Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

اخبار عاجلة

latest

ثقافة الاتكال على السيارات الخاصة في بيروت

مارك بيري درّس في الجامعة اللبنانيّة الأميركية، بيروت، لبنان. له أبحاث في نشوء حركة بيئية صحية في لبنان، وفي إحياء صناعة الحرير اللبنانية وا...




مارك بيري

درّس في الجامعة اللبنانيّة الأميركية، بيروت، لبنان. له أبحاث في نشوء حركة بيئية صحية في لبنان، وفي إحياء صناعة الحرير اللبنانية والشراكة مع الصين على طريق الحرير الجديد (٢٠١٩)

كان للسيارة الخاصة، باعتبارها وسيلة نقل شائعة، آثار سلبية على مدن عدة في كل أنحاء العالم خلال السنوات الخمسين الماضية، وربما تكون بيروت أكثرها تأثرًا. يستنزف الاعتماد على السيارات الاقتصاد الوطني في لبنان ويجفّفه من ثرواته وموارده الطبيعية، وكذلك يخفض نوعية الأماكن الشعبية في المدن ومساحتها، ويوسّع المدينة ويخلق حولها ضواحي كبيرة ومُترامية الأطراف، ويدمر أيضًا الثقافة فيها. بالنتيجة، تحول الاعتماد على السيارة سريعًا إلى مشكلة اجتماعية وبيئية عالمية. على الرغم من استمرار نمو مبيعات السيارات واستخدامها في أجزاء كثيرة من العالم، إلا أن كثيرًا من المدن والدول، ومن ضمنها مدن ودول في حوض المتوسط، باتت تدرك استحالة استمرار هذا الواقع، وتحاول الانتقال تدريجيًّا من الاعتماد على السيارة الخاصة إلى استخدام أنظمة للنقل الجماعي. عمليًّا، يتزايد الإجماع على أن النقل العام ليس ضرورة اقتصادية وبيئية فحسب، بل وسيلة لإعادة الحيوية الثقافية إلى المناطق الحضرية.

bid33_p.26-27.jpg

تفريغ أول سيارات فورد المستوردة، مرفأ بيروت

تفريغ أول سيارات فورد المستوردة، مرفأ بيروت، 1921/9/5

 

اعتماد النموذج الأميركي في النقل

لحِقت الثقافة الحضرية في لبنان الأنماط الغربية قبل الحرب الأهلية وبعدها إلى حد كبير (١٩٧٥- ١٩٩٠). وبالنسبة إلى النقل، اتبعت بشكل خاص وشبه حصري النموذج الأميركي، الذي يفضّل السيارات الخاصــــــــــــــة على إنشاء أنظمة النقل العام. ينطوي الاعتماد على السيارات في الولايات المتحدة على أعباء اجتماعية واقتصادية مُرهقة، تتضمّن تكاليف المشاكل الصحية والحوادث المرورية، والدعم الحكومي الوازن لبناء الطرق وصيانتها واستهلاك الغاز، والاستنزاف المُفرِط للأراضي، والتلوّث البيئي، والعمل الفائت والإنتاجية الضائعة الناجمين عن الاختناقات المرورية، فضلاً عن تراجع فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة (Newman and Kenworthy, 1999; Kay, 1997).

إذا كان التأثير السلبي للسيارات كبيرًا في الولايات المتحدة، حيث نشأ الاستخدام الجماعي للسيارة وحيث تتوافر موارد لتصنيعها واستخدامها، فهو أكبر بكثير في لبنان، حيث الأراضي محدودة، ويستورد البلد نسبة كبيرة من المواد الغذائية – نحو ٧٠٪ (Schneider-Sickert, 1997, 66) – ومن السلع الاستهلاكية غير المُعمّرة بأكلاف باهظة، وكذلك الأمر بالنسبة للسيارات ومُستلزمات صيانتها ومعدّات ومواد بناء الطرق.

قدّرت دراسة أجريت في العام ١٩٧٠ توزع رحلات الأفراد المؤللة في بيروت على النحو الآتي: ٥٢٪ بالسيارات الخاصة، و٩٪ بالباصات، و٣٩٪ بواسطة سيارات السيرفيس (المشتركة) والتاكسي.1 لاحقًا، حالت الحرب وسنوات قليلة تلتها، بين العامين ١٩٧٥ و١٩٩٤، دون توثيق بيانات أنماط التنقل في بيروت، قبل أن يُستأنف تسجيلها في العام ١٩٩٤. مع ذلك، من المعروف أن وسائل النقل العام غابت كلّيًا طوال فترة الحرب باستثناء سيارات التاكسي والسيرفيس التي تسع لأربعة ركّاب. في العام ١٩٩٤، استحوذت الباصات الكبيرة والصغيرة، العامة والخاصة، ومثيلاتها من المحركات، على ما لا يتجاوز ١.٣٪ من مجمل رحلات الأفراد في بيروت الكبرى. إلى ذلك، قدرت دراستان أجريتا في العامين ١٩٩٨ و١٩٩٩ أن السيارات تؤمّن ٨٣٪ و٩٠٪ من مجمل رحلات الركاب على التوالي، فيما يتنقل القسم الباقي بالباصات الخاصة والعامة
(Meymerie, 1999, 28; Najia, 1995, 53-54; BAAJ 1999, 9; (Nakkash, 1999, 25.

أصبحت السيارات سلعًا استهلاكية جماعية في لبنان. بين عامَي ١٩٧٤ و١٩٩٨، ارتفع مجمل عدد المركبات في لبنان من ٢٤٣,٥٨٤ إلى ١,٥٥٤,٣٤٠، أي بزيادة بنسبة ٥٣٨٪، وشكلت السيارات الخاصة نحو ٨٨٪ و٨٤٪ منها على التوالي. في العام ١٩٩٧، كان هناك ٣٠٠ سيارة خاصة مخصصة للركاب لكل ألف شخص، أي ما يعادل النسبة المُسجّلة في الدنمارك (البنك الدولي، ١٩٩٩، ١٦٤-٦٦).2 إلى ذلك، قُدّر الاستثمار التجاري في السيارات كنظام نقل، يشمل استيراد السيارات وقطع الغيار والوقود والتكاليف المُرتبطة بها، بنحو ٨٢٥ مليون دولار في العام ١٩٩٥، أي ما يشكل ٧.٤٪ من مجمل الناتج المحلي.

منذ نهاية الحرب، مثلت السيارات الخاصة نحو ١٠٪ من مجمل الواردات عمومًا. أما في عامَي ١٩٩٧ و١٩٩٨ فبلغت تكلفة واردات السيارات نحو ٧٤٤ مليون دولار و٦٨٣ مليون دولار على التوالي. في حين زاد عدد السيارات الخاصة بمعدل ٦٠ ألف سيارة سنويًّا بين عامَي ١٩٨٤ و١٩٩٦، تم استيراد أكثر من ٨٦ ألف سيارة جديدة ومُستعملة في العام ١٩٩٨. في الواقع، خصصت الأسرة اللبنانية العادية نحو ١٣.٨٥٪ من دخلها لإنفاقه على السيارات (Iskandar, 1994, 1995, 1997, 1999; World Bank, 1996; Investor’s Guide, (1997; Daily Star, 1999a-c. وللمقارنة، لم تتجاوز هذه النسبة وفقًا لبعض التقديرات ٤٪ من مجمل دخل الأسرة في العامين ١٩٥٢-١٩٥٣ (Churchill, 1954, 4, 24, 26). وتشير تقديرات العام ١٩٩٧ أيضًا إلى أن الازدحام على الطرق كلّف نحو ملياري دولار سنويًّا (نحو ١٥٪ من مجمل الناتج المحلي)، فيما قدرتْ دراسة في العام ١٩٩٥ كلفة حوادث السير على الاقتصاد الوطني بنحو ٠.٨٩٪ من مجمل الناتج المحلي (Darwidh and Timberlake, 1999, 67; Abou Raad, 1999, 84)3.

من الواضح أن خسائر الولايات المتحدة الاقتصادية الناتجة عن الاستخدام المفرط للسيارة تبلغ أضعافها في لبنان. في الواقع، يدفع لبنان، بصفته مستوردًا للسيارات ومستلزماتها، ثمن اعتماده على السيارة بنزيف مستمر في العملات الأجنبية نحو الخارج (Salvucci, 1999a, 21; 1999b, 137)، ويُضحّى برأس ماله الطبيعي والاجتماعي، الكامن في شكل موارد حضرية وريفية محدودة، لتغذية عادة ثقافة السيارة، مع ما ينتج عنه من إفقار ثقافي واقتصادي لأرض غنية بطبيعتها.

أنماط استخدام السيارات والأراضي

تكمن العواقب الاقتصادية والبيئية والثقافية الأكثر ضراوة للاستخدام الكثيف للسيارات في بيروت، في تحويل المشهد الحضري والضواحي لاستيعاب تدفّق حركة المرور ومواقف السيارات. فاقم ارتفاع أسعار العقارات في بيروت الوضع سوءًا بسبب مركزية المدينة التي جذّرتها الحرب. لفهم هذه الخسارة، يجب مقارنة احتياجات السيارة من الأراضي مع احتياجات وسائل النقل والاستخدامات الحضرية الأخرى. ففي حين يستخدم المشاة ١.٥ متر مربع عند الوقوف و٣ أمتار مربعة عند المشي، تتطلب السيارة نحو ٩١ مترًا مربعًا عند ركنها، مع الأخذ بالاعتبار كل الممرات الضرورية للوصول إلى مواقف السيارات، وتتطلب نحو ٩١٤ مترًا مربعًا أثناء قيادتها بسرعة ٤٨ كلم/ ساعة (Kay, 1997, 67).

بعد الحرب العالمية الثانية، استهلكت السيارة في الولايات المتحدة نحو أربعة أضعاف معدل الأراضي التي يتطلبها الباص، وعشرين ضعف المعدل الذي تتطلبه السكك الحديدية. تستهلك الطرق السريعة والداخلية ومواقف السيارات والبنية التحتية المرتبطة بها نحو نصف أراضي المدن الأميركية (Kay, 1997, 130, 226). أما لبنان فقد خسر نحو ٧٪ من أراضيه المزروعة و١٥٪ من أراضيه المروية منذ العام ١٩٨٠ بسبب التوسع الحضري العشوائي. حصل معظم التطوير العقاري في ضواحي بيروت والمدن الساحلية الأخرى (Masri, 1999, 120). فقدت بيروت تناغمها وانسجامها مع مزيجها التاريخي من الجمال الحضري والثروة الزراعية نتيجة تبنّيها النموذج الأميركي، وباتت أكثر تشابهًا مع المساحات الحضرية في المدن الأميركية التي تخدم السيارات وتخزّنها. يُعد الوضع أسوأ بكثير في مدن حوض المتوسط، لأنها على عكس معظم المدن الأميركية، تطورت عضويًّا داخل منطقة صغيرة لتلبية حاجات المُشاة والمركبات البطيئة، وبالتالي افتقرت إلى شبكة الشوارع المستقيمة والعريضة النموذجية في أميركا.

أُلغيت خطوط الترام العامة في بيروت في الستينيات لإعطاء السيارات حرية أكبر في التنقل. اختفت مرافق المُشاة كليًّا– الأرصفة والمقاعد والحدائق والإضاءة– وبأحسن الأحوال ندُر وجودها، وحلّت مكانها مواقف للسيارات وشوارع أوسع. مع ذلك، يتزايد الشحّ في مواقف السيارات في أي منطقة تجارية رئيسة في بيروت نتيجة الارتفاع السنوي المُضطرد في السيارات المستوردة،4 في حين أن توسيع مواقف السيارات تحت الأرض من دون حل المشكلة، لن يؤدي إلا إلى تفاقم الازدحام في الشوارع. تُعاقب المدينة نفسها بقسوة من خلال وقف أي استخدام تجاري أو ثقافي مُنتِج للأرض لصالح تعزيز حركة المركبات وتوفير مواقف لها، بحيث أصبحت الأراضي الحضرية عبارة عن مساحة ميتة، مثل المواقف، غير مُتاحة للاستخدامات الثقافية ولا للتجارة. في الواقع، أي أرض قاحلة مُماثلة ليست إلا نقيض الهدف من وجود المدينة نفسها وسبب تكوينها.

bid33_p.31.jpeg

شارع ويغان، بيروت، 1960.

شارع ويغان، بيروت، 1960

 

تمدّد ضواحي بيروت

لا ينحصر الاندثار التدريجي للمساحات الحضرية المُنتِجة الناجم عن استخدام السيارة ضمن حدود مدينة بيروت فحسب، فمع ازدياد عدد السيارات بما يتجاوز النفع الذي توفره، هجرت الشركات المناطق التجارية المركزية من المدينة، وأعادت تأسيس نفسها في الضواحي حيث تتوافر أراضٍ رخيصة نسبيًّا يمكن استصلاحها كمواقف جماعية للسيارات– وهذه عيّنة عن المراكز الحضرية المُنهارة التي ظهرت للمرة الأولى في الولايات المتحدة. أيضًا، أنشِئت مراكز تجارية (مولات) ومتاجر كبرى (هايبر ماركت) جديدة في ضبيّه وخلدة والجناح والحازمية، وهناك مراكز أخرى يُخطّط لإنشائها أو هي قيد البناء. بات هذا التطوير العقاري المُتفشي «غبّ الطلب» متاحًا وممكنًا بسبب القوانين الهزيلة لتصنيف الأراضي، التي جرى «تجاوزها أو تجاهلها» منذ نهاية الحرب، في تناقض حادّ مع سياسات التخطيط الأخضر في بلدان أخرى. من بين الأمثلة اللافتة، تبرز بريطانيا التي حظرت في منتصف التسعينيات بناء مراكز تجارية جديدة خارج المراكز الحضرية بهدف وقف استنزاف الأراضي الريفية (Newman and Kenworthy, 1999, 55).

دفع التلوث والازدحام والضجة بالمقيمين إلى البحث عن سكن في الضواحي، بحيث باتت سهولة الوصول إلى السيارات والمواقف أولويتهم الأساسية. لذلك، تكون الطرق هي دائمًا عناصر البنية التحتية الأولى التي يجري بناؤها ثم تظهر المباني السكنية إلى جانبها. ويؤدي الطريق الأول عمليًّا وظيفة خلق طريق ثانوي جديد، وهكذا دواليك.

نشأت المدن تاريخيًّا بشكل عضوي حول مركز موحد – مثل مكان العبادة، أو السوق، أو مصدر للمياه العذبة، أو ميناء أو محطة قطار– حيث يتجمع الناس والشركات بطريقة تسهّل التفاعل البشري والمساعدة المتبادلة وتَكوّن المجتمع. إلا أن مطوري الضواحي في لبنان، وأي مكان آخر، تجنبوا غالبًا وعمدًا إنشاء المراكز للمدن، مُتّبعين نموذج الضواحي الأميركية، للحؤول دون تكاثر مشاكل المدينة المُزدحمة بالسيارات. وبالتالي، أصبح حلم سكان الضواحي في لبنان الحصول على سيارات ومواقف لها قبل أي شيء آخر. وهو حلم يلبي الحاجة إلى سيارة العائلة، لا العائلة نفسها، ولا حتى الحاجات الثقافية للمجتمع اللبناني. في غياب وسائل النقل العام في الضواحي، أصبحت كل عائلة تمتلك أسطولاً من السيارات بدلاً من سيارة واحدة للعائلة، للسماح لكل فرد فيها من التنقل، ما زاد بالتالي الطلب على المركبات المستوردة.

لقد كانت العواقب وخيمة. من دون مراكز المدن، يحتاج سكان ضواحي بيروت، مثل نظرائهم الأميركيين، إلى السيارات في كل تفاصيل حياتهم اليومية. وبالتالي، لم يعُد ممكنًا إشباع كل متطلّباتهم في مكان قريب يسهل الوصول إليه سيرًا على الأقدام، بل أصبحت تلك الأمكنة مترامية على بعد أميال. إن التطوّر التلقائي والعشوائي لبيروت وضواحيها، ليس إلا امتدادًا واسعًا لما يسميه جيمس كونستلر (1994) بـ«اللا مكان»، وهي أماكن تفتقد للقيمة الثقافية أو الهوية، ما يثبط التفاعل الاجتماعي ويدمر البيئة الطبيعية بسرعة.

bid33_p.34-35.jpeg

ساحة الدباس، بيروت، 1960

ساحة الدباس، بيروت، 1960

 

الاختزال الثقافي وفقدان المساحات العامة

منذ بزوغ فجر عصر السيارة، شهدت الهندسة المعمارية انحدارًا هائلاً في الجودة الفنية في بيروت ومدن متوسطية أخرى. صُمّمت المباني النموذجية قبل تطور عصر السيارة لجذب المُشاة وتقديم عمارة فاتنة للمواطنين. زُيِنت واجهات المباني بالنحت الحجري والقرميد، وحُددت المداخل من خلال الأعمدة وعناصر أخرى تعبّر عن التناسق والانفتاح على الناس. أما الأرصفة والمقاعد والمساحات الخضراء والإضاءة المُزخرفة وأشجار الظل المُتراصّة والنوافير والحدائق فقد شجعت السكان على الاستمتاع بمركز المدينة، والالتقاء وتبادل الأفكار، والانخراط في التجارة والمشاريع الجماعية. وهذا هو جوهر الحياة الحضرية. تُعد منطقة وسط مدينة بيروت، التي أعيد بناؤها، من الأمثلة المعروفة عن هذا الأسلوب الغني. هدف المشروع إلى تجديد العديد من مباني القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من بين أنقاض الحروب الأهلية الأخيرة، وبالتالي إحياء كنز من التفاصيل المعمارية، إذ اعتمد على الحرفية الدقيقة التي تُبرز في النحت الحجري وإطارات النوافذ، وعلى تصنيع نسخ من مصابيح إنارة الشوارع الأصلية التي كانت قائمة في مطلع القرن وتركيبها.

بحلول السبعينيات، اختفت غالبية هذه السمات الجذابة من باقي أنحاء بيروت،5 وفي أعقاب الازدهار الاقتصادي6 نشأت مبانٍ تفتقر في معظمها إلى أي قيمة فنية وجمالية، وهي على حد تعبير مهندس لبناني بارز «صناديق باطون بشعة». لقد وضعوا معايير جديدة تحاكي، وربما تشوّه، أسلوب عمارة مدرسة باوهاوس، ونبذوا الفن في التصميم لصالح النفعية التجارية. يقول المهندس نفسه: «ما يسمّى بفن عمارة ما بعد الحداثة هو ابتذال معماري» (Tabet, 1998, 104).

يمكن رؤية الدليل على هذا الاختزال في الصور الفوتوغرافية الخاصة بساحة الشهداء ووسط بيروت التاريخي، والتي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وصولاً إلى السبعينيات (انظر، على سبيل المثال، Dabbas, 1986, 68-77; Jidejian, 1973, 245- 46). كان وسط بيروت عبارة عن مساحة عامة جميلة تتوسطها حديقة متقنة وتحيط بها مبانٍ فاتنة، صُمّمت للناس وتحديدًا المشاة. بحلول أوائل السبعينيات، استُبدلت مباني الساحة بأبراج شاهقة مُجردة من أي تمايز معماري، وغطّت لافتات النيون الكبيرة الأفق، وأُهمِلت الحديقة لفترة طويلة فطُمِست معالمها، وهو ما عبّد الطريق أمام بروز رمز الحياة الغربية بعد الحرب العالمية الثانية: مواقف السيارات. غصّت الساحة بأعداد كبيرة من السيارات التي فرضت منطقًا ثقافيًّا خاصًّا بها.

انتشرت هذه الآفة الثقافية في كل أنحاء بيروت. بحلول منتصف القرن العشرين، فقدت معظم الإنشاءات الجديدة الإبداع الفني في تصميمها، وبات هذا النمط يسيطر على المدينة. لا يمكن التعرف إلى العديد من شوارع المدينة بسهولة نظرًا إلى التشابه الكبير بينها. وأكثر من ذلك، لا يمكن تحديدها على أنها جزء من لبنان أو الشرق الأوسط لأنها لا تعكس ثقافة المجتمع اللبناني وفنه وروحه. عادةً، تسجّل هذه الخسارة الثقافية نتيجة فقدان الموارد المادية التي كانت تحافظ على جمال المدينة. وهنا المفارقة. مع تحول بيروت المستمر إلى خربة معمارية، أصبحت في الوقت نفسه أكثر ثراءً. توافرت الإمكانات والوسائل، ومع ذلك عُدِّلت معايير الحياة الحضرية، إذ بقيت الثروة مخصصة للاستهلاك الخاص، فيما تلاشت تقاليد تجميل الأماكن العامة.

يعود جزء كبير من هذا التغيير إلى تضافر عوامل عدة، من ضمنها ظهور الباطون كمادة بناء أكثر مرونة، أتاحت التوسّع الهائل في حجم المباني وارتفاعاتها، فضلاً عن ظهور قوى اقتصادية رفعت قيمة العقارات في بيروت، التي افتقدت المهندسين المعماريين المُدربين للتعامل مع الطلب الناتج عن طفرة البناء (Ghosn, 1970). لكن تبقى هذه العوامل غير كافية لتفسير تراجع الفن في التصميم الحضري والحياة، وانهيار النمط المعماري القديم في لبنان.

تحاجج جاين هولتز كاي (1997, 71-73) بأسلوب مقنِع بأن فقدان الفن وإفلاس الحياة العامة هما في جزء كبير النتيجة المباشرة لزيادة الاعتماد على السيارات في المجتمع الحضري. عندما أصبح امتلاك السيارات متاحًا، ترك المشاة الأرصفة تدريجيًّا للتجول عبر المدينة بالسيارة، التي عززت إحساسهم بالغربة عن البيئة الحضرية. عندها أدرك المهندسون المعماريون والمخططون الحضريون أن عصر المشاة انتهى، وبالتالي توقّفت زخرفة المباني والأماكن العامة، فيما حوّل المواطن اهتمامه من تجميل المدينة إلى استثماراته الأساسية، أي السيارة والمسكن، التي لم تعد استثمارات مادية فحسب لتحسين نوعية الحياة الخاصة، بل باتت تعبّر أيضاً عن قيمته الشخصية وصورته العامة في المجتمع. كان سكان المدينة في السابق يعرّفون عن أنفسهم من خلال التغني بجمال مدينتهم وثقافتها، أما الآن فقد باتوا يعرفون عن أنفسهم من خلال ممتلكاتهم الخاصة.

الحضرية الجديدة وانحدار النموذج الأميركي

أدى الإفقار الثقافي للمدن الحديثة إلى تبنّي نموذج جديد في الهندسة المعماريّة والتخطيط المديني، وهو الحضريّة الجديدة (Calthorp, 1993; Jacobs, 1993; Katz, 1994; Krier, 1998). يطبّق المخططون الحضريون الجدد هذا النموذج بطرق متنوّعة، لكن الجميع يعتقد بوجوب وقف الاعتماد على السيارات في المناطق الحضرية، وضرورة تناسب البيئة الحضرية مع حياة الإنسان لا مع الآلات.

لا يعترض بعض المخططين الحضريين الجدد على استخدام السيارات الخاصة، بل يصمّمون مساحات للسكن والعمل لاستيعابها، مع التشجيع على تحقيق التوازن مع وسائل النقل العام الأخرى وركوب الدراجات والمشي. هذا الأمر مهم في حالة لبنان، لأن أي تحوّل في نموذج النقل يتطلب فترة انتقالية يستمر خلالها الاعتماد على السيارات.

أثبتت الجهود المبذولة لتقليل الاعتماد على السيارات فعاليتها في الدول النامية. أكسبت سياسات النقل التقدمية شهرة عالمية لمدينة كوريتيبا في البرازيل، التي وفرت الكثير من المال عبر إنشاء نظام باصات عام غير مكْلف نسبيًّا وعالي الكفاءة وجذاب في آنٍ معًا، بحيث ارتدّت عائداته ثروةً على الناس على شكل دار أوبرا جديدة ومبانٍ مدنية أخرى (Kay, 1997; Newman and Kenworthy, 1999).

في المقابل، يفضّل مخططون حضريون جدد آخرون التخلص من السيارات تمامًا، وإنشاء بيئة حضرية «خالية من السيارات». في العديد من المدن القديمة في أوروبا، وبدعم شعبي هائل، أغلقت الحكومات مراكز المدن التاريخية بشكل دائم أمام حركة مرور السيارات، تاركةً الشوارع آمنة للمشاة وراكبي الدراجات الهوائية والأطفال والمتسوقين وروّاد المقاهي. ينتشر هذا الاتجاه بسرعة كبيرة، إذ أعلنت مدينة برمنغهام البريطانية أخيرًا ربع وسط المدينة منطقة خالية من السيارات، وتعتزم قريبًا تخصيص ٢٠٪ أخرى من مساحتها للمشاة فقط. بدأ العديد من المدن في اتباع نموذج باريس، التي أقرّت يومًا سنويًّا خاليًا من السيارات، برزت نتيجته آراء ودعوات لتوسيع البرنامج بعد أن نال شعبية كبيرة. في بداية شباط/ فبراير ٢٠٠٠، خصص العديد من المدن الإيطالية أيامًا شهرية دورية خالية من السيارات. يبدو واضحًا أن طَور تدمير الأماكن العامة بالسيارات الخاصة، والذي امتد طويلاً، بدأ في التبدد والتحول.

الحضرية الجديدة في سياق متوسطي

دافعت بعض مدن المتوسط عن ثقافتها وهندستها المعمارية على الرغم من الضغوط لاعتماد أسلوب الحياة والاقتصاد الموجهين نحو السيارات. في الواقع، تقع أكبر مدينة خالية من السيارات في العالم على حوض المتوسط: إنها البندقية. يتمتع سكان المدينة بحرّية حضرية اختفت منذ فترة طويلة في معظم المدن الكبرى، إذ يلتقون بانتظام في الأماكن العامة الخالية من ضجة السيارات والتلوث وحركة المرور والفوضى. تتشارك شوارع البندقية المساحة الخاصة والوصول المجاني إلى الأماكن العامة بحميمية وأسلوب مرن يدمج المدينة ويوحّدها بشكل شمولي. يمكن الوصول إلى الملاعب والساحات والنوافير والمقاهي والمطاعم بانسيابية. من هنا، يؤكد التجاور الشديد بين الأماكن العامة والخاصة على حقيقة تركيز الثقافة الحضرية على تشارك الحياة البشرية. فوسط مدينة البندقية ومركزها ليسا للسيارة ومتطلباتها بل للإنسان والتعبير الثقافي. المدينة ليست موقفًا شاسعًا بل منزلٌ حاضنٌ للجميع، ليست شبكة من «اللا مكان» بل كنزٌ غنيّ من التعبير البشري المليء بالمعاني التي تنقل إلى الأجيال الحالية والمقبلة، ليست مدينة ضائعة مدفونة تحت أعباء تكنولوجيا نقل ضخمة غير مناسبة بل بيئة حيّة. كان فشل الحياة الحضرية عميقًا في جميع أنحاء العالم في أواخر القرن العشرين، لدرجة أننا بالكاد نستطيع تخيل وجود مدينة مماثلة. مع ذلك، وعلى الرغم من ويلات الزمن، والبحر والظروف البيئية المتجددة باستمرار، لا تزال البندقية دليلاً مقنعًا، ليس على إمكانيات الثقافة الحضرية في حوض المتوسط فحسب، إنما أيضًا على حقيقة الحاجات الاجتماعية والثقافية للإنسانية.

ربما تكون إسطنبول المثال الأفضل عن تقدم وتراجع المدن المتوسطية التي تعالج مسألة الاعتماد على السيارات. تمامًا مثل بيروت، تُعد إسطنبول همزة وصل بين الشرق والغرب، ولديها إطلالات بانورامية شهيرة، ويُرجح أن تصبح واحدة من أكثر المدن المؤثرة ثقافيًّا واقتصاديًّا في الإقليم. مع ذلك، تكافح المدينة لتحرير نفسها والخروج من مستنقع يعجّ بمشاكل حضرية، معظمها مرتبط مباشرة بالازدحام المروري، الذي تشتد خطورته أكثر من أي وقت مضى، ويهدد صناعتها السياحية الحيوية ودورها كمركز أعمال دولي. لذلك، يستخدم مواطنو إسطنبول حلول النقل البديلة. في الواقع، تقدّم المدينة مجموعة من أنظمة النقل، التي نادرًا ما نراها في العالم، وربما تكون فريدة في منطقة حوض المتوسط. تقع «تقسيم»، منطقة الفنادق الرئيسية، في شارع الاستقلال، وهو طريق طويل خالٍ من السيارات تترامى على جانبيه مبانٍ مزخرفة حوفظ عليها ويعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر. يجري التنقل في الشارع سيرًا على الأقدام أو بواسطة ترام كهربائي رائع وشعبي يعود تاريخه إلى بداية القرن العشرين. إلى ذلك، افتتحت المدينة في العام ١٩٩٤ نظامًا جديدًا للسكك الحديدية الخفيفة، تمتد من المطار شرقًا إلى أطراف المدينة القديمة، وتمرّ بطبيعة الحال بالقرن الذهبي والضواحي الشمالية، فيما يعْبر ترام آخر أكثر قِدمًا قلب المدينة القديمة. أيضًا، تخدم العبّارات التقليدية كل الموانئ الرئيسة في المدينة، أما الركاب الذين يقصدون مسافات أطول تنطلق من موانئ المدينة إلى خارجها فيعتمدون على عبّارات قطمران عالية السرعة (٤٠ عقدة أو ٧٠ كلم/ساعة)، المعروفة بـ«الباصات البحرية»، وتتميز بتصميماتها الداخلية وخدماتها المماثلة لشركات الطيران. في حين، تُكمِل أنظمة الباصات الواسعة وسيارات التاكسي والسيرفيس الخيارات الغنية لبدائل النقل
(Istanbul, 1997, 102, 233).

إدراكًا للقيمة الدينية والتاريخية والسياحية للأحياء القديمة في المدينة، وحفاظًا على الجواهر المعمارية والبيئة الحضرية وحمايتها من الاتجاه الاختزالي الناجم عن الاعتماد على السيارة، تعمل البندقية وإسطنبول بنجاح على ترجمة الحضرية الجديدة لكنْ ضمن سياق متوسطي.

طُبقت الحضرية الجديدة في عدد من مشاريع الترميم والتجديد المتميزة في بيروت، لا سيما في الوسط التجاري. حدد المخططون الحضريون عددًا من المواقع الرئيسة المخصصة للمشاة في وسط المدينة لتكون خالية من السيارات
(Gavin and Malouf, 1996) الذي استضاف بالفعل، حتى قبل اكتمال المشروع، العديد من المعارض الأثرية الناجحة، التي أكدت شعبية البيئة الحضرية الخالية من السيارات.7

يوجد في لبنان مدينة خالية من السيارات وهي صيدا القديمة، حيث صُمِمت الأزقة الضيقة الأصلية وفقًا لنمط الحياة الحضرية في العصور الوسطى، حين استحوذت الهواجس الأمنية والدفاعية لصدّ الغزاة على أهمية قصوى، ولم تبرز في المقابل أي حاجة للتحرك بسرعة تتجاوز سرعة خطوات المشي. ساهمت التقاليد والتفضيلات العائلية في الحفاظ على طابع المدينة، واللافت اليوم أن سكان ومالكي العقارات في صيدا القديمة يدركون [قيمة] الكنز التاريخي والثقافي الموجود بين أياديهم (Haddad, 1999)، بحيث تُرمم المنازل والمحلات التجارية، التي يعود تاريخها إلى قرون خلَت، مع اهتمام دقيق بالتفاصيل التاريخية. تساهم هذه العمليات في رفع قيمة العقارات مرات عدة لتصبح جزءًا من متحف حضري حي. وبالفعل رُمِّمت مساجد عدة بالكامل، وباتت بمثابة «مَراسٍ» تُجذِّر نموذجًا يُحتذى به في باقي أعمال التجديد والترميم.

بدائل لبيروت

يمكن لبيروت الاستفادة من إخفاقات ونجاحات المدن المتوسطية، وغيرها من المدن في مناطق أخرى، لزيادة الكفاءة الاقتصادية لميزانية النقل، والانتقال بسرعة إلى حلول طويلة الأجل تشكّل أساس الازدهار والحياة الثقافية الغنية.

باتت الدول تدرك أن تراجع الاستخدام الجماعي للسيارات الخاصة وشيك وحتمي. وأن ظاهرة «حركة المرور المتوالدة» دليل مُقنع على الحاجة إلى بدائل (Kay, 1997, 15-16; Newman and Kenworthy, 1999, (52-59. على مدى عقود، اعتقدت الولايات المتحدة، وغيرها من الدول التي حذت حذوها واعتمدت على نماذجها، بأن الحل للازدحام المروري يكمن باستبدال الطرق القديمة الضيقة بجادّات واسعة ومستقيمة وطرق سريعة تسمح للسيارات بالتحرك بكفاءة قصوى. ربما بدا الأمر منطقيًّا في حينه، لكن سرعان ما ثبُت أنه نهج خاطئ. ففي مقابل إتاحة المزيد من الطرق السريعة، تُنتَج حركة مرور إضافية لأسباب عدة مرتبطة بها. يشجع الطريق السريع الجديد السائقين على استخدامه بشكل متكرر لأنهم مقتنعون بأنه يوفر الوقت، وأنه يمكن استخدامه لإجراء المزيد من الرحلات السيارة. أما السبب الثاني، وهو الأدقّ، فيكمن في أن أشخاصًا غير السائقين، تحديدًا المطورين العقاريين، يجدون فائدة من الطريق السريع الجديد. وكما يلفت نيومان وكينوورثي (1999, 54)، يسهّل الطريق السريع تمدد التطوير العقاري في الأراضي المجاورة له لأغراض سكنية وتجارية. من هنا، يؤدي بناء مزيد من المساكن والمراكز التجارية (مولات) على طول الطريق السريع، إلى بروز مزيد من الأشخاص الذين يتنقلون بسياراتهم الشخصية.

ليس من الصعب فهم أن تحسين البيئة الحضرية بدلاً من بناء الطرق يقود نحو اقتصاد أفضل. يؤدي تشييد الطرق إلى تشتت استخدامات الأراضي، بالتوازي مع زيادة قدرتها الاستيعابية بما يسهّل النمو السريع في استخدام السيارات. يخلق الازدحام الناتج عن توسيع الطرق حلقة مفرغة من الطلب المتزايد على مساحات أكبر منها. يقول فيل غودوين من وحدة دراسات النقل في جامعة لندن «... إن شقّ الطرق للقضاء على الازدحام أمر مستحيل، لأن المعدل المرجح لارتفاع مستويات حركة المرور سوف يتجاوز أي برنامج بناء واقعي بكثير»... لكن حتى قبل الوصول إلى الحد الأقصى من البناء، تكون المدينة قد شهدت انخفاضًا كبيرًا في جودة بيئتها الحضرية، وهو ما يترجَم اليوم بشكل مباشر في انخفاض مستوى الأداء الاقتصادي.

النقل بواسطة السكك الحديدية

من الواضح على المدى الطويل أن الطرق السريعة عاجزة عن حل مشكلةٍ تشكل هي ذاتها سببًا أساسيًّا لها، كما تبيّن بالتجربة في الولايات المتحدة وإنكلترا وإسطنبول وأماكن أخرى. في المقابل، يتشكّل إجماع دولي على نموذج جديد يرى أن الشكل الأفضل للنقل العام في المناطق الحضرية هو السكك الحديدية (Hass-Klau, 2000; Kenworthy and Laube, 2000 (and 2001. علمًا أن الاهتمام بأنظمة السكك الحديدية الخفيفة يتزايد في مدن البلدان النامية في حوض المتوسط. إلى جانب إسطنبول، اقترحت بعض المدن المتوسطية أو أنشأت بالفعل أنظمة نقل بالسكك الحديدية من ضمنها الدار البيضاء والرباط وتونس والقاهرة (Lowe, 1993, 129, 131).

تتجاوز أنظمة النقل بالسكك الحديدية أي شكل آخر للنقل البري الجماعي من حيث الموثوقية والسرعة والأمان والراحة. ونادرًا ما تتأثر بالطقس على عكس الطرقات السريعة التي يتسبب المطر والثلج في حدوث اضطرابات كبيرة عليها بشكل روتيني. تشغَّل السكك الحديدية في أوروبا مثلاً، وفقًا لجدول زمني دقيق يُعتمد عليه، وهو أمر مريح للركاب، وضروري للأعمال التي تتطلب دقة في توقيت تسليم البضائع.

يُعد النقل بالسكك الحديدية الأرخص بين وسائل النقل البري في العالم، وهو مناسب للغاية للدول النامية. بالإضافة إلى الوفورات التي يحققها نتيجة الموثوقية الفائقة، ينتج أيضًا وفورات في استهلاك الطاقة. تستهلك قطارات المدن ثلث الطاقة التي تستخدمها الطائرة، وسدس الطاقة التي تستخدمها سيارة تُقلّ راكبًا واحدًا. تُنقل البضائع عبر السكك الحديدية في مقابل ثُمن تكلفة الطاقة التي يتطلبها نقلها بشاحنة. تُخفف أنظمة القطارات العاملة على الكهرباء الاعتماد على النفط إلى حد كبير (Lowe, 1993; Newman and Kenworthy, 1999, 76, 78)، ويتحقق المزيد من الوفورات من خلال انخفاض استهلاك الأراضي، والازدحام في المطارات والموانئ والطرق السريعة، وتلوّث الهواء.

يُعد استهلاك السكك الحديدية للأراضي فعّالاً للغاية في ما يتعلق بالبيئة والاقتصاد. إن القدرة الاستيعابية لطريق سريع مؤلف من ١٦ مسارًا (بطول ١٢٢ مترًا) توازي القدرة الاستيعابية لسكّة حديدية بعرض مسارين فقط (١٥ مترًا). الأهم من ذلك، تدمج خطوط السكك الحديدية والترام المجتمعات حول محطات القطار بما يمنع تمدد المدن والضواحي (Kay, 1997; Lowe, 1993; Newman and Kenworthy, (1999, 154-62.

في العام ١٩٩٣، كان سفر الركّاب بالسكك الحديدية أكثر أمانًا بنحو ١٨ مرة من السفر بالسيارات في الولايات المتحدة، وبنحو ٢٩ مرة في هولندا وألمانيا الغربية سابقًا، ونحو ٨٠ مرة في فرنسا (Lowe, 1993). أيضًا، تُعد سلامة شبكة شينكانسن اليابانية لا مثيل لها في أي نظام نقل آخر، إذ لم تسجل أي حالة وفاة منذ العام ١٩٦٤، فضلاً عن أنها تعمل بسرعات متزايدة باضطراد وقدرة استيعابية أكبر (Vranich, 1991).

في حين قد تحل القطارات مشاكل النقل بين المدن اللبنانية الساحلية، يخدم نظام السكك الحديدية الخفيفة النقل داخل بيروت. شكلت خطوط الترام العمود الفقري لنظام النقل العام في بيروت حتى الستينيات، حين أُلغِيت لصالح الباصات (Singh-Bartlett, 1999). اليوم، كما هي الحال في إسطنبول، تعتمد نصف مدن أوروبا الغربية، التي يبلغ عدد سكانها نحو ٦٠٠ ألف نسمة أو أكثر، على خطوط الترام للحصول على نقل مشترك سريع وفعّال وهادئ وآمن وغير ملوّث عبر الشوارع الضيقة والمنعطفات الصعبة، ومن دون احتلال مساحات شاسعة من الأراضي، وطمس العمارة الحضرية العريقة والمحفورة في الذاكرة (Lowe, 1993, 130-31; Kenworthy and Laube, 2001; (Hass-Klau et al., 2000.

تُعد الباصات الكهربائية البديل الأكثر تماثلاً مع الترام، وربما يكون أبسط على المدى القصير. لقد أثبتت هذه التقنية الجديدة نفسها بطرق عدة، وهي مُعتَمدة في خمس مدن أميركية منذ بداية التسعينيات، وناجحة لأنها لا تحْدث ضجة ولا تنفث روائح، فضلاً عن كونها أخف وزنًا وأسرع من الباصات العاملة على الغاز، وأقلّ تكلفة من الباصات التقليدية؛ ففي حين تتساوى تكاليف تصنيع كليهما، إلا أن تكلفة صيانة الباص الكهربائي تشكل نصف تكلفة صيانة باص تقليدي، وتكلفة تشغيلها تصل إلى ٦ سنتات لكل مِيل في مقابل ١٦ سنتًا لكل ميل للباصات العاملة على الغاز (Lerner, 1997, 183-85; ETVI).

اللافت أن لوس أنجليس، مثل بيروت، كانت تمتلك في الأصل نظام ترام ممتازًا، لا بل النظام الأفضل في العالم. مع ذلك، اشترته مصالح خاصة بحلول منتصف الثلاثينيات، ففُكّك واستُبدِل بحافلات بطيئة تعمل على المازوت وتُصدر ضجة وتنفث دخانًا ذا رائحة كريهة، ما دفع السكان إلى شراء سيارات خاصة باعتبارها البديل المُرضي الوحيد. والآن، بعد مرور نحو ٦٠ عامًا، تعود لوس أنجليس تدريجيًّا إلى خطوط الترام ومترو الأنفاق التي تُعد الحل الأفضل في مدينة تعاني من الاختناق بسبب الازدحام المروري وتلوث الهواء، وهو تأكيد إضافي على تراجع النموذج الأميركي القائم على الاعتماد على السيارات الخاصة (Lowe, 1993, 126, 130).

نتائج متوقعة

يمكن أن تظهر منافع التحول من أحد أشكال النقل الجماعي، التي لا تستطيع بيروت تحمّله، إلى شكل آخر عالي الكفاءة واقتصادي، في الخزينة العامة على شكل فورات هائلة - نحو ٢٠٪ من مجمل الناتج المحلي، بحيث تؤخذ العوامل المرتبطة بالبيئة والكفاءة والصحة في الاعتبار بالتوازي مع تكاليف الاستيراد. لن تؤدي هذه الوفورات في تأمين رأس المال اللازم لدفع تكاليف نظام نقل بالسكك الحديدية فحسب، بل سوف تحرر الموارد التي تشتد الحاجة إليها لتحقيق التنمية خارج قطاع النقل.

تُعزز السكك الحديدية وبدائل النقل المرتبطة بها الازدهار والنمو الثقافي بطريقة منهجية. عمليًّا، ترفع أنظمة النقل بالسكك الحديدية الخفيفة الحديثة من قيمة الأراضي المجاورة (Newman and Kenworthy, 1999, 154-62)، بحيث لا تبقى الأرض مهدورة في بناء الطرق السريعة، بل تُتاح المزيد من المساحات للإسكان والزراعة، ما يُخفف الضغط عن أسعار المساكن ويزيد إمدادات الغذاء. أيضًا ينخفض تلوث الهواء والماء إلى حد كبير، وهو ما يعزز بدوره الصحة العامة والحياة الأسرية وأنظمة الرعاية الصحية والسياحة. كذلك تستعيد المدينة جمال عمارتها وتوسّع المساحات الخضراء ضمنها، فيما تتضاءل مواقف السيارات وغيرها من المساحات الحضرية الميتة وتُستبدل بفرص بناء مرافق عامة تعبّر عن الثقافة الحضرية مثل مقاهي الأرصفة، والأسواق المفتوحة، والحدائق المهندسة والحدائق الطبيعية، والمتنزهات، والمدرّجات، وقاعات الحفلات والمتاحف. كذلك يستعيد المواطن انتباه المصممين الحضريين والمعماريين، ويصبح سكان الحضر أشبه بجمهور عريض للأعمال الفنية التي تحفز الشعور بالفخر، وتثير الخيال، وتعزز التفاعل الاجتماعي، وتخلق روحًا من الوحدة. وثّق نيومان وكينوورثي (1999) هذه الجوانب من الانتعاش الثقافي والاقتصادي القائم على النقل العام في مدن متنوعة، على سبيل المثال لا الحصر، كوريتيبا وبورتلاند وسنغافورة وبرث. وبالفعل، كُشِف عن لمحات عابرة عن هذه التجارب التي استعادت حياتها الحضرية، في معارض أقيمت في الشوارع الخالية من السيارات في وسط بيروت، وخلال المناسبات الاجتماعية التي لا تُعبر إلا عن اعتراف الناس بقيمتهم وهويتهم.

بعد الدراسة التي أعدّتها «سوفرايل»، واصلت الحكومة اللبنانية البحث في إمكانية إحياء شبكة السكك الحديدية بين جونيه والجيّة. في تشرين الأوّل/ أكتوبر ١٩٩٩ أُعلن عن هبة قدمتْها وكالة التجارة والتنمية الأميركية إلى وزارة النقل اللبنانية بقيمة ٦٢٥ ألف دولار لإجراء دراسة جدوى عن هذه المسألة خلال ستة أشهر. يشير هذا التطور إلى أن الوعي بأهمية وجود بدائل عن المركبات الخاصة بدأ يكتسب أرضية على أعلى المستويات (Darrous, 1999).

إلى جانب الحياة في بيروت نفسها، سوف يعيد النقل بالسكك الحديدية الوصلات الفعالة التي تربط المدينة بالمدن المتوسطية المجاورة وغيرها من المناطق بأسعار مقبولة. لا وسيلةَ نقل أخرى غير السكك الحديدية - ولا حتى الطائرة – يمكنها أن تجعل السفر لمسافات طويلة مريحًا وميسورًا للأشخاص العاديين. تنبع ثروة بيروت وطابعها الكوزموبوليتي، مثل أي مدينة عظيمة أخرى، من علاقتها الحميمة مع الأراضي والبلدان الأخرى، لا سيما أن تنوع الأفكار والثقافات والتجارة يخلق الإبداع والخيال الواسع ويحول دون الوقوع في الروتين الاجتماعي والثقافي.

لا يكمن الهدف من إيجاد بدائل عن النموذج الأميركي القائم على السيارات في الحياة الحضرية، بإجبار الفرد على تبني طريقة عيش تتعارض مع تفضيلاته، بل تقديم خيار آخر يسمح له باختيار ما يفضّل ومتى يشاء. لن تختفي السيارات بين ليلة وضحاها، ولا داعي لذلك أساسًا. لا تتطلب استعادة الثقافة الحضرية في بيروت إلغاء السيارات بذاتها، ولكن إنهاء الاعتماد عليها من خلال الوعي بالمزايا التي يمكن اكتسابها.

 

مراجع

Abou Raad, S. (1999), ‘Road Safety Problems
in Lebanon’ in LTP, 83-84.
Baaj, M. (1999), ‘A Plan for the Reform and Organization of the Land Public Transport Sector in Lebanon’, prepared for the Lebanon Ministry of Transport.
Baaj, M. (ed) (1999), Proceedings of the Workshop on Land Transport Policy
for Lebanon [LTP], prepared for the Lebanon Ministry of Transport.
Brown, L. and Mitchell, J. (1998), ‘Building a New Economy’ in L. Brown et al., State of the World 1993: A Worldwatch Institute Report on Progress Toward a Sustainable Society (New York: W.W. Norton, 168-87).
Calthorpe, P. (1993), The Next American Metropolis: Ecology, Community,
and the American Dream
(Princeton: Princeton Architectural Press).
Christian Science Monitor (1999), ‘A Mouse and Other Naturalists Reclaim Paris ’, 23 September, viewed 18 January 2000.
Churchill, C. (1954), Beirut: A Socio-Economic Survey (Beirut, Dar El-Kitab).
Daily Star (1999a), ‘Ambitious Road and Rail Projects’, Business News (Beirut, 26 May 1999).
Daily Star (1999b), Business News (Beirut, 22 June, 24 August, and 18 September 1999).
Daily Star (1999c), Lebanese News
(Beirut, 8 April 1999).
Darrous, S. (1999), ‘US Funds Study on Restoring Old Coastal Railroad to Ease Gridlock’, Daily Star, Lebanese News (10 October 1999).
Darwish, F. and Timberlake, R. (1999), ‘Road User Charging Study: Charging Scenarios on the Basis of Road Funding Requirements and Cost Allocation to Vehicles’ in LTP, 58-71.
Debbas, F. (1986), Beirut: Our Memory
(Beirut: Naufal Group).
El-Fadel, M. and Hashisho, Z. (1999), ‘Phase-Out of Leaded Gasoline in Lebanon: Cost and Health Benefit Analysis’ in M. Baaj, LTP, 85-88.
ETVI (Electric Transit Vehicle Institute).
Gavin, A. and Maluf, R. (1996), Beirut Reborn:
The Restoration and Development of the Central District (London: Academy Editions).
Ghosn, R. (1970), ‘Beirut Architecture’ in
(no editor) iBeirut: Crossroads of Cultures
(Beirut: Librairie du Liban), 185-202.
Haddad, R. (1999), ‘Sidon’s Awakening’,
Daily Star, Lebanese News, (29 May 1999).
Hass-Klau, C. et al. (2000), Bus or Light Rail: Making the Right Choice: A Financial, Operational and Demand Comparison of Light Rail, Guided Buses, Busways and Bus Lanes (Bristol, UK: Environmental and Transport Planning).
Hylton, T. and Seitz, B. (1995), Save Our Land,
Save Our Towns: A Plan for Pennsylvania (Harrisburg: RB Books).
Investor’s Guide (1997), Beirut, Etudes
et Consultations Economiques SARL.
Iskandar, M. (1994), The Lebanese Economy 1993 (Beirut: M. I. Associates).
Iskandar, M. (1995), The Lebanese Economy 1994 (Beirut: M. I. Associates).
Iskandar, M. (1999), The Lebanese Economy 1999 (Beirut: M. I. Associates). Istanbul (1997) (London: Dorling Kindersley).
Jacobs, J. (1993), The Death and Life of Great American Cities (New York: Random House).
Jidejian, N. (1973), Beirut Through the Ages
(Beirut: Dar El-Mashreq).
Katz, P. (1994), The New Urbanism: Toward
an Architecture of Community (New York, McGraw-Hill).
Kay, J. H. (1997), Asphalt Nation: How
the Automobile Took Over America, and How
We Can Take It Back (New York, Crown Publishers).
Kenworthy, J. and Laube, F. (2000), ‘The Role of Light Rail in Urban Transport Systems: Winning Back Cities from the Automobile’, presented to The Fifth Light Rail Conference, UITP, Melbourne Exhibition and Convention Centre, 8-11 October 2000.
Kenworthy, J. and Laube, F. (2001), Millenium Cities Database for Sustainable Transport (Brussels: UITP).
Khairallah, S. (1991), Railways in the Middle East, 1856-1948 (Beirut, Librairie du Liban).
Khalil, Z. (1999), ‘Road Builders Defend Construction Work s Constant Repairs Gridlock the Capital’, Daily Star, Lebanese News, 15 May 1999.
Krier, L. (1998), Architecture: Choice or Fate (London: Andreas Papadakis).
Kunstler, J.H. (1994), The Geography of Nowhere: The Rise and Decline of America’s Man-Made Landscape (New York: Simon and Schuster).
Lebanon Central Administration For Statistics (N.D.), Monthly Bulletin [entry point for all articles], viewed 14 March 2000.
Lerner, S. (1997), Eco-Pioneers: Practical Visionaries Solving Today’s Environmental Problems (Cambridge: MIT Press).
Lowe, M.D. (1993), ‘Rediscovering Rail’ in L. R. Brown et al., State of the World 1993: A Worldwatch Institute Report on Progress Toward a Sustainable Society (New York: W.W. Norton), 120-38.
Masri, R. (1999), ‘Development - At What Price? A Review of the Lebanese Authorities’ Management of the Environment’, Arab Studies Quarterly, 21/1, 117-34.
Meymerie, F. (1999), ‘Transport Plan for Greater Beirut’ in LTP, 28-30.
Murray, G. (1974), Lebanon: The New Future:
An Economic and Social Survey (Beirut: Thomson-Rizk).
Najia, Y. (1995), ‘The Future of Public Transportation in Lebanon: An Administrative Assessment in View of Current Practices’, M.A. thesis, Beirut University College Business School.
Nakkash, T. (1999), ‘Beirut Urban Transport Project: Preparatory Study’ in M. Baaj, LTP, 31-35. Nakkash, T. (1999), ‘Transport Plan for Greater Beirut’ in LTP, 24-27.
Newman, P. and Kenworthy, J. (1999), Sustainability and Cities: Overcoming Automobile Dependence (Washington, DC: Island Press).
Salvucci, F. (1999a), ‘Economic Development, Environmental Quality and Congestion Mitigation: Can Transportation Policy Integrate These Objectives?’ in M. Baaj, LTP, 19-22.
Salvucci, F. (1999b), ‘Environmental
and Financial Sustainability’ in M. Baaj,
LTP, 137-38.
Schneider-Sickert, C. (ed.) (1997),
Lebanon 1997-8: The Annual Business,
Economic and Political Review
(London: Oxford Business Group).
Singh-Bartlett, W. (1999), ‘Busily Building More Highways to Gridlock’, Daily Star,
Lebanese News, 8 April 1999.
Tabet, J. (1998), ‘From Colonial Style to Regional Revivalism: Modern Architecture in Lebanon and the Problem of Cultural Identity’ in P. Rowe and H. Sarkis (eds), Projecting Beirut: Episodes in the Construction and Reconstruction
of a Modern City, (Munich: Prestel), 83-104.
Vranich, J. (1991), Super-Trains: Solutions to America’s Transportation Gridlock
(New York: St. Martin’s Press).
World Bank (1996), Trends in Developing Economies 1996 (Washington, DC: World Bank). World Bank (1999), World Development Indicators 1999 (Washington, DC: World Bank).

 

  • 1.مراسلة شخصية من تمّام نقاش بتاريخ ١٤ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٠٠
  • 2.يبلغ المتوسط في الشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل التي ينتمي إليها لبنان نحو ١١٩ سيارة لكل ألف شخص، ونحو ٤٠ سيارة لكل ألف شخص في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
  • 3.تُقدر التكاليف التي يتحملها المجتمع بسبب المشاكل الصحية المتأتية من ارتفاع مستويات الرصاص في الدم بنحو ١١٨ مليون دولار سنويًّا (El-Fadel and Hashisho, 1999, 86).
  • 4.يُقدر العجز الحالي بالمواقف بنحو ٦٠ ألف سيارة (استنادًا إلى تحليل مُفصّل يأخذ في الاعتبار استمرار تقديم خدمة وقوف السيارات بحسب الأسعار الحالية، وعدم فرض بدلات وقوف لقاء ركن السيارات على الأرصفة). وحتى مع التنفيذ الصارم لقانون البناء الحالي، والتحول الملموس إلى النقل العام بحلول العام ٢٠١٥، لن ينخفض هذا العجز بأكثر من ١٠٪ (Nakkach, 1999, 31).
  • 5.الاستثناء الأبرز هو حرم الجامعة الأميركية في بيروت. تميل الكليات والجامعات عمومًا إلى أن تكون آخر معاقل التناغم بين الثقافة والمجتمع والبيئة، بحيث يمكن أن تشكّل نموذجًا لمراجعة استراتيجيات التنمية.
  • 6.ناقش Murray ظاهرة الفورة الاقتصادية بين العامين ١٩٥٠ و١٩٧٣، والتي تُعرف في بعض الأوساط بـ«المعجزة اللبنانية» (1974, 85-88).
  • 7.ينخرط بعض المدن اللبنانية، بطريقة ما، في المشاريع الحضرية الجديدة. تشير خطة لإعادة إحياء الحي القديم في جونية إلى أن الشارع الرئيسي سوف يكون خاليًا كليًّا أو جزئيًّا من حركة السيارات، وكذلك يقع السوق العتيق التاريخي في زوق مكايل في شارع مُغلق أمام حركة مرور السيارات.

ليست هناك تعليقات