أيّام محمّد الأخيرة: قراءة نقديّة في كتاب هالة الوردي

10:38:00 ص
بقلم باسم المكي


تعدّدت الكتب المختصة في سيرة النبيّ محمّد، قديمًا وحديثًا، وتنوّعت وجهات النظر في مقاربتها، وفي هذا الإطار؛ نسعى إلى تقديم عمل حديث يبحث في "الأيّام الأخيرة لمحمّد".

أصدرت الكاتبة والباحثة (هالة وردي) في شهر مارس 2016م، كتابًا باللغة الفرنسيّة، يقع في 364 صفحة، بعنوان: "أيّام محمّد الأخيرة"[1]، وقد صدر في دار "Albin Michel"، وأضاف ناشر الكتاب شارة حمراء فيها عنوان فرعي: "بحث عن وفاة الرسول الغامضة/enquête sur la mort mystérieuse du prophète "، وقد احتوى الكتاب؛ مقدّمة، وثمانية عشر فصلًا، وخاتمة ضمّت، بدورها، فصليْن تحت عنوان كبير: "أسئلة تاريخيّة".

وتضمّن الكتاب، كذلك، فهرسًا للأعلام الواردة في متن البحث، وقائمة بالمصادر العربيّة، ثمّ هوامش الكتاب، وأخيرًا، قائمة المصادر الأجنبيّة.

ونبادر بالقول: إنّ قارئ هذا الكتاب، يجد نفسه أمام "حقل من الألغام"؛ فلا بدّ له من قراءة السطور، وما خلف السطور، ولا بدّ أن يتوقّف عند النقطة، والفاصلة، والقوسين. ولذلك؛ اختلفت الآراء في شأنه؛ فهناك من رحبّ بالكتاب، وأشاد بجرأة الباحثة، وهناك من شنّع عليها، وأدرجها ضمن المغضوب عليهم من "الانسلاخسلامييّن" في ملتقى الجمعيّة الدوليّة للمسلمين القرآنيين[2]، ولكنّ المقدّم الرئيسي لجلسة ملتقى هذه الجمعيّة، وهو: الأستاذ توفيق بن عامر، كان أكثر موضوعيّة وعلميّة؛ فقد سعى إلى تقديم الكتاب بإبراز مواطن الضعف فيه[3].

سنعتمد في قراءتنا لهذا الكتاب، على منهج يقوم على العرض والنقد؛ إذ إننا سنسعى، في البداية، إلى تقديم الأفكار الواردة في البحث، وعرضها بأكثر ما يمكن من الموضوعيّة والحياد، دون أن نتقيّد، بالضرورة، بنظام الفصول الذي اعتمدته الباحثة. ثمّ سنسعى، ثانيًا، إلى البحث في مواطن القوّة في العمل، ونستجلى مواطن الضعف والتناقض فيه.

صرّحت الباحثة، منذ المقدمة: أنها تسعى إلى البحث عن محمّد التاريخي، ذاك الرجل من لحم ودم، ولعل أفضل فترة، عندها، للكشف عن معالم هذه الشخصية، هي أيّامه الأخيرة، وقد اعتبرت الباحثة أنّ المسلمين لا يعرفون شخصية نبيهم؛ وإنّما هم يعرفون صورة أسطوريّة ومقدسة عنه، وهذه الصورة الأسطوريّة، هي التي تجعلهم يتعصبون له، ويحرّمون الرسوم التي تجسّده[4]. وللبحث عن الصورة التاريخيّة (الحقيقيّة) لمحمد؛ اعتمدت الباحثة جملة من المصادر، أهمّها؛ القرآن، والحديث، وكتب السيرة، والتاريخ، واعتمدت الروايات السنيّة والشيعيّة، وهي واعية، كما بيّنت، بأنّ هذه المصادر تثير العديد من الأسئلة؛ فالقرآن جمع بعد وفاة الرسول، والحديث جمع بعد قرن ونصف، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأخبار.

I- العرض:

1- شخصيّة محمّد:

يجب الإشارة إلى أنّ الباحثة لم تخصّص فصلًا مستقلًّا ومحدّدًا ترسم فيه معالم شخصيّة محمّد؛ وإنّما وجدنا تفاصيل هذه الشخصيّة مبثوثة في فصول الكتاب، من ذلك؛ في الفصل الثالث: "الرواية العائليّة"، أو الفصل الرابع: "الابنة والصهر"، أو الفصل الخامس: "عائشة الحميراء". وقد رسمت الباحثة، من خلال المصادر، جملة من السمات الخِلقِيّة والخُلُقيّة لمحمّد؛ فصوّرته جميل المنظر، وأحور العين، وأبيض البشرة، ومرسل الشعر، وقويّ البنية. وهو فضلًا عن ذلك؛ محبّ للطيب والمسك، يستعمل السواك والكحل والحنّاء، وهو، أيضًا، شهوانيّ، يدلّ على ذلك، زيجاته المتعدّدة.

وصوّرت الباحثة، انطلاقًا من الأخبار، محمّدًا عصبيّ المزاج، ويتصرّف تصرّفًا قبليًّا؛ إذ لا يتورع عن خطف الأكيدر، صاحب دومة الجندل، وينكّل به ليأخذ منه مالًا، رغم أنّه لم يكن أسير حرب؛ بل هو لم يتورع عن تنكيل وقتل من اعتدوا على راعي غنمه؛ فأمر أن تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم طرحهم في الخلاء يموتون ألمًا وعطشًا، وتعتبر الباحثة؛ أنّ محمّدًا كان فاحش الثراء، وهذا الثراء ناجم عن ما ورثه من زوجته خديجة، وهو ناتج، أيضًا، عن غزواته المتعدّدة التّي كان يأخذ خمسها، وتعتبر الباحثة أنّ الأخبار التّي تشير إلى زهده وفقره؛ إنّما هي أخبار تحاكي قصص الزهّاد من المسيحيين، وقد رأت أنّ محمّدًا كان داهيّة سياسيّة، وكان حريصًا على نفسه، يخشى الدسائس المتأتيّة من محيطه الخارجيّ، ومحيطه العائليّ، كما أنه كان غيورًا على نسائه، وقصة الإفك خير دليل على ذلك.

2- تراجع سلطته:

ترى الباحثة أنّ بوادر انهيار سلطة أبي القاسم، بدأت مع هزيمة جيشه في غزوة مؤتة 629م؛ فقد تكبّد المسلمون هزيمة نكراء على يد البيزنطيين؛ إذ مات ثلاثة أمراء في هذه الحرب، ولو لم يتدخّل خالد بن الوليد بدهائه العسكري، لأبيد الجيش الإسلاميّ. ثمّ تواصل نسق الانهيار مع غزوة تبوك أو غزوة العسرة 631م، عندما رفض العديد من المسلمين المشاركة في هذه الغزوة؛ لأنّ توقيتها كان موافقًا لموسم الحصاد، ولأنّ الحرارة كانت لا تطاق في ذلك الوقت من السنّة، ولكنّ الحدث الخطير في هذه الغزوة، حصل أثناء عودة الرسول؛ ففي العقبة، تعرّض إلى محاولة اغتيال، وتلمح الباحثة إلى أنّ أصحاب الفعلة والمؤامرة كانوا من أقرب الصحابة؛ بل هي تشير، استنادًا إلى الرواية الشيعيّة، أنّ أبا بكر وعمر هما مُدبِّرا هذه المؤامرة، ولعلّ ما يدلّ على بوادر انهيار سلطة النبيّ، هو؛ عدم قدرته على معاقبة الجناة، ويبدو أنّ الرزيّة الكبرى، وقاسمة الظهر، تمثّلت في موت ابنه إبراهيم وهو في المهد صبيّا.

انعزل محمّد وتهيّأ لملاقاة ربّه، فحجّ حجّة الوداع، ولكن أثناء هذه الحجّة، أمضى كبار الصحابة معاهدة سريّة هي: "الصحيفة الملعونة"، ورفضوا رغبة محمّد إسناد الخلافة إلى عليّ في غدير خمّ، ويبدو أنّ محمّدًا قد نجا مرّة أخرى، من محاولة اغتيال ثانية، في طريق عودته من الحجّ، أشارت الباحثة إليها، وإن لم ترجّحها.

3- مرض الرسول:

تشير الباحثة إلى أنّ محمّدًا كان يشكو من آلام حادّة في الرأس (migraine)، ولكن آلامه هذه ازدادت حدّة في مرضه الأخير إلى درجة الإغماء، وأثناء مرضه، اتّخذ قرارًا تمثّل في إرسال غزوة بقيادة أسامة بن زيد إلى جنوب فلسطين، لمحاربة الروم، غير أنّ القرار لم يلق ترحيبًا من الصحابة؛ فلم يحرصوا على تطبيق أمر الرسول؛ فكيف لأبي بكر وعمر أن يذهبا في جيش قائده غلام لا يتجاوز سنّ العشرين؟ وتستنتج الباحثة: أنّ محمّدًا لم يكن يثق في هذين الصحابيين، وأراد إبعادهما عن المدينة، حتّى يكلّف عليًّا بالخلافة[5]، ولكنّ الصحابة أدركوا هذا المخطّط، وعادوا خفية إلى المدينة، ووقفوا حجر عثرة أمام كتابة الرسول لوصيّته الأخيرة، وقد وصفت المصادر هذا اليوم بـــ (رزيّة الخميس)؛ فقد صدّ عمر، بأسلوبه الفظّ، الرسول الراغب في كتابة وصيّته، واحتجّ بأنّ الرسول كان يهجر، ومن ثمّ، خلصت إلى أنّ عمر فرض سلطته، كما كان يفعل دائمًا.

وعمر، كما صوّرته الباحثة: حادّ الطبع، وسريع الغضب؛ فهو يظهر، مرّة، أكثرَ إسلامًا من الرسول، ويعتريه، مرّة أخرى، شكّ يكاد يعصف بإسلامه. ثمّ بحثت المؤلفة في سبب مرض محمّد، ونفت الرواية القائلة بأنّ زينب بنت الحارث، وهي يهوديّة، قد سمّمته، ونفت أن يكون مرضه نتيجة السحر الأسود، ورجّحت أن يكون قد أصيب بــ "ذات الجنب" (pleurésie)، ولكنّها لا تستبعد أن يكون وسطه العائلي قد دسّ له السمّ، ومن ثمّ؛ فإنّ خيوط المؤامرة بدأت تنكشف: عمر يمنع الرسول من كتابة وصيّته، وعائشة عين أبيها على محمّد تسمّمه لينال أبو بكر الخلافة.

4- وفاة الرسول:

عُزل محمّد في بيت عائشة، وضُرب عليه الحصار، وأصبحت عائشة، الحميراء، قناةُ تواصُلِه مع العالم، تنقل إلى العالم من أخبار محمّد ما تريد، وتنقل إلى محمّد من أخبار العالم ما ترغب فيه.

توفيّ محمّد؛ فانتشر الخبر، واضطربت المدينة، ذلك أنّ محمّدًا سيكون على المسلمين شاهدًا، ولمّا جاء محمّد معلنًا نهاية العالم؛ فإنّ وفاته تعني النهاية، وظنّ المسلمون، في البداية، أنّه سيبعث من جديد، وهاج عمر وماج، ملوّحًا بسيفه، ومهدّدًا كلّ من يقول بوفاة محمّد بالقتل.

لم يكن المشهد، حسب الباحثة، إلاّ مسرحيّة غايتها ربح الوقت، حتّى يتمكّن أبو بكر من تسوية الأمور وضمان الخلافة؛ فقد صوّرت الباحثة أبا بكر على أنّه شيخ مرهف الإحساس، يبكي سريعًا، ولكنّ هذا الرجل كان شيطانه في جيبه، وبعد أن أتمّ هذا الذّي شيطانه في جيبه صفقته، وحبك خيوط اللعبة، جاء مستشهدا بآية، يقول عمر أنّه لم يسمعها إلاّ في تلك اللحظة، رغم أنّ عمر كان حادّ الذاكرة؛ فهو يتذكّر من الآيات ما لا يعرفه غيره، من ذلك؛ آية الرجم وإرضاع الكبير، التّي أكلها داجن حسب عائشة، وقد ظلّلت جثّة محمّد من الاثنين إلى الأربعاء ليلًا، حتّى تعفّنت، واقتنع الصحابة بموته، ثم تعهّدها عليّ وبعض آل البيت، ودُفنت الجثّة، ولم تتفطّن عائشة بمراسم الدفن، إلاّ عندما سمعت وقع الفؤوس.

استنتجت الباحثة من خلال عرضها هذا بعض الأمور الخطيرة:

- لم تكن لمحمّد القداسة التّي يتمتّع بها اليوم لدى المسلمين، ولم يكن إلّا بشرًا؛ بل إنه لم يأتِ برسالة، ولم يكن في نيّته تأسيس دين؛ بل جاء بفكرة نهاية العالم، وعودة المسيح[6]، ولعلّ ما يدلّ على عدم تقديس الصحابة لمحمّد؛ عدم حضورهم لمراسم الدفن، فضلًا عن أنّ قبره ظلّ غير معروف إلى عهد الوليد بن عبد الملك.

- انتهت الباحثة، من خلال رواية موت محمّد، إلى: أنّ محمّدًا جاء بفكرة نهاية العالم، وبموته تفطّن المسلمون بأنّ الساعة لم تحن بعدُ؛ فانبروا يؤسّسون دينًا جديدًا؛ عُمدته في المستوى السياسي: نظام الخلافة، وأساسه في المستوى الدينيّ: ابتكار النصوص الدينيّة. وقد وعى هذا الأمر، منذ البداية، أبو بكر وعمر.

- أمّا النتيجة الثالثة؛ فتتمثّل في دعوة الباحثة إلى ضرورة الانفتاح على المصادر غير الإسلاميّة؛ فقد وجدت البحوث الحديثة إحالات على محمّد في نصوص قديمة معاصرة له، كتبت بالآراميّة والسريانيّة، وهي نصوص من شأنها، مثلًا، أن تساعد على مراجعة سنة وفاته؛ فإذا كانت المصادر الإسلاميّة تؤكد أنّ وفاته كانت سنة 632م؛ فإنّ هذه المصادر تشير إلى أنّ محمّدًا قد شوهد سنة 634م، يقود حملة عسكريّة في غزّة؛ بل إنّ الباحثة تؤكد ضرورة الاستفادة من البحوث الأركيولوجيّة، وهي تشير إلى بحوث (يهودا نيفو) الباحث الأركيولوجي اليهودي، الذي شكّك، أصلًا، في الوجود التاريخيّ لمحمّد.

II- ملاحظات نقديّة:

هذا البحث، شأنه شأن كلّ البحوث العلميّة، فيه جملة من الإيجابيات، وهو، أيضًا، لا يخلو من نقائص ومن إيجابيات هذا العمل:

- لغته الفرنسية الجيّدة والراقيّة في كثير من المواضع: فالكاتبة تكتب بلغة قصصيّة متينة، وهذا ليس بغريب عنها، خاصّة وأنّها تكتب الرواية.

- نثمن، أيضًا، سعة اطّلاع الباحثة، وإحاطتها بالمصادر التراثيّة القديمة؛ السُنّيّة منها والشيعيّة، فضلًا عن ذلك؛ فالباحثة مطّلعة على البحوث الأجنبيّة الحديثةً، اطّلاعًا واسعًا ودقيقًا، وهي تحيل على مجالات معرفيّة متعدّدة، من ذلك؛ عودتها إلى البحوث الأركيولوجيّة، التّي قام بها يهودا نيفو (ت 1993)، وما يعاب عليها في هذا الأمر: عدم نقدها لبعض هذه الأعمال؛ فيهودا نيفو باحث أركيولوجي فذّ، ولكنّ تأويله للحفريات كان تأويلًا يغلب عليه الطابع الإيديولوجي.

- نثمن، كذلك، قدرة الباحثة على ربط الأحداث بعضها ببعض؛ فالكتاب فيه تسلسل واضح، تتناسل فيه الفصول آخذة برقاب بعضها البعض بطريقة سلسة ومشوّقة.

- في العمل، أيضًا، جرأة وطرح للأسئلة المحرقة في مجال يعدّ من المحرّمات، وهذا أمر محمود في كلّ بحث.

نقائص العمل:

يكتشف قارئ هذا الكتاب، منذ الصفحة الأولى، أنّه أمام بحث يغلب عليه الطابع القصصيّ؛ فقد أعادت الباحثة تركيب الأخبار، ونظَمتْها في خيط رابط مشكّلة قصّة، وأنت واجد في كلّ فصول الكتاب، تقريبًا، فقرات فيها وصف دقيق، يكشف عن سارد كليّ المعرفة وكليّ الحضور؛ ففي مشهد محاولة الاغتيال: تصف الباحثة الليل والمكان، وتصف دابّة الرسول والحجارة التي تهاطلت، وإلى غير ذلك من التفاصيل. ونحن ندرك "أنّ التاريخ ليس علمًا؛ بل هو فنّ، ولا يكون للمؤرّخ فيه نجاح، إلّا بفضل الخيال"[7]، كما عبّر عن ذلك أنطول فرنس.

فالمؤرّخ، كما ذكر توفيق بن عامر: "يحتاج إلى شيء من الخيال، حتّى يوفّر لنفسه الانسجام والتكامل بين أجزاء الصورة، ولكن بشرط؛ أن لا يكون ذلك الخيال مُستمدًا من مواقف مسبقة، ولا مستنِدًا إلى منهجيّة انتقائيّة"[8]، وهذا ما سقطت فيه الباحثة.

لقد سعت هالة الوردي إلى البحث في الحقيقة التاريخيّة لصورة الرسول، وصورة مجتمع الدعوة، وقد أكّدت أنّ المسلمين يعتقدون بصورة أسطوريّة بعيدة عن الحقيقة، ولذلك؛ فإنّ همّها سيكون البحث في بشريّة الرسول، ونحن نشاطرها الرأي في كشف هذه البشريّة، ولكن شتّان ما بين الإقرار بالبشريّة، وإخراج صورة تظهر الرسول لا خصال له إلّا بعض الخصال الخِلقيّة، ونحن لا نعتقد أنّ شخصًا لعب دورًا مهمًّا في التاريخ، دون أن يكون متحلٍّ بجملة من القيم الساميّة؛ فلم يكن العرب سذّجًا ينقادون إلى شخص لا ميزة له. ولعلّ سبب انزياحها عن الحقيقة العلميّة، يتمثّل في قراءتها المسبقة والمتأثّرة ببعض الأدبيات الاستشراقيّة، التي قرأت سيرة محمّد في ضوء سيرة عيسى، فكانت أيّام محمّد الأخيرة، عندها، تحاكي الأيّام الأخيرة لعيسى، ولذلك؛ تخيّرت من النصوص ما يخدم فكرتها المسبقة، وسكتت عن النصوص التي فيها تفرّد في سيرة الرسول، وقد حكمت القراءة المسبقة والانتقائيّة عمل الباحثة؛ فكانت صورة محمّد صدى لما صاغته بعض البحوث الاستشراقيّة، التي انطلقت من مسلمة إيديولوجيّة مفادها: (لا أصالة في الإسلام)؛ إذ إن الإسلام، عندهم، هو امتداد أو نسخة محرّفة عن المسيحيّة.

وهكذا؛ فإنّ محمّدًا تعرّض للخيانة، وعرف المحنة قبل الموت، كما تعرّض المسيح، من قبلُ، إلى الخيانة والمحنة، ولا يقف الأمر، عند الباحثة، عند هذا الحدّ؛ بل يمتدّ الأمر إلى بدايات تشكّل الإسلام؛ فمثلما نشأت المسيحيّة بعد موت عيسى، حين تكفّل بولس، رسول الأمم، بالبناء العقدي لهذه الديانة؛ فإنّ الإسلام وجب أن ينحو هذا المنحى، فتكون بداية الإسلام بعد موت محمّد، وكان أبو بكر وعمر هما مؤسسا هذه الديانة.

أمّا التناقض الصارخ في عمل الباحثة، فهذه تفاصيله: استندت الباحثة، في استجلاء الحقيقة التاريخيّة، على الأخبار المبثوثة في كتب التراث الإسلاميّ، ولكن يبدو أنّ هذه الأخبار قد أرهقتها من أمرها عسرًا، وجعلتها تقع في اضطراب، نذكر منها، مثلًا: صورة عليّ؛ إذ صوّرت الباحثة عليًّا، في الصفحة 112، في أبشع صورة؛ فهو بشع المنظر، وأجلح، وكسول، وثقيل الظلّ، وقد نعته الرسول بأبي تراب، وركّبت أجزاء بدنه تركيبًا غير متناسق. وبعد هذه العبارة، وضعت إحالة رقم 20، نقرأ في الإحالة المصادر التّي استندت إليها في وصفها، ثمّ نقرأ تعليقًا مفاده: هذه الصورة هي محاولة من الرواية السنيّة لتشويه عليّ[9]. ولكن، إذا كانت الباحثة واعية بأنّ الصورة إنتاج غايته الحطّ من شأن عليّ؛ فَلِمَ تَبَنَّتْها في متن العمل؟ ولا يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ؛ ففي الصفحة 115، تنتقد الباحثة صورة عليّ البطل المقدام في الحروب، والخطيب الفذّ، وترى أنّ هذه الصورة من إنتاج المتخيّل الشيعيّ؛ فأيّة صورة، إذن، لعليّ، إن لم يكن لا هذا الرجل القبيح الكسول، ولا ذاك المحارب والخطيب؟

لقد أقرّت الباحثة في بداية الخاتمة؛ أنّ محاولة رسم صورة لمحمّد، انطلاقًا من الأخبار، عمليّة عصيّة؛ بل مستحيلة، فقد تعدّدت الروايات وتناقضت، ولم يجمع المؤرخون على حدث واحد، ولا على تاريخ واحد؛ فالمؤرّخ محكوم بأن يسير في متاهة، مسترشدًا بما جاء في هذه الأخبار، التّي تزيد من ظلمة الطريق، ولذلك؛ فإنّ هذه الأخبار لا تصلح، عندها، لرسم معالم شخصيّة محمّد، وإذا كانت الباحثة قد أقرّت أنّ هذه الأخبار مضطربة، ولا يمكن أن تكون عمدة للبحث؛ فإنّ عملها، استنادًا إلى ما أفصحت عنه، ينهار بناؤه، ما دامت قد شيّدته على هذه الأخبار.

هذا هو التناقض الصارخ في العمل، وقد أحسّت الباحثة في آخر فقرتين من الخاتمة بهذا الحرج؛ فخلصت إلى أنّ البحوث الحديثة، لم تعد تنظر في هذه الأخبار بمعيار (صدق أو كذب)؛ بل أصبح يُنظر إلى هذه الأخبار، باعتبارها تمثّلات رسمها المؤرّخون وكُتّاب السِيَر، والأجدر تغيير الأرضيّة المعرفيّة لتفهّمها، وهذا دليل قاطع على عقم مقاربتها، وعدم نجاعة الأرضيّة المعرفيّة التي استندت إليها، ولذلك؛ صرّحت في هاتين الفقرتين بتغيّر الأرضيّة المعرفيّة في البحوث العلميّة الحديثة، ولعمري، إنّ هذه الأرضيّة المعرفيّة الجديدة؛ هي التّي شرّعت للمقاربة بالمتخيّل، بحثًا لا عن صدق هذه الأخبار أو كذبها؛ وإنّما عن ما تنهض به من وظائف، وما تكشف عنه من دلالات.

وإذا كانت البحوث العلميّة الحديثة المهتمّة، أساسًا، بمبحث المتخيّل، قد بيّنت أنّ هذه الأخبار: هي تمثّلات صيغت في إطار جدل عقديّ معقّد، بين أطراف متصارعة، وكشفت عن رغبات دفينة لدى منتجيها؛ فإنّ ما صاغته الباحثة، من وجهة النظر هذه، لا يعدو أن يكون تمثلًا من جملة التمثلات، أمّا غايته فتلك قصّة أخرى.

[1]- Hela Ouardi, Les derniers jours de Muhammad, Albin Michel, 2016.

[2]- موقف محمّد الطالبي في ملتقى الجمعيّة الدوليّة للمسلمين القرآنيين، يوم 18 ماي 2016. فقد اعتبر الكاتبة "انسلاخسلاميّة، متفرنسة، سوّت حسابها مع محمّد".

[3]- لا بُدّ من الإشارة: أنّنا استفدنا استفادة جمّة من تقديم أستاذنا توفيق بن عامر.

[4]- لعلّ خير مثال على تعصّبهم: أحداث شارلي هبدو.

[5]- رغم أنّ الباحثة أشارت، في موضع آخر، إلى أنّ محمّدًا لم يكن يثق، أيضًا، بعليّ.

[6]- هذه الأطروحة عبّر عنها بول كازانوفا منذ 1913 في كتابه:

Casanova, Paul, Mohammed et la fin du monde, Paris, P. Geuthner, 1911-1913.

[7]- جلال الدين سعيد، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفيّة، تونس، دار الجنوب، ص 89

[8]- ورد هذا القول في تقديم الأستاذ توفيق بن عامر.

[9]- ورد التعليق على الإحالة 20 في ص 308

عن موقع مؤمنون

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا