-->

بول بولز والمغرب: حلقة رواة طنجة عن النسخ والترجمة

 بول بولز


 
مارك كوبر٭ | ترجمة: عبد المنعم الشنتوف٭٭
حجم الخط  

تعتبر الفوتوغرافيا لغة بصرية وطريقة لرسم الأمكنة تنأى بنفسها عن اللغة وسوء التفاهم الثقافي. يتعلق الأمر بتقارب وتباعد في سياق من الحياد، أي دور اضطلعت به الفوتوغرافيا في سيرة وأعمال بول بولز؟ قد يكون دورا ضيقا يتمثل في المصاحبة. ترتب الفوتوغرافيا السياق، وتوفر الخلفية البصرية للعديد من المحكيات، سواء أكانت سردا أو رسما. ونعثر والحالة هذه على مشاهد من طنجة والواحات وفاس والصحراء. وتتيح هذه الكليشيهات انطباعا بالعمق والعتمة، يتولد عن المفارقات والتعارضات ويستشرف درجة الإحساس بالغرابة ومفارقة الواقع. لا يتيح هذا الوسيط الفني فقط نسخ المشاهد الطبيعية الجامدة، وإنما أيضا الوجوه والخيالات، مثلما يفعل ملاحظ صامت. سحرت الفوتوغرافيا بولز بتأثير أسباب لها تعلق بالسهولة، وبوصفها مصاحبة للكتابة. تمارس الكتابة الأدبية بسرعة، وإن كانت الفوتوغرافيا أسرع.. وكلما مارس الفوتوغرافيا بكثافة وحدة، اشتدت وتيرة الكتابة عنده.
يبدو الأمر أشبه بعملية تسريع إبداعي تتخلق بين هذين النمطين من التعبير.. تبدو سيرورة التعبير هذه حاضرة في مشروعه الإبداعي، ويمكننا أن نمثل لذلك بالجزء الأخير من «شاي في الصحراء». يتوفر بولز على هذه القدرة التي تمكنه من توظيف «إكليشي» مفرط في سرعته في بضع صفحات من قصة قصيرة.
تنفتح فوتوغرافيا بولز على بعد عجائبي وحالم كثيرا ما كان يسبغه على بعض الأمكنة. يتعلق الأمر بتمثيل تصويري يأخذ شكل إعادة تركيب، أو بناء يعلو على الزمان لمكان عتيق أو أقواس تاريخية، وفي ارتباط بالبحث عن مكان، أو حضارة لم يطلهما التغيير. ويتم ذلك من خلال الثياب والملابس التي ترتديها الشخصيات التي يجري تصويرها وهي دوما بألوان داكنة. وأيضا بواسطة التركيب وتحديد الإطار الذي يمحو الحداثة العدوانية. ويبدو إن مهمة الفوتوغرافيا، حسب بولز، تتحدد في إضفاء القيمة على العناصر الخالدة والعصية على التحول والتغيير للمكان. وفي أحيان عدة تمحى الشخصيات الحية، أو يتم الإبقاء عليها لقياس المشهد. وعلى الرغم من أنه لا يعير أي اهتمام لهذه الكليشيهات الفوتوغرافية، وغير مكترث بالحفاظ عليها أو توثيقها بعد توظيفها في هذا الكتاب، أو هذه المقالة، فإنه يفلح رغم ذلك في أن يقترح على المتلقين الخلاصة الشعرية لبعض الأمكنة بقوة وكثافة، من قبيل الكثبان الرملية العظيمة لواحة تاغيت، أو شاطئ مرقالة بطنجة. سوف نشهد تداخلا بين البعد الحالم والشعري للمكان وفق المعنى الذي يطابق فيه المعمار المتاهي لطنجة، أو الكون الباطني لفاس بصريا ووفق الترتيب الواقعي لتتابع وتوالي الكوابيس المتخلقة عن القلق، وهذا الخوف الذي حاول أن يعبر عن حواشيه بالكلمات حين لم تسعفه الموسيقى.
لم يكن بولز رساما، لكنه كان مرشد الفنان التشكيلي أحمد اليعقوبي، الذي كان بالإضافة إلى ذلك حكاء وراوية. وهو ما تشهد عليه الترجمة التي أنجزها لعدد من الكتاب، والتي اشتملت عليها المجموعة القصصية «خمس رؤى». ثمة إذن انعكاس نسبي لبعض الممارسات الفنية، وتنافس بين الفنون في محيط بولز، الذي يتسم بهيمنة الهواية وأدب قاصر غير ناضج، وشكل من النقد لا يخضع لأي معيار. يبقى علينا ان نقارب مظهرا أساسيا أخيرا يمكن إدراجه في خانة الانحراف، أو الشطط الأدبي المفترض. يتعلق الأمر بالغرق داخل منزع استعماري مقنع، أو استعمار أدبي للفضاء. نرغب في أن نضفي طابعا نسبيا على هذا الخطأ بإشارتنا لعلاقته الإبداعية بالإثنوغرافيا، كي يبدع أساطير أدبية حديثة، والعمل الذي أنجزه بولز كي ينسخ ويترجم الأدب الشفهي المغربي. ويكفي ذكر هذه الإنجازات، كي تتم تبرئة ساحة بولز من تهمة السلوك الاستعماري والانغلاق. لا يتعلق الأمر بأن نؤكد بسذاجة أن بولز، أصبح لسان حال الثقافة الشعبية المحلية. بيد أن تصريحاته المشبعة بالمرارة حول خسارة وضياع مجتمع كنا نعرف فيه كيف نروي ونرتجل شفهيا حكاية، ونستمع إليها، ومرحلة كان لدينا فيها متسع من الوقت. ينضاف إلى ذلك وضوحه في ما يتعلق بالفقر في الخيال المترتب عن التطابق الثقافي، لا يترك مجالا للارتياب في تعاطفه مع عالم آخذ في الاندثار.
ولا مجال للشك أيضا في أن بحث بولز عن مشروع أدبي واتجاه إبداعي قد رتب له هذه الفرصة السانحة، وأتاح له اغتنامها بشكل نرجسي.
كان بولز بالاستناد إلى محمد شكري، محظوظا بلقائه بأشخاص رووا له حكاياتهم بأريحية ومتعة. هكذا شأن قائد فرنسي داخل ساحة عسكرية، وعدد وفير من المجهولين فقد تمكن بمهارة وحذق من أن يستفيد منهم، كي يكتب هذا النص القصصي، أو ذاك أو يدرجها داخل إحدى رواياته، ونمثل لذلك بـ«شاي في الصحراء». سوف يلتقي بولز بامرأة سوف تجود عليه بحكاية بنات الجبل الثلاث، اللاتي يحلمن بالسفر إلى الصحراء لاحتساء الشاي. تبدو هذه الممارسة السعيدة المتمثلة في سرد الحكايات واقعا ثابتًا في المغرب. سوف يستبطن بولز هذا المظهر للمكان بالدرجة نفسها التي استوعب بها ثراء التسجيل الصوتي (أصوات، أغان، ضجيج وآلات موسيقية) أو الطبيعة بألوانها الزاهية والجمال البصري للمشاهد والمناظر. تتضافر هذه الأبعاد الثلاثة: الشفهي والحكاية والموسيقى والطبيعة البصرية والتصويرية ذات الكثافة القوية في سياق الوصف لتفسير النجاح الكبير الذي حققته أعمال بولز السردية. ألا يكون في مقدورنا إجمالا اعتبار بولز عبقريا في الاقتباس؟ لا يمكننا في الحقيقة أن نتحدث عن ملكيته الخاصة لنص سردي باستثناء الألخيميا، وتركيب ما أتاحه له القضاء بغزارة ووفرة. كان بولز يحلم بأن يموت في المغرب وقد تحقق له ذلك بالفعل.

يصغي بولز إلى الآخر بطريقة لا تتعمد اللامبالاة، وإنما تستجيب لغايات إبداعية لا علاقة لها بما هو علمي أو تراثي. وتتصادى هذه الذاكرة الجمعية مع عبقرية المبدع التي يشتمل عليها. وكما هو الشأن بالنسبة للموسيقى الأمازيغية، أو الأندلسية فإن العلاقة تتميز في عمقها بكونها نرجسية وممتعة.

كانت مواهبه المتنوعة عموما في خدمة مشروع في الكتابة يفصح عن العظمة والخصوبة العابرتين للمكان، وليس لإرضاء نزوع نرجسي أو سعي نحو الشهرة والمجد. أصبح بولز كاتبا بواسطة كتابة غير أدبية أو إثنوغرافية، وتعتبر هذه الموهبة الأدبية سابقة على التأليف الموسيقي، لكن لا يمكننا الجزم بخلو عمله الأدبي من هذه الوساطة الثقافية. تتحدد نقطة البداية في اطراح المكون الأدبي، أي الإبداع الشعري ذلك إن الأدب يندغم عنده للوهلة الأولى بطريقة غير مقنعة بالممارسة الشعرية (السيريالية). وقد ثبطت جروترود شتين همته في هذا المسعى، كما يؤكد غور فيدال.
نشر بولز بعض القصائد في سن السابعة عشرة، وكانت عبارة عن صور غير أصيلة متأسسة على التقليد. وستقوده موهبته عام 1929 إلى التأليف الموسيقي الذي سيحفزه على زيارة المغرب. ويعتقد روبير برياط خلافا لذلك، أن الدافع إلى هذه الزيارة يتمثل في النماذج السردية الأساسية وخزان من الأسباب المثيرة والساحرة. وينبغي التذكير بأن بولز لم يتوقف على هامش ذلك عن كتابة القصائد. كان أحد مصادر موهبته باعتباره فنانا تمثل في توجهه الأول صوب الإثنوغرافيا.
كانت مجلة «فيو» التي يديرها شارل هنري فورد قد خصصت عام 1945 عددا للثقافة في أمريكا الوسطى والجنوبية. وقد اكتشف بولز الأساطير المكسيكية وقرأ كتبا عن الإثنوغرافيا. يقول: تملكتني الرغبة في أن أخلق أساطيري الخاصة باعتماد وجهة نظر الروح البدائية. وسيكتب من ثم معتمدا منهج اطراح الرقابة الواعية. سوف ينشغل بولز إذن أقل بصيرورة التحول الإنساني، مقارنة بانشغاله بوصفه كاتبا. وسيتكفل النموذج الأسطوري والتفكير البدائي بهذا المستقبل. وبمجرد استقراره في المغرب ستفصح بعض نصوصه القصصية مثل «العقرب» و»بجوار الماء» عن هذا التوجه الإثنوغرافي والأسطوري السحري، وستضحى وضعيته بوصفه كاتبا شديدة التفرد. وسيحافظ رغم ذلك على حضوره في التقليد الأنغلو أمريكي، وسيكون في السياق نفسه أقرب إلى أندري جيد ورايمون روسيل من كل مواطنيه. سترتبط وضعيته ككاتب إثنوغرافي بمنفاه الطوعي في أماكن مختلفة. وإذا حدث وتجذر في أرض واستفاد منها بداهة إبداعيا وخياليا، فإن ما يميزه يتمثل في اللااستقرار الجغرافي والترحال الأدبي. يتميز الإثنوغرافي بكونه في حالة تنقل مستمر؛ إذ أن وضعيته تتسم بانعدام الثبات. ويستلزم ذلك تخصصه في مواجهة ثقافات تتسم بفرادتها. تشكل علاقة التداخل الثقافي والصلة بالثقافات في العمق أساس مساره السير ذاتي، والحبكة التي توجه مشروعه السردي. أسهمت البيئة المغربية بهذا الصنيع في إلهامه بعضا من نصوصه القصصية التي اعتمدت، حسب محمد شكري، على السحر و»التوكال» أي الطعام والشراب الذي يقدم للشخص ضدا على إرادته. ثمة عناصر مهمة أخرى مستقاة من الثقافة الشعبية، مثل الكيف والمعجون أو صوت المؤذن. وتشكل قصص «ربح بني ميضار، وصديق العالم وشاي في الجبل» نماذج دالة.
يصغي بولز إلى الآخر بطريقة لا تتعمد اللامبالاة، وإنما تستجيب لغايات إبداعية لا علاقة لها بما هو علمي أو تراثي. وتتصادى هذه الذاكرة الجمعية مع عبقرية المبدع التي يشتمل عليها. وكما هو الشأن بالنسبة للموسيقى الأمازيغية، أو الأندلسية فإن العلاقة تتميز في عمقها بكونها نرجسية وممتعة. أما في ما يهم الحكاية فقد كان يصغي ويقرأ في آن واحد. كانت له حساسية خاصة حيال خرافات بذاتها، وحكايات تلقاها خلال تنقلاته وبمعزل عن أي نزعة فلكلورية. وسيمارس بانتظام عملية نسخ حكايات رواة من طنجة. سيتم تسجيل حكايات محمد شكري وامحمد المرابط وإدريس الشرادي، على جهاز تسجيل صوتي. ولأنه كان يعتمد على توليف من الدارجة واللغة الإسبانية، فإنه لا يسع اعتبار عمله ترجمة أدبية، وإنما اقتباس يعتمد على شروحات وتفسير الرواة أنفسهم. بيد أن محمد شكري سيفلح في بلورة عمل ذائع الصيت «الخبز الحافي» بتعاون مع بول بولز، وأصدقائه الناشرين الأمريكيين. تبرز أعمال هؤلاء الرواة التي انتشرت في كل أنحاء العالم وجها آخر لبول بولز، بوصفه مبدعا يوجد في ملتقى إبداعات مختلفة. ويمكننا أن نعتبر هذا العمل الجماعي للإبداع الأدبي بمثابة شكل من أشكال مص الدماء، يتميز بتمركزه حول نفسه، أو شكلا من أشكال الانفتاح على الآخر بالاحتكام إلى انشغال بالتعدد الثقافي. وفي كل الأحوال فإن بولز شأنه في ذلك شأن محمد شكري ورواة طنجة حققوا انتشارا بالاستناد إلى تعدد اللغات وتقاطع الثقافات.

٭ كاتب فرنسي
٭ ٭ مترجم مغربي

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *