مشاركة مميزة

محسن أ. يميّن.... الهجرة اللبنانيّة وسفينة التيتانيك (1)

نصّ تقديمي للدكتورة غيتا حوراني في الندوة التي أعدّها ودعا إليها نادي ليونز طرابلس فكتور بالتعاون مع جامعة سيدة اللويزة – مركز دراسات الإن...

محب جميل/ "زكي ناصيف... «قمر مشغرة» بين الموهبة والعِلم"

موسيقى

ريم كولاس... فن عمارةٍ مشرعة على الاحتمالات والمستقبل ... تدغم الثابت في المتحرك

أحمد سعداوي.. بغداد في العشرينيات

مدن

«الحزن الذي لا مفر منه» في روايات كازو إيشيغورو

طريق كافكا المسدود

ثقافة

أحدث المواضيع

وضاح شرارة... لكبة النيئة والمجدرة الحمراء، أو قران الطبع والصنع

وضاح شرارة... لكبة النيئة والمجدرة الحمراء، أو قران الطبع والصنع

9:43:00 ص اضف تعليق

لكبة النيئة والمجدرة الحمراء، أو قران الطبع والصنع 

Print
ظهيرة سوق الخميس، بسطات وناس وثياب ومونة. السوق التحتاني، منتصف اسبعينات.

قد لا يتعدى الأمر - والأمر هو جوارُ الكبة النيئة والمجدرة الحمراء أو مدردرة العدس بالبرغل على ما تسميها بعض كتب المطبخ[1] وتعالُقهما - المصادفة والاتفاق. فحين كتب حسن الساحلي بموقع «المدن» الالكتروني (14/5/2017) عجالة في «المطبخ الأرمني» و«تحرره من ربات المنازل» أراد التمثيل على اشتراك أرمن لبنان وسكان الشرق الأوسط «في عدد كبير من الأطباق»، أحصى «الكبة النية (و) المجدرة» وصدَّرهما اللائحةَ المشتركة التي أكملها بالغمة والمحاشي وورق العنب والتبولة، وكلها مآكل ذات قدر وقيمة. وبعد أسبوع على عجالة الساحلي، روى سيمون نصار على صفحته فايسبوك، ، في 21/5/2017، تحت وسم «لقاء المشتاق#» فراقه الطويل «طبقـ(ه) الجنوبي المفضل»، يريد المجدرة «الحمرا». ولم يقصر نصار «شوقه والتياعه» (على قوله) على المجدرة، فقدَّم عليها «الفراكة»، صنو الكبة النيئة، فكتب في المجدرة: «طبقي الجنوبي المفضل بعد الفراكة». وتفرد السيدة نجلاء مروة الزين للكبة العتيدة باباً على حدة، تجمع فيه الكبة النيئة إلى الفراكة من غير تفريق، وتولي المكانة الأولى فيه إلى الكمونة (أو التتبيلة) التي تتشاركها الصحون الأخرى.[2] وتذهب السيدتان صدوف كمال وسيما عثمان إلى دمج الكبة النيئة بالفراكة[3] قبل تمييزهما الواحدة من الأخرى .[(4] وعلى هذا، فمن يحمل الفراكة على الكبة النيئة، ويفرّعها على هذا الأصل ويوحدها فيه، لم يظلمها ولا ظلم نفسه.

قطبا المائدة

 وقبل عطف «الأكلتين»، المجدرة الحمراء والكبة النيئة، الجنوبيتين على سبيل التضييق والتخصيص، الواحدة على الأخرى، وإشهاد كاتبين مدونين مختلفين عليه، شهدت مائدة الأكل، وشهد تناوله وتذوقه في بلدة جنوبية كبيرة، هي بنت جبيل، على قران الصحنين. ولئن صلحت المجدرة الحمراء طعاماً في أيام الأسبوع كلها، من غير تمييز - ما خلا يوم الخميس، وهو يوم السوق الأسبوعي ويوم الكبة النيئة والفراكة ـ معاً وجميعاً، تربعت في مائدة يومي الإثنين والأربعاء طعاماً أثيراً ومشتهى. وقد يحن إليها الطاعمون في اليوم التالي الخميس وغداته، وهو يوم الجمعة، على ما تنشد فرقة «الراحل الكبير» في «يوم الأربعاء». وعلى هذا، تقوم  الطبختان الواحدة من الأخرى مقام قطب المائدة، أو قطب صدرية القش لما كانت هذه معرض الطعام أو قطب الخوان، لا يلقى على الأرض ويتحلق الآكلون جلوساً حوله. والقطبية تعني الصدارة. فتتقدم مكانة الصحن أو الأكلة على الصحون الأخرى غير الملحقة بها (شأن السلاطة مع المجدرة)، ويسمى اليوم الطاعم باسمها، فيقال: اليوم مجدرة، اليوم فوارغ، اليوم رز بدجاج، الخ. وقد تعني القطبية الانفراد أو شبه الانفراد. فلا يشارك الطبخة الأثيرة والعزيزة شريك، إلا في حال دعوة ضيوف «أعزاء» إلى مائدة البيت. وهذا يلزم البيت بميزان مراتب يختلف عن ميزانها المنزلي والداخلي، وعليه أن يحتسب أمرين آخرين هما منزلة المدعو(ين)، ومنزلة صاحب الدعوة. والأمران لا يحتسبان (تقريباً) في حال اقتصار الطعام على أهل بيت واحد.

المراتب والداخل

 والحق أن المراتب المنزلية والداخلية لا تستقل بنفسها الاستقلال التام، ولو على وجه التقريب، عن مراتب الجماعة. فكبة الخميس النيئة في بنت جبيل (أربعينات القرن العشرين وخمسيناته وبعض ستيناته، على ما أعلم)، على رغم طيب طعمها في الفم والحلق وعلى اللسان، لم تكن في بيوت متوسطي الحال وميسوريه، المقيمين حكماً في حارات متلاصقة حيطان المنازل والأحواش، اختياراً معياراه الذوق والرغبة وحدهما. فلا يُعذر متوسط الحال وميسوره إذا لم يسمع جيرانه، وهم على الأغلب أقرباؤه صليبة، خبط المطرقة الخشب على بلاطة الكبة (وليس جرنها، على ما يصنع أهل العشائر الهرملية المتدرجون على سلم التذوق)، وعلى لحم الغنم.[5] فالكبة النيئة، وإعدادها الطويل والدقيق والمرهق عن يد ربة البيت (وليس بالواسطة)، ولحمتها التي تتصدر أصناف اللحمة الأخرى (من عجل وماعز وناقة أو ليس جمل) شرفاً وسعراً، واستحالة تدليس أو تمويه كمية اللحمة المعدة والمستهلكة من طريق مواد أخرى رخيصة، وعلانيتها الصاخبة وغير الخافية، هذا كله وجه من وجوه (يوم) السوق المشهود. وعلانيةُ السوق، على شاكلة «بسطاته» المطروحة تحت الخيم في الهواء الطلق (وهي معظم السوق ونواته)، معرضُ مقارنة لا قيد عليه (وعليها). فالجودة والسعر وحسن العرض، كلها مطروحة من غير مواربة على المشترين. ولا يخفى على هؤلاء رواج البسطة التي يمرون بها أو كسادها. فيقصدونها، تبعاً لما يرون، أو يحجمون.

العلانية والظل

 وعلى الضد من الكبة النيئة، وعلانيتها المتبجحة بعض الشيء واندراجها في مقارنة السوق ومنافسته (وذلك قبل أفول عوامل المكانة والعلانية ورسومهما: فرق السعر، وجلبة البلاطة، وشاهد السوق)، قبعت المجدرة في ظل طبخها من مواد رخيصة وأساسية وعمومية. فالعدس والبرغل، المادتان الأولان، من محاصيل المونة (المؤونة) التي تخزن في كوائر الخشب بصدر البيت، وتقوم مقام رأس مال سنوي يصرف على الطعام اليومي طوال السنة الجارية منذ أوائل الصيف إلى أواخر الربيع التالي. فهما على شاكلة القورمة التي تحفظ لأيام الشتاء والثلج، في التشارين والكوانين المتعدية إلى شباط وآذار. فتجمع ستةَ أشهر تكاد تكون كاملة، تنطوي فيه البيوت على دواخلها الباردة والمنقطعة من مصادر الحبوب والمواشي المجاورة، وأولها بلاد حوران والجولان والحولة. [6] فالعدس والبرغل، إلى زيت الزيتون والبصل اللذين يتممان إعداد الأكلة أو الوجبة (والطبق، في هذا المعرض، لفظة دخيلة ومقحمة)، هما من المحاصيل المزمنة، أي التي تحفظ أو تخزن وقتاً أو زمناً مديداً. واستعمالهما على مدار السنة، ومقسطيْن على الأسبوع وأيامه، ينأى بهما من العلانية الفاقعة، من غير أن يقطعهما منها. فسلق القمح قبل فرشه على الأسطح وتجفيفه تمهيداً لخزنه، ثم طحنه دقيقاً أو جرشه برغلاً، يكاد أن يكون في الخمسينات احتفالاً يشترك أهل الحارة في إحيائه والقيام بشعائره.

الطبخ والصنع

 ولعل الوجه الأبرز من قطبية الكبة النيئة والمجدرة الثنائية، وقرانهما واستدعاء الواحدة الأخرى، معاً، يعود إلى دخولهما في بابين عريضين وجامعين هما باب النيئ وباب المطبوخ،[7] أو باب الطبع وباب الصنع.[8] ويستدعي البابُ البابَ على نحو ما يستدعي الساكنُ المتحرك في اللفظ، ويقوم قرانهما أو جمعهما من الكلام، ومن اللغة، مقام التركيب الأول، غير الدال، وهو شرط الدلالة «فيما بعد» (وهو بَعد ذهني وليس بَعداً زمنياً أو تاريخياً). ولكن سرعان ما يبدو الزوجان، النيئ والمطبوخ، على مثال زوجي الطبيعة والصناعة المفترض، خارجين عن الرسم الإثنيني وتقابله. فلحم الكبة النيئة، على النحو الذي يدخل عليه في الأكل ويؤكل أو يُطعم، بعيد  من المادة الخام، أو الطبيعة الخالصة التي يمثل عليها العسل في نظام المأكل الأميركي الهندي [الهامش 7]. فهو لا «يُقطف»، على ما يقال في جمع العسل من أقراصه وشهده وقفيره. ولا يبلغ إلا في مراحل متأخرة يسبقها النحر والسلخ والتقطيع.
 ويُشترط خُلوه من الدهن شرطاً لازماً، وأن «يؤخذ من الفخذ».[9] وليس هذا إلا بداية المسير الشاق الى الأكل. فالبلاطة التي يدق عليها اللحم النيئ، بعيداً من النار وضروب الطبخ بها، تستل منه أدق عروقه وأوردته وأعصابه، وتعريه من كل ما كان يتماسك به اللحم الحي حين كان عالقاً بعظم الفخذ أو بسلسلة الظهر إلى الرقبة (في صيغ تفضيل أخرى). وتُقدم البلاطة، في آداب بنت جبيل وإقليم التفاح وصيدا (الشيعية) وغيرها ربما، على الجرن الهرملي. (ويذكر الكاتب يوم كان في العاشرة، صحنَ كبة نيئة على مائدة بالهرمل، ظَهَر عرق غليظ وسليم على سطحه، خلف غثياناً في الولد وقرفاً حاداً، وكاد أن يؤدي إلى قيء محقق لولا تدارك الأمر، وتعليل الأهل: «منين لوين! شو جاب أهل الهرمل والكبّة»!). فالبلاطة قمينة وحدها، على زعم أصحابها، بأداء التطهير و«التنظيف» اللذين لا يستساغ أكل الكبة النيئة (والفراكة بداهة) إلا بعد انجازهما إلى ختامهما وتمامهما. وآية التنظيف جلاء اللحمة المدقوقة، قبل مزجها بالبرغل الناعم والمغسول والمعصور، على صورة كتلة زهرية ورقيقة، خالصة من أضعف وريد أو عصب أبيض قد يغشى اللون الزهري ويكدر صفاءه الأملس والناعم والفردوسي. وتُصنَّف الزهرة (أم الزهراء؟) في أعلى أبواب الحشيشة (الخشخاش) وأجودها. ويُقال فيمن تأخذه نشوة الحشيشة أنه «يزهر»، وفيمن لم يخسر شهوته الى المجامعة انه «زهري». وتنعَّم لحمة الكبة على مثال (لغوي) نسوي: فالعروس «تنظف» في جلوتها من زوائد الشعر وخشونته، و«تنعَّم» لتليق بعرسها الذي ينقلها من فجاجة (حال) البكارة الى «نضج» أنوثة تامة تفضي، بعد وقت يرجى مديداً، إلى «الرماد». وفي وصف الإعداد تكتب صاحبة «مطبخ بيتنا»، «يطحن (اللحم) مع الدهن في الماجيميكس حتى ينعم جداً»، و«يفرك البرغل باليد حتى ينعم»، وتقدم الكبة «فوراً بعد دعكها».[10] فتصلح اللحمة، بعد إعمال دق وهرس صبورين ودؤوبين ومرهقين على صفحة بلاطة من غير داخل أو جوف، للأكل الهانئ والذائب في الفم من غير مضاف إليها غير التتبيلة والخبز (ويفضل المرقوق، وهو يضاهي اللحمة المدقوقة رقة ونعومة وشفاً، ولكنه لا يكتم أثر الحرق بالنار، على خلاف اللحمة الخالية من أي أثر ظاهر).

 التطرية المجلوبة 

 ويلحق الصنع، على وجوهه النارية والمائية والميكانيكية، باللحمة المدقوقة من طريق البرغل، أو القمح المسلوق والمنشور والمجفف والمكسَّر، على مراحله المتعاقبة، ثم من طريق التتبيلة أو الكمونة.[11] وهذه، على خلاف البرغل، تقتصر على مواد نباتية وطبيعية خالصة، لولا «1/4 فنجان البرغل» الذي يخلط، من طريق الدق، بعروق النعناع والحبق والمردكوش وغيرها مثلها من مواد الخليط. فالكبة مركبٌ من لحمة ردت، بعد تنظيفها من مواد هي منها وفيها بالطبع وبعد تنعيمها، إلى جوهر لا تبلغه الطبيعة وهي في صورة محضها الخالص، ومن مادة صلبة مستخرجة من تكسير القمح الجاف والقاسي والمسلوق. فيخلط الناعم والطري والملس بالجاف والصلب، بعد الغسل والفرك، ثم الدعك. فيربح الناعم المتداعي (اللحمة المدقوقة) مُسكة لا غنى له عنها. ويميل الطعم الذائب العاري، بعد المزيج، إلى استبطان نكهة الخبز الجافة والمحروقة. وتؤازر الكمونة جنوح الطعم غير المُطعِم إلى الحدة. فتأتلف الكبة النيئة، أو الخضراء (على إسم من أسمائها)، من أضداد أو فروق لا تصلح مأكلاً ولا مذاقاً، إذا تناولها فم إنسي بمفردها، وعلى حدة من غيرها. فلا اللحمة المدقوقة وحدها، على هبرتها «الزلط»، تصلح طعاماً أو تشتهى، ولا الكمونة ولا البرغل. فإذا جمعت معاً، ودخل بعضها في البعضين الآخرين على مقادير معروفة، وتولت امرأة هي سيدة البيت أو من ينوب عنها وتندبه ضمناً أو علناً، ائتلف طعام شريف المكانة، يوصف بيدي صاحبته و«نَفَسها» وتوصف صاحبته بـ«طيبة»، على ما يقال في روائح دار النعيم وأطيابها.

سلاطة النار

 والمجدرة شأنها، من وجوه كثيرة، على خلاف شأن الكبة النيئة. فهي صناعة من ألفها إلى يائها، ولا تدخلها مادة من موادها، وهي العدس والبرغل والبصل (إلى الزيت والتوابل)، إلا بعد الغلي «على نار قوية»، وقلي البصل بعد فرمه بالزيت «حتى يحمر جيداً». ويصفّى زيت البصل فوق العدس، وتصب ملعقتان «من ماء العدس فوق البصل المقلي». و«يحرك المزيج (وهو مزيج ماء العدس والبصل المقلي - الكاتب) على نار متوسطة وتهرس البصلة بأسفل ملعقة الخشب حتى تذوب»، و«يضاف البصل إلى العدس ويغلى عشر دقائق على نار خفيفة». وأخيراً، يصب البرغل المغسول في العدس، و«يغلى الكل في طنجرة مغطاة على نار خفيفة حتى تنشف الماء»، على قول صاحبة «مطبخ بيتنا».[12]  فلا يخلو وقت من أوقات الإعداد من «التعرض للنار»، على قول المفسرين العرب، ومن إعمال النار في «إنضاج» المواد، ونقلها من حال إلى حال، ومن لون إلى لون، ومن طعم إلى طعم. ولا يقل عدد العمليات الوسيطة عن تسع. ولئن كان إعداد الكبة النيئة يتوسل بالبلل والمزج والموازنة إلى بلوغ المركب المقصود، ويقتصد أشد الاقتصاد في استدارج العوامل الخارجية، يسترسل إعداد المجدرة في تسليط هذه على المواد الأولى، وفي إخراجها عن سويتها. فالغلي الطويل، والقلي بالزيت، وتصفية الزيت الساخن على العدس وماء العدس على البصل إلخ. كلها تنم بإرادة استنباط طعوم مختلفة وتخليقها تخليقاً جديداً بقوة النار وجبروتها. وتليين العدس، ومراسه الصعب، يقتضي مثل هذا التعريض القوي والطويل (يغلى العدس نصف ساعة، ثم يغلى هو والبرغل عشرين دقيقة).

 التناسل والإمساك

فإن ماشت الكبة النيئة، في شطرها الأعظم أو الغالب، طباع المواد الأولى التي تأتلف منها، فلا ريب في أن المجدرة هي وليدة صناعة محمومة. وتبدو الكبة النيئة، على حالها «الطبيعية» الأولى - وهي أولى على سلم التركيب والتعقيد وليس على سلم الزمن والتعاقب و«التقدم» - نواة كوكبة من المآكل والصحون المتفرعة على هذا الأصل (وعنه). فالفراكة، هي من بنات الكبة النيئة. وتختلف عنها بحصة البرغل: فهذه تقتصر على فنجان برغل ناعم واحد في حال إعداد نصف كلغ لحمة (في صحن كبة نيئة)، ولكنها لا تقل عن 3 فناجين برغل على كمية اللحمة نفسها. ويبلغ الماء الذي تبل به الكبة نصف فنجان، ولا يزيد عن ملعقة ماء كبيرة في الفراكة.[13] ومن بناتها، إذا أضيفت إليها الحشوة والسمنة وأضيف السماق و... النار (إحماء الفرن جيداً الى 350 درجة)، الكبة بالصينية،[14] والكبة الحميص،[15] والكبة الأرنبية،[16] والكبة المقلية، والكبة اللبنية... وهذه كلها تحتفظ بنواة الكبة النيئة المتحولة كبة بالصينية، ويزاد عليها النقر والقرص (الأقراص)، على وجه إخراج الشكل، وتزاد مواد أخرى كثيرة.[17] وعلى هذا، يلد تقشف الكبة النيئة الأول، ما التزمت أحوال الطبع والمطبوع واستبعدت النار وصناعتها، ذرية ونسلاً كثيرين.
 وتقتصر المجدرة، في مقابلة ذلك، على باب من أربعة أصناف أو صحون.[18] فالنواة الحمراء، وهي من ثلاثة أنواع من الحبوب الأساسية: العدس والبرغل (القمح) ويضاف إليها الرز المتأخر الاستنبات والتأنيس، ضيقة وضعيفة التوليد، ورخيصة السعر وفي متناول جمهور طاعميها. وقد يلاحظ أن تناسل الكبة أصنافاً وصحوناً إنما شرطه إقحام عوامل بنيوية على النواة الأولى. وهذا لا جدال فيه. وينبغي ربما التوسع في الملاحظة، والتنبه إلى أن إغناء صنف من المأكل بمواد جديدة مثل السمك وحشوة اللحمة واليقطين والتوابل (في حال الكبة طبعاً)، يفترض يسر الجمهور الطاعم، وانتخابه صنوف طعامه، وتلوينه إياها تبعاً للمواسم وتعاقبها ولفرص الحفظ والوقاية من التلف (قبل زراعة الخيم وبرادات التخزين والنقل الجوي المبرد، وليست هذه من دون تكلفة).

الإمساك والشبع

 ولا يفترض تناول الكبة النيئة الشبعَ. فهي زينة مائدة الطعام، ومقدمتها، والباب على صحون أو أكلات أخرى. ولا يتصور ازدرادها، بل يُوجب تناولها على مهل يقارن إعدادها بطءاً وأناة وإعمالَ اليد النسائية فيها. وينبغي ألا تعد لعدد كبير من الناس، وإذا اضطر بيت المضيف إلى استقبال ضيوف كثر جاز له تقليل حصة الكبة النيئة. وفي هذه الأمور، تخالف المجدرة الحمراء الكبة النيئة: فالمجدرة طعام تخمة. ويُهجم عليها من غير تحفظ، ولا تراعى في أكلها الموازنة مع أطعمة أخرى، وتنفرد بالمائدة و«لائحتها»، وترفق بالسَّلطة، واقتراح أكلها مع اللبن محدث ومولَّد وعامي. وتُشبع السلطة التي تؤكل مع المجدرة الحمراء وتخلط بها بالفلفل الحر، وتترع بالحامض. فآكل المجدرة، على مثال النار التي تسلط على سلق موادها وطبخ بصلها بالزيت، يقبل على ما في صحنه إقبال المشتهي المحموم والمستزيد.


هوامش

[1] على سبيل المثل صدوف كمال وسيما عثمان، «ألف باء الطبخ الموسع»، دار العلم للملايين (بيروت)، 2004، الطبعة التاسعة عشرة، ص 360، ونجلاء مروة الزين، «مطبخ بيتنا»، دار كتب (بيروت)، 2005، ص 61.

[2] «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور، ص 144-152، والجمع بين الطعامين أو الصحنين، في ص 147 و148.

[3] «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، ص 47، كتبت السيدتان: (الكبة النيئة «الفراكة»)

[4] المرجع السابق، ص281.

[5] على ما توصي نجلاء مروة الزين وتخصص: «لحم غنم خال تماماً من الدهن»، ص 147 من «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور. وحين تكتب صدوف كمال وسيما عثمان: «هبرة العجل»، في باب إعداد (الكبة النيئة «الفراكة»)، تشيان بـ«أصل» أو منبت مديني ليست الكبة النيئة من خصاله «الفطرية»، «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، ص47.

[6] على ما يخبر كاتبان عاصرا أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، محسن الأمين، «خطط جبل عامل» (1945)، ط1983، الدار العالمية (بيروت)، وسليمان ضاهر (أو ظاهر)، «معجم قرى جبل عامل»، مجلة «العرفان»، مجلد 20 (1930)، و24 (1933).

[7] يطلق (الطَّبْخ) على «إنضاج اللحم وغيره اشتواءً (أو شياً، من الكاتب) واقتداراً (في القدر، سلقاً، من الكاتب)، طبخ القدر واللحم... يقال: هذه خبزة جيدة الطبخ (في الفرن أو الموقد، الكاتب)، وآجُرَّه جيدة الطبخ... والطبخ: اللحم المطبوخ، والطبيخ: كالقدير... والطباخة: الفُوارة، وهو ما فار من رغوة القدر إذا طبخ فيها...»، ابن منظور،«لسان العرب»، مادة «طَبَخَ». فالطبْخ هو الشواء والسلق والخَبْز معاً. وفي كلود ليفي–ستروس، «النيئ والمطبوخ» (Le cru et le cuit)، دار بلون (باريس)، 1964، ص341، يُنسب المطبوخ إلى الفرن أو الموقد، ثم إلى الشواء، بموقد أو من دونه. وفي فاتحة كلامه على العسل، وهو فن صنع «غير إنسيين» و«يسبق المطبخ»، وعلى التبغ، و«هو يتعدى المطبخ» و«يُحرق»، يعارض الكاتب نفسه العسل والتبغ معاً، وهما على طرفي تقابل، بـ«المطبخ» و«التعريض للنار»، «من العسل إلى الرماد»، دار بلون (باريس)، 1966، ص11. ويذهب ابن سيرين في «تفسير الأحلام الكبير»، مادة «الخَبَّاز» أن «النار أصل عمل (الخباز)»، نشر دار ومكتبة الهلال ودار البحار، بيروت، 2009، ص188. ويخص الكتاب بمواد ومداخل الخباز (والخُبز)، والسلق، والشواء، والطباخ والطَبْخ، وليس في المواد القلي (وهي في «لسان العرب»: «أنضجه على المقلاة»). والطباخ هو «من يعالج في صناعته النار». و(الطبخ) يكون «بالنار». وفي مؤلَّف عبد الغني بن اسماعيل النابلسي (ت.1143ه/1731م)، «تعطير الأنام في تعبير المنام»، يكون (الطبخ) «بالنار»، ويكون (اللحم) إما «مطبوخاً» وإما «نيئاً». وليس في كتاب النابلسي مواد (خبز) ولا (خباز) ولا(سلق)، وكلها في معاجم اللغة، وبعضها في ابن سيرين، على ما مر.

[8] معارضة أو مقابلة النيئ بالمطبوخ مرادفة لمقابلة الطبع أو الطبيعة أو المطبوع بالصنع أو الصناعة أو المصنوع، كلود ليفي-ستروس، «النيء والمطبوخ»، المرجع المذكور، ص341.

[9] نجلاء مروة الزين، «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور، ص147، واللحم لحم غنم، على ما مر. وإذا كان لحم عجل، وجب أن يكون «هبرة»، صدوف كمال وسيما عثمان، «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، ص47.

[10] ص147 من المرجع المذكور. وصاحبتا «ألف باء الطبخ الموسع»، على رغم اقتصادهما وإمساكهما اللغويين، لا مناص لهما من المرور بـ«دق الخليط (الملح والدهن واللحم) حتى ينعم كلياً»، ص47.

[11] يفرد باب للكمونة وصنعها في «مطبخ...»، نجلاء مروة الزين، ص144.

[12] والوصف في المرجعين، «مطبخ...» ص61، و«ألف باء...»، ص314.

[13] نجلاء مروة الزين، «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور، ص147-148. وعلى خلاف الوصفة هذه، تقصر صاحبتا «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، البرغل في الفراكة (ص47) وفي الكبة النيئة (ص281) على «كوب من البرغل الناعم»، والبصلة في الفراكة «متوسطة وفي الكبة النيئة «صغيرة»، ويدخل المردكوش في الفراكة وتخلو الكبة منه، وهذه تخلو من الدهن على خلاف الفراكة...

[14] نجلاء مروة الزين، «مطبخ بيتنا»، المرجع المذكور، ص149- 150.

[15] المرجع السابق، ص151.

[16] المرجع نفسه، ص152-153.

[17] تحصي صدوف كمال وسيما عثمان: «ألف باء الطبخ الموسع»، المرجع المذكور، في باب الكبة، 17 صنفاً، ص273-281، تُعملان فيها مواد متفرقة مثل البطاطا والسمك واليقطين والسماق.

[18] صدوف كمال وسيما عثمان، المرجع السابق، ص358-360، وهي المجدرة البيضاء (مع العدس الأحمر المجروش)، والمجدرة السوداء، والمدردرتان (بالبرغل والعدس).


* جميع الصور من «بنت جبيل 1852-1980: ذكريات مصورة»، إعداد حسن بيضون ووضاح جمعة، دار الأمير، بيروت، الطبعة الأولى 2011.


وضّاح شرارة كاتب وصحافيّ ومترجم لبنانيّ، درّس مادّة العلوم الاجتماعيّة في الجامعة اللبنانيّة. شارك في العمل النقابيّ والسياسيّ الحزبيّ، وترك المشاركة قبيل انفجار الحروب اللبنانيّة. انصرف إلى الكتابة، فكتب في المسائل اللبنانيّة: «في أصول لبنان الطائفيّ» (1974)، «حروب الاستتباع ــ لبنان الحرب الأهليّة الدائمة» (1977)، «السلم الأهليّ البارد ــ لبنان المجتمع والدولة 1964ــ1967» (1980)، خروج الأهل على الدولة (2000). كتب في الحركات السياسيّة الإسلاميّة و«دُوَلها»: «الأهل والغنيمة ــ مقوّمات السياسة في المملكة العربيّة السعوديّة» (1981)، «دولة حزب الله ــ لبنان مجتمعًا إسلاميًّا» (1996)، «طوق العِمامة ــ الدولة الإيرانيّة الخمينيّة في معترك المذاهب والطوائف» (2013). تناولَ اجتماعيّات بيروت في: «المدينة الموقوفة» (1986)، «أهواء بيروت ومسارحها» (2008). جمع مقالات في الكتب والسينما والشعر في كتابين: تشريق وتغريب (1989)، «تعبير الصور» (1990). كتب مقالة طويلة في «أخبار الخبر، تعليقًا على أخبار مجنون بني عامر» (1991)، وصدر له أخيراً «ترجمة النساء» (2014). نقل إلى العربيّة بعض أعمال أنطونيو غرامشي، وكورنيليوس كاستورياديس، وألكسندر سولجينيتسين، ورينيه شار، وميشال تارديو، وآنا أخماتوفا، وباول تسيلان.

محسن أ. يمين...الهجرة اللبنانية وسفينة التيتانيك 2

3:54:00 ص اضف تعليق




نصّ تقديمي لسعادة النائب الأوّل لحاكم مصرف لبنان الأستاذ رائد شرف الدين، ممثّل اللجنة الدوليّة اللبنانيّة للتيتانيك، في ندوة نادي ليونز طرابلس فكتور التي تحدّث خلالها عن "دروس قيادّية مستقاة من أخطاء تاريخيّة: عِبَر من التيتانيك".
مرّ وقتٌ طويلٌ قبل أن يُكتشف حُطام التيتانيك في قعر المحيط الأطلسي، بمحض المصادفة، على يد بعثة مشتركة للبحرّيتين الأميركية والفرنسيّة، عام 1985 . (1996 ،30 USA. Today, Thursday, may ).
وكانت البعثة تُجري إختباراتٍ تحت الماء على الفيديو، وعلى تجهيزات السونار لإغراضٍ عسكرية .
وقد أفادني الأب روفائيل جبران، فيما مضى، أن سعادة حنّا نصر، من مزرعة النهر، كان مّمن قضوا نحبهم فيها. كما أفادني بأن أربعة من قريته سرعل كانوا في عداد اللبنانيّين الذين كانت تقلّهم السفينة ولم يحالفهم الحظّ في الإنقاذ وهم: باخوس رفول، وسلطانة إبراهيم مجلّي وابنها فرج. وابنتها التي كانت لا تزال عروساً، ولم يحضره إسمها ( وقد وردت أسماؤهم في سجلاّت رعيّة سرعل على انهم ماتوا في البحر، دون ذكر لإسمَيْ إبن سلطانة وإبنتها، انما اكتفي بتدوين سلطانة وأولادها). وفي لائحة المسافرين الذين تمّ انقاذهم ترد من سرعل أسماء مخائيل رزق المعروف بمايكل بياترو، وزوجته كاترين وابنتهما حنّة ANNA. وقد تناهت اليّ لاحقاً حكاية عن عائلة من سرعل غرقت على متن السفينة المشطورة. وكانت العائلة المذكورة قد شرعت في بناء بيت حجري جميل فيها مّما غنمته من بيع الكشّة في أميركا. لكن نفاد ما كانت رصدته من مال لعماره، حمل افرادها على التفكير بالعودة الى أميركا، سعياً لكسب المزيد من الدولارات مّما يتيح لها إكمال عمار منزلها. وقد استقلّ أفرادها التيتانيك في تلك الرحلة المشؤومة، وكان مصيرهم في قلب المياه الباردة التي إبتلعت حطام الباخرة.إلاّ أن الدكتور فريديريك معتوق الذي زودني بهذه المعلومات عاد بعد سنوات وتراجع عنها بوضعها في خانة الأخبار المتداولة عن غرق التيتانيك، المفتقرة الى الدقّة، وغير المنطبقة، لا على المدوّنات الكنسيّة المحلّية، ولا على سجّلات شركة "وايت استار لاين" 
وينفطُر القلب أسىً حين تقع العينُ على قصيدةِ التيتانيك. وهي قصيدةٌ من 50 بيتاً كانت وضعت رثاءً للّذين غرقوا على متنها من حردين، ويتجاوز عددُهم الثلاثين شخصاً على ما هو شائع. لاسيّما حين يعلم قارئُها ان عروساً رفضت أن تنجو بجلدها وتترك عريسها، وآثرت ان لا تنزل في الزورق، وان تشارك الذي إختارها لتكون شريكة حياة، الموت وهما متعاتقين. من هذه القصيدة: 
وعروسٌ إذْ للنجاة دعوها رفضت رحلة النجاةٍ الحزينه 
ورأت أن تذوق موتاً زؤاماً وحبيباً يذوب عطفاً ولينا
فبتلك الفتاة "حردين" تسمو بمثالٍ للودِّ والعاشقينا
وعلى المجوز الشبابُ تهادوا يدبكون بموتهم مُحتفينا 
ما نجا الاّ واحدٌ وعليه جَلَسَت نسوةٌ بهنّ إستعينا
فتخفىّ بثوبهنَّ عساهُ ناجياً ربّما لهم مُعينا ...
وتنّورين وتحوم المنكوبتيّن هما ايضاً كان لهما حصّتهما من المراثي. والتيتانيك حكاية تطول .
في المحور الثاني من الندوة ستتركّز مداخلة سعادة رائد شرف الدين، النائب الأوّل لحاكم مصرف لبنان، على " دروس قيادية مستقاة من أخطاء تاريخيّة: عِبَرٌ من التيتانيك".
(وأنهيت تقديمي بسَوقْ نبذة مختزلة عنه قبل إستهلاله لمداخلته).

الصور باللون البني كتاب معرض التيتانيك ( جامعة سيدة اللويزة) 
اللوحات من المعرض المذكور
الرسوم من مجلة "إستوريا"
صور الندوة لحسان عصّافيري

رقاد مجنون ليلى

3:39:00 ص اضف تعليق

في الروايات العربية، يأتي خبر وفاة قيس العاشق على لسان شيخ من بني عمرة خرج إلى أرض بني عامر ليلقى المجنون، فسأل عنه، وأدركه في البرية، وتحدث معه حتى بانت ظبية، "فوثب يعدو خلفها حتى غاب". عاد الشيخ في اليوم التالي فلم يجده، "وجاءت امرأةٌ كانت تصنع له طعامه إلى الطعام فوجدته بحاله". وعاد الشيخ في اليوم الثالث مع أهل المجنون، ولم يظهر قيس، فرجعوا في اليوم الرابع، واقتفوا أثره حتى وجدوه "في وادٍ كثير الحجارة خشنٍ، وهو ميتٌ بين تلك الحجارة، فاحتمله أهله فغسلوه وكفنوه ودفنوه". بكى الجميع مجنون ليلى، و"لم تبق فتاةٌ من بني جعدة ولا بني الحريش إلا خرجت حاسرةً صارخةً عليه تندبه، واجتمع فتيان الحي يبكون عليه أحر بكاء، وينشجون عليه أشد نشيج، وحضرهم حي ليلى معزين وأبوها معهم، فكان أشد القوم جزعاً وبكاءً عليه.
استعاد الشاعر الفارسي عبد الرحمن الجامي هذه الأخبار في منظومته الشعرية الطويلة، وفيها يتحول شيخ بني عمرة إلى بدوي "ألف النجاد والهاد". يسأل عن أخبار المجنون، ويجيبه أهل قبيلة عامر: "منذ قرابة أسبوعين وقلب هذه القبيلة مصاب من أجله، فلم ير أحد له أثرا، ولم يسمع عنه خبرا". يمضي الأعرابي إلى شطر الصحراء بحثا عن العاشق المجنون، وبعد يومين أو ثلاثة، يرى قطعان من الوحوش دون الجبل، فيذهب صوبها، ويجد في وسطها المجنون، راقدا رقدة الموت. يبكي الاعرابي ويرثي شهيد العشق، ثم ينقل الخبر إلى أهله، فينتحب الجميع. يُحمل المجنون، وهو "في مغيب نعشه كالقمر". يتحول مقام المجنون إلى مزار "لكل يائس مجروح من جور الدهر"، ويصل الخبر إلى ليلى، فتسقط "صريعة في هاطل من الدموع"، ثم تعود إلى نفسها وتروح تردد: "كنت جسدا روحه قيس، فكيف لي العيش بلا روح؟ ها قد دق لروحي طبل الرحيل، وهأنذى مقفية على أثر روحي. وحين أقضي نحبي غارقة في البكاء بعيدة عنه، وأنأى بجانبي عن شؤون هذا العالم، ليكن مرقدي قريبا منه حتى أضع رأسي على كف قدميه". تترك ليلى العالم وتنصرف "إلى خيمتها جاعلة منها مأوى الحزن" حتى الرمق الأخير، وترحل عن الدنيا في الخريف، وهي "لم تتجاوز بعد ربيع حياتها"، وتبدو في نعشها "كالعروس في هودجها". تُحمل وفقا وصيتها إلى "حظيرة المجنون"، وتُدفن بجوار الحبيب، كأنها "في الثرى جوهرة". وتتحول روضة الشهيدين "مزارا للعاشقين من كل أنحاء العالم".
في نسخة مزوقة من منظومة الجامي محفوظة في سراي توبكابي، أُنجزت عام 1483 في قزوين، يظهر المجنون راقدا على الأرض وسط حلقة من البكائين، حاضنا بذراعه اليمنى ظبية تغمض عينيها عند كتفه. وفقا لرواية الشاعر، بحث الإعرابي عن المجنون في الصحراء، ووجده راقدا "مع ظبي ناصع البياض، شبيه ليلى عيناً وجيداً، وقد تعانقا في حفيرة، ورقدا رقدة أعوزتها الرعاية، هي رقدة الموت، وسريراً من الشوك". بعدها، نقل الشيخ الخبر إلى الأهل الفقيد، وعاد معهم إلى البرية لحمل الميت. حُمل الشهيد إلى موطنه، ووُضع بجانبه "الظبي الذي قضى معه وفاءً له". سار العامريون بالنعش، وسارت الوحوش من خلفهم، "مطلقة أنواع صيحاتها بأنغام الأسى". غسل الباكون الميت بفيض عيونهم، وخضبوا وجهه بدم دموعهم من "قُتل بسيف العشق". وتمّ دفن قيس في حفرة، ومعه عند قدميه "ذلك الظبي الذي قضى في هواه".

وجه ليلى

12:52:00 ص اضف تعليق

في كتاب "الأنساب"، نقل السمعاني عن الجنيد قوله: "مجنون ليلى من أولياء الله تعالى، ستر حاله بجنونه". وفي "الفتوحات المكية"، استعاد ابن عربي "حال قيس بن الملوح مجنون بني عامر صاحب ليلى" في حديثه عن "قوة سلطان حرقة لهيب نار الحب" التي "تحل على قلوب المحبين و"تحرق كل شيء تجده ما سوى المحبوب". تتحول ليلى في هذا السياق إلى طريق المجنون في التوحيد وصولا إلى الواحد الأحد. تتجلى هذه الصورة خصوصاً في إنتاج كبار الشعراء الفرس الذين نظموا في المجنون قصصا عدة تجد جذرها في الروايات العربية.
في القرن الخمس عشر، وضع بدوره منظومة خاصة بـ"ليلى ومجنون"، وفيها مهّد لرواية الحج إلى مكة في فصل بديع يناجي فيه العاشق معشوقته ويقول: "يا كعبة القاصد المشتاق، وقبلة الحسان من كل الأفاق. حريم حبك حديقة الحرم، والمقيمون به كزوار الحرم. جدائل شعرك عقد ذوي التيجان، ونفخ عطرك وله المشتاقين، وخلخالك الذهبي تاج الرؤوس، وسلسال شفاهك يغار منه الكوثر، وكل شعرة من غدائرك كالليل البهيم مثار وله ألف مجنون مثلي. وحين يفترّ ثغرك مبتسما فأيّ سوق لبائع الشهد! قد عقدت الإحرام لبابك فجراً وأنا رضي الطبع جذلان، فقلت: إذا تيسّر لي اليوم السجود على تراب ذلك الباب، فعلى الله حجة وطواف. والآن وقد نلت مقصودي، وتمتعت من وجهك بما أشتهي، فأذني لي أن أشدّ الرحال إلى البيت الحرام". بدورها، تناجي ليلى العامرية حبيبها وتقول: "يا من منهجك طريق الصدق، إنما حجك إليّ وحجي إليك. ولأن يضئ محيانا نور التلاق، خير من أن يحترق قلبانا بنار الفراق". يمضي المجنون إلى مكة وحيدا، "وخلانه في سفره الجن والحيان". يلتقي في طريقه بقصاد الكعبة وهم يطلقون أصواتهم بالتلبية، أما هو، فـ"كان يردد بدلها اسم ليلى. وعندما أبصر من بعيد سواد الكعبة، امتلأ سواد عينيه نورا، وتذكر جمال ليلى، فأطلق من خرقة الشوق صيحة، ثم بدأ بالطواف حول البيت، ولم يجد السبيل إلى وصال قمر الحبيب". كما في الرواية العربية، يتعلّق المجنون بأستار الكعبة ويبدأ بالدعاء: "يا ربة الخدر، يا مزهوة الحجاب، ويا حلالة عقد حلقات الأسرار: مكانك بين أندية العرب، وبك كسدت سوق كل العجم". يتوب قيس إلى ربه، ويقول: "يا من يولي وجوههم إليك العجم والعرب، وأرواحهم جميعا سكرى من الشوق إليك، أصرف وجهي عن كل شيء، وأغسل صحائفي من كل كلام، إلا من هوى وجه ليلى، ومن نداءات الشوق إليها. فليلى ملاذ أمل روحي، وكنز عيشي الخالد. منها تستمد عيني نورها، ومنها يجد قلبي المضني روح القرار. هي ملكة ولاية الجمال، وروح جسم العشق، غاية كل محب. وما دامت ملكة فأنا عبد، وما دامت هي الروح فأنا بها حي. وليلى مصباح الحياة، وباكورة يانع الثمار في بستان الأمل. فكل من لم يحي بها فهو ميت، وكل من لم يعره منه حرارة الشوق فهو بارد القلب. ولو أن العالم كله على رأي واحد، وخرج عن قاعدة الوفاء لها، فحاشا أن أعيرهم أذناً، وحاشا أن أنساها لحظة".
استعاد الرسامون قصة حج مجنون ليلى إلى البيت الحرام في عشرات المنمنمات التي رافقت منظومات نظامي وجامي ومن سار على دربهم. في نسخة من "العروش السبعة" (سباعية جامي) زوّقت عام 1571 قي قزوين، تدخل ليلى العامرية فضاء اللوحة بلباس الحج، مشيرة بيدها في اتجاه قيس الذي يرفع ذراعيه نحوها، محدّقا في وجهها. أنشد الشاعر في قصيدته اليائية الخالدة:
أراني إذا صليت يممت نحوها/ بوجهي وإن كان المصلى ورائيا
وما بي إشراكٌ ولكن حبها/ كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا

كتبها محمود الزيباوي في صفحته الفايسبوكية

من داخل كنيس يهودي في طهران

11:27:00 ص اضف تعليق

تاريا سالمي – جاكوبسون
ترجمة سمير طاهر  
 (نشرت المقالة في موقع تيدنينغين كولتورين السويدي وتنشر ترجمته في موقع الأوان بالاتفاق مع الكاتبة)

وأنا على أعتاب السفر إلى إيران تطلّعت في خريطة طهران، فمن المفروض أنّ كنيس أبريشمي يقع في أحد شوارع المدينة: “شارع فلسطين”. تساءلت وقتها إن كان يكمن دافع خاص لتسمية الشارع بهذا الاسم؟ وتمنيت أن يكون الفندق الّذي سوف أقيم فيه قريباً من المكان، وإلّا فسأبحث عن كنيس آخر، ربّما في أصفهان. لكن أنظر المصادفة: وأنا أتطلّع في خريطة أصفهان أجد أنّ أحد كنسها الثلاثة عشر يقع في مكان يحمل نفس الاسم: ساحة فلسطين!

في الفندق بطهران تبيّن لي أنّ كنيس أبريشمي لا يبعد عن الفندق سوى رمية حجر. عليّ إذن وقبل حلول الظّلام أن أستطلع إمكانية دخولي الكنيس صباح الغد، الّذي سيصادف السبت، عطلة اليهود الأسبوعيّة. شارع فلسطين هو شارع فرعي تمكن رؤيته من مكاني في الفندق.

عند بوابة الكنيس قدمت نفسي لمن استقبلني، وعبّرت عن رغبتي في زيارة الكنيس والتقاط بعض الصور وربّما الحديث مع شخص مّا من أجل مقال أنوي كتابته. في البداية وافقوا على دخولي ولكنهم أوقفوني عند البوابة سائلين إن كنت أحمل “رسالة التوصية” من مكتب الطائفة اليهوديّة. ولما أجبتهم بأنّي ليست عندي توصية ما أكّدوا لي بشرط الحصول عليها لكي يسمح لي بدخول الكنيس. مرت علي لحظات وأنا جامدة كتمثال. ثمّ رحت أخبرهم بأنّني سبق لي أن زرت كُنُساً في بلدان عديدة وكتبت عنها. كنت أقف هناك وأحاول أن أرتب تيار أفكاري للوصول إلى حلّ. وفي هذه الأثناء تجمع حولي عدد من الأشخاص وبدى عليهم الحزن مثلي. صارت وجوههم الحزينة مرايا لي. فكرت بأن أبرز لهم ما يؤكّد هويتي ثمّ تذكرت بأنّ الفندق قد احتفظ بجواز سفري. ولعدم وجود حلول جاهزة أمامي، أبرزت بطاقة التعريف الخاصّة بدليلنا في الرحلة (والّتي دون فيها رقم هاتف محلي يستخدمه في إيران) وقدمتها لامرأة من بينهم قائلة أنّ بامكانها الاتّصال به والاستعلام منه عنّي. وعدت أحدثهم عن زياراتي للكنس اليهوديّة في بورما وأثيوبيا وأوزبكستان وكتاباتي عنها. سألوني إن كنت يهوديّة، وأجبت بأنّي لست يهوديّة ولكن طول عمري كان عندي أصدقاء يهود. لكن بدا الموقف وكأن لا شيء يمكن فعله من دون تلك الأوراق، “التّوصية”. كانت مجموعة من معلمات المدرسة اليهوديّة المجاورة قد توقفت لاستطلاع الأمر، وتطوّعت إحداهنّ بصعود السلم صوب باب المعبد قائلة أنّها سوف تسأل في الدّاخل إن كان ممكناً أن أدخل حتّى من دون تلك الأوراق، فيما قالت أخرى بنبرة اعتذار لكن بصوت خفيض: “نحن نخشى قدوم إرهابيين”. أجبتها أنّني يحزنني أن أسمع هذا.



“نجاح عمليّة التّهريب!”

بدأ الحاضرون يتفرّقون ما عدا رجلين ظلاّ إلى جانبي. عرض الأوّل أن يتفحّص إمكانيّة تدبير طريقة مّا لدخولي. أخبرته عن السيّدة الّتي دخلت لكي تحاول مساعدتي فقال بأنّها خرجت للتّو وغادرت. ثمّ راح يصعد درجات السّلم وهو يقول بأنّه إذا تمكن من تدبير الأمر فسيعطيني إشارة لكي أدخل. بعد بضع دقائق خرج وهو يشير إليّ بأن آتي وأدخل، فتملكتني السّعادة لنجاح عمليّة تهريبي إلى الدّاخل!

كان الكنيس خالياً باستثناء الرجلين الّذين كرسا وقتهما لي (في الحقيقة كانا في طريقهما لمغادرة الكنيس لولا أن استوقفهما أمري) ومقاعده الخمسمائة خالية. غداً سيكون يوم “السبت” اليهودي. أخبرني الرّجلان بأنّه في المساء سيجلس حوالي 200 شخص في هذه القاعة. استزدت في أسئلتي عن يهود إيران ولم يبخل مرافقاي بالمعلومات. أخبراني أنّه كان في طهران سابقاً ثلاثون كنيساً لكن لم يبق اليوم منها سوى أحد عشر؛ وأنّ الأطفال اليهود يدرسون باللّغة العبريّة في بيوتهم وليس في المدرسة. علمت أيضاً أنّه رغم عدم وجود علاقات بين إيران وإسرائيل إلّا أنّ اليهود الإيرانيين بإمكانهم زيارة أقاربهم في إسرائيل عبر بلد ثالث. وحتّى الهجرة من البلاد ممكنة لمن يريد ولكن – مع ذلك – هناك صعوبات معينة وتكاليف لا يقدر عليها جميع النّاس، هي الّتي تجعل كثيرين من يهود إيران يختارون البقاء.




في إيران ما يقارب الستين كنيساً يهودياً، منها ثلاثون على الأقل مفتوحة وتمارس شعائرها. كما يوجد مطعمان في طهران يقدمان الطّعام الكوشر، وخمس مدارس يهوديّة وروضتا أطفال. وتدير الطّائفة اليهوديّة عدّة مراكز ثقافيّة، ومكتبة تضمّ 20 ألف عنوان، ومجلّة خاصّة، و”مستشفى الدكتور صابر جيويش” الّتي تعالج جميع المواطنين من دون تمييز. ويعلّق محدثي قائلاً: ليست لدينا أية مشكلة مع الحكومة الايرانيّة، كما أنّ لدينا مندوبنا في البرلمان. إنّ أحوالنا طيبة، ولكن لدينا أسبابنا الّتي تجعلنا حذرين.

العلاقات بين الطّائفة اليهوديّة والحكومة لا تخلو من تعقيدات. فحتّى حين أصدر الرّئيس حسن روحاني قراراته عام 2015 بالسّماح للمدارس اليهوديّة بالتّعطيل أيّام السّبت للاحتفال به حسب تقاليدهم، وبتقديم الدّعم المالي للمستشفى اليهوديّ الخيريّ في طهران، فقد حصل هذا بعد وقت قصير من خطابات الرّئيس السّابق أحمدي نجاد (2005 – 2013) الّتي أنكر فيها حدوث المحرقة نهائياً وأبدى فيها عداء صريحاً لليهود. هناك إحساس هنا بأنّه ما أن يزداد التّوتر سوءاً بين إيران وإسرائيل حتّى تسوء وبشكل سريع أحوال الطّائفة اليهوديّة.

بعد قيام الثّورة في إيران وتأسيس الجمهوريّة الإسلاميّة، إنغلق اليهود على أنفسهم، وحتّى العلمانيون منهم أصبحوا متدينين وأخذوا يمارسون حياتهم الاجتماعيّة في داخل الكُنُس. ويمكن أن نلحظ هذه التّغيرات عبر إحصائيات الزّواج: فحالات الزّواج المختلط في إيران لا تتعدى 0,1 بالمائة، مقارنة بها في بريطانيا مثلاً (40 بالمائة). صحيح أنّ مساحة الحريّات الدينيّة زادت إلّا أنّ التّمييز بسبب الدّين لم ينقطع. فرغم أنّ اليهود لديهم تعليم عال إلّا أنّهم لا يتمكنون من تولي مناصب عالية، عبر القضاء مثلاً أو في مجلس الوزراء، ولا الانخراط في السّلك العسكري على الرّغم من أنّهم، مثلهم مثل المسيحيين أيضاً، يستدعون لأداء الخدمة العسكريّة. إنطلاقاً من هذه الظّروف يمكنني أن أفهم لماذا لم أكن في الكنيس موضع ترحيب كـ “صحفية” حتّى عندما قدّمت نفسي ككاتبة حرّة. وفيما بعد علمت أنّه وبشكل عام من الصّعب أن يسمح لشخص غريب بزيارة هذا الكنيس أو غيره من الكنس اليهوديّة في إيران. وهو ما جعلني أقدّر عالياً أنّ هؤلاء النّاس خصوني باستثناءٍ كريم.

في المساء مشيت وشارع فلسطين، جنوب “ساحة فلسطين” الّتي يقوم في وسطها نصب كبير يمثل الانتفاضة الفلسطينيّة. وما أن تجاوزت بضع بيوت حتّى انتبهت إلى أنّني أقف أمام مبنى سفارة فلسطين. بعد أيّام من الثّورة الايرانيّة 1979 جاء ياسر عرفات ووفده إلى طهران. وفي خطوة رمزيّة، مُنِح مفاتيح السفارة الاسرائيليّة، الّتي سيعاد تأهيلها لتصبح مكتب منظمة التّحرير الفلسطينيّة. وقطع الخميني كلّ العلاقات مع إسرائيل، وقابلت الأخيرة ذلك بأن رفضت ردّ ديونها إلى إيران عن مشاريع نفطيّة من زمن الشّاه. ورغم أنّ المحكمة الأوروبيّة قرّرت وجوب أن تدفع إسرائيل ديونها لإيران وهي عدّة مليارات إلّا أنّ نتنياهو رفض الدّفع. وها أنا أقف الآن أمام مبنى توالت على سكناه دولتان عدوّتان لبعضهما! لكن هذا المبنى ليس الوحيد الّذي تبدّل اسمه بعد الثّورة، فكلّ أسماء الشّوارع والمناطق الّتي كانت لها علاقة بالشّاه والملكيّة وأمريكا استبدلت بأسماء جديدة. شارع فلسطين هذا الّذي أمشي فيه الآن كان اسمه قبل الثّورة شارع القصر الشمالي.

يرى عضو البرلمان الاإراني، اليهودي سيامك مرسيدي، إلى الصّراع الاسرائيلي – الفلسطيني هكذا: “بنيامين نتنياهو والمعادين لليهود بحاجة إلى بعضهم: إنّهم يزودون بعضهم بما يحتاجون إليه: التّعصب والكراهية. إنّه تحالف غير معلن يناسبهم، ولكنّه يلحق أذى كبيرا ببقيّة النّاس”.

مهما يقول المرء أو يظنّ حول الوضع المتضارب ليهود إيران، فإنّ المؤكّد أنّ المعابد اليهوديّة في إيران ليست بحاجة إلى شرطة حراسة كما هو الحال في أوروبا. فاليهود هنا لم يعودوا يتعرّضون للملاحقة كجماعة وإن تعرّضوا للتّمييز لاعتبارات معيّنة. إنّهم يتوقون للسّلام قبل كلّ شيء.

محسن أ. يميّن.... الهجرة اللبنانيّة وسفينة التيتانيك (1)

3:14:00 ص اضف تعليق

نصّ تقديمي للدكتورة غيتا حوراني في الندوة التي أعدّها ودعا إليها نادي ليونز طرابلس فكتور بالتعاون مع جامعة سيدة اللويزة – مركز دراسات الإنتشار اللبناني، واللجنة الدولية اللبنانية للتيتانيك، ومركز الصفدي الثقافي، حول "الهجرة اللبنانية وسفينة التيتانيك" . وتحدثّت خلالها الدكتورة حوراني، مديرة مركز دراسات الإنتشار اللبناني عن "الهجرة وأهميّة المواد الثقافيّة في الذاكرة الجماعيّة ".

أيّها الحفل الكريم
إذا كانت طرابلس تدين بجزء وافر من حيويّتها الثقافيّة المستعادة، بعد سنوات صعبة، لنادي الليويز فكتور في المدينة، ، فهي تدين ايضاً لمركز الصفدي الثقافي بمغالبة الإنكسار الحزين الذي تسبّبت به، حيناً، وبإحتضان النبض الثقافي المتلاحق التجلّيات، المتنّوع الأغراض، في رحابه. وفي السياقِ، هذه الندوة المدعو إليها من قبلهما، تعاوناً واللجنة الدولية اللبنانية للتيتانيك، بقصد تذكّر الحدث الكارثّي، وإستخلاصِ العبر منه، وتجديد الرحمة على من زُهقت أرواحهم من اللبنانيين خلالها، والتوقّف عند مسألة الهجرة التي أدّت، فيما أدّت إليه، الى نشر غالبيّة منّا ساحقةٍ، وراء حدود أرضنا، بحثاً عن وسائل الحياة، وعن الحّرية. هذه الهجرة المستمّرة الى ما شاء الله.

فتحيّة للمنظّمين، للمنتديَيْن الكريمَيْن، ولكم جميعاً مشاركين في استرجاع اللحظة التاريخيّة المُفجِعَة، في السنة الخامسة بعد المئة لحصولها، كي لا تغرق في لجّة الزمن، كما غرقت التيتانيك عند الساعة الثانية و 40 دقيقة، بعد منتصف الليل، في 15 نيسان 1912.
وإذ يستيقظ الماضي، ويفيق عبر الزمان والمكان، تبعثه ندوةٌ، ومعرضٌ، لا نستطيع أن نطرد من ذهننا تحفة المخرج الكندي جايمس كاميرون السينمائية التي نجحت، عام 1998، في استحضار هذه اللحظة ببراعةٍ تقنيّةٍ منقطعة النظير، وبكلفة تفوق كلفة بناء السفينة المقدرة ب 7 ملايين ونصف المليون دولار أميركي، يومئذ. أي ما يعادل 150 مليون دولار أميركي، في يومنا هذا. فيما بلغت كلفة الفيلم زهاء ال 200 مليون دولار أميركي. وقد استغرق بناء سفينة الفيلم وقتاً طويلاً. وإستدعى بذل جهودٍ جبّارةٍ لتُطابق الأصل.
وكانت التيتانيك بطول 883 قدماً، أي بطول ثلاثة ملاعب كرة قدم مجتمعةً، وأطول من أعلى ناطحة سحاب كانت قائمة في نيويورك، في ذلك الحين.

وكان سرى في ظنّ مهندسها "كارليست" انها غير قابلة للغرق، فبدّد جبلٌ كبير من الجليد هذا الإعتقاد عند أوّل سفرة لها بين ساوث هامبتون، في انكلترا، ونيويورك. وكان على متنها 2،232 شخصاً. فكانت الغلبة للعناصر على التطوّر الملاحي الذي شهد بغرقها المفاجئ نكسة صاعقة. ولبس العالم الحداد على الضحايا.

ولبنان الذي له في كل عرس قرص ضمناً. فقوارب النجاة لم تكن تتّسع لسوى 1،178 شخصاً. وقد أعطيت الأفضلية لركّاب مجموع الدرجة الأولى، وللنساء، وللقاصرين. وقُدّر عدد الناجين ب 23 بالمئة من مجموع ركّابها، وأفراد طاقمها. ولم يسلم من رّكاب الدرجة الثالثة التي كانت تضمّ المهاجرين الواعدين أنفسهم بالأرض الجريدة سوى 174 شخصاً. يُضاف إليهم الفوج الثامن من المهاجرين الكفرصغابيين الذين نجوا بما يشبه الأعجوبة، بحسب ما جاء في كتاب "اليوبيل المئوي للهجرة الكفرصغابية" (1880-1980) الصادر في سيدني، أوستراليا.

وكان الفوج مؤلّفاً من 33 شخصاً، رجالاً ونساءً، جرفهم تيّار الهجرة الى أميركا. وكان من المفترض أن يكونوا على متن هذه الباخرة العظمى الاّ ان مرض بطرس ابراهيم القسيس من بينهم، في مرسيليا، وملازمته الفراش، وطغيان عاطفتهم الكفرصغابيّة على دواعي السفر، حملتهم على إلغاء الحجز. فخلّصهم بذلك مرض رفيقهم الذين أبوا التخلّي عنه من الموت المحتّم. وعندما عادوا بعد 52 يوماً من غرق الباخرة الى الضيعة كانت المناحة لا تزال متواصلة عليهم لسريان الإعتقاد بأنهم قضوا، مع من قضى. ففركت مرح مفرصغاب، قرية المشتى، عينيها من الدهشة وهي تتطلّع الى أبنائها العائدين وقد أفلتوا من براثن المنيّة. فصحيح ان الأعمار بيد الله. وآخر من توفّي في وطنه من أولئك المغتربين كان نعمة الله الخوري، عام 1993، عن 101 عام.

وكان على متن الباخرة ثلاثة ركّاب من زغرتا هم سركيس لحّود إسحق معّوض، طنوس بطرس كعوي، وحنّا العمّ مخلوف. لقي أوّلهما وثانيهما مصرعهما بنيران عناصر الطاقم أثناء محاولتهم التسلّل الى أحد زوارق النجاة. فيما نجت منّة زوجة كعوي، ونجلُها محسن، بسبب إصابته بالرمد الربيعي وأضطرارهما للعودة على أعقابهما من الاسكندرية. اما مخلوف الطويل العمر فقد رقّ قلب إمراة على شبابه، وخبّأته تحت فستانها الطويل. وقد إمتدّت به الحياة حتى العام 1952. حين أوردت جريدة صدى الشمال خبر وفاته ( العدد 1742، السبت في 17 أيار 1952) في واشنطن عن عمر يناهز الستّين عاماً. وعبثاً حاول أهله إقناعه، بعد نجاته، بالعودة لرؤيته، وجاراهم في ذلك المغتربون الزغرتاويّون، في ناحيته، الاّ أن شيئاً لم يكن ليفلح في تخطّيه لرهاب البحر. وكان حنّا يقطع الطريق عليهم بالقول: " ما لم أعلم، علم اليقين، أنهم بلّطوا البحر فلن أعود الى زغرتا".

في المحور الأوّل من الندوة ستتحدّث الدكتورة غيتا حوراني، عن الهجرة، وأهمّية المواد الثقافيّة في الذاكرة الجماعيّة . وقد كان لي شرف التعاون معها، صيف العام 2004، في إهدن. وها أن الشرف يتكرّر وأنا أقدّم لها في طرابلس الآن.
(ومن ثمّ أوردت نبذة عن د. غيتا حوراني في سطور) 

اللوحات من المعرض المواكب للندوة ( جامعة سيدة اللويزة ) 
الصور لحسّان عصافيري

روضة الصحراء

1:32:00 م اضف تعليق

تناقلت الألسن أخبار مجنون ليلى وأشعاره العذبة عبر الزمن، وتعددت الروايات حول عشقه وهيامه في البرية مع الوحوش، لا يأكل فيها إلا مما ينبت فيها من بقل، "ولا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت مناهلها". وذكر الصفدي في "الوافي بالوفيات" أنه ظل "يهيم في كل واد، ويتبع الظباء، ويكتب ما يقوله على الرمل، ولا يأنس بالناس".

نقل الأصفهاني في كتاب الأغاني رواية تقول: " كان يهيم في البرية مع الوحش ولا يأكل إلا ما ينبت في البرية من بقل ولا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت مناهلها، وطال شعر جسده ورأسه، وألفته الظباء والوحوش فكانت لا تنفر منه، وجعل يهيم حتى يبلغ حدود الشام، فإذا ثاب إليه عقله سأل من يمر به من أحياء العرب عن نجدٍ، فيقال له: وأين أنت من نجد. فيقول: فأروني وجهة الطريق. فيرحمونه ويعرضون عليه أن يحملوه وأن يكسوه فيأبى، فيدلونه على طريق نجد فيتوجه نحوه".
تردد صدى هذه الروايات في ميدان الشعر الفارسي. ظلّ عاشق ليلى على ولهه رغم اصطدام حبّه المستحيل بالتقاليد والقيود، ففرّ من الخلق، وسلك طريق صحراء نجْد حيث ألف الوحشة وألفته الوحوش. بعيداً عن أرضه وأهله، انقطع المجنون عن الدنيا ونسي العقبى، و"شرب خمر الوحدة الصرف"، وعاش من العشق وبالعشق، فاستكانت وحوش الصحراء عند قدميه حتى ماثلت الغزلان في وداعتها، وباتت تجلس إليه وتحرسه في وحشة الليل والنهار.

في الرواية التي نظمها نظامي الكنجوي، احترف العشق الوحدة وتوحّد في العشق حتى صار صديقاً للأسد ورفيقاً للنسر، وبات كل حيوان من الحيوانات المفترسة متلهفا لخدمته، فصار عليها سيدا وصارت تخضع له وكأنه سليمان. وقد ظلّت الوحوش على هذه الحال بالقرب من العاشق، وحين لفظ أنفاسه الأخيرة، استعادت الحيوانات طبيعتها الأولى بعد أن ظلت تحرس الشهيد لحين.
في نسخة من "خمسة نظامي" أُنجزت في عام 950 هـ، وهي من محفوظات معهد الدراسات الشرقية في بطرسبرغ، يظهر مجنون وسط جمع من الحيوانات التي تتجه نحوه من كل صوب. الأرض عسلية والسماء ذهبية. تزهر صحراء نجْد وتتحول إلى حديقة نيّرة، الثعلب فيها رفيق الأرنب، والغزال صديق الأسد. في حركة موازية، ينزل طير أبيض من السماء لينضمّ إلى الحلقة، ويتقدّم نمر بخفر باتجاه سيّد هذا الجمع. تحتل وسط الصورة شجرة كبيرة تلتف حول جذعها أبيض أفعى رصاصية اللون. يجلس مجنون ليلى تحت هذه الشجرة مما يجعل منه نقطة التقاء الخطوط في هذا التأليف.
يستعيد العاشق مجد آدم الأول يوم جعله الله "في الأرض خليفة" وعلّمه "الأسماء كلها" (البقرة 30-31). تبدو الصحراء المزهرة وكأنها روضة من رياض الجنة التي احتار المفسرون في تحديد موقعها، فقال البعض إنها في السماء، وقال البعض الآخر إنها في الأرض. وثمة من رأى أنها جنة المأوى التي وعد الله المتقين أن يدخلوها في الآخرة، فيما رأى فريق آخر أنها جنة من جنات الدنيا لأن إبليس دخلها ووسوس إلى آدم فيها.

كتبها محمود الزيباوي في صفحته الفايسبوكية
عن ترجمة الشعر

عن ترجمة الشعر

10:20:00 ص اضف تعليق


إليوت «الأرض اليباب» وشكسبير «الغنائيات»:

عبد الواحد لؤلؤة

Nov 18, 2017
كلما أقدمتُ على ترجمة الشعر، أجدني لا أقوى على تجاهل كلام الجاحظ (775 ـ 868) بأن «الشعر لا يُستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حُوِّل بَطُلَ وزنُه وذَهَبَ حُسنُهُ وسقَط موضع التعجّب فيه». لكن جدّنا الجاحظ، الذي كان يملي ذوقه على أدباء العصر الوسيط، كان يفكِّر بالشعر العربي بوزنه وقوافيه، مما يكون نقلُه إلى لغة أخرى بالغ الصعوبة. لكن الصور والمعاني والإحالات الثقافية يمكن نقلها، إذا توافرت لدى الناقل معرفة دقيقة باللغتين، وما يقترب منهما بلغات أخرى، مع معرفة طيبة بثقافة وتاريخ اللغتين. عند ذلك يمكن التسامح في غياب الوزن والقافية، إلا إذا استطاع الناقل توفير نوع من الإيقاع في ترجمته، والإيقاع هو أساس الوزن، إذا لم يكن متكلَّفاً.
أتناول هنا ترجمة عملين كبيرين من أعمال الشعر بالإنكليزية، قمتُ بترجمتهما إلى العربية، وأشرتُ إلى ترجمات سابقة وما ورد فيهما من بعض الهفوات والأخطاء في فهم النص والتجاوزات عليه، بسبب ضعف الناقل في النواحي التي اشرتُ إليها، مما يجعل الصيغة المنقولة بعيدة عن النص، أو مخالفة له، أو مسيئة إليه بدرجة أو بأخرى. هذان العملان هما: ت.س.اليوت في قصيدة «الأرض اليباب»، وشكسبير في «الغنائيات».
صدرت ترجمتي بعنوان «ت.س.إليوت: الأرض اليباب: الشاعر والقصيدة» عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980، وصدرت عن بغداد طبعة ثانية عام 1986، وطبعة ثالثة عن بيروت، 1995. وقد سبقني في ذلك خمس ترجمات جزئية أو كلية، وسمعتُ عن ترجمة مصرية لم أطّلع عليها، لذا لم أستطع التعليق عليها.
ملاحظتي على أغلب الترجمات السابقة أنها تترجم عنوان القصيدة إلى «الأرض الخراب» وهذا خطأ لغوي لأن الخراب لا أمل من إصلاحه، والصحيح «الأرض اليباب» لأن القاموس يقول: «دارهم خراب وأرضهم يباب» فالأرض اليباب هي التي انحسر عنها المطر فلم تعد تنبت زرعاً، فاذا جاءها المطر عاد إليها الزرع والنماء. وهذا هو صلب القصيدة. يرى اليوت أن الحياة في أوروبا، وخاصة الشرقية منها بعد الحرب العالمية الأولى، قد غدت يباباً لا تنبت زرعاً. والسبب في رأي الشاعر أننا نسينا التراث والإيمان: التراث بمعناه الأوسع الذي لا يقتصر على تراث الإغريق والرومان، بل يبدأ مع ثقافات الشرق الأقصى والعالم القديم في سومر وبابل وما جاورهما، ومصر الفرعونية. والإيمان لا يقتصر على دين بعينه، بل إيمان صادق لا تديُّن وادّعاء. فلو استعدنا هذين فسوف يعود النماء إلى الأرض ويحل السلام. وهذا يُبيّن أن الشاعر يقصد «اليباب» وليس الخراب.
والمأخذ الثاني على الترجمات السابقة أنها تتجاوز المقتطفات بخمس لغات أجنبية أو تثبتها بلغاتها الأجنبية، فيبقى القارئ العربي يتساءل عن معناها ومغزاها، والمفروض أن الترجمة توفِّرها له. وقد اعترض على ذلك قرّاء الإنكليزية أنفسهم يوم صدور القصيدة عام 1922. وفي أول ترجمة للقصيدة نشرتها مجلة «شعر» البيروتية عام 1958 من عمل شاعرين معروفين، نقرأ على ص 133: «من فوق تجلّى سقف الموقد العتيق». كيف انتقل الموقد من أسفل جدار الغرفة إلى السقف؟ وعلى الصفحة 135 نقرأ: «سأندفع خارجاً كما أنا…مُسدَل الشَعر…» مما يجعل المتكلم رجلاً، والصحيح أنه كلام امرأة، أخذت حبوباً لتُسقط الجنين، لكن الترجمة تقول «لأوقظ ما بي» أي لتنشيطها في الحمل والإنجاب. وعندما رجع الزوج ألبرت من الحرب، أعدّت الزوجة «ليل» مع زوجها «فخذة مشوية» دُعيت إليها المتحدثة. لكن الترجمة تقول إن الزوجين «كانوا يلعبون الورق» وعلى ص 139 نقرأ عن «الشاب الأشقر» صفة توحي بالجمال، لكن النص يبالغ في وصف قُبح»المدمّل».
والأعجب من ذلك جميعاً عدم التفريق بين صيغة الاسم وصيغة فعل الأمر في كلمة swallow التي تفيد اسم طائر السنونو، لكن هذه الترجمة تجعلها «إبلع، إبلع». كيف لم ينتبه المترجمان إلى عدم اتساق «البلع» مع النص؟
والترجمة الثانية التي استعرضتُها من عمل حامل دكتوراه في الأدب الإنكليزي من بريطانيا، نشرت في «سلسلة نوابغ الفكر الغربي، 17، دار المعارف بمصر، 1966». على ص 111 نقرأ عن «موسيقى الراك الشكسبيهيرية» التي صارت: «ذلك الإحتفال بيوم شكسبير/إنه لمنسق/وفيه فطنة». كما يصبح حديث ليل في الحانة مع رفيقتها: «قلتُ لها بنفسي/في وضوح تام:/أرجو أن تسرعوا فقد حان الوقت». والواقع أن هذا هو كلام النادل في الحانة، الذي يُعلن عن ضرورة الإسراع بالخروج لانتهاء وقت تقديم الشراب. وعلى ص 118 نقرأ: «لقد خلا البحر من الزجاجات الفارغة». لكن الذي خلا هو «نهر التيمس» وليس البحر. «مرشدي المدينة» خطأ في فهم City directors وهم مديرو الشركات التجارية في «المدينة» أي وسط المدينة التجاري و»التاجر الإزميري/قد ترك لحيته وملأ جعبته بالكرم المجفف» أصلها: لم يحلق ذقنه، وملأ «جيبه» وليس «جعبته» بالزبيب! وليس «بالكرم المجفف». وتايريزياس الضرير في الأسطورة «له صدر مجعّد كصدور النساء» كيف هذا؟ ثم، كيف «تداعت قنطرة لندن، ثم هوت وسقطت»؟ وكيف انقلبت «أربعاء الرماد» إلى «رماد الأربعاء؟» ص 107 حديث ماري مع ابن عمها بالألمانية يصبح بصيغة المذكر: «ما أنا بالروسي، وإنما أنا الماني من لتوانيا». وعلى ص 109 حديث «فتاة الياسنت» أي فتاة الزنابق يصبح بصيغة المذكر والصحيح يجب أن يكون بصيغة المؤنث، لأنها هي التي كانت تحمل الزنابق، وذراعاها ممتلئتان وشعرها مبلول. و»لم أكن بالحية ولا بالميتة» يجب أن تكون بصيغة المذكر، لأن المتكلم ليس الفتاة. على الصفحة 111 نقرأ «وفي السقف اشتعلت أخشاب البحر الجسيمة». ماذا يبقى من السقف إذا اشتعل؟ ص 119 حديث «بنات التيمس» يجعل حديث البنت الأولى عن اغتصابها بصيغة المذكر!
وفي عام 2013 صدرت عن «مشروع كلمة» في أبوظبي ترجمتي «غنائيات» شكسبير المئة وأربع وخمسين، مع مقدمة وشروح مفصّلة. وأحسب أن هذه أول ترجمة كاملة بالعربية، أفضّل فيها «الغنائية» تعريباً، لا «السونيت» ترجمة . كان ثمة ما سبق من ترجمات جزئية أو كلية، لي عليها جميعاً ملاحظات، وبخاصة على الكتاب المجاني الذي وزّعته مجلة دبي الثقافية في كانون الثاني/يناير 2010.
مترجم «السونيتات» ليس متخصصاً بالأدب الإنكليزي، لذا جاءت ترجماته لا تدرك تغير معاني المفردات من أيام شكسبير والقرن السادس عشر، وهذا مما أربك المعنى، فمثلاً كلمة pen pencil كانت في زمن شكسبير تعني «الريشة» التي يُكتب بها ويُرسم كذلك. صفة brave كانت تعني البهيج أو الجميل، وليس «الشجاع» كما في الاستعمال اللاحق. لذا «النهار الشجاع» تدعو إلى الاستغراب. فهل ثمة من نهار شجاع وآخر جبان؟ كلمة scandal كانت تعني «صخرة» تُحدث جرحاً في جبهة من يصطدم بها، ولا تعني «فضيحة» الحالية. الفعل bail كان يفيد «الضم» أو الإحتواء، وليس «الكفالة» لإطلاق سراح السجين، مثلاً. كلمة hue كانت تعني «الهيئة أو القوام» ولا تعني «لون» الحديثة. كلمة Soil كانت تفيد «السبب أو المَنبِت» وليس «التربة». كلمة argument كانت تفيد «الموضوع» وليس «الجدل» الحديثة. كلمة modern كانت تعني «المبتذل» وليس «الحديث». كلمة against كانت تعني «تحسُّباً» أو استعداداً، ولا تعني «ضد». كلمة fond كانت تعني «مجنون» أو «معتوه» ولا تعني «مُغرم» الحديثة . في كتاب مجلة دبي الثقافية ترجمة 52 «سونيت» من أصل 154 وجميعها ملأى بأخطاء من هذا النوع، وبتجاوزات بالتفسير، وإعطاء عناوين من عند المترجم، وعبارات مثل ص92 «من هو المغرم بأن يكون قبراً لحبه لنفسه» أو ص 95 «أطعمك فيما هو يأخذ منك/وأجدّدك بتطعيمي» هل هذا تطعيم الحبيب ضد الجدري مثلا؟ engraft الحديثة كانت تعني «تعويض» عن فقدان.
مثل هذه الأخطاء تجعل القارئ العربي عزوفاً عن قراءة غنائيات شكسبير فيحسبها عبثاً من العبث.
عربون الوفاء المتبادل بين الصهاينة وبريطانيا والولايات المتحدة

عربون الوفاء المتبادل بين الصهاينة وبريطانيا والولايات المتحدة

9:42:00 ص اضف تعليق



إعلان بلفور: وعدٌ أم وسيلة؟

فواز طرابلسي

Nov 18, 2017
دخلت القوات البريطانية فلسطين في 16 تشرين الثاني/نوفمبر1917 أي بعد أقل من عشرة أيام على نشر رسالة بلفور واحتلت يافا، فانسحبت القوات التركية شمالا. ودخل اللنبي القدس يوم الأول من كانون الأول/ديسمبر على رأس قوة من المشاة يتبعه بيكو وكلايتون ولورنس. وقد نفّذ اللنبي المهمة قبل حلول عيد الميلاد، حسب الأمر الذي أصدره له لويد – جورج.
الظرفي والستراتيجي في التفسير والتأويل
في ضوء ما بسطناه أعلاه من تاريخ، يجدر إلقاء نظرة على بعض التفسيرات الرائجة لدوافع إصدار الإعلان وأسبابه. وهي كثيرة على أنها تجمع بين اعتبارات ظرفية وبين دوافع شخصية اعتمدت لاحقاً في معرض التفسير. على أن المشترك بينها تغييب الاعتراف بأي مطامح لبريطانيا في فلسطين والاقتصار في تفسير الإعلان على الوجه المتعلق بدعم الـ»الوطن القومي اليهودي» أو «الدولة اليهودية» في فلسطين. مع تطور الاستيطان اليهودي في ظل الانتداب البريطاني، وخصوصا بعيد نكبة 1948، سوف يغلب على كثير من التفسيرات، بل قل على الرواية السائدة، تنزيه بريطانيا على اعتبارها ضحية للنفوذ اليهودي العالمي، بل أنها منقادة للمؤامرة اليهودية العالمية.
لنتوقف الآن أمام الأكثر تداولا بين الدوافع والاعتبارات وراء إعلان بلفور 1917.
٭ إعلان بلفور بما هو عربون وفاء لأثرياء اليهود الذين موّلوا المجهود الحربي لبريطانيا والدول الحليفة. أن يكون ثمة أثرياء يهود موّلوا الحرب العالمية الأولى أمر مؤكد. لكننا لسنا نعلم، ولا مَن يسوّق الحجة يعلم، ما نسبة مساهماتهم المالية في تمويل الحرب. علما أن عملية تمويل، على هذا المستوى من الضخامة، غالباً ما تتم بشراء سندات خزينة وسندات حرب، لقاء فوائد باهظة. فليس ثمة من فضل لأولئك الممولين الذي جنوا ثروات طائلة من تمويل الحرب. هذا مع العلم أن أثرياء يهودا موّلوا المجهود الحربي لألمانيا وحلفائها أيضا.
أما عن دور إعلان بلفور في استرضاء الأثرياء اليهود للاستمرار في تمويل الحرب، فذوو النفوذ والمال من أثرياء آل روثتشايلد لم يكونوا معروفين بأنهم شديدو الحماس للصهيونية، كان المطلوب بذل الجهود لإبعادهم عن الموقف الاندماجي المعادي للصهيونية واستمالتهم لمشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين. فلم يتوفق الصهاينة مثلا في كسب أسرة روثتشايلد إلى صفهم إلا بعد أن ورث لورد والتر روثتشايلد أباه ناثان العام 1915.
٭ الإعلان بما هو مكافأة لحاييم وايزمان على تأمين إنتاج كميات كافية من مادة الآسيتون اللازمة لصناعة فتائل بطيئة الانفجار بديلة عن البارود للمجهود الحربي. تساق الحجة مع الإشارة إلى العلاقة المميزة بين لويد – جورج ووايزمان عندما كان الأول وزيراً للذخائر الحربية. وقد أتى لويد -جورج على موضوع الآسيتون في مذكراته. أما وعد اليهود مشروع دولة في فلسطين لقاء اكتشاف كيماوي، فيدعو إلى السخرية. وقد سخر وايزمان ذاته من رواية أنه مُنح الدولة اليهودية مكافأة له على اكتشافه الكيماوي. بقي أن نعلم أن المخترع الصهيوني لم يحرم من المكافآت على اختراعه فقد سجّله رسميا وباع براءة الاختراع إلى شركة Commercial Solvents Corporation  وتقاضى عليه ما يتوجب من عائدات مالية.( Fromkin, 285).
 ٭ الدوافع الدينية لدى الساسة البريطانيين. لا شك في أنها كانت واردة عند عدد من السياسيين بصفاتهم الإفرادية. وثمة تفسيران متناقضان لتلك الدوافع، بل تفسيرات متعددة. واحد يشدد على أن الذي غلب على دوافع السياسيين البريطانيين في دعم إصدار إعلان بلفور هو نزعة العداء لليهود (اللاسامية) وأن الوعد بالوطن القومي كان غرضه التخفيف من الاضطرار لاستقبال أعداد كبيرة منهم في بريطانيا، خصوصا في أعقاب المجازر ضد اليهود في روسيا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. هذه حجة تتكرر باستمرار وإن كانت ضعيفة الإسناد. فالمعروف أن الأكثرية العظمى (85٪) من اليهود الفارين من مذابح روسيا في السبعينات من القرن التاسع عشر هاجروا إلى الولايات المتحدة، كما أسلفنا.
ولا شك في أن تلك الدوافع الفردية كانت موجودة. لكن الطريف هو تجاهل أنها لم تكن متطابقة فيما بينها ولا كانت من مصدر واحد. فمارك سايكس الكاثوليكي المذهب يتصور احتلال بريطانيا للقدس انتقاماً لخسارة الصليبيين المدينة المقدسة على يد صلاح الدين. في المقابل، ينظر البروتستانتي لويد – جورج إلى احتلال القدس وكامل فلسطين على أنه تحرير للأرض المقدسة من أيدي الفرنسيين الكاثوليك وأشباه الملحدين، حسب ما نسبه إليه رئيس الوزراء آسكويث. أما لورد شافتسبوري، كبير «المسيحيين الصهيونيين» فيرى في عودة اليهود إلى فلسطين مقدمة للعودة الثانية للمسيح على الأرض. والطريف في تلك الحجج عن الدوافع الدينية انها لا تتوقف كثيرا عند البريطانيين اليهود بمن فيهم السياسيون، وقد تابعنا أعلاه مقدار الانقسام بينهم حول ما إذا كان يوجد شعب يهودي وأمة يهودية أم لا، وحول الموقف من الصهيونية، والدولة اليهودية في فلسطين.
 ٭ تشجيع الرئيس ولسن على دخول الحرب الى جانب الحلفاء باسترضاء أبرز مستشاريه من اليهود الصهيونيين أمثال لويس براندايس. أول ردّ عل تلك الحجة أن الولايات المتحدة دخلت الحرب في السادس من نيسان/أبريل 1917، أي قبل أشهر من صدور إعلان بلفور. ثم إنه، على العكس تماما من السائد والمتداول، لم يكن الرئيس ولسن بحاجة إلى استرضائه بإصدار إعلان يؤيد قيام وطن قومي يهودي في فلسطين، فالعكس هو الأصح: كان المطلوب بذل الجهود لإقناع الرئيس ولسن ذاته بالإعلان وتشجيعه على تأييده، كما فصّلنا أعلاه.
٭ إقناع قادة الثورة الروسية على البقاء في الحرب إلى جانب الحلفاء، من خلال كسب ود اليهود ذوي الحضور البارز في قيادتها. والمقصود هنا الثورة الروسية الأولى، المعروفة باسم ثورة شباط/فبراير 1917. حقيقة الأمر أن رئيس الحكومة المؤقتة كرنسكي، وهو يهودي المنشأ، كان داعية للاستمرار في الحرب ولم يكن بحاجة إلى إقناع. وقد زار وفد رسمي من دول التحالف سان بتروغراد للبحث في أمر الحرب والحكومة المؤقتة مصممة على البقاء في الحرب، لكنهم اكتشفوا أن سوفيات سان بطرسبرغ، الممسك بالسلطة الفعلية في العاصمة، قد صوّت على قرار بوقف الحرب والتخلي عن سياسات الاحتلال والإقلاع عن الدبلوماسية السرّية والعمل من أجل انتصار حق الشعوب في تقرير المصير.
ومن مفارقات الأمر أن ثورة تشرين الأول/أكتوبر البلشفية اندلعت في اليوم ذاته الذي نشر فيه إعلان بلفور في الصحافة البريطانية. أما عن دور الإعلان في تشجيع القادة البلاشفة من أصل يهودي على الاستمرار في الحرب، فينهض في وجهه واقعان دامغان. الأول أن الخروج من الحرب كان أحد أبرز أهداف الثورة البلشفية وقد وضعت شعارها «تحويل الحرب الاستعمارية إلى حرب أهلية» منذ أن اندلعت الحرب، ووضعته موضع التطبيق منذ الساعات الأولى لانتصارها. والثاني، أن المكتب السياسي للحزب البلشفي ضم ثلاثة قادة بارزين من منشأ يهودي هم تروتسكي وزينوفييف وكامنييف، غير أنهم كانوا معروفين بأنهم في طليعة المواجهين للصهيونية منذ معارك البلاشفة مطلع القرن مع الاتحاد العمالي اليهودي ـ البوند ـ الذي كان ينادي بإنشاء نقابات منفصلة للعمال اليهود، في مقابل التشديد البلشفي على وحدة الأداة النقابية والحزبية للطبقة العاملة.
ولا بد من القول إن قسماً كبيراً من المبالغة في دور اليهود يعود إلى وايزمان نفسه، ومهاراته في تسويق قضيته. نسبت إليه تسمّية «اليهودية العالمية» ذات المال والنفوذ السياسي عبر العالم، يلوّح بها ويغري بها، بما يتجاوز بكثير واقع الحال الفعلي. حتى أن وايزمان حاول إقناع الأمير فيصل بدعم الوطن القومي اليهودي في فلسطين على اعتبار أن قوة اليهود العالمية قادرة على مساعدة الأمير العربي على تحقيق الاستقلال للعرب.
مهما يكن، فإن هذه الاعتبارات والوعود الظرفية المتعلقة بالحرب والدوافع والتصورات الشخصية، على أهميتها، لم يكن لها أن تفعل فعلها في السياسة البريطانية لو لم تنضو في إطار المصلحة الأبرز لبريطانيا، الضمنية حينا والمعلنة أحيانا، المتحكمة بالمواقف والسياسات منذ أن بدأ البحث في اقتسام النفوذ والسيطرة في المنطقة: تبدأ بمشروع سايكس لربط الهند من خلال العراق بقناة السويس بواسطة خط سكة حديد يصل إلى شرقي البحر المتوسط، في حيفا لذلك الغرض، وتأمين قناة السويس بالسيطرة على ضفتيها الغربية والشرقية التي تزايدت أهميتها الأمنية والستراتيجية بعد الكلفة الباهظة لدفاع القوات البريطانية عنها (والأحرى القوات الأسترالية والهندية).
وفي الخلاصة، لا بد من القول إن بريطانيا، داعية العروبة وبناء مملكة عربية، في مطلع هذه العملية، لجأت لإزاحة فرنسا عن فلسطين وانتزاع الانتداب عليها إلى المنطق إياه الذي شرعنت به فرنسا حججها لاستعمار سائر الولايات العربية: منطق حماية الأقليات.
(يتبع)

عبدالرحيم أبو حسين... نقد الأسطورة التي بُنيت عن فخر الدين الثاني

2:03:00 ص اضف تعليق
 عن الحياة

تواصل هذه الصفحة، كلّ يوم جمعة، نشر حلقات الدراسة المهمّة التي تتناول مرحلة مفصليّة من تاريخ التشكّل اللبناني.

 نشر كمال الصّليبي في 1973 بحثاً بعنوان «سرّ البيت المعنيّ»، أثبت فيه في شكلّ منطقيّ مقنع اعتماداً على النّقوش، إضافة إلى المصادر المكتوبة، أنّ فخر الدّين الأوّل المفترض كان قد مات قبل عشر سنوات كاملة من فتح العثمانيّين بلاد الشّام، وأنّ البطريرك المارونيّ، المؤرّخ اسطفان الدّويهي (ت عام 1704) طمس ذكر الأمراء المعنيين الآخرين لمصلحة فرع معنيّ قدّم الرّعاية وخدمات كثيرة للكنيسة وللطائفة المارونيّة، وكان آخر أمراء هذا الفرع صديقاً وراعياً شخصيّاً للبطريرك الدّويهي.
من الواضح أنّ هذه الرّواية التي لا تعود إلى ما قبل القرن التّاسع عشر ما هي إلاّ محاولة من قبل مؤرّخين يعملون لدى السّلالة الشّهابيّة الحاكمة التي خلفت المعنيين، لتعزيز شرعيّة الإمارة الشّهابيّة التي كانت تواجه معارضة درزيّة متزايدة في عقودها الأخيرة. وهكذا حدث شرخ في هذه الرّواية القوميّة.
الأمير المعنيّ الآخر الذي تقدمه هذه الرّواية كضحيّة للطغيان العثمانيّ هو قرقماز معن، الذي يعتقد أنّه والد الأمير المعنيّ المعروف بفخر الدّين الثّاني، والذي يفترض أنّه ابن فخر الدّين الأوّل. مات قرقماز هذا عام 1585 بينما كان هارباً تلاحقه القوات العثمانيّة التي تتوغّل في اتجاه معقله الحصين في جبال الشّوف. أما السّبب المزعوم الذي يقف خلف هذا العمل التأديبيّ العثمانيّ فهو الافتراءات الكاذبة التي قدّمت ضدّ قرقماز هذا في الشّوف من قبل خصومه السّياسيين، وتنسب إليه المسؤوليّة عن سرقة مزعومة للخزينة المصريّة بينما كانت تمرّ على الطّريق السّاحليّ في جون عكار بشمالي لبنان، الواقعة على مسافة بعيدة من الشّوف حيث مقر قرقماز معن.
هذا ما تقوله الأبحاث التّاريخيّة الحديثة استناداً إلى رواية تعود إلى القرن السّابع عشر، أوردها البطريرك والمؤرّخ المارونيّ، وأعيد إنتاجها في كتابات تاريخيّة تعود إلى القرن التّاسع عشر.
إلّا أنّ البحث التّاريخيّ اللاحق، المستند إلى المواد الأرشيفيّة العثمانيّة والمصادر التّاريخيّة المعاصرة لتلك الفترة، أثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ ما يلي:
أوّلاً، لم تحدث أيّ سرقة للخزينة المصريّة تلك السّنة، وقد سلّمت كاملة غير منقوصة إلى اسطنبول. ثانياً، كان لدى العثمانيّين كثير من الأسباب الأساسيّة الطويلة الأمد، التي تدعوهم لمعاقبة قرقماز ودروز آخرين، أهم من مجرّد حادثة سرقة. وأبرز الأسباب الدّور القيادي الذي لعبه قرقماز والدّروز إجمالاً في التمرّد المسلّح في القرن السّادس عشر. وجرت الإشارة مراراً إلى قرقماز معن خصوصاً بأنّه كبير المتمرّدين الدّروز، وأنّ فساده وأعماله الشّريرة تفوق كلّ شرور الآخرين مجتمعة.
من الواضح أن قرقماز لم يكن متفرّجاً بريئاً، أو ضحية التّآمر عليه، بل متمرّداً خطيراً. يضاف أنّه لا بدّ أنّ الدّور الخارجيّ، بل الأوروبيّ تحديداً، المتعاظم في التحريض على التمرّد في المناطق الدرزيّة، ومدّه للعناصر المحليّة بالأسلحة النّاريّة، أثار قلق العثمانيّين.
بوفاة قرقماز أصبح المسرح مهيئاً لتقديم البطل الوطنيّ اللبنانيّ بلا منازع: فخر الدين الثانيّ. كان اللبنان المفترض هو لبنان فخر الدين الذي عاد إليه دعاة الوطنية اللبنانية، واتخّذوه سابقة للوطن الذي يأملون بتأسيسه في القرن العشرين. وقد رسمت حدود لبنان المنوي تأسيسه على أساس أنّ تلك الأراضي كانت أراضي لبنان في عهده.
فخر الدّين هذا، كما تصوره الرّواية القومية اللبنانية والكتب المدرسية، «بطل لبنان الأوّل والمثل الأعلى للقائد الوطني الملهم المسئول الذي يجسد روح الأمة اللبنانية، وأمانيها السّامية»، والرواية تؤكد أيضاً على ما تقدمه كحقيقة تاريخية: «أنّه أوّل من سعى إلى تحقيق الكيان اللبناني والوحدة اللبنانية، وأوّل من ناضل في سبيل استقلال لبنان عن الدّولة العثمانيّة، وأوّل من عمل على تطوير البلاد وإدخال التجديد عليها في شتّى النّواحي الاقتصاديّة والاجتماعيّة». واستعان الكتّاب الوطنيون اللبنانيّون في رسمهم للصورة المثاليّة لفخر الدّين ببعض كتابات الرّحالة الأوروبيين والكتّاب والمستشرقين.
هكذا يكتب الأب أوجين روجيه: «كانت نفسه طامحة للمجد، وكانت شجاعته المتحفّزة تأبى عليه الاكتفاء بما كسبه أسلافه»، والأب هنري لامنس يرى أنّ الرجل كان «بمفاهيمه الجريئة والمغامرة أحياناً، متقدّما حقّاً على عصره». ويصفه مؤرّخ لبنانيّ محدث بما يلي: ما كان يتحلى به من قيم ومفاهيم أخلاقيّة هي أقرب إلى أخلاق الملوك منها إلى أخلاق العامة»، وكان «إداريّاً فذّاً وسياسيّاً قديراً، ذكيّاً نشيطاً حاد البصر والبصيرة». وكما أشير سابقاً، وكما يليق ببطل قوميّ، بُنيت شجرة نسب مُحكمة ومفصّلة للعائلة المعنيّة أصبح لفخر الدين بموجبها نسب عربيّ نبيل وعريق. كذلك، في ضوء تعدّديّة المجتمع اللبناني، وربما بسبب الدّور المارونيّ الراجح في لبنان الحديث، وما اشتهر عن العلاقات الوديّة بينه وبين الموارنة، والكنيسة الكاثوليكيّة عامّة، زعم البعض لفخر الدّين، بعد وفاته، تنشئة مارونيّة.
كان كمال الصليبي قد أخضع هذه الصّورة المثاليّة للرّجل للتمحيص قبل أن يبدأ استخدام الأرشيف العثمانيّ في دراسة التّاريخ اللبنانيّ بوقت طويل، وذلك بوضعه أمانته المهنية كمؤرّخ قبل مشاعره الوطنيّة التي لا شكّ فيها واستعمل، إضافة إلى المصادر «اللبنانية»، مصادر أخرى تتمتّع بمصداقيّة أكبر، خاصّة المصادر المعاصرة، بما فيها التي كتبت في دمشق. جاء ذلك في سياق سلسلة محاضرات نظّمتها جامعة الكسليك (التي تديرها الرهبانيّة المارونيّة) في موضوع «أبعاد القوميّة اللبنانيّة». والجامعة نفسها طبعت المحاضرات على شكل كتاب لاحقاً، وتضمّنت محاضرات مثل «أثر الإمام الأوزاعي في تكوين القوميّة اللبنانيّة». وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ الإمام الأوزاعي كان فقيهاً سنياً من القرن الثّامن، عاش في بعلبك وانتقل إلى بيروت وتوفّي في ظاهرها، حيث مدفنه إلى اليوم.
فككّ الصّليبي قصّة فخر الدّين وأعادها إلى عناصرها الأساسيّة المكوّنة، وتوصّل إلى الاستنتاجات التّالية بعد مناقشة مستفيضة للرّوايات القوميّة ومصادرها: في قضية من هم المعنيون؟ رفض الرّواية التّقليديّة لأنّه «ليس هناك في التّواريخ ما يثبت صحّة هذه القصّة. بل هناك في القصّة ذاتها أخطاء تاريخيّة واضحة». تابع بعد ذلك مسألة وصول المعنيين إلى الشّوف، وأوضح أنّ بداية أمرهم هناك تعود إلى أواخر القرن الخامس عشر، وليس بدايات القرن الثاني عشر كما تؤكّد الرّواية التّقليدية. يعالج الصّليبي بعد ذلك قضيّة نشأة فخر الدّين في كنف عائلة من المشايخ المورانة، ويخلص إلى رفضها معتبراً إيّاها محاولة لاحقة لشرح العلاقة بينه وبين آل الخازن من مشايخ الموارنة. وفي هذا الجزء هناك العديد من القصص الجانبيّة التي رفضها أيضاً. وفي الختام يعالج مسألة الخطّة المفترضة لفخر الدين «لخلق كيان لبنانيّ موحّد، وهل نجح عن قصد أو غير قصد، في خلق مثل هذا الكيان؟»، وفي ذلك يتوصّل الصليبي إلى الخلاصات التّالية:
«فخر الدّين، إذن، لم يمدّ سيطرته فقط على المناطق اللبنانيّة، بل أيضاً على الجليل وفلسطين وشرق الأردن والداخل الشاميّ حتّى تدمر... والواضح أنّ الأمير، في توسّعه هذا، لم يطمح إطلاقاً إلى تحقيق مخطّط معيّن لجمع المناطق اللبنانيّة في دولة موحّدة...». كذلك، «كانت لفخر الدّين... مكانة خاصّة في المناطق اللبنانية مختلفة أساسيّاً عن المكانة التي كانت له في المناطق الأخرى. وذلك على رغم أنّه لم يع الفرق، على ما يبدو، ولم يفكّر يوماً بدمج المناطق الدّرزيّة والمارونيّة المختلفة، دون غيرها، في إمارة لبنانيّة موحدة».
يخلص الصّليبي في نهاية بحثه إلى أنّه: «ما أن ظهر هذا الكيان اللبنانيّ بوضوح في عهد الأمير بشير الشّهابيّ الثّانيّ حتّى أخذ اللبنانيون يبحثون عن تفسير تاريخيّ لهذا الكيان، فبرزت أسطورة فخر الدّين، الأمير الدّرزي الذي تربّى في بلاد الموارنة وقضى حياته في السعي البطوليّ الواعي إلى خلق وحدة لبنانيّة. وقد ابتدأت هذه الأسطورة صغيرة في أوّل الأمر، ثمّ نمت مع نمو لبنان حتى أصبح فخر الدّين في نظر اللبنانيين اليوم، رائد الاستقلال اللبنانيّ ورمز الوحدة».
بعد ذلك بوقت طويل، أثبتت الأبحاث المستندة إلى الأرشيف العثمانيّ استنتاجات الصليبي مع تعديلات طفيفة. فالوثائق العثمانيّة كما التّواريخ العثمانيّة والمصادر المحليّة المعاصرة، ترسم صورة لفخر الدّين هذا يبدو فيها كحاكم مقاطعة في بلاد الشام تأرجحت علاقته بالعثمانيّين بين صعود وهبوط، شأنّه شأن أقرانه المعاصرين له في المنطقة. ولم يحدث أن مُنح في أيّ وقت من الأوقات لقباً أو رتبة أعلى من رتبة أمير لواء لسنجقي صيدا- بيروت وصفد. كما لم يُشَر إليه مطلقاً خارج المصادر اللبنانيّة المذكورة آنفاً، كسلطان البرّ، لكنّه تمتّع بدعم خارجيّ كبير، حصل عليه من توسكانيا والبابويّة أساساً، وأحرز أيضاً دعماً داخلياً من الدروز وغيرهم، وهم الموارنة أساساً ممن طالبهم البابا صاحب السلطة الأخلاقيّة والروحيّة الأرفع أن يمنحوا هذا الأمير الدّرزي دعماً مطلقاً غير مشروط.
عاد الصّليبي إلى النّظر في هذه المسألة لاحقاً في سياق كتاب تفسيريّ لتاريخ لبنان، وكان قد أتيح له الاستفادة ممّا نشر حديثاً من دراسات استندت إلى المواد التي وفّرتها المصادر العثمانيّة، ليدقّق استنتاجاته حول فخر الدّين هذا، ويخلص إلى ما يلي:
في ظروف النّصف الأوّل للقرن السّابع عشر لم يكن هناك شيء غير عادي في سيرة فخر الدّين في جنوب لبنان. لقد كان زعيماً درزياً، أو شخصية بارزة، عيّنه العثمانيّون ليحكم سنجق بيروت وصيدا نيابةً عنهم، ثمّ بعدئذ سنجق صفد وأجزاء أخرى من بلاد الشّام. ولأنّه كان حادّ الذكاء ونشيطاً ومغامراً، فتح الموانئ البحريّة التي يسيطر عليها أمام التجارة الأوروبيّة، وطوّر إنتاج الحرير في مناطق الدّروز وجوارها كمحصول يدفع ثمنه نقداً للتّصدير إلى أوروبا. تقّرب التّوسكانيون منه وسايروا طموحاته (...)، وهكذا بدأت مشكلاته مع الحكّام العثمانيّين. ولأنّه كان أكثر حذراً واحتراساً من جانبولاد، تمكن من إصلاح علاقاته مع العثمانيّين كلّما تعرضت للخلل. وفي النّهاية، على أيّ حال، قادته طموحاته بعيداً جداً، وأدرك العثمانيّون أخيراً أن لا خيار لديهم للتعامل معه سوى الحرب.
رابط الحلقة السابقة:
http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/25289268/التمرد-وولادة-الكيان-اللبناني-والأسطورة-التأسيسية


* أستاذ التاريخ العثماني في الجامعة الأميركية ببيروت

العظام والرميم

أيّام محمّد الأخيرة: قراءة نقديّة في كتاب هالة الوردي

سعاد حسني في بيروت

عشرة أيام هزت العالم

«ثورتان طفيليتان» كرديّة و «داعشية» صادرتا الانتفاضة الشعبيّة «السورية»

تأريخ الثورة البولشفية تتنازعه ثلاثة تيارات أو مذاهب: السوفياتي والليبرالي والمراجع