محمود الحجيري: ذاكرة الرفيقين كمال وقاسم في "كنيستي"

2:29:00 م

محمود الحجيري

ناشط ثقافي، وفي هذه المقالة يستذكر رفيقيه الشهيد كمال الحجيري(1964 - 1986) استشهد في شبعا والشهيد قاسم الحجيري (1957 - 1982) استشهد في بيروت.

تباخلت عليّ الحياة واقتطعت جزء اساسيا من قوتي الجسدية، لم تنفع الوساطات ودفع الرشاوي بما اننا نعيش في لبنان بلد المحاصصة والمحسوبيات، حتى وصلت مع الاهل للاستعانة بعالم الغيب قبل ان أصبح في سن الراي والمشاركة وطلب المساعدة من المغربي راكب الحصان دون نتيجة حكم مبرم. تصالحت مع الحياة وتجاهلت ظلمها وتقتيرها والتزمت الصمت حتى اغيظها وعشتها بأدق تفاصيلها بعد ان "بحبشت" بخفاياها عن ادق التفاصيل، ولهذا السبب امارس نشاطاتي على مسرحها بما يتلاءم مع الجزء اليسير التي جادت به عليّ من القوة الجسدية، وقد فرضت عليّ كذبة بيضاء اليوم بعد عقود من الزمن وتغير الظروف الموضوعية المحيطة وتبدل المعسكرات ومراكز القوى اذا تعرضت لسؤال هل شاركت بالحرب الاهلية اللبنانية؟ يأتي الجواب عفويا وبريئا، كلا لم تتلطخ يدي بالدماء ولم أشارك ولم احمل السلاح، وهنا الكذب الابيض او الملون لا فرق لان عدم مشاركتي ليست عفة نفس او قراءة ذات بعد وطني او انساني بل نتيجة عجز جسدي، واحيانا اقف لحظة مصالحة مع الحياة واقتنع من خلال استرجاع شريط الاحداث بأن الحياة حسمت عليّ جزءا اساسيا من قوتي لتهبني العمر، فقد كان لدي من الشحنات الثورية وقوة الاندفاع ما يجعلني شهيدا في اي مكان وعلقت صوره على الجدران العتيقة ومحاها الزمن وخرج مستثمر الدماء وسارق التاريخ والتضحيات يرفع صراخه ويصنف الناس بين شريف وغير شريف وخائن ومقاوم....
قاسم الحجيري

وكل هذا الكلام فاضت به الذاكرة في ذكرى مجيدة من تاريخ شعبنا وهي انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في بيانها التأسيسي الموقع في 16 أيلول 1982 من قبل جورج حاوي ومحسن إبراهيم، وجاشت عواطفي وانا اتذكر الرفاق الابطال الذين مروا افراد وجماعات على مسرح حياتي ولعبوا ادوارهم بكل عفوية وبساطة وتركوا بصمات ومواقف حفرت في الوجدان قبل ان يرحلوا في مشوارهم الاخير الى حدود الكون الجنوبية وانغراسهم هناك في شقوق الصخر وفي احضان التلال والروابي بانتظار فجر جديد تأجل بزوغه بفعل كتلة ظلام معتقة في خوابي غابر الزمان، وكان المسرح عبارة عن دكان صغير في ساحة البلدة تحولت مع الايام الى مركز بريد، ونقطة انطلاق وتجمع، ومركز استعلامات اي رفيق يريد الاخر عليه السؤال عنه او ترك خبر له في هذه الدكان، وحتى اغلب الرفاق الذين كانوا ينطلقون من البلدة الى مراكز الحزب كانوا يمرون بالذهاب والاياب على المقر، وفي هذه المناسبة اتذكر كلمات وضحكات الشهيد كمال الحجيري وهو يقول: يا رفيق هذه كنيستنا واذا لم نزرها كل يوم ونبخرها لم نتوفق في اعمالنا، هو ذلك الشاب الشيوعي الجدي والشديد الانفعال والغضب ويدخل القلوب بلا استئذان وصداقته صادقة وكرهه لمن يكره واضح ولا يعرف المهادنة والمراوغة في علاقاته، قبل استشهاده بفترة قصيرة كان يشرب القهوة في كنيسته فوصلت سيارة من خارج عرسال فيها عدد من الرفاق "بخروا " وسلموا علينا وغادروا، فسألني هل قرات عن عملية لولا عبود؟ قلت قرأت. قال هذه هي المجموعة.
اما الشهيد قاسم الحجيري فهو ذلك الصبي الشقي الذي كان يملأ شوارع عرسال وازقتها ضجيجا وصخبا قبل ان يلتحق بأحد مراكز في بيروت عام 1976، وبعد أشهر عاد الى بلدته شخصا اخر، أذهل العديد من الناس وخاصة أصدقائه. عاد شابا هادئاً يستمع للأخر يناقش بكل المجالات، يحرص على قراءة الجريدة يوميا، أصبح لديه مكتبة متنوعة ويقرا بشغف ولم يترك عمله الحزبي حتى يوم استشهاده، وفي زيارته الاخيرة الى زار مركز الحزب او الكنيسة حسب تسمية كمال شربنا القهوة وتناقشنا بأمور الساعة في حينه وتكلم عن البطولات اثناء حصار بيروت، انتقدت اداء الرفيق جورج حاوي في المعركة فوقف غاضبا وشهر مسدسه وصوبه الى راسي بعد ان مسكني بطوق قميصي وقال: بس لو لم تكن شيوعي حتى فرجيك!!  وانتهى النقاش بالتفاهم الرفاقي وغادر مودعاً وسألني ان كنت بحاجة لأي شيء من بيروت لأنه لن يتأخر هذه المرة، وكان هذا في 12 ايلول واستشهد في 14 منه.
وستبقى ذكرى هؤلاء الابطال في ذاكرة شعبهم رغم كل ما سرق من تاريخ وشوهت حقائق.

تحية لشهداء جمول في ذكرى جمول.



شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا