ريم كولاس... فن عمارةٍ مشرعة على الاحتمالات والمستقبل ... تدغم الثابت في المتحرك

7:19:00 ص



أخاف الأماكن المغلقة، وغالباً ما تفاقم العمارة وفنونها خوفي هذا. فهي تفرض على المرء سيناريوات مُكبِّلة ومقيدة تستبعد تطورات المكان المقبلة واستخداماته الجديدة والطارئة. وفي ساكليه (ضاحية باريسية)، راقبنا حركة الطلاب، وفكرنا في حركة تنقلهم، وشرّعنا المكان على احتمالات وصممنا حرماً جامعياً يبدو مندمجاً في المدينة: وكل شيء فيه مشرع على الاحتمالات. وكنتُ صحافياً قبل أن أكون معماراً. لذا، لا أسارع فور إعلان مسابقة أو مناقصة إلى طاولتي لأرسم مشروعاً. فأنا أحتاج الى مراقبة الحركة في المكان. وفي مكتب العمارة والهندسة «أوما»، أرسينا أسساً مؤسساتية لهذه المقاربة من طريق انشاء وكالة «آمو» («أرشيتكتشور ميديا اورغانيزيشن»). وهذه الوكالة في مثابة مكتب بحوث، ومختبر للمجتمع، والمدينة. فقبل الانتقال الى عالم الخيال، لا غنى عن المشاهدة أو الرؤية (الملاحظة).
ومشروع الجسر في مدينة بوردو بالغ البساطة والرصانة. فمنذ 15 عاماً، أقصت المشاريع المعمارية الكبيرة كل ما هو بسيط وزاهد ومتواضع. وكأن كل ما هو مرتبط بالعمارة يجب أن يجلو على صورة بالغة الجرأة والبراعة والتجديد. فالجسور زودت بحبال معدنية ضخمة أو غلاف خلاب، أو مدخل لا نظير له. وهذه مغالاة في طلب الاستثنائي... ولكن في بوردو، عوض ان أصنع عمارة بهلوانية البنية أو عملاً استثنائياً، اخترت تصميم جسر عادي وعملي. وصممتُ كذلك حيزاً اضافياً، الى حيز السير على الجسر، مشرّعاً على الاحتمالات حيث في الإمكان تنظيم سوق أو حفل أو مهرجان. فيتحول الجسر الى حيز عام أو دائرة من دوائر العلانية. وعوض استنفاد الموازنة المخصصة للمشروع في بهلوانيات معمارية، خصصناها لإنشاء حيز مزدوج الاستخدامات، فشرعنا الأبواب على المقبل.
وفي مشروع إنشاء مؤسسة شركات غاليري لا فاييت القيود كثيرة. فالمبنى قديم، والعمل فيه يُلزم المعمار بقوانين الحفاظ على الأنصاب التاريخية. فهامش العمل مقيد ومقلص. وفي البدء، كان متعذراً علينا التغيير في العناصر الهندسية المتحدرة من القرنين السادس عشر والسابع عشر فحسب، ولكن التعذر توسع ليشمل تلك العناصر الموروثة من القرن التاسع عشر. وكان شاغلنا العمل في باحة المبنى التي صارت باحة متحولة: إما نحرر مساحتها ونرسي فراغاً كبيراً، وإما ننقلها بواسطة مصعد الى طابق أعلى وكأنها مسرح يتغير فيه الأثاث من لوحة الى أخرى. ولطالما كانت أثيرة على قلبي الأشياء المتحركة وغير الثابتة، وأعتقد أنني بذلت ما في وسعي لإدغام الثابت في المتحرك في المباني التي أصممها.
وباريس مدينة بالغة التماسك العمراني حيث عدد الأبنية التراثية يفوق نظيره في لندن، ولا أجد صعوبة في التزام قواعد الحفاظ على التراث في المدن الأوروبية. ففي برلين، التزمت مثل هذه القواعد حين تشييد سفارة هولندا هناك من غير صعوبة أو تعثر. ولكنني أرى أن هذه القوانين تفتقر إلى الدقة. فحصة المدن الأوروبية من النصب التذكارية كبيرة، ولكن العلامات على الذاكرة وأنصابها شحيحة. فكل ما يُربط بمرحلة قبيحة أو بالشر يُمحى ويُزال في وقت أن الحفاظ على مثل هذه المباني يسمح للأجيال المقبلة بفهم التاريخ. وأشير في ما تقدم الى جدار برلين. فحين كنت طالب هندسة وعمارة في لندن، كانت تغلب على العمارة رؤية المتعة والخفة والسطحية. وحين زرت جدار برلين، وقفتُ للمرة الأولى أمام الدور السياسي للعمل الهندسي والمعماري. فالهندسة والعمارة قد تفصل أو تنشئ بؤراً أو قد تساهم في القمع. وهذا الجدار كان شاهداً على القمع الشيوعي بعد القمع النازي، وكان يحمل دروساً في التاريخ حُرمت منها الأجيال المقبلة وأبناء اليوم.

وما يُشيّد في الشرق اليوم أهم مما يشيد في الغرب في ميزان الإنتاج المديني. ومن حظي أنني بدأت مبكراً في «التعولم» (الانفتاح على العالم والاتصال به) والعمل في الخارج، والاهتمام بما يجري خارج الغرب. وهذا يعود في شطر منه إلى نشأتي في إندونيسيا. وشاغل أوروبا نموذجها في المدن التاريخية، في وقت يشيد العالم مدنَ اليوم تشييداً لا يكل. وأعمل مع الجيل الشاب. والتفاعل والتبادل معه هو جسري الى موارد جديدة وأفكار. ولكن هذا القرب يزعجني أحياناً، فعلى سبيل المثل، باحة الوكالة المعمارية يلفها الصمت، على خلاف حالها قبل سنوات قليلة، وكانت صاخبة ومليئة بضوضاء المهندسين الشباب. ولكن أبناء الجيل اليوم صامتون ومشغولون باتصالات تدور في عالم الشاشات وخارج المكان. وهذا صمت خطير.


* معمار هولندي، عن «لوبوان» الفرنسية، 26/10/2017، إعداد منال نحاس
عن جريدة الحياة

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا