Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

اخبار عاجلة

latest

نهاية الفن

السردية الكبرى عن التقدم من مدرسة فنية للتانية انتهت والفن وصل خلاص لمرحلة ما بعد تاريخية فيها كل الاتجاهات كويسة زي غيرها، وكل اللي فاضل لن...


السردية الكبرى عن التقدم من مدرسة فنية للتانية انتهت والفن وصل خلاص لمرحلة ما بعد تاريخية فيها كل الاتجاهات كويسة زي غيرها، وكل اللي فاضل لنا هو مجرد نظرية خالصة عن الفن.


حسين الحاج


منحوتة أمريكا لكاتيلان

في سنة 2016، قدم فنان بصري إيطالي اسمه ماوريتسيو كاتيلان منحوتة "أمريكا" اللي هي -ولا مؤاخذة- كنيف حمام معمول كله من دهب عيار 18 قيراط، المنحوتة اتقدرت قيمتها بستة مليون دولار وبعدها اتسرقت من متحف في نيويورك بوزنها اللي معدي ميت كيلو. كاتيلان قال عن العمل الفني الرفيع ده إنه بيدعو للعدالة ضد سرقة 1% من سكان اﻷرض للثروات من 99% الباقيين، ﻹننا مهما أكلنا، سواء وجبة بميتين دولار ولا سندوتش بدولارين، كله بيروح في الكنيف. 


الحقيقة إن عمل كاتيلان الفني يشبه عمل "النافورة" (1917) للفنان الفرنسي مارسيل دوشامب اللي كان في الواقع مجرد مبولة جاهزة الصنع بس النقاد بيوصفوه باعتباره العمل المؤسس للفن المعاصر بس في نفس الوقت فيه فنانين تانيين كتير فكوا زنقتهم فيها بجد. 


مهزلة سرقة الكنيف والتبول على عمل دوشامب بيسفه من تاريخ الفن المعاصر من أوله ﻵخره ويخليه يبان وكأنه مقلب مفروض نضحك عليه كلنا.. بس مش كل الناس بتحب المقالب.


*


في سنة 1984، أعلن الناقد الفني والفيلسوف اﻷمريكي آرثر سي دانتو نهاية الفن. ما حدش يتخض! نقاد وفلاسفة الفترة دي كانوا مغرمين بإعلان وفاة ونهاية كل حاجة تقريبًا: الناقد رولان بارت يعلن موت المؤلف والفيلسوف ميشيل فوكو يعلن موت اﻹنسان (اﻹنسان كفكرة)، لحد ما جه بعدهم رونان مكادونالد يعلن موت النقد وستيفن هوكينج يعلن موت الفلسفة نفسها، الله يرحمهم جميعًا! يعني ما جتش على الفن خالص. المهم إيه اللي خلا "سي" دانتو يعلن نهاية الفن؟ لازم نرجع بالتاريخ شوية عشان ضروري قبل ما نوصل لنهاية الفن نعرف إزاي بنفهم تاريخ الفن.


عادة المؤرخين بيشوفوا تاريخ الفن باعتباره تقدم على خط واحد من حركة أو مدرسة للحركة أو المدرسة اللي بعدها (عندك المدرسة الرومانسية بعدها المدرسة الواقعية بعدها المدرسة الانطباعية بعدها المدرسة ما بعد اانطباعية) والخط دا جواه تأثيرات فنانين عباقرة زي كوربيه وسيزان وفان جوخ بيساعدوا في دفع التقدم دا.


الرؤية دي بتدعم أفكار معينة عن مفهوم الفن واللي كان عليه واللي هيبقاه، واحدة من اﻷفكار دي اللي بتتكرر عن مفهوم الفن من خلال تاريخه إن الفن ليس إلا محاكاة، يعني تمثيل للواقع. المفهوم دا معناه إن الفنانين لازم يسعوا ورا إتقان محاكاة الواقع، وكل مؤرخي الفن سعوا لشرح إزاي فنانين كتير قدروا يحققوا الهدف السامي دا (أو يفشلوا فيه)، وبالطريقة دي هما صمموا أهم سردية عن تاريخ الفن، والنتيجة كانت إن بقى عندنا فكرة أساسية عن تاريخ الفن (رغم اختزاليتها) وممكن نلخصها بالطريقة دي: الحرفيين في ظلام العصور الوسطى نسيوا التقاليد الفنية الرومانية واﻹغريقية العريقة، لكن في عصر النهضة اﻷوروبيين قدروا يستعيدوا القيم الفنية الكلاسيكية بطريقتهم وفضلوا يطوروها ويراجعوها لحد آخر القرن التسعتاشر، ومن أول القرن العشرين الفن بقى عبارة عن مدارس متنافسة في كل اﻷشكال الفنية دي.


القصة اللي دانتو بيحكيها في "نهاية الفن" ماشية على نفس النمط. لكن بالنسبة لدانتو، اﻹلتزام بالمحاكاة بدأ يقل في القرن العشرين بسبب تطور التصوير الفوتوغرافي والسينمائي. التكنولوجيا الجديدة أجبرت الفنانين يتخلوا عن مبدأ محاكاة الطبيعة وبالتالي بدأوا يستكشفوا هوية جديدة للفن بنفس اﻷسئلة القديمة: إيه الفن؟ مفروض يعمل إيه؟ إزاي ممكن نعرفه؟ وبالأسئلة دي أصبح عالم الفن واعي بنفسه أكتر. المدارس التكعيبية والسوريالية في المرحلة الحديثة أعادت التفكير في التمثيل البصري من أساسه. في القرن العشرين بقى عندنا مدارس واتجاهات فنية متتالية بسرعة، وكل واحدة عندها فكرتها الخاصة عن طبيعة الفن، وبيتعمل لهم متاحف ومعارض حتى عندنا هنا في العالم العربي، لحد ما وصلنا للفن المعاصر ونهاية الفن.


*


في يوم من سنة 1964، دانتو زار معرض الفنان آندي وارهول عن علب سفنجة مواعين ماركة بيرلو، اللي وارهول كان شايف فيه إن الفن لازم يجاري الحياة اليومية وإننا نعيد تفكيرنا في طريقة تعرفنا على الفن وتقييمنا له. دانتو اتصدم من علب وارهول مش بسبب اختياره لعلب سفنجة مواعين إنها تكون موضوع فنه، لكن بسبب إنك ما تقدرش تميز شكل علب وارهول عن شكل علب ماركة بيرلو اﻷصلية، لو إنك شلت علب وارهول وحطيت العلب اﻷصلية مين يقدر يفرق بينهم؟ إيه اللي يخلي علبة منهم عمل فني وعلبة تانية منتج استهلاكي؟ بس كمان دانتو كان مبهور بالتحول التاريخي دا، يعني إزاي كان دافنشي ولا جويا هيتعاملوا مع علب وارهول؟ هل علب وارهول بتمثل نوع من التقدم في تاريخ الفن؟ طب هل تاريخ الفن متوجه في إتجاه معين؟


دانتو لخص أفكاره عن المعرض في مقالة بعنوان "عالم الفن" كتبها في نفس سنة معرض وارهول قال فيها إن اللي بيخلي علب وارهول عمل فني هو نظرية معينة عن الفن، والنظرية دي هي اللي بتدخلها عالم الفن وتحافظ عليها من إنها تبقى مجرد منتج استهلاكي عادي، وإن لا يمكن علب وارهول كانت تبقى فن قبل خمسين سنة من معرضه، ودور نظريات الفن النهاردا إنها تخلي عالم الفن والفنانين قابل للأعمال دي.


في النهاية اللي خلا علب وارهول فن إنها ليها جمهور شايفها من خلال نظرية معينة للي ممكن يكون عليه الفن، وإن عالم الفن (اللي متكون من فنانين ومنسقين وعارضين وبياعين ومقتنين ونقاد) بيلعب دور في تجاهل أو تبني النظريات دي. دانتو بيلخص فكرته في إنك عشان تشوف حاجة باعتبارها فن لا بد من حاجة عينك عمرها ما هتشوفها، وهي النظرية الفنية المبنية على معرفة بتاريخ الفن أو باختصار عالم الفن.


دانتو بيقول إن كل اللي اتبقى في النهاية هو النظرية، وإن الفن اتبخر في مجموعة من اﻷفكار عن طبيعته. علب وارهول ومبولة دوشامب أظهروا لدانتو إن الفن مش رايح في أي حتة معينة بعد كدا، السردية الكبرى عن التقدم من مدرسة فنية للتانية انتهت والفن وصل خلاص لمرحلة ما بعد تاريخية فيها كل الاتجاهات كويسة زي غيرها، وكل اللي فاضل لنا هو مجرد نظرية خالصة عن الفن.


*


يبدو من الكلام عن تقدم التاريخ لما بعد التاريخ إن نظرية دانتو هي نظرية هيجلية باﻷساس، ودا مش بس ﻹن هيجل نفسه كتب كتير قوي في فلسفة الجمال والتاريخ لدرجة خلته ياخد لقب "أبو تاريخ الفن" عن جدارة، بس كمان ﻹن تصور هيجل عن التقدم التاريخي من خلال الديالكتيك وعملية التحقق الذاتي قدم نموذج كويس ﻷفكار دانتو عن الفن. في مقالة تانية دانتو قال: "لما الفن بيستبطن تاريخه، ولما يبقى واعي بنفسه زي ما حاصل دلوقتي لدرجة إن الوعي دا بيشكل جزء من طبيعته، يمكن ما يبقاش فيه مفر من إنه يتقلب لفلسفة في النهاية. ولما يحصل كدا فعلاً، بتبقى دي نهاية الفن".


دانتو ما كانش الفليسوف الوحيد اللي استخدم الديالكتيك الهيجلي عشان يتكلم عن نهاية التاريخ، عندنا من أول ماركس لحد فرانسيس فوكوياما استعملوا الهيجلية عشان يوصلوا لاستنتاجاتهم بخصوص التاريخ. وفي حين إن كارل ماركس كان شايف إن الحضارة الشيوعية هتحل الرأسمالية في المستقبل، فوكوياما كان مآمن إن انتصار قيم الرأسمالية والليبرالية الديموقراطية بتمثل ذروة الحضارة الغربية. طبعًا لو كان الفن عايش في مرحلة "ما بعد تاريخية"، فهو عايش في مرحلة متجاوزة تصور ماركس وفوكوياما مع بعض، أو أقرب لتصور فوكوياما منها لتصور ماركس. ودا بيرجعنا لعمل كاتيلان ﻹن في قلب الكنيف شفنا إن التاريخ نفسه طلع مقلب والفن كله انتهى ﻹيه، أو زي ما دانتو نفسه قال، "دلوقتي والفنانين عايشين في مرحلة ما بعد تاريخية من الفن أعمالهم هتفتقد اﻷهمية أو المعنى التاريخي لوقت طويل قوي.. إحنا وصلنا لنهاية القصة، لكن أبطالها مكملين عيشتهم في تبات ونبات مهما كانت تفاهتها".


خاص بـ Boring Books


يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه.

ليست هناك تعليقات