العظام الرميم

9:13:00 ص
كتبها محمود الزيباوي في صفحته الفايسبوكية


لا تتحدث الأسفار الموسوية عن قيامة الأموات بشكل جليّ، ولا تجعل منها ركناً من أركان الإيمان الأساسية. نقرأ في سفر تثنية الإشتراع: "الآن، إنني أنا هو ولا إله معي، أنا أميت وأنا أحيي، وأجرح وأشفي" (32، 39)، غير أن هذا "الإحياء" لا يجد له وصفاً إلاّ في بعض الأسفار الشعرية والنبوية. 
تتجلّى هذه القيامة في الكتب النبوية بشكل خاص، وفيها يتحدّث دانيال بقيامة الجسد ومكافأة الأبرار وعقاب الخطأة في "وقت النهاية"، حين يستيقظ الكثير من الراقدين في أرض التراب، "بعضهم للحياة الأبدية، وبعضهم للعار والرذل الأبدي" (12، 2). تجد هذه الرؤيا تعبيرها الأقصى في الإصحاح السابع والثلاثين من سفر حزقيال (1-14)، حين يشاهد النبي بأم العين كيف ينشأ العصب واللحم على العظام اليابسة قبل أن يحلّ عليها الروح ويحييها.
في "تاريخ الرسل والملوك"، سجّل الطبري روايات عديدة تستعيد هذا المشهد، وقد نقل هذه الروايات كذلك في "جامع البيان في تأويل القرآن"، وجاء هذا العرض في باب تفسير الآية 243 في سورة البقرة: "ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون". بعد الطبري، استعاد الكثير من المؤرخين والرواة هذه الروايات ونقلوها مع اختلاف في اللفظ والتعبير، طورا بشكل مختصر وطورا بشكل مطوّل. تتبدّل التفاصيل والوقائع في الروايات التي سجّلها الطبري، وبطلها نبي أسمه حيناً حزقيل، وحيناً آخر هزقيل، وهي في بعض الأخبار نبي لا يذكر الرواة اسما له.

في واحدة من المنمنمات الأربعين التي تزيّن مخطوطاً عنوانه "زبدة التواريخ" أُنجِز عام 1583 بطلب من السلطان مراد الثالث، يظهر النبي حزقيل معتمرا عمامة عظيمة تحوطها هالة نارية عثمانية الطابع. نراه تحت سماء من الذهب الخالص، منتصبا وسط عظام أرض خاوية تحدّها تلال صخرية جرداء، رافعا يمناه نحو الأعلى، في حركة ترمز إلى المخاطبة. ينادي حزقيل ركام العظام المبعثرة فوق هذه الأرض القاحلة ويتكلم بما أُمر: "أيتها العظام الرميم التي قد رمت وبليت، ليرجع كل عظم إلى صاحبه"، "أيها اللحم والعصب والجلد، اكس العظام بإذن ربك". يخرج جسدان من قبريهما بعدما عادت إليهما الحياة، ويهمّ جسد ثالث بالنهوض من مثواه. 
تكتمل القصة في رواية تُنسب الى مجاهد، وفيها خرج الأموات وهم يسبّحون: "سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت"، وعادوا إلى قومهم "أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى، سحنة الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن، حتى ماتوا لآجالهم التي كُتبت لهم".

;

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا