الدكتور محمد الحجيري... سر الخرزة الزرقاء وأشباه جحا الكُثر(5)

3:21:00 ص
الحلقة الخامسة من مقالة الدكتور محمد الحجيري "كان أبي، بين الحنبن وصادق القول"

 

 لقد قرأت في مذكرات أحد المناضلين البلاشفة أنّه قد سُجن بمعيّة ساحرٍ كان قادراً على إخفاء الأشياء. يضع علبة الكبريت مثلا أمام محدّثه ومن ثم تختفي تلك العلبة. وانفصل الرجلان عقب ذلك، وبقي ذلك البلشقي العلماني في حيرة من أمره. ولم يبارح ذاك اللغز تفكيره على مدى سنوات طويلة إلى أن وجد الحلّ للمعضلة التي تحدّت ملكة المنطق عنده، ربّما خطر بباله طريقة إصطياد الضفدعة والحرباء لفرائسهما التي تجري بسرعة يعجز النظر عن رؤيتها. فاستوحى الحلّ من هذه الخاطرة. وقد تمرّن الرجل طويلا حتى أصبح قادرا على فعل ما كان يفعله الساحر من إخفائه للأشياء. ولعبت الأقدار لعبتها فجمعت الرجلين معاً في سجن واحد من جديد. وقال البلشفي للساحر: أساليب الخداع أيها الساحر بلا أفق، وستنكشف عاجلا أو آجلا، وها أنا استطيع أن أخفي ما تخفيه أنت، وأن أفضح سره. فقال له الساحر أقرّ لك بما فعلت، فقد كشفت سرّي بما يخصّ هذا الأمر، ولكن، ثمة أمرٌ آخر لن تصل إلى سرّه أبدا، فقال البلشفي وما هو ذلك الأمر فردّ الساحر: بعد قليل سوف يصل إلى السجن أمرٌ من القيصر يقضي بإخلاء سبيلك دون قيدٍ أو شرط. فاستهجن البلشفي هذا  الحديثَ وقال: هذا هراء فأنا نزيل السجن المؤبد. ولكن وفق ما ورد في المذكرات، وصل ذلك الأمر بالفعل، وأخلي سبيل المناضل البلشفي الذي كتب: " إنهما خدعتان تمكنت من تفسير أولاهما أمّا الثانية فيبدو أنّ العمر لن يكفيني لتفسيرها، ولكن مهما كان تفسيرها ستبقى مجرد خدعة". 
كان من عادات والدي قبل اشتداد المرض عليه أن يرسل لي عن كل يومٍ رسالة، وغالبا ما كانت تصلني مجموعةٌ كبيرة من الرسائل دفعة واحدة وكانت المراسلة تجري من خلال تاجر جملة من آل السباعي في حمص يعرفه كافة أهل ضيعتي بحكم علاقات البيع والشراء. على الرغم من أن الجميع يعتبر أن قلمي سيال فإنه لم يكن باستطاعتي الرد على كل رسائل أبي لأن أخباري تُستنفد بسرعة وهي متشابهة وروتينية. ووالدي من النوع الذي ينتقي من كلام محدثه ما يريده فقط ويردّ على الأسئلة التي تعجبه فقط. وقد  حاولت كثيرا أن أناقش والدي حول مقدرة الإنسان غير التقليدية ولكن دون جدوى، فهو لا يتاقش هذه الأمور. كنت قد أمضيت في روسيا أربع سنوات متتالية 1976-1980، كنت خلال فصول الصيف أذهب كل مرة في عداد فصائل العمل الطالبية الى سيبيريا أو شمالي كازاخستان للعمل هناك على أمل أن أجمع بعض النقود لأسافر بها الى لبنان لزيارة أهلي. الحقيقة، لقد كنت مستهترا قليلا بسبب تبذيري ما أكسبه كل مرة. في أحد المرات عقب رجوعي من العمل في سيبيريا كان معي مبلغ كبير يعادل ضعفي معاشي على مدار عام بأكمله. فأتاني أحد معارفي من أصحاب المونة، وممّن كانوا بجوّ مأزقي وما يحدث معي، وطلب مني إيداع المبلغ في مصرف التوفير لستة أشهر. أسقط بيدي فما كان بوسعي أن أخذله. ففعلت ما طلبه مني. والحق أقول: هذه الطريقة قد مكنتني من السفر إلى لبنان في العام  1980 لمدة أسبوعين. لقد كانت أسرتي فرحة جدا بقدومي وتوفر لي الكثير من الوقت للتحدث مع أبي. وتمكنت بشكل ما من مناقشة مواضيع الخفة والخداع التي نراها في السيرك وتُعرض أحيانا على شاشات التلفزة، وأخيرا أخبرته بقصة البلشفي فأعجب باستنتاجه القائل إن الخداع يبقى خداعا حتى ولو فشلنا في تفسيره. فصفن طويلا وقال المشكلة ليست في تفسير الظواهر بل في الناس الذين يتعامون عن الحقيقة  ويتقاعسون عن بذل الجهد للوصول إليها وهم في هذا الإطار يعطلون أدمغتهم بأيديهم ويبدون مشابهين بالضبط لجحا في قصته مع غصن الشجرة. وأنا أسمّي هؤلاء التاس "فئة جحا" وهم كُثُر. فقلت له وهل ينطبق ذلك على قصة الخرزة الزرقاء التي يتكلم عنها الناس منذ ثلاثين عاما فابتسم وقال بالطبع. فكل المسألة تتمحور حول حدود المعرفة المتوفرة وإمكانية الاستدلال منها. قلت: أبي هل لك أن تشرح لي بالتفصيل رجاءً. تململ قليلا وقال: ماذا بالضبط؟ أجبته فسر لي مثلا كيف استطعت معرفة ما خفي على الناس والحضور في القصة المعروفة عن الرجل العجوز والخرزة الزرقاء. حسنا لقد رأيت كلّ شيء . كيف لك ان ترى ذلك وقد كان الرجل عند دكان عبد الكريم في حين كنت أنت على بعد يقارب المئة وخمسين متر عنه فقال إنك لم تستوعب الأمر حتى الآن، فرؤية الشيء لا تعني بالضرورة رؤيته بالعين، ووضعي الآن معك يشبه تماما وضع  الرجل الذي كان يعرف أن جحا سيقع إذا ما تابع نشره الغصن، وهو هنا لا يستخدم النظر أو السمع انما يستند إلى برهان عقلي. وسأنتقل الأن إلى الملموس: فما هو المعلوم؟ وما هو المطلوب؟ نظرت إلى الرجل العجوز وقد تأكدت أنه يأكل شيئا ما، وبصعوبةٍ كبيرة، فما يمكن أن يكون هذا الشيء؟ إذا ما استعرضنا الإمكانيات المتوفرة كلها لهذا الشيء في البلدة آنذاك (حوالى سنة 1950) فلن نجد بين الخيارات (زبيب، قضامة... خبز) شيئا ينطبق على الصورة سوى قديد التين. أمّا وجود السكين في الحزام فهو تقليد لجيلٍ بأكمله من أتراب هذا العجوز، وبهذا المعنى فهو لن يكون مختلفا عن زملائه. وبالنسبة إلى الخرزة فالأمر أبسط بكثير، ذلك أن كل حزامٍ جلديّ يُصنع في المعمل يوضع فيه خرزة زرقاء. وهذه المعلومة أنا واثق منها.


(*) باحث في الجامعة اللبنانية، كلية الهندسة الفرع الاول له عدة مؤلفات منشورة وغير منشورة. 

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا