في مئوية ثورة أكتوبر ١٩١٧: ولادة روسيا الجديدة

1:32:00 ص

(من ترجمة فواز طرابلسي لكتاب جون ريد، «عشرة أيام هزت العالم»، ١٩٦٦)
بتروغراد ٧ أكتوبر ١٩١٧:
"إني أعلن افتتاح الجلسة الأولى للمؤتمر الثاني لسوفييت مندوبي العمال والجنود"! 
جرت عملية انتخاب مجلس الرئاسة وسط الجلبة والحراك. فأعلن أفانيسوف أنّ البلاشفة والاشتراكيّين الثّوريّين اليساريّين والمناشفة الأمميّين قد اتّفقوا على اعتماد التّمثيل النّسبي في مجلس الرّئاسة. وانتصب بعض المناشفة محتجّين فصاح بهم جنديّ ملتحٍ: "تذكّروا ماذا فعلتم بنا نحن البلاشفة عندما كنا أقلّية"! النّتيجة ١٤ بلشفيًّا، ٧ اشتراكيّين ثوريّين ثلاثة مناشفة وواحد منشفيّ أممي من جماعة غوركي. أعلن هندلمان، باسم جناحي الاشتراكيّين الثوريين اليميني والوسطي، رفضهما الاشتراك في مجلس الرئاسة، وأيّد قوله خينشوك باسم المناشفة، وأعلن المناشفة الأمميّون أنّهم أيضًا لن يشتركوا في مجلس الرّئاسة إلا إذا جرى التّحقيق حول بضعة أمور. 
تصفيقٌ متقطّعٌ وزعيق، وقال صوت: أيّها المرتدّون، تعتبرون أنفسكم اشتراكيّين؟!". وطلب أحد مندوبي أوكرانيا مقعدًا فأعطي له. ثمّ انسحبت "التسايكا القديمة"، وظهر في مكانها تروتسكي، كامنييف، لونا تشارسكي، مدام كولانتاي، ونوغين. وهبّت القاعة راعدة. كم حلّق هؤلاء البلاشفة! كانوا زمرةً مكروهة ومضطهدة منذ أربعة أشهر، وها هم الآن في هذا المكان الرّفيع يديرون دفّة روسيا العظيمة في عزّ ثورتها! 
وقرأ كامنييف جدول الأعمال: أوّلاً، تنظيم السّلطة، ثانيًا، الحرب والسّلم، ثالثًا، الجمعيّة التّأسيسيّة. وقام لوزوفسكي معلنًا أنّ مكاتب جميع الفرقاء تقترح الاستماع إلى تقرير سوفييت بتروغراد ومناقشته، ثمّ إعطاء حقّ الكلام لأعضاء "التسايكا" والأحزاب المختلفة قبل الانتقال إلى مواد جدول الأعمال. 
وفجأةً ترامى صوتٌ جديد أعمق من جلبة الجمهور، ملحاحًا، مقلقًا: إنّه دويّ المدافع الأصمّ. ونظر النّاس بقلقٍ نحو النّوافذ المغبشة وامتلكهم نوعٌ من الحمّى، طلب مارتوف حقّ الكلام صائحًا بصوتٍ أبح: "الحرب الأهليّة قد بدأت، أيها الرّفاق يجب أن تكون أوّل مسألة هي مسألة تسوية الأزمة بطريقةٍ سلميّة. يجب أن نناقش بسرعة وسيلة تفادي الحرب الأهليّة من زاوية مبدئيّة وسياسيّة. إنّ أخواننا يُقتلون في الشّوارع! في هذه اللّحظة نجد أنّ أحد الأحزاب الثورية يحلّ مسألة السلطة بواسطة انقلاب عسكري وكل هذا قبل افتتاح مؤتمر السوفييت" وعجز خلال برهةٍ عن إسماع صوته بسبب الضّجّة: "يجب على جميع الأحزاب الثّوريّة أن تواجه الحقيقة! المسألة الأولى المعروضة أمام المؤتمر هي مسألة السّلطة، وهذه المسألة يجري حلّها الآن بقوّة السّلاح في الشّوارع... يجب أن ننشئ سلطةً تعترف بها جميع القوى الديموقراطية. وإذا كان المؤتمر يريد أن يعبّر عن الدّيموقراطية الثّوريّة فلا يجوز أن يقف مكتوف الأيدي أمام نشوب الحرب الأهليّة التي ستكون نتيجتها انفجارًا خطرًا للثّورة المضادّة.. إنّ إمكان الوصول إلى مخرجٍ سلميّ هو تشكيل سلطة ديموقراطية موحّدة.. يجب أن ننتخب وفدًا ليتفاوض مع جميع الأحزاب والمنظّمات الاشتراكيّة الأخرى".. 
دويّ المدافع الأصمّ ما زال يسمع بانتظام من خلال النّوافذ، والمندوبون يتصايحون. وهكذا، كانت روسيا الجديدة تولد بقذف المدفعيّة في العتمة وبالخوف والحقد والإقدام الّذي لا يُحدّ. (...)
كانت الساعة تشير إلى التّاسعة إلى عشرين دقيقة عندما أعلنت موجة راعدة من الهتاف قدوم أعضاء مجلس الرّئاسة ومعهم لينين- لينين العظيم. رجلٌ مربوع القامة، قصيرها، ذو رأسٍ أصلع مدوّرٍ يغوص بين كتفيه، وعينين صغيرتين وأنف دقيق وفم ممتلئ وذقن كبيرة حليقة بدأت تنمو عليها لحيته الشّهيرة. كان يرتدي ثيابًا رثّة، وكان سرواله كبيرًا عليه. ليس مهيبًا ليكون معبود الجماهير، ولكنّه يحظى بحبٍّ واحترام لم يحظَ بمثلهما إلا القليل من القادة في التّاريخ. إنّه نوعٌ غريبٌ من القادة الشّعبيّين، قائد بفعل قوّة فكرة ليس إلا. لم يكن بهيّ الطّلعة ولا مرحًا ولا غريب الأطوار، كان منكفئًا على نفسه لا يساوم، ويملك مقدرة هائلة على تفسير أعمق الأفكار بعباراتٍ بسيطة، وتحليل الأوضاع، يجمع الشّجاعة الفكريّة البالغة إلى حدّة الذّكاء. 
كان كامنييف يقرأ تقريرًا عن أعمال «اللّجنة العسكرية الثورية»: إلغاء عقوبة الإعدام في الجيش، إعادة الحقّ في الدعاية الحرّة، إطلاق سراح الضباط والجنود الّذين اعتقلوا بتهمة ارتكاب جرائم سياسية، أوامر بإلقاء القبض على كرنسكي وبمصادرة إمدادات الأغذية من مخازن الغذاء الخاصّة. تصفيق حادّ. (...)
«سنبدأ الان ببناء المجتمع الاشتراكي»
ثمّ اعتلى لينين المنبر ممسكًا بأطرافه بينما تجول عيناه الصّغيرتان الراعشتان بين هذا الجمع وهو واقفٌ ينتظر متغافلاً عن عاصفة التّصفيق والهتاف المدوية. ولمّا انتهت، قال ببساطة: "سنبدأ الآن ببناء المجمتع الاشتراكي" فدوّى ذلك الرّعد البشري من جديد. 
"إنّ أوّل مهمّة أمامنا هي اتّخاذ إجراءات عمليّة لتحقيق السّلم. سوف نعرض السّلم على شعوب جميع البلدان المتحاربة على أساس شروط السّوفييت، لا دمج، لا تعويض، حقّ الشعوب في تقرير المصير. وفي الوقت ذاته سنفي بوعدنا وننشر المعاهدات السّرية البغيضة. إنّ مسألة الحرب والسّلم من الوضوح بحيث سأسمح لنفسي بأن أبدأ مباشرةً وبدون مقدّمات بتلاوة مشروع النّداء إلى شعوب جميع البلدان المتحاربة". 
فمه المتتلئ الكبير ينفتح واسعًا وهو يتكلّم تعلوه شبه ابتسامة، وصوته غليظ، لا يزعج وإنّما يعبّر عن قساوة من تكلّم خلال سنوات وسنوات، يتدفق بشيءٍ من الرّتابة موحيًا بأنّه يستطيع الاستمرار في الكلام على هذا النّحو إلى ما لا نهاية. وكان ينحني قليلاً عندما يريد التأكيد على نقطةٍ ما. إنه لا يقوم بأي إشارات. وأمامه آلاف الوجوه البسيطة تتطلّع إليه بخشوع. 
«نداءٌ إلى شعوب وحكومات جميع الأمم المتّحاربة 
إنّ حكومة العمال والفلاحين التي جاءت بها ثورة السّادس والسابع من تشرين الثاني والمعتمدة على سوفييت مندوبي العمّال والجنود والفلاحين، تعرض على جميع الشعوب والحكومات المتحاربة الشّروع فورًا في مفاوضات تهدف إلى تحقيق سلم ديموقراطي عادل. 
إنّ الحكومة تعني بالسّلم الديموقراطي العادل الّذي ترغب به الغالبية الساحقة من العمّال والكادحين التي أنهكتها الحرب وامتصّت قواها، ذلك السّلك الّذي لم يتوقّف العمال والفلاحون الرّوس عن المطالبة به منذ تحطيمهم للملكية القيصريّة، السلم الفوري بدون ضم (أي بدون اجتياح تراب أجنبي وبدون الدمج القسري للقوميات الأخرى) وبدون تعويضات. (...)
إنّ الحكومة، واستنادًا إلى مفهوم الحقوق الديموقراطية بشكلٍ عام وحقوق الطبقة العاملة بشكلٍ خاصّ، تعني بالضم وباجتياح التراب الأجنبي كلّ عمليّة يتمّ فيها ضمّ قوميّة صغيرة أو ضعيفة إلى دولة كبيرة وقويّة بدون التعبير الإرادي والواضح والمحدّد عن موافقتها ورغبتها في ذلك، أيًّا كان موعد حدوث هذا الضم القسري، ومهما كان المستوى الحضاري للأمة التي دُمجت بالقوّة أو فصلت عن حدود دولة أخرى، ولا يؤثّر في ذلك إذا كانت هذه الأمّة في أوروبا أو في البلدان البعيدة ما وراء البحار. 
إذا أبقيت إحدى الأمم، بواسطة القوة، ضمن حدود دولة أخرى، وإذا لم تمنح هذه الأمة حقَّ التّقرير بواسطة الاقتراع الحرّ عن الشكل الإداري والسياسي الوطني الذي تريده بدون أي عمليّة قسر، وبعد الجلاء التام للقوى المسلّحة التابعة للأمة التي ضمّتها أو ترغب في ضمّها، أو هي أقوى منها بشكلٍ عام، إذا لم تمنح هذا الحقّ رغم رغبتها فيه، ولا يهمّ إذا عبّرت هذه الرّغبة عن نفسها بواسطة الصحافة أو الاجتماعات الشعبية أو مقرّرات الأحزاب السياسية أو بواسطة الاضطرابات والأعمال المعادية للاضطهاد الوطني، فإنّ مثل هذا التّوحيد يعتبرعمليّة ضم أي أنّه احتلال وعنف. 
إنّ الحكومة تعتبر أنّ الاستمرار في هذه الحرب لتمكين الأمم القويّة والغنية من أن تتقاسم في ما بينها القوميّات الضّعيفة والمغلوب على أمرها، إنما يشكّل أفظع جريمة بحقّ الإنسانيّة، وهي تعلن أنّ رغبتها الأكيدة في توقيع معاهدة سلم تضع حدًّا لهذه الحرب وفق الشّروط المبيّنة أعلاه هي رغبة عادلة بالنّسبة لجميع القوميات بدون استثناء. 
نشر المعاهدات السرية 
لقد ألغت الحكومة الديبلوماسية السّرية، وهي تعلن أمام البلد كلّه عن عزمها القيام بجميع المفاوضات أمام الشّعب وفي وضح النّهار، وستعمد فورًا على نشر النّصوص الكاملة لجميع المعاهدات السرية التي صادقت عليها أو وقّعت عليها حكومة ملّاك الأرض والرّأسماليين منذ آذار حتّى السابع من تشرين الثاني 1917. والحكومة ترفض رأسًا وبدون مناقشة جميع بنود المعاهدات السّرية الهادفة، في أغلب الأحيان، إلى جلب المزيد من الفوائد والامتيازات للرّأسماليين الرّوس وإلى المحافظة على ما ضمّه الاستعماريّون الرّوس أو مضاعفته. (...) 
لقد قدّم عمّال هذه البلدان خدماتٍ جلّى لقضيّة التّقدّم والاشتراكيّة. إنّ الأمثولات الرّائعة الّتي قدّمتها "الحركة الشّارتريّة" في إنكلترا وسلسلة الثّورات ذات الأهمية العالميّة والتّاريخية التي قامت بها البروليتاريا الفرنسيّة- وأخيرًا النّضال التّاريخي ضدّ "قوانين المنع" في ألمانيا، هذا النّضال الّذي يشكّل مثالاً رائعًا لعمّال العالم أجمع على العمل الدّؤوب العنيد، انشأ تنظيمات العمّال الألمان الجبّارة- إنّ جميع هذه النّماذج عن بطولة البروليتاريا، هذه الصّروح التّاريخيّة، لهي ضمانٌ أكيدٌ لنا بأنّ عمّال هذه البلدان سيفهمون واجب تحرير الإنسانيّة من أهوال الحرب وعواقبها الملقى على عاتقهم، وبأنّ هؤلاء العمّال سوف يساعدوننا، بالعمل الحاسم والنّشيط والدّؤوب، على إنجاح قضيّة السّلم وعلى إنجاح قضيّة تحرير الجماهير الكادحة المضطهدة من كلّ عبوديّة واستغلال". 
ولمّا تلاشت عاصفة التّصفيق المدويّة، تكلّم لينين مجدّدًا: 
"نطلب من المؤتمر أن يصدّق على هذا النّداء. إنّنا نتوجّه إلى الحكومات مثلما نتوجّه إلى الشّعوب، لأنّ نداءً موجّهًا إلى شعوب البلدان المتحاربة فقط قد يؤخّر في عقد اتّفاقيّة السّلم. وسوف تصادق الجمعيّة التأسيسية على شروط السّلم التي توضع خلال الهدنة. ونحن قد حدّدنا مهلة الهدنة بثلاثة أشهر لأننا نرغب في إعطاء الشّعوب أطول فترة راحة ممكنة من هذه المجزرة الدّمويّة ووقتًا كافيًا لينتخبوا ممثّليهم. إنّ اقتراح السّلم هذا سوف يلقى معارضة الحكومات الاستعماريّة ونحن لا نضلّل أنفسنا في هذا الصّدد، ولكنّنا نأمل أن تندلع الثّورة قريبًا في جميع البلدان المتحاربة، ولهذا السّبب بالذّات نتوجّه إلى عمّال فرنسا وإنكلترا وألمانيا بشكلٍ خاصّ..." 
ثمّ ختم قائلاً: إنّ ثورة السّادس والسّابع من تشرين الثاني إفتتحت حقبة الثّورة الاجتماعيّة. إنّ الحركة العمّالية سوف تنتصر وتحقّق مصيرها باسم الاشتراكيّة". 
كان ثمّة شيءٌ هادئ وقويّ في كلّ هذا، شيءٌ يحرّك أعماق البشر. وكان مفهومًا لماذا يصدّق النّاس عندما يتكلّم لينين.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا