين فخذيه، ليصرف نظر القهوجي في جوف المقهى الملاصق للنُزل عن هيأته المريبة.
لِمَ العجلة؛ لتركد الدربونة الخالية تحت مستوى نظرته، واطئةً، مهملةً، فاسدة. لم يشاهد الرجل من قبل مثل هذا السمت الواطئ، تحت سماء غير مرئية: اوطأ جدار وشرفة ونافذة وباب وجارور ومنضدة؛ أخفى عالمٍ يحتجز زهرةً منفرطة. العالم بحذافيره تحت نعليه، حبّة سكّر التمَّ عليها الذباب!
استجمع الرجل الغريب نظرته لكي تنطلق ثانية عبر زجاج نظارته المغبر، شاردة قبل أن تحطّ على ماء الجارور. لا يجلس في فم هذا الدهليز المنعطف إلا ذو علاقة بصنف من ساكنات النزل: متسولات السوق الصغيرات، عاملات رقائق الخبز، الطباخات؛ ثم نضيف الى هؤلاء النزلاء الوافدَ المراقِب، يستتبع أثر ابنته الهاربة؛ وأيَّ وسيط آخر محشورٍ في خزانة قصّاصي الأثر العشّاريين.
كأنما أيقظته هواوينُ برونزية من شروده، أرسلَ الرجل الريفي للقهوجيّ ملاحظةً ثقيلة الوطأ: "لم أذق شاياً بهذا الطعم المرّ". ردّ القهوجي المتوتر: "سقيتكَ قدحاً من رأس القوري. أنت أفضل زبائني".
تغافل الريفيّ عن لهجة القهوجيّ، فتقدم خطوات، ورفع نصف القدح عن المنضدة ثم أفرغه في الجارور: "الشاي هناك.. شاي القصب. بمن أسميك..؟". 
نبرَ الريفيُّ برخاوة: "أبو سراب".
_ "أين بتّ البارحة؟ أستطيع أن أحجز لك غرفة خاصة في هذا النزل".
رفض الريفي العرض بطقّة خفيفة من شفتيه: "فندق حقير. معارفي كُثر هنا. لكني أسأل نفسي كيف وصلت المقموعة الى هذا المكان؟"
_ "سراب؟".
هز رأسه المطوَّق بعقال صغير: "أرسلتْ خالتها طارشاً يُعلمنا بهربها من بيتها".
_ "أهي في سنّ تمكنها من التسكع؟".
_ "سرّحتها الخالةُ اللعينة في السوق".
_ "هل تثبتَّ من وجودها في النزل؟".
التمعت حدقتاه خلف زجاج النظارة البلاستيكي، وقذف بلعنته: "سأخنقها كما أخنق فأرة".
_ "إنهن يغيّرنّ أسماءهن. طفلات النهار".
وعلى ذكر الفئران، تابع الرجل المتعقِّب دويبةً رمادية خرجت من ثقب في جدار النُزل، واندسّت في جوف المقهى الملاصق؛ لكنه لم يلاحظ خروج مخلوق بشري غيرها من البوابة المفتوحة، اليوم وقبل هذا اليوم.
_ "سأحملّك أمانة سراب. إن لاحظتَ من يشبهها فردّها إليّ".
_ "وهل تتسرّح ابنتك بِسِمةٍ معروفة؟".
_ "بيضاء موشومة بثلاث نجوم في جبهتها".
_ "علامة لا يخطئها مثلي".
_ "جِدها لي".
سيغيب الرجل الريفي ساعةً يتناول خلالها غداءه، ويقفل القهوجيّ راجعاً الى كهفه، يتناول هاتفه النقال من الرفّ ويتصفّح وجوه طفلات النهار المحفوظة في ذاكرة الصور؛ عشرات الوجوه النحيلة المتشابهة، المصنّفة فئات مسرَّحة في السوق وأخرى محتجزة في النُزل، وكلّها موشوم بعلامة النجوم الثلاث.

(جريدة بين نهرين 30/8/2018)

محمد خضير... العشار 3

محمد خضير... العشار 3


______________

1. صانع المفاتيح:
لا قيمة لشيء مستنسَخ، مفتاحاً كان أم صورة من ماض غارب؛ غير أنّ محترفي فكّ الأقفال يتباهون بحرفتهم التي ورثوها عن أرباب الصناعات الدقيقة ومشاغل الخيميائيين المستترين وراء جدران سميكة، ومواقد مشتعلة. أزعم هذا بالرغم من معرفتي عدداً منهم لبّوا رغبتي في المقارنة بين مغاليق الأبواب الأثرية وشفرات الكتب المؤلفة في أزمنة الحظر والحصار. أحملُ كتابي المغلق إلى واحد أخصُّه بسرّي وأنقر بقبضتي على غلاف الكتاب، فيما صانع المفاتيح منعكِف بنظارتيه على المفتاح الذي يبرُدُه باهتمام شديد.
كان صاحبي فنّاناً، يختلف عن الآخرين باعتكافه على صنعته في منزله، الذي ورثه عن جدّه، الأسبق في المهنة. أسأله عن كثرة الصنّاع في أسواق العشار ودرجة احترافهم، فيقول: "أغلبهم من الهواة الذين يستعينون بآلات ميكانيكية حديثة على صناعتهم، مزيفون ليس إلا" ثم يرفع بصره نحوي "لكنهم لازمون للسوق بعد أن أثقلت الأسرارُ سكّان المدينة. أتلاحظ شبكات المفاتيح المعلقة في أحزمتهم تشدّهم للأرض؟"
-" كتل مبهمة، لا أميز سرَّ امتلاكهم للمفاتيح"
- "انت واهم. هذا عصر الشكّ الكبير"
-"لكنه عصر سيبرانيّ لا يعبأ بالملكيات الثابتة"
-"لا مكان لحفظ سرّ ما. كلنا مُقفَل على شيء وحيد لا يريد إشاعته. وهذا ما لا يدركه الصّناع المزيفون. يستنسخون المفاتيح جهلاً بحقيقة السرّ"
-"أتحتفظ بمفتاح لنفسك؟ ما نوع هذا الشيء الثمين، الوحيد من نوعه؟"
-"أنا المفتاح الأكبر. أقول هذا لأني أؤمن بالسرّ الأعظم"
-"أليس هذا سرّاً مشاعاً؟"
-"نعم. هو كذلك. لكن لا أحد يعتقد بذلك، صنّاع المفاتيح لا يعترفون بوجود مفتاح واحد لكل الأقفال لا يمكن استنساخه، فهم يخدعون زبائنهم الذين تعذبهم ملكياتهم التافهة بكثرة المفاتيح".
لا يزور فنّانَ المفاتيح زبونٌ يعترف بملكيته المشاعة. الخوف والاستئثار يلبيان غرورَ صنّاع المفاتيح المتكاثرين حول بيته؛ إذ كلما تعددت المفاتيح زادت مجهوليةُ السرّ الأعظم. إنهم وزبائنهم أحرار فعلاً، بينما الفنّان المعتكف على مفتاحه يزداد غوصاً في لجة الشكّ العظيم، بالرغم من شيوعه. يقودني هذا الاستنتاج الى الالتفاف حول عقدتي المستحكمة في ضمير الأغلبية لأفتحها. وما دمتُ لا أعرف كُنه المفتاح المناسب، فسأتخبط كثيراً قبل أن أشارك صاحبي -فنّان المفاتيح- سرَّه الأعظم.
أعود الى عقدتي، فأختار منها مفتاحاً أنفذُ به الى عمق التاريخ الشخصي لبيت المفاتيح وصاحبه. أستدلّ من عدد المفاتيح المعلقة على جدران الإيوان الأمامي لبيت الجدّ الموروث، وأشكالها الغريبة، على الهوية الغامضة- المشاعة لسيّد المفاتيح. كان جدّه قد جُنّ قبل أن يلقي بجسده في بئرٍ تتوسط البيت، إملاقاً وإدقاعاً؛ وليت الفقرَ والهجران وحدهما قتلا الأب أيضاً. فسِرُّ الصناعة لا تتيح إلا تخمينات تغطي المفاتيح بصدئها، يعكف الابنُ الوارث على جَلْوِها وإشاعتها بدأب مهلِك، لظنّه مصيراً آخر غير معروف للآخرين الهواة والمحترفين. فما لا يدركه زبون، أنّ المفتاح الأكبر سيخفّ وزناً، لكنه سيثقل شكاً وارتياباً، وتلتفّ سلسلتُه حول كاحل فنّان المفاتيح، فيما يتوجه هو الآخر حثيثاً نحو بئر الدار.
أزورُ، بعد انقطاع، بيت المفاتيح، فألفي الباب مقفلاً؛ وليس غيري مَن يخمّن نهاية الثيمة المعقدة لحياة صاحبي الفنّان. أستعينُ بصنّاع السوق لنحت نسخة مفتاح، أفضي بها الى مغارة صانع المفاتيح؛ ببديهة لصّ احترفَ الارتياب بالملكيات المحجورة؛ فيعجزون ويرهبون: لن تجد من يفتح الباب -أيها الصديق المرتاب بمفتاح السرّ الأعظم. سنغرق كلُّنا لو حاولنا استنساخ مفتاحٍ لا يُستنسَخ واحدٌ مثله، بيدٍ أو بآلة ميكانيكية
__________________________

2. راقصة الملهى القديم

راقصة الملهى القديم في ساحة أمّ البروم، الشحّاذةُ على رصيف الملهى المهدوم، رحلت في ليلة البارحة الماطرة، وراء زوجها المخبول إسكندر، ورُمِيَ عفشها في وسط الطريق. الإشهار الاستعراضي أمام عيون المارة والشرطة يحدث في تزامن مشروط بالصدفة. النقود والمظهر اللائق/ وغير اللائق يتحكمان بحركة السائرين اللامبالين في ساحة التقلبات اليومية العجيبة. سيحلّ في مكان الشحاذة شحّاذ آخر، يجلس تحت إعلان تجاريّ كبير، واعداً باحتمال، مزوِّداً مؤسطِّري المرايا العاكسة بعجائب جديدة، تبدأ ب"طقطق" وتنتهي ب"السلام عليكم".
كانت الراقصة وزوجها المخبول يسكنان فندقاً خرِباً من فنادق "البجاري" معروفاً بفندق الغرباء، مع شلّة من خربندية السوق: الحدّادين والنجّارين والكوّازين والشوّائين والسقّائين والقلائين والهرّاسين والصبّاغين وسواهم من الحمّالين والمكدّين والطرقيين والمدَروشين، وعشرات من الزغلجية الذين لا مهنة لهم. وكانت غرفة الزوجين في أعلى الفندق، بينما ينحشر الحِرفيون والغرباء في غرفه السفلى، قلما التقوا بهما واجتمعوا معهما في باحة الفندق الوسطى، حتى تلك الليلة التي عُرِفت في سجل صاحب الفندق "كنهير" بالليلة الخرقاء.
في تلك الليلة، هبطت الراقصة أمُّ الهديل، تغطي وجهَها الذابل بطبقة من مساحيق التجميل، وترتدي حلّة الرقص المزرّدة بأفلُسٍ ذهبية، وتطوّق عنقها بثلاث قلائد خرزٍ ملوّنة طويلة؛ يتبعها زوجها إسكندر ذو الوجه المحتقن بالدماء والكحول، يحمل بيده عُود الراقصة المدسوس في كيس قماش، وباليد الأخرى مجموعة دفوف وصنوج. وقبل أن يطأ الزوجان أرض الباحة، نبّه كنهير الخربندية الجالسين والمنطرحين على الأرائك إلى وصولهما بأعلى صوته: "وي.. وي، أهلاً بحمامة الفندق الصلعاء!". وبدلا ً من أن يستكين النزلاءُ الملاحيس لهذا الهتاف، انبهروا لظهور الراقصة المفاجئ، وتحركت لقالق بطونهم وعصافير رؤوسهم، وأفسحوا في أريكة الصدارة للزوجين، وتزغللت نظراتهم المتنقلة في ملابس الراقصة وحليّها، وفينة زوجها الحمراء وما يحمل بيديه. أما ما زاد في انبهار الحلقة بعد استقرار الزوجين في مكانهما، فتلك العبارات التي طفرت من فمها المحمَّر وحطّت على أسمال الخربندية، ورئيسهم الأروط الذي حيّته بعبارة : "يا روحي!". ثم وزعت تحياتها على الحمّال أبي زهرة: "حبّة قلبي"، والدرويش الرعّاش المكنّى بسعفة الريح: "يا سيدي"، والغاغة الآخرين بألقابهم الحميمة.
هدأت الأرواح الضالة، حين حضنت أمُّ الهديل العود في حضنها، وجسّت أوتاره جسّاً خفيفاً، وغنّت بصوت أبحّ أغنية من مقام الحبور والانبساط. ثم ما لبثت أن خرجت بلحنها وغارت بصوتها وراء الأسرار الدفينة لكل ملحوس، وانتقلت لأهزوجةٍ سوقية ذات إيقاع راقص، فهاجت البلابل وانخرقت الأسمال، وطار الصواب، وعاد كل ذي طبيعة إلى فطرته وخُرقه وجنونه. أمرهم الفندقيُّ كنهير إلى النهوض والتحلّق حوله، وصار يدور بهم كالمصروع. خفّوا واندرجوا في الدور تباعاً، يقودهم ترنيمها واصطكاك الصنوج في أصابعها، وضرب الدفوف في يد زوجها. نادوها لتلتحق بهم، فنهضت كطائر كسير الجناح، واهتزت وسطهم فبرقت أفلُس حلّتها، وانفرطت خرزات قلائدها، بعد أن تناوشتها الأيدي الرعّاشة حولها.
راقب كنهير الفندقيّ رفسات الأيدي والأرجل، وخشخشات الصدور، وهيام الوجوه، ثم صرَع الأجسام وانطراحها وغياب الحسّ عنها. جاءت أمّ الهديل وانحنت بوجه مطمئن وولهٍ قديم ترشّ الماء من جرّة استعارتها من كنهير، ومسحت الوجوه المهضومة وندهت على المصاريع برقة: "يا روحي، حبة فؤادي، نور عيني، زهرتي". مشت أمّ الهديل بين السَّحنات والثياب، وصعدت إلى غرفتها، وكانت هذه الليلة الخرقاء عهدها بزوجها إسكندر وفينته الحمراء، فلم يلحق بها وغاب بين الوجوه والأسلاب، كما سقطت هي طريحة الفراش. داس خربندية السوق جسدَها الذابل، وسلبوها حلّتها وعُودَها، حتى جاء اليوم الذي أخرجها "كنهير" وألقاها على الرصيف مع عفشها القليل.
محمد خضير...العشار 2

محمد خضير...العشار 2



_____________
1. الجسر:
أقيس مسافة جسر (المقام) بعدد النسوة الشحاذات، وكمية الخردة المعبأة في جيب بنطالي. أربع شحاذات وثماني قطع نقدية معدنية، تسقط اثنتان منها في كلّ كفّ من الأكفّ الأربعة المبسوطة، في رأس كل شهر، ولا أعلم إن كان ارتطام القطعتين النقديتين سيثير عجباً في عيني الرأس المغطى بالعباءة، إذ أكون قد ابتعدت قليلاً باتجاه الشحاذة الثانية، بل أجزم أنّ رنين القطع النقدية معهود لدى الشحاذات الأربع، فهنّ جزء من الجسر الخشب، وعمرهنّ من عمر إنشائه على نهر العشار في العهد الملكي، وتاريخ سكّ القطعة النقدية الممهورة برأس الملك غازي البارز من جهة، وقيمة الأربعة فلوس المحفورة على الوجه الثاني منها. كما أنّ المنظر كلّه، بما فيه القبة القديمة لجامع (مقام علي) التي يتجه إليها الجسر، وبضعةُ مشاة قادمين من جهة المصرف المقابل للجامع، في هذه الساعة من شهر حزيران 2017، لا يثير انتباه أحدٍ غيري. وأغرب ما خالطَ نظري بين مشاة الجسر عددٌ من رواة القصص، لا يقلّ عمر كلّ منهم عن مئة سنة، ذائبين جميعهم في فضة الشمس المجلوّة. 
أعبئ جيبي في العادة من صندوق النقود الفضية القديمة قبل خروجي من البيت، وأذهب لأقيس مسافة الجسر، أو في الحقيقة مسافة الأسلوب الذي سأباري به قصص المشاة المئويين، الذائبين في فضة الشمس. في هذه الأثناء أكون قد توسطتُ الشحاذات الأربع، منتصف الجسر، شحاذتان على يميني وأخريان على يساري. أسقِطُ النقود في أكفهنّ وأترقب الرواة المئويين، يستندون مثلي على سياج الجسر في الجانب الثاني. أولِعُ سيجارة أستخرجها من علبة فضية تحمل علامة (بلاك كات) وأنفث دخانها منحنياً على مجرى النهر. سيكمل المشهد بظهور الرواة المئويين قبالتي، وسط المسافة، ويسطع الأسلوب الذي يخاطرونني به عبر الجسر. يطفح النهر بالماء، وتعكس مويجاته الشواخصَ حول ضفتيه، وكان قبل قدوم الرواة المئويين ناشفاً، تخنق وجهَه الأزرق الآسن النفايات من كل نوع. كلّ شيء في فضاء الجسر ينقلب إلى أعجوبة، سرعان ما تزول فجأة. 
بيّنت أسلوبي في قياس مسافة الجسر بمساعدة الشحاذات ورواة القرن الماضي، وصار عليَّ أن أبين طريقتي في تجديد مياه النهر المتوقف عن الجريان. هنا يتدخل عقِب سيجارة البلاك كات، المجتلَب من عصر الاستعمار، ليقطع المسافة المتخيلة بعنف شمسي. قذفتُ عقِب السيجارة فسقط بطيئاً واستقرّ فوق غطاء النفايات الكثيف. أفيق على تلاشي المشهد مع ارتفاع أذان الظهيرة من الجامع القريب، فأواصل عبور الجسر، مخلّفاً الشحاذات المغطَّيات بعباءاتهن، غير واثق من انكسار أسلوبي في عيونهن، حين أنقِّدهنّ جزءاً من راتبي الذي تسلّمته تواً من المصرف في طرف الجسر الثاني. 
************
2. مجنون المهفّات:
كانت لي مهفّة خوص، سُفَّ عليها اسمي. كنا نروّح عن أنفسنا الحرَّ والملل معا، فتداعبنا نسمات الأصابع البليلة لسفّافة المراوح، وتقرّب الينا ساعة النعاس. أستدعي سفّافتي فتسرع نحوي يجذبها الاسمُ المسفوف، المفضل بين أفراد العائلة، وتندسّ في فراشي. أحسُّ بهم يتقلبون حولي على الأسرة المتجاورة على سطح الدار، يحاولون عبثاً تبديد الحشرات وفتات الأفكار الثقيلة التي تجثم على أجسادهم. رويداً تستسلم النفوس، بعناق أم بغير عناق، مطلع الفجر. يهدأ الصراع، وتنسحب سفّافتي قبل انتشار النور، بينما كفّي القابضة على عصا المهفّة ترتخي وتسقط على الوسادة الرطبة.
أسرِع في صباح اليوم التالي متفقداً عُشّة السفّافة في زاوية متطرفة من السوق، فأجدُها تكوّم حولها تلاً من مهفّات الخوص الموسومة بأسماء العشاق الحالمين بلقاءات صيفية تحت ناموسيات مكللة بالنجوم. أقعي أمامها وأشكو انقطاع طيفها البليل، فتستنكر وقاحتي. ألحّ عليها بالقول، فتستمع هنيهة لتهويمتي التي تشبه تهويمة النعاس. أقول لها: كلّ مَن في المدينة يتكلم بهذه الطريقة البطيئة التي يخالطها الفُحش، حينما تكون في قبضتهم مهفّة من سفيفها. تقول: "اخسأ وابتعد.. أيها الممسوس".
كانت سفّافة الأسماء في منتصف صعودها الى قمة النضج والاتمار. "هل أكنيكِ بتمرة؟". تنهرني: "هيا انصرف. أنت رجل فاحش. انصرف". أراقب أصابعها اللينة تسفّ أمتاراً من ليالي الأرق والانتظار: "أم إنك تينة مفلوعة؟". تصمت قليلاً ثم تردد بقوة: "انصرف.. هيا انصرف أيها المجنون!"
أنصرِفُ بعد أن لبّت طلبي بسفّ اسمي ثانية على نسق خطٍ مغاير. أحثها على تنويع الاسم على مهفّتي، في الزيارة القادمة لعشّها، فتقول: "اسمك شائع ينتشر على المهفة من خط متصل، لا تستغرق الأصابع في سفّهِ سوى دقائق". أقول: "اجعليه أطول". ثم أقهقه. تقول: "أمرك عجيب. انت الوحيد الذي يريد طرد النوم من عينيه. أنت رجل مسفوف حقاً". استفسر عن معنى الكلمة الأخيرة، فتقول: "فاسق". ثم تنهرني بعصا مهفة قصير.
يتوافد المؤرَّقون الذين يقيّدهم القيظُ الى أسرّتهم المكشوفة، الناضحة بالرطوبة، على عُشّة السفافة طلباً للاسم الشافي على مهفّاتهم. تشير إليَّ من بعيد وتتخرّص لهم عني: "هل جفاكم النوم مثله؟ ذاك هو مجنون المهفّات! إنه أكثر المترددين على كوخي. تزوج أربع نساء هجَرنَه جميعهن. صار يبحث عن خامسة عن طريق الاسم المسفوف. هل جئتم لتطلبوا ما جُنّ من أجله!"
***********
3. الحائط الوردي:
بمحاذاة شارع المركبات العام، الواصل بين جنوب المدينة وشمالها، يمتد جدارٌ طويل، ملطّخ بالتجريبات الجرافيتية المضطربة. الضميرُ المكبوت يلطّخ الأبصارَ بملاحظات شتى من هياجنا السياسي الراهن. هياجٍ فضائحيّ مدوَّر من أزمة الى أزمة.
تفصيلة من جدار الجرافيتيات الصبيانية الساخطة، تركّب تخطيطاً لشعارات سياسية ناضجة على خلفية إحساسٍ جماعيّ، هيجانِ روحٍ بلا مأوى ولا هدف. شعارات الأمس النزقة، تختلط بعبارات خليعة سافرة، ورومانسيات ثوروية غاربة. الجدار الذي عُدِيَ بشعارات الوقت السياسي المجدب، ينقل عدواه للأبصار العابرة خطفاً او مهلاً، مازجاً المسموحَ بالممنوع، النظامَ بالفوضى، الكهولة بالشباب.
خرجتُ على عادتي كي التصق عن قرب بالجدار الجرافيتي المخبول- وكنتُ ألمحه عن بُعد في ماضي الأيام- أتحسّسُ خبَلَ الصبيان المعبّر عن هياجٍ مستتِر يوشك أن يطيح بالأمتار القليلة الباقية من العقل الاجتماعي والسياسي لمجتمع الجذامير الشعبية. تنتشر الأشكال المتعانقة مع حروف الهوية الملتوية على سرّها الدفين. أسيرُ على منهج محلّلي الرُقيمات الطينية فأستدلّ على هويتي المنقّبة بين مئات المنقبين الباحثين عن حلّ لشفرات الجدار. الجدار يحيط بتاريخ مخلخلٍ من أساسهِ.
لكن صراعاً دهرياً يتدخل دائماً في عرقلة التنقيب الدورية، فهناك من يصبغ الجدارَ بلون وردي ويهيئه لإعلانات جديدة، وشعارات واعدة، عاقلة حتى حين، مجنونة في كل الأحيان. لكن الصباغين أشخاص لا يعرفهم أحد أيضا، ولا تراهم عين. وظيفتهم الوحيدة: إدارة الوعي الطافح بالسخط والعصيان. بذا تستمر حياةُ الجدار ورسومُه، وتجتذب اللعبةُ أجيالاً من العابثين والمتمردين يجربون ردودَ الفعل المنقّبة في خطوط الجدار الكونكريتي.
أولئك الصبيان الغاضبون يحوّلون الرسومَ الجامدة الى حياة متحركة يشحنونها بالغضب نفسه، والسخط الذي لا يعرف حدوداً. صبيان الأمس (بما يكفي من الرسوم) يتظاهرون ازاء الحائط (بما يكفي من النضج). الحائط الوردي يتكلم لغة أخرى، يحمي ظهور أولاده الأشقياء (بلغة كوكتو أو محمود درويش).
الحائط لا يتزحزح عن مكانه، التاريخ يعيد رسومه، لكنّ الرسومَ تتحرك الى أمام. أمّا حين يتوقف كل شيء عن الحركة فالجدارُ سيتحرك، يستنهض ذاكرته المضطهدة برسوم جديدة؛ يستعيد شخصاً (بلا اسم) يحمل سطل الطلاء كي يرسم ما تتوق إليه نفس رجل كهل ألقته الجموع المتظاهرة إلى حافة الجدار. أقف أمام هذا الرسم (الكهل بصحبة عائلته من الأرانب) وأهتف متعجباً: "يا للوقت! كم يعدو مثل أرنب".

محمد خضير... العشّار  1

محمد خضير... العشّار 1


______________
"تنويه: أولدت الأحياءُ الكبيرة للمدن عشرات القصص تستغرق روايتها عشرات السنين، كحيّ "العشّار" بالبصرة، المنصَّف بنهر متفرع من شط العرب الكبير، كانت تُستوفى في زاوية مصدره ضريبةُ "العُشر" الجمركية، خلال العهد العثماني. لا تتعدى مساحة هذا المركز التجاري ميلاً مربعاً واحداً، لكن الدوران حوله مقرون بعدد القصص المروية عن حياة ساكنيه وعامليه المحسوبة بحوادث غير مسجلة في ديوان ولا تنتسب حكايتها لراوٍ بعينه. تتداول الألسنة حكايات شفاهية خفيفة بوزن طاقية رأس، أو ثقيلة بوزن كيلة قمح في قبّان ضريبة العُشر؛ وكل راوٍ يطارد لقطة عابرة من جريان النهر البشري المجاور للنهر الطبيعي، يستخلص منها متعة للنظر ونغمة للصوت ونشقة من رائحة إنسان. 
سأروي تباعاً عن عربة بائع الشاي، وخيمة الإسكافي، وزاوية بائع الخواتم، ودكان العطار، وبائع التمور، وناشر العطور، ومصرّف العملة، واستوديو التصوير، ومطعم الفلافل، ومقهى البنائين، ومسطَر الأجراء، وساقي السبيل.. ولي في كل قصة مذهب ورفقة ومغزى. 
خمسون قطعة/ قصة مساوية لنصف قرن مضى، أو سبعون بعمر راويها، أو مئة في سجل الأحياء المعمّرين، هو العدد المطلوب لتخليد أحياء المربّع الشعبي، في عصر ما عاد يأبه للأرقام أو لمرور السفن في الأنهار. ما يبقى من الحكاية أثر ممهور على جبهةٍ لا تكفّ عن ملامسة الشمس والرياح الساخنة".
______________________________
1. ديك البجاري
يزِنُ هذا الديك ثلاثة كيلو غرامات. هنا هو المخلوقُ الوحيد الحيّ بين أشياء بائع الخردوات بزقاق من محلة "البجاري" بالعشار. سيأخذ محترِفُ الرهانات هذا الديك "الهراتي" مساءً الى الحلبة كي يُثبت نسَبَه إلى أمّه، قبل أن ينتهي أجله في أحد النزالات. 
خلال الأجواء المعتمة للعام 1991، كانت حلبة صراع الديكة واحدة من تخطيطات "كراسة كانون". آنذاك تضافرت كوميديات أرستوفان مع كرافيك غويا لتهيئة حلَبة "المهارَشة" المنزوية في سوق الطيور بالبصرة القديمة. استقبلت الحلبة ديكَ سقراط القادم من أطلال المدن المخربة، مع حفنة من طيور "العقل النائم" في ظلّ سقائف السوق المتداعية. 
لندع الخيالَ وألعابه حُرّين في ارتجال حوار طريف بعد دورات من ألعاب المستقبل الغامض. لنفترض مثل هذا الحوار بين ديك ضابطٍ إنكليزي وفَدَ مع طلائع الجيش الغازي في 2003، وديك البجاري الموزون بثلاثة من كيلوات السخط والخيلاء، كما قد يرسمه غويا على الحجر استيحاءً من أرستوفان:
ــــ "يا صاحبي. من أيّ قنّ أتيت تُرى؟"
ـــ "قن؟ آه كلا. كنت طليقا في مزرعة. الحشرات والدود مُلك منقاري. والغناء. أجل أسمع جوقة العنادل فوق رأسي تغني كل صباح وترسل التسبيحات الى عنان السماء".
ـــ "أشكّ في ما تقول أيها المتفاخر، المنتوف. فمنقارك لم يذُق غير الطعام المجفف".
ـــ "أتهينني أيها النوّام بين الأنقاض؟ اسمع إذن قصتي. كنت مستشاراً في البلاط، قبل أن يحملني مدرّبي إلى بلادكم".
_" قصتي تختلف قليلاً. كنت سيداً في زريبة الرئيس. لكني فقدتُ رُتبتي حين أشرتُ على سيدي بغزو جيراننا الهداهد. كما تعلم لقد خسرنا الحرب. وعُدنا خائبين ننبش في المزابل.. ولا أحسب أمّك إلا من تلّ الرَّوث الذي جذبت رائحتُه أبي".
ـــ "أيها الروثانيّ الحقير، دعنا لا نتفاخر بالتيجان التي تعلو رؤوسنا. فهي ليست إلا شعارات مخضَّبة ستتطاير بعد حين. انظُر، فقد حضر كورسَ المباراة جنودُنا وجنودكم. هيا استعد، فسيراهنُ كلّ منهم على صولجانينا".
ارتفع ضجيج الكورس المتراهن على رأسي الدِّيكين، حين صرعَ ديكُ العشّار ديكَ الإنكليزي، وانتصب على جثته، وانبرى شاعرُ الكورس الملتف حول الحلبة ليلقي بالحكمة المنتظرة على أصحابه: "تصوّروا فقط، أيها النظارة الأعزاء، أنّ لكلّ منكم زوجاً من الأجنحة، إذن لا تحتاجون، إن اعتراكم التعب والجوع، إلى البقاء في كورس تراجيدي، بل تسرعون خفافاً، إذا سئمتم، إلى نشر أجنحتكم وتطيرون". كانت هذه خطبة طائر الوقواق أرسله أرستوفان مع بضعة طيور ليشهد المباراة.
بعدئذ ستنفضّ حلبةُ المهارَشة، وتعود روح الديك الإنكليزي الى قنّها، ويُحمَل ديكُ البجاري، شبه ميت، الى مكانه في دكان الخردوات، وليس في دَور أحدهما ما يدلّ على غير الحماقة الرجولية (عكس نسبهما الأمومي) في إنشاء علامات المستقبل: الرياح، الغبار، المتاريس، المجازر، القيود، النصوص الراديكالية.
_________________________________
2. حارة السكاكيني
في جانب من سوق الأحجار، كان سمييّ البائع ينتظر موعدَ لقائي الأسبوعي به. فلدينا ما نتبادله ونتهاداه ونخبئه، هو في صَحفة نحاسية، وأنا في بطانة سترتي وجيوبها الداخلية. والحجر كريمٌ يبرق بأصله ويتباهى، وأنا أمدّده بسحر حروفي وكتابتي، وأعينه على النطق بما علّمني إياه حرفيّو الصَّنعة من أسماء وأجفار. أقلّبه في قبضتي فتسري حرارة السرّ الى جسدي. ارتفعُ سنتمترات عن الأرض. ولا يلحظ أهل السوق السائرون هذا الارتفاع. فهم كذلك يرتفعون دون أن يدروا، ساعين الى هدف مخبأ في بطانة أيامهم.
في نهاية النهار، رافقتُ بائع الأحجار إلى داره، خلف ضريح الوليّ عز الدين، الواقع في حارة السكاكين - ولا تسَل عن سر تسميتها بهذا الاسم قبل هذا الوقت - وشققنا طريقنا على ما تبقى من رائحة المصارين وأحشاء السمك والبَعَر والصوف وأشياء لا حصر لنفايتها، ثم ولجنا زقاقاً هو أضيق من عنق إبريق السيد السكاكيني، زعيم أسرة الحارة التي أتى منها سميّي بائعُ الأحجار. طرق محمد باباً واطئاً في نقرة جدار أدرد، فانفتح رتاجه الداخلي بخيط يتدلّى من قلب الدار، وسحبني من يدي إلى مسرحه ومرتعه الوثير بأنواع من السجاد والمصنوعات البرونزية والأحجار المصنّفة في خزانة.
سألته إن كانت الاحجار تأذنُ لي بالاطلاع على الأسرار المخبوءة لنا. أجاب بأن للأحجار أبوابًا ستدخل واحداً منها. قد تفسر وجودك هنا بالحظّ والمصادفة، لكني أؤكد لك إنه الحتم الذي يقود الآخرين من أمثالك الى مصيرهم من ناحية أخرى. فلكلّ حجرُه المرصود باسمه.
دلفنا معاً إلى غرفة الجدّ السكاكيني، وكانت تحتوي في صدرها على السرّ الحجري الأكبر: مطبعة الكتب على لوح محبَّر، تحيطها رفوف حروف الرصاص وماكيتات الزنك المحفورة. قال إنها المطبعة التي سرّبت للسوق أغلبَ كتب السحر والطلاسم الحجرية. ولكي يُصدِق ظنّي ويُشبِع فضولي أخرج من سَفط تحت منضدة المطبعة أوراقاً متفرقة، أخذ بخرزها وتخييطها وتصميغها، حتى اكتملت كتاباً. ناولني الكتاب وقال: "لا ينقص الكتاب إلا الاسم التسلسلي المعتاد: محمد السكاكيني. إنه تسلسلك الذي جئتَ من أجله اليوم. فافعل به ما تشاء واستعمله في قلب الأمور فوق تحت".

الأربعاء، 12 سبتمبر 2018

رشيد طه: الرّاي هو البارصا، الشّعبي، ريال مدريد. ونحن نتبوّل عليهما الاثنان

رشيد طه: الرّاي هو البارصا، الشّعبي، ريال مدريد. ونحن نتبوّل عليهما الاثنان



 

الفنّان رشيد طه(1958) يُحضّر لجولة فنية، لفيلم، ولمشروع إعادة تأدية أغانٍ لإديث بياف. بمناسبة مرور «30 سنة من الراي»، أجرت مجلة «تيليراما» دردشة مع رشيد طه المتشّبّع بروح وهران، الذي أعاد الرّاي للواجهة، وهنا إجاباته مترجمة للعربية.
قبل ثلاثين عامًا، اكتشفت فرنسا الرّاي، بفضل مهرجان «بوبينيي». ماذا عنك أنت؟
الرّاي وُلد في منطقة وهران، مثلي: عندما كنت صغيراً، أمّي كانت تغنيه في المطبخ. كنت أعشق مرافقتها إلى الحمّام، حيث كانت تنشط المداحات، مشكّلن أوركسترا نسائية، مرافقة بالبندير والدربوكة. أبي، هو أيضًا، كان يسمع الراي «الذكوري»، وهو يشرب مع رفاقه زجاجات «الروج» تحت أشجار الزيتون: كنّا في السّتينيات، في الرّيف، ولم يكن هنالك حانات. هذا النوع من الرّاي: راي الحقول، كان عبارة عن «بلوز الرُّعاة»، يحكي عن الحبّ والوحدة.
أغنيتك الأشهر «يا الرّايح!»: راي أم شعبي؟
هي أغنية شعبي لدحمان الحراشي، وأنا قُمت بـ«رايويتها»! يبدو أن الشّعبي موسيقى مثقّفة، والرّاي ماجن.. لكن للرّاي أيضاً أدبياته، الأمر يشبه ناديا كرة قدم: الرّاي هو البارصا، الشّعبي، ريال مدريد. ونحن نتبوّل عليهما الاثنان.

لماذا هذه السّمعة السّيئة؟
الرّاي جاء من كباريهات وهران. موسيقى جاءت من الجزائر، تحكي عن النّساء، عن الجنس والكحول، وهذا كافٍ لإلصاق الشّبهات. الرّاي لم يكُن يبثّ في التّلفزيون: كان يُعتبر «ساقطاً»، لكن الجميع يملك كاسيت راي في جيبه. الباعة في «حيّ بارباس» كان يستقبلون بأنفسهم الشّيوخ ويدبّرون حالهم ليصنعوا أغلفة الكاسيتات بقصّهم صور عارضات الأزياء من على صفحات المجلاّت. في إحدى المرّات، كنت قد رأيت على إحدى كاسيتات الشّيخة زوز صورة «امرأة في غاية الجمال»! ظننتها صاحبة الصّورة واتصلت بالرّقم المطبوع في الخلف… وقعت على عامل الهاتف لدى مجلّة «لارودوت» النّسائية.
لماذا اختفى الرّاي لاحقًا؟
الرّاي ظهر في الثّمانينيات بفضل عمل جبّار في الإنتاج والتّوزيع: في ذلك الوقت كان الواصلون من البلد يتنازلون عن حقوق التّأليف مقابل سيّارة. لكن أزمة الديسك والحادي عشر من سبتمبر 2001 أوقفوا الآلة. شيء صعب أن تجعل  شخصاً مغاربياً يقوم بجولة في الولايات المتحدة. حتى في فرنسا، الأغنية العربية لا زالت تخيف. اُنظر لصعود «الجبهة الوطنية» في الانتخابات.. لا يزال هنالك أشخاص لم يهضموا بعد حرب الجزائر، الأمر يشبه عظمة دجاج: لا يُمكنها أن تمرّ.
هل ستغنّي في قاعة الزينيت مع فضيل وخالد: نجاحات «1,2,3 soleils»؟
لما لا؟ هذه الحفلة في 1998 كانت «وان شوت»، لكن التصوّر أثّر في تاريخ موسيقى الراي، لأنه وصل إلى كلّ الأجيال. عندما نُفكر في أنّ «عبد القادر يا بوعلام» هي في الأصل أغنية دينية من سنة 1871.. يعني عندما كان الألمان يأخذون الألزاس واللورين، كان الجزائريون يحتفلون بعبد القادر، والي الراي المستقبلي!
الرّاي، هل له من مستقبل؟

يستطيع أن يُولد من رماده، وهذا هو الوقت المناسب. هذا الجيل الثّالث من المغاربة ينقصه شيء: من الأفضل أن نُسمعهم الرّاي بدل صوت الكلاشينكوف. إذا أنا أقوم بدور المدرّب، أنا زين الدين زيدان الراي! عندي مشاريع كثيرة: فرقة «كُسكُس كلان» مع رودولف بُرغر، جولة «ترانس راي إكسبرس»، على شاكلة «أفريكا إكسبرس» لدامون ألبرن، فيلم بعنوان«إلفيس النّاصرة»، ومشروع إعادة أغانٍ من أعمال بياف مع آنا موغلاليس، رودولف، إلفيس.. كلّهم يملكون بُعداً رايوياً.
في البرازيل، لبناني قد يخلف لبناني على رئاسة الجمهورية!

في البرازيل، لبناني قد يخلف لبناني على رئاسة الجمهورية!

في البرازيل، لبناني قد يخلف لبناني على رئاسة الجمهورية!

قرر حزب العمال البرازيلي ترشيح فرناندو حداد لانتخابات رئاسة الجمهورية في السابع من اكتوبر القادم بعد ان منعت المحكمة زعيم الحزب ورئيس الجمهورية الاسبق لولا دا سيلفا من الترشّح. لولا في السجن حاليا 
بتهم فساد ينكرها.
المرشح، اللبناني الاصل، اقتصادي واستاذ علوم سياسيية كان وزيرا للتعليم في حكومات لولا، محافظا لساو باولو اكبر مدينة في البرازيل عرف عنه حلول مبتكرة لازمة النقل ولمعالجة النفايات. 
يعِد حداد بالعودة عن قرارات التقشف التي اعتمدها الرئيس اليمني الحالي، ميشال تامر، اللبناني الاصل ايضا،
المتّهم هو نفسه بالفساد، لذي وصل الى الحكم فيما سمّي «انقلاب قانوني» ضد الرئيسة السابقة عن حزب العمال، ديما روسيف. في برنامج حداد الانتخابي إعطاء الاولوية للتعليم والتنمية المستدامة، والاندماج المناطقي، وايضا توسيع حقوق الحركات الاجتماعية والجماعات المهمشة، دمقرطة الاعلام، وتوسيع شبكة الانترنت لتغطي ارياف البلاد الفقيرة. باختصار، العودة الى السياسات التقدمية التي أكسبت حزب العمال شعبيته خلال حكوماته في عقدين من الزمن. يأمل حداد وحزبه الفوز على هذا البرنامج ضد مرشح يمثل اقصى اليمين. 
المرشحة الى جانب حداد، لمنصب نائب رئيس الجمهورية، هي مانويلا دافيللا، المناضلة الطلابية في الحزب الشيوعي التي انتخبت الى مجلس النواب منذ عقد من الزمن وهي بعد في الخامسة والعشرين من العمر.
في البرازيل لبنانيون اكثر مما يوجد منهم في بلاد الارز.
وفي البرازيل برازيلي لبناني تقدمي يسعي لخلافة برازيلي لبناني يميني وفاسد.

مدونة كتبها الباحث فواز طرابلسي في صفحته الفايسبوكية

الأحد، 9 سبتمبر 2018

الطبع يغلب التطبع، حكاية من الواقع... عن "أبو حسين الحباش"

الطبع يغلب التطبع، حكاية من الواقع... عن "أبو حسين الحباش"

1

عيسى الحجيري
كان المرحوم أبوحسين الحبّاش مناضلاً مقداماً ومقاتلاً صلباً، شرساً جريئاً، في صفوف الحزب الشيوعي منذ بدايات تحول الحزب نحو العمل العسكري القتالي في أواخر ستينيات القرن الماضي،عندما أنشات عدة أحزاب شيوعية فصيل عسكري تحت تسمية "الأنصار" في غور الأردن بالتعاون مع الفدائيين الفلسطينيين الأوائل، ثم نشأ امتداداً له ما سمي بـ"الحرس الشعبي" في الجنوب اللبناني، في قبريخا ووادي الحجير وحولا إلخ.

وبعد الإجتياح الإسرائيلي للبنان ووقوع الجنوب تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، انتقلت مجموعات من مقاتلي الحزب مع أسلحتهم المتوسطة والثقيلة والخفيفة نحو شمال شرق لبنان إلى أطراف مدينة بعلبك وجوارها، وأنشئت مراكز ومستوداعات مختلفة وبشكل خاص في بلدة عرسال وجرودها القريبة والعليا والوسطى وكان ابو حسين من عداد الضبط المشرفين على تلك البنية الإدارية واللوجستية، والمراكز المسلحة ومنها موقع وادي الكوّارة، وهو كناية عن مغاور طبيعية كمغارة جب شقير، ومحافر وكهوف لاستخراج البحص والرمل، وقد جري تحويلها على عجل إلى مستودعات للذخائر والأسلحة ومهاجع للمقاتلين وتأمينهم الإداري، وبعد وقت غير طويل عاد معظم المقاتلين القادمين من الجنوب نحو الحدود الجنوبية للقيام بعمل جديد هو مقاومة الإحتلال بطرق سرية أو ما يسمى بحرب الأنصار التي تعتمد على استعمال كافة الوسائل المصنعة أو المحضرة يدوياً بطرق بدائية وتستخدم فيها كافة الوسائل المتوفرة للقيام بعمليات التخريب، السابوتاج، أو العمليات القتالية لإرباك العدو وإيذائه وإيقاع الخسائربه دون تعرض المقاومين للخسائر قدر الإمكان. وبقي في المواقع عناصر من أبناء المنطقة وجماعات للحراسة والحماية، وكان أبو حسين من عداد الضباط المشرفين على تلك المهام.

كان الوقت صيفياً ربيعياً، والمناخ حاراً نهاراً مع برودة قارسة ليلااً ولا تسمع في تلك الأنحاء إلا أصوات ضبح الواويات ليلاً أو نباح كلاب بعيدة من أسفل الوادي، أو نهيق حمير الرعاة البعيدة، وفي قيظ الظهيرة لا تؤنسك سوى سأسأة زيز أو زقزقة زقزق الحصاد وقوافل الزراقط والدبابير الهائجة بحثاً عن قطرة ماء أو بقايا حلوى.

وفي أحد الأيام كان أبو حسين يتفيأ في ظل شير من الصخر قرب موقع وادي الكوارة عندما شاهد ثعلبان عسليي اللون بأذنابهم الطويلة الفاخرة يلجان بحذر ويختفيان تحت إحدى الصخور ويخرج واحد منهما ويظل الآخر في الخفاء إلى أن يعود رفيقه فيخرج الأول ويبقى الثاني ، أثارت هذه المشاهدة في نفسه السرور والارتياح والتسلية من ضجر الوقت الصامت الذي لا سبيل إلى كسره إلاّ بإطلاق عيارات نارية على الصخور المقابلة في الطرف الآخر للوادي، وشعر بالفرح الداخلي لرؤية هذين الحيوانين وهما يقومان بالمناوبة والحراسة كما يفعل الرفاق واستنتج أنهما يقيمان وكراً لهما ومسكن.


2
حالة الصداقة التي تنشا بين الإنسان وعناصر الطبيعة البرية والبيئة المحيطة، من جماد ونبات وأحياء، غالباً ما تكون أنقى وأصفى وأكثر حميمية وبراءة وحرية منها مع الإنسان، مع أن الصداقة الإنسانية لها شروط ومقاييس وتعقيدات تختلف جوهرياً عن تلك التي تقوم من طرف واحد هو الإنسان مع طرف صامت وغامض ومحايد، فالصداقة الإنسانية تقوم بين طرفين وذاتين هما بمثابة متقابلين وضدين لذلك لها خصائص وتجليات مختلفة تدخلها عناصر، العواطف والانفعالات والغرائز، المحبة والكراهية، المودة والبغض، التقدير والحسد والغيرة، الأخوة والتنافس، المصالح والمنافع، والأعمال والنشاطات الإنسانية المعقلنة.


لم يملك ابو حسين تفسيراً عقلياً لتلك الحالة من الاهتمام التي تكونت بداخله حيال جيرانه وأصدقائه الجدد، فاصبح يرغب بزيارة هذا الموقع والتجول في هذه الشعاب الوعرة الجرداء، وخصوصاً تلك الناحية التي يسكنها الثعلبان، فيأخذ علبة الدخان الفارغة بيده وقضيب من الجرزون او اللوز البري ويذهب شمالاً في اتجاههما ويصطاد بطريقه الجنادب الصغيرة، يراقبها بعد ان تفر من أمامه وبهدوء يلسعها بالقضيب ويضعها وهي ترتعش داخل علبة الدخان ويجمع منها ما يكفي وجبة أو اكثر لفراخ الحجل التي أمسكها منذ مدة في هذا الوادي ويضعها في قفص في بيته، وصيصان الحجل هذه تحب كثيراً وجبة أكل الجنادب الصغيرة أو قطع حبات الحمص الأخضر مع شيء من المقبلات هي كناية عن حصى صغيرة تلتقطها من التراب الأحمر النظيف.

صيد الجنادب هي الحجة المعلنة للذهاب في الشعاب نحو مسكن الثعلبين ذوي العيون البراقة الوحشية، بفرائهما القرمزية العسلية المذهبة وذنبيهما الطويلين الأنيقين، وأنوفهم الرفيعة الحمراء الرطبة، فصار كلما زار المستودعات والحراس يذهب صوب تلك الصخور يتفيأ بها لبعض الوقت ويرقب دوام الثعلبين أكثر مما يراقب نظام الحراسة في الموقع، حتى ان الواويين ألفا منظره وأنسا حضوره فلم يعودا يفران خلف الصخور لدى رؤيته كالسابق، كما انه هو بدأ يحس بضرورة حماية أصدقائه وجيرانه الجدد، وعدم إلحاق أي أذى بهم، خصوصاً كونها حيوانات بريئة ولا تؤذي الإنسان أو حيواناته الأليفة، وهي تغتذي من الثمار البرية والعنب والحيوانات الصغيرة كالفئران والجراد او السحالي والجرابيع والحيات إذا أمسكت بها، أو بقايا الطيور والحيوانات النافقة، فلم يخبر أبو حسين أحداً آخر عنهم بل بالعكس بدأ يشدد على عدم إطلاق أية نيران وخصوصاً نحو تلك الجهة، ويطلب من الرفاق عدم التجول في تلك الناحية لأنه زرع فيها أفخاخاً وشراكاً ضد الحيوانات واللصوص والمتطفلين ولا يريد لأحد ان يقع فيها.
وفي أحد الأيام عندما اقترب من مدخل الوكر المحفور بين الصخور سمع أصوات صيصأة ونعيصاً تشبه أصوات جراء القطط الحديثة الولادة تخرج من عمق الوكر، فعرف للفور وفهم ان الجيران قد ولدا وخلفا جراءً وصار عندهم أسرة وأنهما إنما يتناوبان على رعاية صغارهما فزاد شعوره بالعطف عليهما وشعر داخلياً بحالة حنان غامضة حيالهما...


3 

غادر أبو حسين هذا العالم كما حضر إليه لا يملك من زينته غير الجزء الثاني منها كما يرد في الآية القرآنية * المال والبنون، زينة الحياة...*، عاش وترك هذه الحياة مع قليل من موارد الرزق، والأقل من وسائل العيش ومن إمكانية تلبية الحاجات الضرورية للبقاء، وقليل من القدرة على العلاج لولا بعض كرام النفس حوله، وهو كمثلنا جميعاً نحن أولاد المناطق النائية تتحكم بمصيرنا الصدف ويتلاعب بنا الحظ والزمن، والفرص السعيدة أو التعيسة حتى ان بقاءنا أحياء هو مصادفة (إذا أبقينا جانباً مسألة الجبر والاختيار والقضاء والقدر).


أن تسقط فوقك رافعة (ونش) بكل ثقلها الذي يبلغ عدة أطنان من الحديد وتعصرك فتصبح كحبة خوخ معصورة وتبقى حياً فهذه مصادفة عجيبة، وأبو حسين تعرض في أحد الأيام لمثل هذا الحادث يوم كان يعمل في أحد المقالع وتعطلت الرافعة ثم سقطت فوقه وهو يحاول إصلاح العطل في أسفلها ومع ذلك بقي حياً، وانقلب به التراكتور في إحدى المرات وبقي حياً وقطع مسارات وطرقات ملتوية ومتعرجة وشديدة الوعورة والخطورة خلال سنوات المقاومة والحرب الداخلية وبقي على قيد الحياة حتى قضى على فراشه كميتة المقعدين العاجزين عن تأمين الضروري من العلاج.

لو تحدثت عن منطقة نائية في بلد مثل كندا أو السودان او روسيا الاتحادية لتبادر إلى ذهن مستمعك أنك تتحدث عن مسافة بعدة آلاف من الكيلومترات، أما لو علم أن طول لبنان من أدنى نقطة في جنوبه إلى أقصى نقطة في شماله هي حوالي مئتي كيلومتر وبعرض حوالي خمسين كيلومتر أو يزيد قليلاً وأنت تحكي عن منطقة نائية مثل عرسال أو عكار لأصابه العجب أو ابتسم سخرية وهزءاً من توصيفك.
تبعد مدينة "سيمفوروبل" في شبه جزيرة القرم عن عاصمة روسيا الاتحادية اليوم، عاصمة الاتحاد السوفياتي السابق حوالي ألف ومئتي كيلومتر، وهي مدينة هادئة ورائعة ولها مرفأ على البحر الأسود، وهي عاصمة القريميا الإدارية لكنها ليست نائية، وقد وصلها أبو حسين بالقطار من مدينة موسكو في ثمانينيات القرن الماضي في مهمة تدريبية مرسلاً من الحزب وهناك تعرض لحادث مريع عندما استدرجته مجموعة من الشباب يكونون عصابة إلى أحد الأحياء في المدينة وحاولوا قتله بالخناجر والسكاكين ونجا أيضاً بصدفة غريبة بمرور أحد رجال الشرطة قبل القضاء النهائي عليه ونقله إلى المشفى.

كان مغرماً بالطبيعة، كما نحن جميعاً أبناء البراري والنوائي، بكل تفاصيلها الحية والميتة، بدأ يرعى ويداري وكر الثعالب، ويرمي بالقرب منه ما يزيد عن حاجته وحاجة جماعته من لحوم معلبة وبقايا أطعمة، مع علمه بأنها أعداء للدجاج وكل الطيور الأليفة وهو يفتني بعضها في داره الصغيرة في عرسال.

وكبرت جراء الثعالب داخل خمها العميق شيئاً فشيئاً وكان يعرف ذلك من تزايد أصواتها وضجة تحركاتها، ثم يوماً بعد يوم بدأت تطل برؤوسها من فتحة الوكر صغيرة بحجم الفئران أو صغار الهررة لتعود وتختفي بسرعة نحو الداخل، وعندها صمم أبو حسين بينه وبين نفسه على أسرها وتربيتها، وهكذا كان إذ نصب لها شركاً أوقع به ثلاثة منها من أصل الستة الموجودة في الخم، حملها في صندوق خشبي إلى بيته في عرسال.
(يتبع)

السبت، 8 سبتمبر 2018

ما زال الإله يتنفّس الصعداء

ما زال الإله يتنفّس الصعداء


- ميشال أونفري

- ترجمة: المبارك الغروسي

هل مات الإله فعلا؟ ذلك أمر يجب التأكّد منه.. كان من شأن بشرى كهذه أن تخلق تأثيرا هائلا، لكننا ما زلنا ننتظر دون جدوى أدنى إثبات عليها. وإنّنا في مكان الحقل الخصب المكتشف من خلال مثل هذا الاختفاء، نجد بالأحرى نزعة عدمية وتقديسا للاشيء وشغفا بالعدم، وعشقا مرضيا لمعزوفات ولوحات نهايات الحضارات الكئيبة، وافتتانا بالهاويات وبالحفر التي لا قعر لها، والتي يفقد فيها المرء روحه وجسده وهويته وكينونته، وكلّ اهتمام بأيّ أمر من الأمور. إنّه مشهد كارثة: مشهد القيامة الخانق …

إنّ موت الإله كان ألعوبة أنطولوجية؛ وهو جزء لا يتجزّأ من جوهر القرن العشرين الذي كان يرى الموت في كلّ مكان: موت الفنّ، وموت الفلسفة، وموت الميتافيزيقا، وموت الرواية، وموت اللحن، وموت السياسة. ولنعلن اليوم رسميا إذن موت أشكال الموت الخيالية هذه! وموت هذه الأنباء غير الصحيحة التي كانت في الماضي تصلح لبعض الناس كي يصوّروا مشاهد مفارقات ظاهرية قبل انقلاب البذلة الميتافيزيقية. لقد سمح موت الفلسفة بمؤلفات في الفلسفة وولَّد موت الرواية روايات، وأنتج موت الفنّ أعمالا فنية، وما إلى ذلك إلخ …. أمّا موت الإله فقد أنتج عالميْ القداسة والألوهية، والدين يتنافس فيه الناس . إننا نسبح اليوم في هذه المياه المطهِّرة.

أكيد أنّ إعلان موت الإله بقدر ما كان مرعدا ومدوّيا كان خاطئا…لقد كان ذلك تزميرا في أبواق، وإعلانات مسرحية مبهرجة، ودقّا للطبول ابتهاجا قبل الأوان. إنّ عصرنا يتداعى تحت الأخبار المقدّسة التي هي أشبه بالكلام الملهم عند وسطاء الوحي الجدد؛ كما أنّ وفرتها تتحقّق على حساب الجودة والحقيقة: لم يسبق أن تمّ الاحتفال بمثل هذا القدر من الأخبار الخاطئة كما لو كانت أخبار وحي سماوي. لقد كان أمر إثبات موت الإله يستلزم حقائق ومؤشرات وقرائن؛ لكن الأمر لم يكن كذلك…

فمن رأى الجثة؟ ما عدا نيتشه، ولم يثبت ذلك…. كان الأمر يفترض أن نقع تحت وطأة وجود هذه الجثة- على طريقة جسد الجريمة عند أوجين يونسكو- وتحت سلطة قانونها؛ كان الأمر يفترض أنها ستجتاح وتفسد وتنتن وأنها ستتفسّخ شيئا فشيئا، ويوما بعد يوم؛ وكنّا سنشهد تحلّلا حقيقيا- وفي المعنى الفلسفي للكلمة أيضا. لكن، بدلا من ذلك، ظلّ الإله الذي كان متواريا عن العيان في حياته، ظلّ كذلك عندما مات. ذلك تأثير الإعلان… ما زلنا ننتظر البراهين والشواهد لحدّ الآن. لكن من بإمكانه تقديمها؟ من هو الأخرق الجديد الذي سيتقدّم نحو هذه المهمّة المستحيلة؟

ذلك أن الإله لم يمت، ولا هو يحتضر- بعكس ما يعتقد نيتشه وهين. إن الإله لم يمت، وهو لا يحتضر، لأنه ليس بفان. إنّ الفكرة الخيالية لا تموت، وإن الوهم لا يتوفّى، والحكاية الخرافية الموجّهة للأطفال لا يتمّ دحضها. فالحيوانات الخرافية لا تخضع لقانون الثدييات؛ قانون يخضع له بالفعل الطاووس والفرس؛ أمّا حيوان من محبس الوحوش الخرافية فلا. والحال أنّ الإله ينتمي لهذا المحبس الخرافي، مثله مثل آلاف الكائنات المفهرسة ضمن القواميس المتخصصة. فَنفَسُ الكائن المضطهد يبقى مادام هذا الكائن باقيا؛ بل قل إنه باق دائما..

من جهة أخرى، أين يفترض أن يكون قد مات هذا الإله؟ هل في كتاب “العلم المرح”، لنيتشه؟ هل اغتيل في سيلس-ماريا1 من طرف فيلسوف ملهم ومأساوي وسامي لازم وسكن بحيرته النصف الثاني من القرن العشرين؟ وبأيّ سلاح قتل؟ بكتاب واحد، أم بكتب أم بأعمال كاملة؟ هل من خلال دعوات لعنة، أم عبر تحاليل وبرهان، دحض؟ وهل من خلال تعاليق أيديولوجية لاذعة وساخرة؟ أي سلاح الكتاب الأبيض…. وهل كان القاتل لوحده؟ مترصدا؟ أم كان ضمن عصابة: رفقة الكاهن ميسلي ولوماركي دو ساد باعتبارهم من أسلافه الحراس الحافظين؟ ألا يفترض أن يكون إله أسمى هو قاتل هذا الإله إن وجد؟ ألا يخفي هذا الجرم المزيّف رغبة أوديبية وإرادة مستحيلة وتطلّعا لا يقاوم ولا جدوى منه إلى النجاح في إتمام مهمّة ضرورية لتوليد الحرية والهوية والمعنى؟

إنه لا يمكن قتل النفََسٍ والريح والرائحة، ولا يمكن أيضا قتل الأحلام والأماني. إن الإله الذي ابتكره البشر الفانون على صورتهم الجوهرية لا يوجد إلا ليجعل الحياة اليومية ممكنة، بالرغم من مسار كلّ واحد إلى العدم. فما دام البشر محكومين بالموت ستظلّ حتما بينهم مجموعة لن تستطيع تحمّل هذه الفكرة، وستبتكر حيلا للهروب من ذلك. لا يمكن أن نغتال حيلة للهروب؛ ولا يمكننا أن نقتلها. ستكون بالأحرى هي من تقتلنا: لأن الإله يسحق كلّ من يقاومه، وفي مقدمة ذلك العقل والذكاء والفكر النقدي. والباقي يتبع ذلك بردّ فعل متسلسل…

سيختفي آخر إله مع آخر إنسان، وسيختفي معه الخوف والذعر والقلق وكل تلك الآلات المنتجة للآلهة: الرعب في مواجهة العدم، وعدم القدرة على تمثّل الموت كمسار طبيعيّ وحتميّ يجب التعايش معه. وحده الذكاء يمكنه أن يحدث تأثيرات في مواجهت الموت، بل وكذلك الإنكار، وغياب للمعنى خارج المعنى المعطى، واللامعقول القبلي؛ فهذه هي باقة أصول فكرة الإلوهية. إن موت الإله يفترض تطويع العدم وإيلافه؛ لكننا ما نزال بعيدين بسنوات ضوئية عن هذا التقدم الأنطولوجي الوجودي…