-->

سعوا إلى 'اعادة التشكيل الريفي للحلم الاوروبي': كتّاب أمريكيون متمردون في طنجة


القدس العربي -

مثّل عبور بعض رموز جيل البيتز الأمريكي في طنجة حدثا ثقافيا استثنائيا أفصح عن حضوره باعتباره محصلة سياق تاريخي ذي سمات خاصة. كان للحرب العالمية الثانية والآثار الكارثية التي خلفتها في مختلف بقاع المعمورة وقع الزلزال على جماعة من المثقفين والكتاب الأمريكيين الشباب، الذين تمردوا على المظهر المادي والصناعي للحضارة الغربية، وسعوا إلى استعادة الوصل بقيم العيش البسيط أو ما كان ترومان كابوط يدعوه ب'إعادة التشكيل الريفي للحلم الأوروبي'. من هنا، كان الاحتفاء بموضوعة السفر قرينة دالة على تلكم الرغبة في اكتشاف آفاق مغايرة لما هو مألوف ومبتذل حسب تصورهم. في هذا السياق إذن، يندرج هذا النص الذي سعى من خلاله المؤلف إلى الاقتراب من هذه التجربة، من خلال التشديد على استعادة التفاصيل الخاصة بعبور بعض رموزها في فضاء طنجة، ونخص بالذكر وليام بوروز صاحب رواية 'الوليمة العارية'. يتعلق الأمر في هذا السياق بمظهر دال من السيرة الثقافية لهذه المدينة ذات الثراء والتعدد اللافتين.

النص:

كانت الغيوم تنداح في كتل سوداء في الزوايا الأربع للسماء، فيما الريح تصفر بين النخيل وتحرك عروش السعف الأخضر. كان الهواء رطبا وثقيلا بفعل الأمطار وروائحها القوية: الكيروسين ونقيع الملح والصوف المبلل ودماء محلات الجزارة. قبالة مقهى باريس، كانت حافلة غاصة بالركاب، وزجاج نوافذها مغمور بالبخار، تعبر ببطء ساحة فرنسا فيما كانت بعض الأشباح البشرية تمشي مقوسة وقد رفعت برانسها إلى حدود الركب وهي تقفز فوق البرك المائية. وبين الحين والآخر كان وميض البرق يضيء حوض الميناء. كان الليل قد نشر سدوله منذ أزيد من ساعة وقد عدت لتوي من باراد الحانة القديمة لوليام بوروز.

كانت ثمة على امتداد سنوات طويلة باخرة تستعد للإبحار من نيويورك في اتجاه طنجة. وقد استقلوها جميعا: جان وبول بولز، ترومان كابوط، غور فيدال، كيرواك، غينسبيرغ، بريون جيسين، تينيسي ويليامز ووليام بوروز. وجدت الباب مقفلا في حانة باراد. اقترب مني صبي يحتمي بمطرية ذات أسلاك محطمة وخاطبني قائلا: لقد أغلقت الحانة أبوابها منذ زمن بعيد. ولم يعد ثمة أي شيء على الإطلاق. لكن، ما الذي تبحث عنه؟ ليس ثمة من مشكل. غلمان، صبايا؟ ليس ثمة من مشكل.

لم أكن أنشد غير الذكريات، وقد قصدت إلى المكان وأنا أفكر في إحدى شخصيات رواية لبول بولز وهي نيلسون ديار، الذي حط الرحال بطنجة في مساء ماطر: '.. والآن وقد وصل وسعى إلى رؤية شيء ما في الليل من خلال زجاج النوافذ المبلل، كان يحس لأول مرة منذ مغادرته بشعور العزلة والخيبة الذي كان يعتقد أنه خلفه وراءه'.

كانت طنجة في صباح الغد مدينة أخرى. كانت المدينة العتيقة التي استيقظت في ساعة مبكرة وهي مغمورة بشمس ربيعية قد نشرت أكاليل روائحها وعطورها. كانت تنبعث من زواياها روائح النعناع والكيف والبرتقال، فيما حبال من الغسيل النظيف تتطاير فوق كل السطوح وسعف النخل تقطر بالمطر الذي تساقط في الليل. لقد تحولت مدينة ضفاف الريف إلى تلك المدينة السحرية التي اكتشفها ترومان كابوط في أحد أيام عام 1949: 'متوجة بالتلال قبالة البحر. جبل أبيض يبدو أنه يمتد على طول الساحل الإفريقي.'

كان بول بولز الأسبق إلى العبور من نيويورك إلى طنجة. جاء من أجل فصل صيف فإذا به يمكث حياة بكاملها. وما أن اجتاز سلم الباخرة حتى أوقعته المدينة في سحرها. طاف بها بولز بخطوه الخفيف. أثاره كل شيء فيها، القلعة المستندة إلى الصحراء، التي تبدو أشبه ببرج مراقبة إفريقي يحصي كل السفن التي تعبر بين فنار كاب سبارطيل وأنوار الجزيرة الخضراء، الانخفاض الهادئ لمنازلها العربية، وأجواؤها الغامضة وملمحها الدولي والتنويع الهائل من مشاهدها الحية وعلب الكيف في محلات بيع التبغ وتلالها المفتوحة برخاوة على شواطئ من الرمل الناعم. جاب هضاب المغرب العميق على ظهور الجمال، وفي إحدى الواحات قدم له الآباء البيض أرغن الدير فقام بتلحين مقطوعة موسيقية بعنوان 'عبر البوغاز'. وهبته المدينة وضواحيها درسا مضاعفا من الحكمة والسعادة. حولت مدينة الحلم الشاب الأمريكي. كان ملحنا موسيقيا فأصبح بالإضافة إلى ذلك كاتبا. بيد أن الملاحة لا تفصح عن حضورها بطريقة أحادية؛ ذلك أن طنجة وهبت نفسها لبولز برغباتها وألغازها ودسائسها ومروياتها وغرائبها وإشراقاتها وظلالها. منذ ذلك الحين، سوف تصبح علاقة بولز بطنجة شبيهة بتلك التي تصل برلين بدوبلين أو الإسكندرية بفورستر ودوريل.

في عام 1949 جاءت جين بولز صحبة ترومان كابوط إلى طنجة. كان يبلغ من العمر خمسا وعشرين سنة، وقد نشر لتوه بنجاح ساحق روايته الأولى. مر بفرنسا وكان أن احتفت به باريس وخصته بلقب: مولنيز الكبير الأمريكي. كان البعض يسأله: ما هي مشاريعكم أيها المعلم؟ وكان يزعم بأن الجواب الوحيد الذي يبوح به لمعجبيه هو: أن أمضي فصل الصيف في طنجة. كان عدوه اللدود غور فيدال محيطا بنواياه، وكان قرينا له في العمر. كان قد نشر بنجاح أولى روايتيه وكانا يترددان على نفس الأمكنة. بيد أنهما كانا يتباغضان. أقدم فيدال الذي كان شريرا بمقدار ما كان ذكيا على السفر بشكل سري إلى طنجة. شوهد بعد أيام من وصوله وهو يتسكع بين المتاجر داسا يديه في جيبي سرواله. حين نزل كابوط من الباخرة القادمة من مارسي. قال بولز الذي كان في انتظاره: تقلص وجه كابوط حين لمح غور فيدال. أصبح وجهه شبيها بمحشية ساخنة وضعت لتوها داخل صندوق من الثلج، بل وصل به الأمر حد الانهيار لمدة ثوان خلف أحد الحبال ريثما يستعيد تماسكه. أطال غور فيدال أمد هذه المزحة لبضعة أيام حاملا كابوط على الاعتقاد بأنه يعتزم البقاء في طنجة إلى غاية شهر سبتمبر، غير أنه لم يلبث أن حزم حقائبه بعد أسبوع من ذلك ليعود وهو مبتهج لتمكنه من تعكير صفو عدوه اللدود.

أصبح في مقدور ترومان كابوط أن ينعم بالصيف في طنجة، وكان حسب كل الذكريات رائعا بكل المقاييس. كانوا يرقصون كل ليلة فوق التبن ووسط البهلوانيين والحواة، عند الكونتيسة دو لافال أو في عتمة مغارات هرقل المزينة من لدن سيسيل بيطون. كان كل يوم يأتي بنصيبه من الغرابة، وكانت اوروبا التي حاق بها البرود منذ زمن طويل في برلين أو باريس ما تفتأ تستمتع فوق حفنة من التلال الإفريقية. وكانت طنجة في الصباحات الصغيرة لهاته الحفلات الراقصة تشكل أكثر من أي وقت آخر سحرا. وجه ترومان كابوط بعد عودته إلى نيويورك رسالة تحذير إلى كل من يسعون إلى إعادة التشكيل الريفي للحلم الأوروبي. يعتبر كل شيء تقريبا في طنجة غير عادي، ويلزمكم قبل الرحيل إليها أن تحرصوا على ثلاثة أشياء: التطعيم ضد التيفوئيد، سحب كل مدخراتكم من البنك وتوديع كل أصدقائكم؛ إذ لا أحد يعرف غير الله إن كنتم ستتمكنون من رؤيتهم. أنا جاد فيما أقول؛ فعدد الذين جاءوا من أجل قضاء عطلة قصيرة ثم استقروا وتركوا الأعوام تكر مهول. ذلك أن طنجة دوامة تمسك بخناقك ومكان خارج الزمن. تنساب الأيام من حولك من دون أن تدرك من ذلك إلا ما يشبه قبض الزبد فوق الشلال.

طنجة التي لم تكن جزءا من إفريقيا كانت أكثر من اوروبا. كانت المدينة المحمية إلى حدود عام 1956 بفضل منطق الغرابة تتمتع بوضع استثنائي. أربع قوى حامية ووفرة من القنصليات والتمثيليات الدبلوماسية وثلاثة من مكاتب البريد وأربع عملات نقدية. كانت بلدا بالنسبة لأممية القلوب الضائعة. كان التجار وأكلة النار والمصرفيون هنودا أو باكستانيين، فيما كان باعة التحف القديمة والبناءون إسبانيين، والمحتفون بالحياة والحلوانيون فرنسيين، أما الأرستقراطيون والجواسيس والأفاقون فكانوا بريطانيين. لم يكن في مقدور الأمريكيين أن يظلوا بمنأى عن ذلك؛ إذ أوفدوا بعثات عدة كانت كلها في خدمة الأدب، بهدف المشاركة في حفل هذا المجمع الغريب للأمم. كان بول بولز وما يفتأ سفيرهم فوق العادة؛ إذ كان في آن واحد رئيس البروتوكول والمكلف بالعلاقات مع المدينة القديمة وراهب الصحراء الكبير, كان الكتاب الأمريكيون العابرون يقدمون له أوراق اعتمادهم. وفي عام 1950، جاء بريان جيسين، الذي كان مؤرخا حاصلا على منحة من مؤسسة فولبرايت. حل بطنجة في شهر يوليو قبيل شهر رمضان، وكان أن خصص له الميناء استقبالا يشبه ذاك الذي خص به دولاكروا قبل مائة سنة. لم تتوقف محركات الباخرة بعد حين اجتاح الحمالون المغاربة ممراتها. كان المسافرون يقفزون فوق أكتاف أكثرهم قوة كي يسلموا أمتعتهم إلى الآخرين. حل جيسين بدوره من أجل قضاء فصل صيف واحد، لكن بولز الذي كان وصيه الطنجاوي سوف يصطحبه لحضور حفل في الجبل عند موسيقيي جقجوقة. ومع تباشير الصباح التفت جيسين صوب بولز وخاطبه قائلا: أرغب في أن تواتيني القدرة على الاستماع إلى هذه الموسيقى إلى أن يحين الموت. وكان أن دعاه الموسيقيون إلى المكوث معهم. هو ذا سحر طنجة وقوة الجذب والأيام التي تكر في غفلة عن الزمن تصيب من جديد. امتد مقام جيسين بالمدينة خمسة وعشرين عاما، وتعلم في أثناء ذلك اللغة العربية وكتب روايته 'الصحراء المفترسة'، وطاف البلاد صحبة فرقة الرولينغ ستون، وقام أيضا بتدشين مطعم في أحد قصور حي مرشان أطلق عليه اسم 'ألف ليلة وليلة'. التقيت بجيسين في الشقة التي كان يقيم فيها قبالة بوبورغ. حدث ذلك في شهر نوفمبر قبل شهور قليلة من وفاته. كان أول الثلج الخاطف وذي البرودة اللاسعة قد تساقط على باريس بالأمس. قال لي: كانت طنجة على امتداد تلك الأعوام جنة الله فوق الأرض. ولن نرى مثيلا لذلك أبدا.

بعد أيام من هذا اللقاء ودائما في باريس، كان وليام بوروز يتناول طعام الإفطار صحبة كريستيان بورجوا. جاء والساعة تقترب من العاشرة صباحا. لم أتصور أن يستيقظ صاحب ' الوليمة العارية' في هذه الساعة المبكرة. وقد تناهى إلى سمعنا طرق عصاه فوق الأدراج قبل وقع خطاه. وكان أشبه بقبعته ومعطفه الرمادي بمفتش شرطة عجوز ذي مخبر مريب بعض الشيء من قبيل أولائك الذين يسرحون غالبا في الأفلام الأمريكية. جلس فوق كرسي من البلاستيك الأسود، ولم يكن ليستقر في وضع؛ إذ كان الكرسي في قعقعة دائبة. كان به جوع شديد ولم يكن يتوقف عن تدخين السيجارة تلو الأخرى. كان يمسك بها بين ثلاثة أصابع قبل أن يدسها بين شفتيه الناحلتين. لماذا طنجة؟ جئت فقط بسبب كتاب لبولز 'بعدك الطوفان'، ولم يسبق لي أن التقيت بالكاتب. وسوف يجيب في وقت لاحق عن السؤال ذاته بقوله: جئت من أجل الغلمان والحشيش. التقى بوروز ببولز في طنجة عام 1953. وكان هذا الأخير حينها رهين غرفته بسبب معاناته من مرض الباراتيفويد.

استقر بوروز في منزل صغير في قلب المدينة العتيقة. مثل ذلك كارثة حقيقية؛ إذ لم أكن أشعر بالأمان وكنت دائما عرضة للخطر. كتب بغزارة ودون الملاحظات وأصبح على وجه التخصيص ذاك الذي كان الأولاد ينعتونه بالرجل الخفي!. 'لم أغتسل ولم أغير ثيابي منذ سنة. لم أكن أتجشم عناء تغيير ثيابي إلا حينما أغرس على امتداد ساعات الليل والنهار إبرة حقنة في جلدي الرمادي والمتليف؛ وهو ذاك الجلد المتخشب الذي يجسد ذروة الإدمان' (الوليمة العارية). استعار بوروز في أحد الأيام من بول بولز كتاب 'الملاك في القبو' لتينيسي وليامز. حدث وهو يحقن ذراعه أن أسال بعض الدم على الغلاف؛ وهو ما جعل بولز يستشيط غضبا. ولم يلبث بوروز أن أحاط علما وقد أصبح معدما بحقيقة استشرافه ذروة الإدمان. وكان عليه أن يغتنم لحظة صفاء ووثبة حيوية وأن يستقل أول طائرة في اتجاه لندن. عاد بعدها إلى طنجة وقد تعافى تماما من إدمانه. استقر في فندق صغير اسمه المنيرية، حيث كتب روايته 'الوليمة العارية' قبالة البحر وقدماه مدسوستان في حديقة من الورود. سوف يلحق به في المكان ذاته اثنان من رفاق مغامرته، وهما جاك كيرواك وألين غينسبيرغ. كان الرجال الثلاثة قد تعرفوا على بعضهم البعض في جامعة كولومبيا عام 1944. كانت الحياة في طنجة في تلك السنوات هادئة ورائقة بالنسبة لأولئك الذين لم يتحولوا بعد إلى أبطال جيل البيتز. كانوا يقومون بنزهات على شاطئ البحر ويقيمون حفلات معجون، وهي تلك الحلوى المصنوعة من خليط من العسل والبهارات والكيف. كانوا يترددون على حانة دينز ويتناولون العشاء في باراد أو ألف ليلة وليلة. التقط غينسبيرغ وبولز صورا لبعضهما البعض، والتقطت لهم جميعا صور في حدائق فندق المنيرية. روى كيرواك كيف كان يستقر في الصباحات المشمسة الرائعة في صحن الفندق محاطا بالكتب والكيف ونواقيس الكنيسة الكاثوليكية. وكان يرى حين يشرئب بجسده، حديقة بوروز وقططه أو شخصه وهو يتأمل تحت الشمس.

استيقظ البيتز ذات صباح وهم مرضى بشكل مباغت بسبب بلادهم. وكانوا يحبون دائما، خصوصا السخونة الفائضة للسوق الداخلي وتنهدات البحر على الساحل، لكنهم كانوا يستشعرون الحنين إلى أمريكا. ساورهم الظن بأنهم جبلوا كي يطوفوا العالم إلى ما لا نهاية، لكنهم سرعان ما ألفوا ذواتهم في مكتب الإرساليات وهم يبتاعون تذاكر العودة. كانوا في فورة الشباب، لكن جيلهم كان يستشعر سلفا أثقال العجز والإحباط. عادوا أدراجهم إلى نيويورك أو ماساسوسيتش. كتب غينسبيرغ بعض القصائد، فيما استعاد بوروز هدوءه، أما كيرواك ففارق الحياة. أغلقت حانة باراد في طنجة أبوابها، فيما تحولت حانة دينز إلى مقهى للاعبي كرة القدم.

نزلت ذات صباح الأدراج البيضاء لزنقة ماجلان مارا بزنقة لا بيروس وزنقة ابن بطوطة كي أذهب إلى فندق المنيرية وأرى ما تبقى من المقر العام القديم لتلك السنوات الهائمة. كان بابا الفندق وهو عبارة عن بناية صغيرة أنيقة مغلقين. قرعت الجرس مرارا قبل أن تفتح شابة مغربية الباب. كانت شديدة الانشراح وأطلعتني وهي ضاحكة على الغرفة 9 التي كان يقيم فيها صاحب 'الوليمة العارية'. كانت عبارة عن غرفة عادية بمغسلة وسرير مغطى بلحاف أحمر وخزانة سوداء. كانت للشمس مداخل إلى الغرفة على امتداد النهار. كانت غرف الفندق تطل على حديقة تزينها نخلة. وكان بإمكان المرء أن يتملى برؤية البحر من فوق مخازن الميناء. لم تكن الشابة المغربية تعرف كاتبا غير المالك الحالي للفندق، وهو إنجليزي عجوز كان يبيع روايته في حانته طنجة إين.

كنت مرتبطا في المساء بموعد مع بول بولز. كنت راغبا في أن أسأله عن كل تلك السنوات التي أوشكت طنجة على نسيانها تماما، وأيضا عن واحد من أصدقائه القدامى، وهو تينيسي وليامز. كان محمد شكري صاحب الخبز الحافي قد ألقى على مسامعي في الظهيرة بكل ما في جعبته، ونحن جالسان خلف طاولة في قاعة الشاي مادام بورط. نعم، كان تينيسي وليامز قد تردد مرارا على طنجة، وكان يقيم في فندق المنزه ويبدأ العمل كل يوم في ساعة مبكرة من الصباح. وكان يذهب في تمام الساعة العاشرة والنصف إلى الكشك لشراء جرائده التي كان يؤثر قراءتها في مقهى باريس، وهو يحتسي شراب فيرني برانكا بالثلج والكوكاكولا. كان يلتقي أصدقاءه في فترة الزوال أو يتسكع أو يشرب المارتيني دراي في أكواب كبيرة تزينها شطيرة ليمون فوق الثلج. 'كان يلزمه بالضرورة أن يكتب كل يوم. عرفته وهو يفيض بالحيوية، ثم رأيته وهو يزداد بدانة ويتحول إلى كتلة من الشجن'. كنت أتمنى أن يحدثني بولز أيضا عن هذا العصفور الغريب الذي كان يمحض الحياة حبا لا حدود له. كنا جالسين خلف طاولة في الفندق على مقربة من البوابة الزجاجية. هنا في المكان ذاته تناولت إفطاري صحبة آرون كوبلاند قبل أزيد من خمسين سنة. وفي الربيع الفارط، تناولت العشاء صحبة وليام بوروز. عاد إلى طنجة كي يرتب لتصوير الفيلم الذي سوف يقتبس ربما من روايته 'الوليمة العارية'. وقبل شهر كنت في المكان ذاته صحبة غور فيدال. كان بولز مبتهجا، وكان يتحدث عن برلين وفرستر والعبور إلى الهند.

رجعت بعد رحيله مرة أخرى إلى حانة دينز ثم باراد. كانت النواحي المحيطة بهما معتمة ويسودها الصمت المطبق؛ إذ كان الزمن قد انصرف عنهما. غير أن الجلبة لم تلبث أن عادت عند مدخل زنقة المتنبي. كان الباعة يقومون بتحمير الدجاج في الهواء الطلق، فيما كانت جماعات من الشباب تشرب البيرة بجوار السلع المعروضة. كان زبائن حانة طنجة إين، التي تغلق أبوابها في الساعة الواحدة صباحا، يتقاطرون على حانة سكوت. وقبالة مرقص الكتبية كانت العاهرات القادمات من المدينة العتيقة وأيضا من تطوان وفاس يرقصن في المربع على إيقاع الطبول العربية. وفي الليل كان القمر يضيء كل مياه حوض البوغاز.

ترجمة وتقديم: عبد المنعم الشنتوف

I Daniel Rondeau. Tanger et autres Marocs. Ed, Quai Voltaire. Paris, 1987.

وردت الجملة في النص باللغة الإسبانية


عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *