Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

اخبار عاجلة

latest

وضاح شرارة... من يوميات الغرق اللبناني

 نقلا عن رصيف 22 (1) القرطاسية والماء صور الهُوِيِّ أو السقوط اللبناني (على معاني فيزيائية، ميكانيكية، وأخلاقية، ولاهوتية، وتاريخية)، تسللت ...



 نقلا عن رصيف 22

(1) القرطاسية والماء

صور الهُوِيِّ أو السقوط اللبناني (على معاني فيزيائية، ميكانيكية، وأخلاقية، ولاهوتية، وتاريخية)، تسللت بطيئة، مواربة، متعثّرة ومتلعثمة. متعقّب هذه الصور أو ملاحظها يتردّد في التعرف عليها وإثبات هويّتها (أهي فعلاً صور هذا السقوط؟) ودلالتها (عن أي وجه تكني؟).

أذكر، اليوم، أنني كنت أمرّ، يومياً تقريباً، بمكتبة تقع على مفترق شارعين، أحدهما يوصَف بالرئاسة وتسلكه سيارات كثيرة، وتزنّر حائطي واجهتها لافتة لامعة من البلاستيك الأزرق والعريض. وطوال عقدين تامّين، حجزت صحيفتيّ اليوميّتين عند صاحب هذه المكتبة. وهذا تولى تدبيرها بعد بِكر أشقّائه الذي ورثها عن أبيه. ولم ينفك الأب يتردّد إلى المكتبة في الصباح الباكر، ويرعى بنَظَر خِلته حزيناً، محلاً تجارياً كان، على الأرجح، قرينة على ارتقائه، منذ هجرته القديمة من قريته، مكانة يعوزها دليل قوي على رسوخها.

وأراد الابن، وهو خامس إخوته وأخواته على تخميني، وتخطى العشرين منذ سنتين أو ثلاث، البرهان على جدارته بوراثة ما تعاقب جيلا الأب والابن على إنشائه، وقدرته على تثمير ما أفضى إليه، فعمد إلى تنويع سلع المكتبة ومبيعاتها. وزاد على الصحف وبعض الكتب القليلة والقرطاسية (الدفاتر والأقلام والورق والمساطر...) باباً عريضاً من الكتب المدرسية، والشنطات. وخلط الكتب الأدبية بالقصص المصوّرة. وعرض وراء زجاج الواجهة ألبومات الصور الفوتوغرافية.

وانتظر بعض الوقت قبل المبادرة إلى الحصول على وكالة طوابع بريدية وأميرية. وأتبعها سريعاً بوكالة أوراق اليانصيب وقسائم "اللوتو" واشترى أو استأجر آلات نسخ وطباعة. وحين راجت مكاتب تحويل الأموال، وتسديد الفواتير على أنواعها، ومبيع بطاقات الهواتف الخليوية، لم يتردّد الشاب، فاشترى الحقوق التي تجيز له تولي هذه الأعمال والوظائف. وفي الأثناء كف الوالد الساهر عن زيارة المكتبة، وانقطع معظم الإخوة عن تردّدهم، وتزوّج "رجل الأعمال" الناشط. واضطر إلى الاستدانة من بعض زبائنه ليسدّ احتياجاته "الرأسمالية" المتعاظمة. وصار المحل مقصداً لصنوف كثيرة من الزبائن، وملتقى بعض الأصحاب الذي أضاعهم واحدنا في زحمة التنقُّل بين أعمال ومساكن وجهات مختلفة.

وبدوري، انقطعت عن مكتبة صاحبنا وصحفه وقرطاسيته وآلاته، وأقمت في حي آخر قريب من الحي السابق الذي وصلني به. وضمرت علاقتي بالمكتبة إلى المرور بها في السيارة غالباً، أو ماشياً على الرصيف الآخر، وإلى إحاطتها بنظرة ينبغي أن تشبه نظرة والد صاحبها في أيام ارتيادي الأولى. وبعض الإضافات التي مر إحصاؤها حصلت بعد انقطاعي، ولكنها اندرجت في خط بياني أليف ومتوقّع. فضَعف انتباهي وآل إلى غفلة عما أرى، ووقفت عيناي عند الزجاج الذي يعكس شمساً مائلة من مطلع الشرق إلى الجنوب، فيعمّي النظر عن تفحّص ما يعرض له.

ورغم غفلتي وسهوي المقيمين والمزمنين لفتني فجأة دوام فجوة أو نقص في جزء من المشهد المعتاد. فمشهد واجهة المكتبة، بجناحيها الزجاجيّين المطلّين على زاوية الشارعين، ولافتتها الزرقاء اللامعة، كان قد أضاف إليه شارات إعلان عن وظائف جديدة. فاعترضت شارة صفراء، تدلّل على شركة التحويل المالية، طرفاً من اللافتة. وتوسّط الوجه الشرقي من اللافتة جسم زجاجي متدلٍ رُسمت فيه شبكة أرقام اللوتو. ودوّن النظر شيئاً فشيئاً العناصر القديمة والطارئة. ونظمها في شكل متماسك ومتوازن محا منه نتوءه واحتلالاته، ومرّ عليه.

وبغتة، وأنا لم أدركها إلا بعد وقت فاتني قياسه، رأيتُ أن الصفرة الفارقة والمتصدّرة، لوناً وبروزاً إنْ لم يكن مساحة وحجماً، مطل المكتبة على الرصيف، توارت وراء حجاب من النسيان والاعتياد الفائت. فيرى الناظر الرائي، رأيت أنا، غيابها، على تعريف أحدهم لتخييل المتّخيَّل ("إنه تمثيل غيابه"). وعرت منظر الواجهة الكثيرة الألوان والنتوءات والعلامات، وحشةٌ سرت في جوار المحل.

وكنتُ جاوزتُ الموضع الذي أرى منه، من الرصيف، المكتبة. وطوى التقلّب بين أظهر الحياة اليومية، أو السعي في مناكبها، (على قول ربما خَفِيت موارده على المعاصرين أو معظمهم) المفاجأة والوحشة. واعتدتُ على امحاء اللوحة الصفراء بعض الوقت. وغدا المرور بالمكتبة التفاتاً آسفاً وخائباً إلى مَعْلم راح ولم يخلّف وارثاً. ودام هذا الحال أسابيع وربما أشهراً.

*   *   *

وفي الأثناء ضجّت بيروت بالتظاهرات، والاعتصامات، والإضرابات، والحواجز على الطرقات. وأغلقت المصارف أبوابها، وحجرت على الحسابات والودائع والتحويلات والسحوبات. وحتَّى أن النقد الأجنبي، وعلى رأس صنوفه وصيغه الدولار الأميركي الملك، هو نقدٌ نادرٌ، وذلك على قول لافتة طبية جراحية (تجميلية) دعائية روّجت لعيادة طبيب جراح، قبل أن يكفّ عن العمل والإعلان الدعائي إثر غلطة فادحة أودت بامرأة "عالجها". وكان هذا، قبل الأزمة (؟) الانهيار (؟) رخيصاً رخص الهواء، وشائعاً مثله.

وبين وقت وآخر، كنتُ أراجع تجنّبي محاذاة المكتبة في الرواح والمجيء، والمشي على الرصيف الذي تقع عتبتها عليه، فأحاذيها، وأمشي على رصيفها، وأحاول أن أتعرّف بطرف عيني إذا كان صاحبها، وصاحبي من قبل واقفاً أو جالساً وراء منبره. وكنت تحاشيتُ طوال الأعوام نظرات كنتُ متيقّناً من كونها بالضرورة، عتباً، على أضعف تقدير، وحساباً ولوماً، على أشدّه، على عزوفي عن التردّد إلى المكتبة، غداة انتقالي إلى بيت جديد. وانتبهتُ، في وقت أول، إلى خلوّ داخل المحل من الزبائن. فمَن يخيّل لي أنني أراهم يبدون أطيافاً تتمايل وراء الزجاج. وحملت الأمر على نظري الجانبي، وتفادي التفرُّس الصريح في ناس الداخل وأشيائه. ولا ريب، ظننتُ، في أن الزجاج الذي يستقبل الضوء، ويعكس بعضه، لا يسعه أن يشفّ عما وراءه، ويكتسب بعض خاصية المرآة وصفاقتها.

"اعتدنا، نحن اللبنانيين، منذ خروجنا المفترض والصوري من حروبنا الكثيرة والغامضة والمركّبة، وعلى حين غرّة، وبسحر ساحر تقريباً، على نزول الحلول علينا من محال بالغة الرفعة والخفاء"

وبينما كنت، مرة، أعود من المصبغة، البعيدة من المكتبة نحو عشرين متراً وعلى جهتها، اجتزتُ الشارع قاصداً بائع عربة يوقف عربته بإزاء كاراج سيارة، ويبيع فاكهة الموسم. ووقفت ووجهي عمداً إلى المكتبة. وكان الوقت أوائل بعد الظهر. والشمس مالت أقصى ميلها إلى الجنوب، وحجبت أعالي المباني نورها عن الطبقات السفلى، وعن أرض الطريق. فظهرت الواجهة على حقيقتها، والمكتبة على ما صار إليه الجزء المرئي منها، بعض محل لبيع ماء الشرب في صناديق يعلو بعضها بعضاً ويحجز بين داخل لا يُرى وبين الرصيف ومَن يمشي عليه. ولما أبديتُ شرودي لبائع العربة، على شيء من المسرحة، وعلّقتُ شرائي البلح الأحمر الساطع الذي يبيعه وكلامي فيه، ومهّدت بالأمرين لسؤاله عن تحوّل المكتبة، لم يبالِ، وكلّم مشترياً طارئاً أوقف سيارته بمحاذاتنا وبقي فيها واشترى وانصرف. وطرحتُ سؤالي بعد هنيهة صمت، رد عليها البائع بنظرة زائغة وملولة إلى السيارات والناس. فلم يُجب، أو قصر جوابه مغمغماً على سؤالي عما أسأل. ولم ألحّ، وأكملتُ عملية الشراء، واستعدتُ بعض انتباه البائع، وبقيت خيبتي على حالها.

جرّأني جدار صناديق الماء على النظر مليّاً في المحل وحاله، من وراء الجدار، ومن الباب المشرَّع في الصيف. وبعد محاولات تقريبية متتالية، في معرض تردّد إلى محل خردوات معروف أو قصد بائع خضار أو دخول سوق صغيرة ("ميني ماركت") على سبيل الفضول، رأيتُ بأمّ العينين خلوّ المكتبة السابقة من جهازها (على معنى جهاز العروس) الثرثار والكثير الأغراض واللغات، واستعاضتها عنه بسلعة واحدة، خرساء ولا تضمر بطبعها معنى أو وجهاً، على رغم زعم بعض حكماء اليونان الأوائل أن الماء أصل الكائنات جميعاً.

وعلى نحو فهم القارئ مبتدأ الجملة حين يبلغ آخرها، وهو لم يكن فهم ما قرأه في أول قراءته، ظهرت لي في ضوء عراء المحل الجديد فروق غفلتُ عنها، عن رؤيتها المتجرّدة، إلى غفلتي عن دلالتها. فالجدار الطويل والعالي الذي يجري على جنب طريق أمشيه وأنا خارج من حيي المنزوي، على حدة من جواره المبني، إلى شريان سير عريض، وهو الجهة الخلفية من مدرسة أهلية قديمة تحتوي على ثلاث طبقات- هذا الجدار أقامت إدارة المدرسة على طلائه بالكلس المائي الأصفر، بصفرة دوار الشمس الزاهية والنيّرة، مطلع كل عام مدرسي. وهي مضت على هذا التقليد منذ 1992- 1994، ومباشرة رفيق الحريري "الطائفي" (نسبة إلى اتفاق مدينة الطائف الحجازية في 1989) إعماره، أي ترميم بيروت والسكن فيها، غداة خمسة عشر عاماً مترعة بالثأر والقتل والتعذيب والكذب والضغينة والتشفّي والتربّص والأعداء، وإن بعد حين، لحروب أهلية دهرية و"جميلة"، على قول مناضل و"روائي" مزعوم.

(2) قشرة الطلاء

مطلع عام 2018- 2019 على الأرجح، أو قبله بعام، خرجت المدرسة عن تقليدها الثابت منذ نحو ربع قرن. ولكن ملاحظة الأمر تأخّرت بعض الوقت. فذرّات الغبار المترسّبة على جيوب الجدار وورقته الإسمنت، وفي التواءات الورقة، لا تُرى قبل قدوم الندى الليلي، وامتزاجه بغبار الأتربة والذرّات السود المتخلفة عن احتراق البنزين والمازوت. فيوحل الجدار، ويبرز سواد حواشي الجيوب والالتواءات. ويخلط المطر الخفيف والخريفي الرسوم الرتيبة، والشبيهة بالكحل السائل على الخد من عين دامعة، بعضها ببعض. وتحول زخّات مطر الشتاء القويّة دون عموم الطلاء الأسود.

ويملأ تناوب الشمس والمطر والريح على الطلاء، وعلى قشرة الإسمنت تحته، الجدار بالشقوق الدقيقة والمتقطّعة. وتنتشر هذه على الصفحة الملساء. وتنتزع شيئاً فشيئاً قشرة الطلاء في مواضع، وتكرمشها في مواضع أخرى فتلتفّ قطع منها على نفسها أو تتفتّت. وعلى مر السنين، الأربع أو الخمس، جمع الجدار المهيب والمشرف من عليائه على الطريق والسور الذي يسوّر مدرسة تقع في مقابلة الأولى، رواسب الغبارين المتراكمة، وفتات قشرة الدهان، ونثرات ورقة الإسمنت الحائلة والمبقّعة. فكأنه أصيب بالجذام، وتساقطت قطع من جلده ولحمه، وتركه أهله وحيداً وضخماً في برية على حدة وتُرمى جثث الديناصورات في أرجائها قبل أن تتفتت عظامها ويُمسي أديم الأرض منها.

ومن نوافذ صفوف الطبقة الأولى، أو الأرضية، المطلة على الطريق، والعالية، كان يسع المارّ تحتها، سماع التلامذة والأساتذة، ومعظم هؤلاء نساء، يدرسون ويدرّسون. فيكلّم صوت ناضجٌ، حلت فيه الأعوام ولابسته على نحو غامض وثابت، رجلٌ كان صاحبه أم امرأة، آذاناً تتقاسمها موضوعات انتباه كثيرة، فيطفو سمعها على خليط أصوات مضطرب. وتراءى لي من بعد، في مرآة الاستعادة، أن ثمة خيطاً يصل درس الصفوف وهرجها ومرجها النابضين بلون الكلس الأصفر الذي يكسو الجدار الكبير ويتجدّد في خريف كل عام. فمع تشقق الطلاء، وتساقطه، وتعشيش غبار الأتربة وغبار المحروقات على التجاويف، خفتت الجلبة المنبعثة من الصفوف.

تحوُّل مكتبة إلى تجارة الماء، وإقلاع مدرسة عن طلاء جدرانها مطلع كل سنة، ووفاة إسكافي خسر زبائنه ومهنته، بالسرطان... مشاهد "بسيطة" من بيروت قبل الأزمة الأخيرة كانت تنذر بالكارثة ولكننا لم نربط الظواهر والوقائع بعضها ببعض

وقد يكون الخفوت هذا من بنات خيالاتي وأوهامي المنطقية، والساعية في التماسك. لكنني لم أجتهد كثيراً بحثاً عما يؤيد انطباعي. فالسيارات التي كان أصحابها يحشرونها على مدخل إدارة المدرسة الخلفي، على خلاف بوابة التلامذة المتصلة بالطريق العام والخارجي، غدت أثراً بعد عين، حرفياً إذا جازت العبارة. والداخلون من الباب الخلفي والخارجون منه- وهم مدرّسون ومدرّسات، متعاقدون على الأرجح، يحضرون في أوقاتهم المتقطّعة، وهم أهل طلاب وطالبات يراجعون الإدارة في شأن من شؤون أولادهم- تقلّص عددهم. فلا أرى منهم واحداً أو واحدةً إلا مرة في الرواح والإياب. وقد ينقضي اليومان أو الثلاثة من غير أن ألاحظ زيارة من هذا "الصنف".

والجهة التي أقيم بها، وهي حيٌّ يقع على رابية صغيرة، وعلى حدة من الدائرة السكنية المتصلة والمترابطة، اختارتها ثلاث مدارس كبيرة معقلاً ومكاناً. وأولى هذه المدارس، البطريركية (الكاثوليكية)، يعود إنشاؤها إلى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. وأقامت على اسمها وصفتها على رغم خلوّ الحي، منذ الحروب الوطنية والعروبية (1975- 1991)، من أهل ملّتها وأولادهم. وأصاب المدارس الثلاث، على مقادير متفاوتة، ما أصاب مدرستي الأولى، وما تقدّم بعض وصفه. والمدرسة الثالثة، الأحدث، وترعاها جمعية أهلية إسلامية يقيم "ناظرها العام" أو شيخها في دمشق، تُستثنى جزئياً من الانحسار والخفوت العامّين، ولا تشذّ عنه تماماً.

وشاع في هذا الوقت (2017- 2018؟) خبر نزوح مدرسيّ عريض من المرفق الخاص، حتى الخيري منه، إلى المرفق العام، المجّاني تقريباً. وظهر أثر الانقباض في يقظة الحي الصغير الصباحية. فقدوم مئات من التلامذة وقد يبلغ جمعهم فوق الألف، من الصفوف الابتدائية إلى الصف الثانوي الثالث، بين السابعة صباحاً وقبيل الثامنة إلا ربعاً، لا بد من أن تصاحبه جلبة تعلو وتكبر على شاكلة عاصفة رملية. فيستيقظ سكان الحيّ على صياح الأولاد والفتيان وتدافعهم، وعلى شق مشيهم الهواء وتشحيط أحذيتهم على الإسفلت. وبعضهم، صغارهم سناً، يوصله أهله في سياراتهم، وأصوات محركاتها الرجراجة إلى باب المدرسة في قلب الحي.

وهذه العاصفة، الأليفة والمليئة بنثرات صوتيّة رخيمة أو بليلة أو شاكية، هدأت قليلاً على عتبة عام 2020، وتبدّدت في أثناء العام هذا، ولم يبعثها العام الذي يليه ولا العام الذي بعده. فالعام 2022 في مرآة الرواية المقلوبة زمناً، معلمٌ على ابتداءٍ جلته نتائجه البعيدة والمتصلة على وجه الابتداء. وتتكاثر المقدمات والإرهاصات- وهي بشائر لو كان السياق طيباً وعاد بالخير على أصحابه- مع تقدّم المتذكّر المؤرخ في فحص حوادث تذكره، وفي ربط بعضها ببعض وسلكه حباتها في سبحة واحدة. فتنبت الوقائع والحوادث المستعادة وتُزهر. وتنعقد دلالتها الجديدة حين تقيم نسباً أو قرابة بينها وبين حوادث ووقائع أخرى سبقتها إلى الانعقاد لأسباب وظرفية من طينة التداعي وتشبهه.

(3) طاقة الإسكافي

وذواء المدرسة، المدارس الثلاث، في حيّي، في أعقاب ترك المدرسة الأقرب تجديد طلائها السنوي، وإذعانها لعبث صروف الطبيعة وأحوالها في "زينتها" (على قول ابن الرومي)- ما أن مثلت أطواره في ذهن الكاتب حتى برز وجه إسكافي الحيّ القريب، وذواء هذا الوجه الذي دام نحو سنتين، وآل به إلى موته في أوائل عام 2016. ولست أنا مَن يعزو موت الإسكافي الخمسيني إلى أحوال بيروت، مسرح الأزمة أو الانهيار. فمَن أرجع انكفاءه و"يباسه"، على قوله، قبل موته انكفاءً ويباساً، إلى الأحوال هو الإسكافي نفسه.

فطوال سنين كثيرة، داول الجار الإسكافي- في محله الذي يشبه طاقة مستطيلة في جدار مبنى ينبغي أن يعود بناؤه إلى منتصف العشر السادس من القرن الماضي- بين عمله داخل محله الضيق والواطئ السقف والمكركب، وبين نزهته خارج المحل، يمرّن فيها مفاصله ويدخّن سيجارته، في بذلة بنّية لا يفارقها. وحجّة التمرين ضعيفة. فالمحل يملأه دخان التّبغ في كل ساعات نهار العمل، إلى بعد الظهر. والمداولةُ، على هذا النحو، قرينة على توزيع الوقت بين العمل وبين الاستراحة. وهي دليل، لا شك في استقامته المنطقية، على "وجود" العمل وحقيقته.

"الإقرار بقدوم الكارثة ليس بالأمر اليسير على سائر الناس. فيتكلّفون... التأويلات التي تسعفهم في إرجاء الواقعة وفي دفعها... آثر القلقون والخائفون وأصحاب الحيلة الضعيفة، ومعظمنا من جماعتهم ولَفّهم، الانحياز إلى ظن الخير وترك السؤال عن الخبر"

والقول إن الجار الإسكافي كان في ذلك الوقت، حوالى 2015، سعيداً أو فرحاً، مبالغةٌ لا شك فيها. إلا أنه كان يطيل الرد على السلام إذا حُيّي به، فيقول "أهلاً"، ويضيف المناداة بـ "جار". وربما، في أحيان قليلة، ترك مقعده وسندانه وآلة خياطة الجلد، وخرج إلى الرصيف الضيّق وراء عتبة المحل، واستفهم عن أمر طارئ يدور على إجراءات الضمان الاجتماعي وصندوقه، وهو مشترك فيه وأنا "أستاذ". وكان يستقبل الزبون القادم حاملاً حذاءً أو مداساً (شحّاطة) أو قبقاباً، أو حقيبة من جلد، واقفاً، وعلى الرصيف. ويشرح، مفصّلاً، سيرورة العمل وعلّة تكلفته.

وتواتر مروري بالمحل وصاحبه، وعلى هذه الطريق، أمكنني من ملاحظة انكفاء الرجل إلى داخل طاقته أو محله. وحين قيامه بنزهته، أو ترويحه عن نفسه، أصبح يطيل "رحلته" أو مشواره، فيبلغ مفترقي الطريق، شرقاً وغرباً. ويقف في المفترقين، يتأمّل المارّة الكثر والسيارات الكثيرة، ولفافة التبغ بين شفتيه، ولو مُطفأة. وكأنه تخلّى عن عادة تنقيلها بين شفتيه وبين إصبعي يده.

وصار سلامه همهمةً، وانهماكه بالعمل نادراً، وجلوسه على مقعده طلباً للراحة من تعب الوقوف و"حياكه" المشي، على غير غاية. وأردتُ، مرة في الأثناء، اقتراح عمل عليه، لا يكون تصدُّقاً. وظننت أن ترميم شنطة جلد قديمة، تقطّعت خيوط درزها، وارتخى قعرها، وانفكّ لسان سكرها من موضعيهما في الجلد، قد يفي بالغرض. فنظر إلى الشنطة، وحزنٌ شخصيّ يغشى قسماته، وقال: بلادنا جعلتنا نتخلّف وننسى مهنتنا وما كنا نعرف عمله، هذه (الأعطال) تتطلب آلات نسينا استعمالها.

ورأيتُ باب الطاقة الجديد، بعد المحاولة البائسة بأشهر، مغلقاً. فسألتُ النجّار، جار الإسكافي القريب، عن سبب غلق محل جاره، فقال، في اختصار شديد، إنه مريض. ولم تبدُ عليه رغبة في تسمية المرض، أو إنه لم يشك في فهم السائل ما تعنيه لفظة "مرض" حين تسمي كفاً عن العمل اليومي في السكافة، وحين يغلق باب محله رجل يعتصر دخله حذاء معطوب بعد حذاء معطوب طوال عشرات السنين. والحق أنني فهمتُ نصف فهم ما عناه النجار. فسألتُ حلاّق الحي عن الكندرجي، فصرّح بأنه "حرام" في نزعه الأخير بعد أشهر من "المرض".

(4) علل الغفلة

هل كان ينبغي لي ولأمثالي، أن نفهم معاني حوادث ووقائع كثيرة، شبيهة بتلك التي فرغتُ لتوّي من روايتها؟ فقد أحتجّ، على سبيل الاعتذار عن غفلتي، ببطء حدوثها أو وقوعها، شأن نجوم ليل الشاعر الذبياني. وهي نتاج عوامل عميقة ومواربة التأثير. وقد أحتج بشببها القوي بحوادث كثيرة تعود إلى أوقات سابقة لم تفضِ إلى "حيث ألقت رحلها أم قشهم" (زهير بن أبي سُلمى). وذريعتي الثالثة هي أن الإقرار بقدوم الكارثة ليس بالأمر اليسير على سائر الناس. فيتكلّفون، وهذا ما صنعته وشهدت على صنع الكثيرين غيري مثله، التأويلات التي تسعفهم في إرجاء الواقعة وفي دفعها. ولما كانت مثل هذه الوقائع بالغة التعقيد، وآراء الخبراء والمجرّبين بعيدة من الإجماع، آثر القلقون والخائفون وأصحاب الحيلة الضعيفة، ومعظمنا من جماعتهم ولَفّهم، الانحياز إلى ظن الخير وترك السؤال عن الخبر، على نصيحة أبي حامد الغزالي الشهيرة.

والسبب الرابع، وقد يكون أرجح أسبابي (وأسبابنا؟) في الغفلة، هو اعتيادنا، نحن اللبنانيين، منذ خروجنا المفترض والصوري من حروبنا الكثيرة والغامضة والمركّبة، وعلى حين غرّة وبسحر ساحر تقريباً- على نزول الحلول علينا من محال بالغة الرفعة والخفاء. فلم نعلم كيف ولماذا تهافتت علينا شركات البناء والإعمار العالمية وعرضت علينا الاستثمار الكريم في "بُنانا التحتية"، ورفع أنقاضنا، وشق طرقنا السريعة، وتشييد صروح متحفية في قلب دمار صرفنا عقداً ونصف العقد على إنجازه، حجراً بعد حجر وزجاجاً بعد زجاج وقطعة إسفلت بعد قطعة...

وبطرفة عين، استعادت رواتبنا ومداخيلنا، في ميزان الدولار، مستوياتها العالية. ووسع مستهلكينا، وكلنا مستهلكون على مقادير متفاوتة، استيراد سيارات جديدة، بعد انقطاع رآه بعضنا مأساوياً، بما لا يقل عن 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي... فانتشينا، على ظنّي، بسحرٍ أخرج النتائج (الاستثمار، الإعمار، الرواتب...) من سياق أسبابها وقطعها منه، وأهداها إلى مَن لم يدروا علامَ الهدية هذه، وهم هم، لم يبتكروا في الأثناء، في 15 عاماً من الحروب الشرسة والمستعارة والمنحولة، حلاًّ واحداً لمعضلات اجتماعهم وعمرانهم ومعاشهم المتراكمة والمتفاقمة والمنسية.

والحال هذه، لماذا تقوم تجارة الماء بدلاً من تجارة الأقلام والدفاتر، وإقلاع مدرسة عن طلاء جدرانها مطلع كل سنة، ووفاة إسكافي خسر زبائنه ومهنته بالسرطان، مقام نُذرٍ بالكارثة؟ فما يقدم هذا وغيره، ويفوقه فداحةً، هو تعطّل "مَلَكة" ربط الظواهر والوقائع بعضها ببعض، وتقرير الظواهر والوقائع ووصفها على وجه الدّقة قبل ربطها والبناء عليها، والخلوص منها إلى أحكام نظر وعمل. فمنذ وقت طويل، خسرنا مباني التداول والتواصل، بما فيها مباني الاختلاف وصوغه في أفكار مفهومة. وضيّعنا مراجع التخاطب المشتركة، على قلّتها، وحملناها على أهواء أو منازع مطلقة وثابتة. واللغة نفسها، على وجههة أو مستواها الإبلاغي والإجرائي، تصدّعت وتشعّبت مسالكها، و"تبلبل" أداؤها. ويكاد يقتصر التعبير بها على المعنى الحاضر والعابر والرجراج الذي انتهت إليه. وهذا المعنى زئبقي، ولا يبقي وقتاً يتيح استقراراً يمهّد بدوره إلى إجماع جزئي. فكيف تقوم قائمة لاجتماع في هذا الحال؟

ليست هناك تعليقات