-->

فان ليو نص لأكرم زعتري



نجح ليفون بويادجيان أن يزرع في مخيلتي مشهداً لطفل في السابعة من عمره، طويل الشعر، يجري في حديقة المدرسة ممسكاً ليفة، بينما يطارده بقية الأطفال من دون أن ينجح أحد في الإمساك به. لا أعرف مدى دقة هذا الوصف ولا مدى التشويش الذي ناب المشهد منذ حصوله في الزقازيق سنة 1927 إلى حين روايته لي اليوم. لكن ليفون روى لي المشهد بكل تفاصيله كأنه مشهد سينمائي كدت أسمع ضوضاء الحركة فيه ولهاث الطفل. كان ذلك قبل سبعين عاماً، لم يعد بعدها ليفون إلى تلك المدينة المصرية الهادئة، بل انتقل للعيش في القاهرة مع والديه عام 1930، والتحق بمدارسها إلى أن دخل الجامعة الأميركية عام 1940، وعرف لاحقاً في الخمسينات باسم"فان ليو"، أفضل مصوري القاهرة.

ذهبت إلى فان ليو اليوم مع كاميرا فيديو، وهو من أمضى خمسين عاماً في العمل على تصحيح السالب وجلاء الصور بشكل متقن. ربما استفزه الفيديو الملون لأنه أحد أسباب تراجع الطلب على الصورة الفوتوغرافية بالأبيض والأسود فقارن التصوير بمهنة الخياطة، ليس للمجهود الذي تتطلبه كل منها بل لأن كلتاهما مهنة في سبيلها إلى الزوال. قال أن الخياطة تتراجع أمام الثياب الجاهزة بكل المقاييس، وأضاف فارقاً يميِّز التصوير، هو أن البذلة يبطل "طرازها" أما الصورة فلا تبطل. وبالفعل إذا افترضنا أنه من وظيفة الصورة أن تدعو المرء إلى النظر، فنحن نجد أنها تحتفظ بقدرتها هذه فترة طويلة، هي على الأقل فترة حياة صاحب الصورة. و لإثبات قوله، أشار فان ليو إلى صورته وهو في سن السابعة من عمره في الزقازيق، صوَّرها صديق لوالده اسمه فرجبيديان. يبدو في الصورة ليفون الصغير متنكراً في زي ملاك خلال تمثيل ولادة المسيح، بينما يبدو أخوه متنكراً في زيّ راع. أشار إلى الصورة وقال: لولا الصورة، لما أدركت مظهري في هذا السن المبكِّر، ولا هذا الموقف.

الممثِّل

يضع فان ليو أهمية كبيرة لإتقان المشهد، أي تهيئة المكان، إضاءته، اختيار الزاوية التي تؤخذ منها اللقطة، وصولاً إلى دراسة تعابير الوجه لاقتناص اللحظة الحاسمة، كأنه يصوِّر مشهداً سينمائيّاً، استعمل فيه أحياناً تقنية المشهد المزدوج في الصورة الواحدة. يأتي بعدها العمل في المختبر لجلاء الصورة كما يقول "مائة بالمائة". لذا، لا يقبل فان ليو أن يساعده أحد حتى ولو كان مصوِّراً ممتازاً. ويتميز عن غيره في كونه حرفيّاً بطبعه. يأبى إلا أن يتمم بنفسه كل مراحل صناعة الصورة، بينما تحوَّل غيره من مصوري القاهرة المعروفين في تلك المرحلة خاصة أرمان، ألبان وأرشاغ، إلى مؤسسات يعمل فيها عدد كبير من المساعدين المتخصصين، في الإضاءة، التكبير، أو الرتوش. 


 

 يجلس فان ليو أمامي علي كرسيه المجاور للنافذة المطلة على شارع فؤاد، في المشغل المخصص للرتوش. ينظر إلى محل الملبوسات الجاهزة المقابل، ويقول: "أصبح لديه سيارة كبيرة بيضاء. لو قدِّر لي أن أعود بالزمن إلى الوراء، لما اخترت التصوير مهنة". يسكت ثم يضيف: "…مع أنني أحب عملي، ولكن المصور لا يمكن أن يغتني. إذا كان التاجر ذكياً، أمكنه الوصول إلى درجة الغنى خلال سنتين، لكن أنظر، أمضيت خمسين عاماً في المختبر، ماذاحصدت؟ قيمة ضئيلة جداً. لا شيء." طوال فترة عمله كمصور، لم يسعَ فان ليو إلى الكسب المادي ولا إلى التقرب من رجال السلطة في مصر. وهو من القلائل الذين لم يسعوا للحصول على لقب "مصور الملك" أو مصور الرئيس كما كان الحال بالنسبة إلى رياض شحاته، أو أرشاك مثلاً، وغيرهم من المقرَّبين من العائلة المالكة في الثلاثينات والأربعينات. كان هذا الامتياز فخراً للمصوِّر يدوَّنه على دمغة الأستديو، مثلاً "رياض شحاتة، مصوِّر جلالة الملك،" بحيث يستغله للدعاية لنفسه. يفتخر المصورون كذلك بتصوير الفنانين النجوم الذين صوَّر فان ليو عدداً كبيراً منهم، أمثال فريد الأطرش، داليدا، شادي عبد السلام، عمر الشريف، ميرفت أمين وطه حسين. ومع أنهم أتوا إليه من دون أن يسعى هو إلى تصويرهم، لم يطلق فان ليو على نفسه لقب مصور النجوم، ولو أن البعض يخطئ بتسميته هكذا. تفادى فان ليو التقرّب من ذوي السلطة واختار العيش والعمل بعيداً عن الأضواء. وتسمية كهذه تحد من قراءة أعماله وتحصرها في إطار النوع الفوتوغرافي. يقول فان ليو: "إذا قصدت المال في مهنة التصوير، يجب أن تنسى الفن. وأنا اخترت الفن. معظم الصور التي عرضتها في المعارض، صوَّرتها بدون مقابل، للمزاج". ومزاج المصوِّر هو الذي حثه على البحث عن أشكال وأطر جديدة للصورة الفوتوغرافية.


المتمرِّد المنضبط

عمل فان ليو كمعظم المصورين المحترفين في تلك المرحلة، داخل الأستديو. وبالتالي نجد أن معظم أعماله صور بالتكليف، أي أنه أخذها لزبائنه بتكليف منهم. لكن ذلك لم يمنعه من تصويرهم مشاهد إضافية من أجل "مزاجه" كما يقول، ومن دون أي أجر إضافي. وبالرغم من ذلك نجده يكرس لكل صورة الوقت اللازم لإتقانها، و يتعامل مع كل زاوية بشكل مستقل عن الأخرى. يعدِّل الإضاءة في كل مشهد خلافاً لما كان دارجاً لدى معلمه أرتينيان في "استوديو فينوس." وفي بعض الحالات، يطلب من أحد أصدقائه المثول أمامه لتجريب مشهد ما يريد تحقيقه. تمرَّد فان ليو على السائد في صناعة الصورة الفوتوغرافية في مصر، وهزأ من قيم الطبقة الوسطى في محاولة لإثبات صحة رؤيته للتصوير. يرى أن الشرقيين لا يعرفون الفرق بينصورة الباسبور والصورة الفنية، وهم لا يملكون الشجاعة الكافية لدفع المال قبل الإطلاع على النتيجة.


ضمن النظام السائد لدى المصورين المحترفين، لا يدفع الزبون أجرة التقاط الصورة، بل يدفع فقط أجرة تكبيرها بالقياس المطلوب. وبالتالي يكسب المصور فعلياً من تكبير الصور، كأن العناية بالمشهد تحصيل حاصل. يقول فان ليو:"يطلب الزبون في الشرق صوراً من مقاس: 9x 6 سم ويقول: "سوف أكبرها إن أعجبتني،" ويعطيك خمسين قرشاً أو جنيهاً واحداً. وعند وفاة أحدهم، يهرع أهله مصطحبين صورة صغيرة يطلبون نسخاً مكبرة عنها، وغالباً ما تكون مدموغة بأختام شتّى. ولكن عندما يأتي زبون، ويضع خمسين أو مائة جنيه على الطاولة  واثقاً أنه بين يدي مصوِّر عظيم، فإنه سوف يضمن تحفاً."

يأسف فان ليو للتغيرات التي حصلت في القاهرة منذ ثورة 52. كانت البداية في حجز أسهم شركة الترابة وسكك الحديد البلجيكية التي ورثها عن والده، فسعى لدى معارفه إلى أن نجح في استرجاع جزء من ثمنها. ثم يتوقف لتعداد هزائم المصريين ضد إسرائيل ويتساءل: "هل شن عبد الناصر حربه على إسرائيل، أم علينا جميعاً."  لدى مغادرة الجاليات اليونانية، الإيطالية، واليهودية، خسر فان ليو عدداً كبيراً من زبائنه، ومع قيام النزعة الأصولية بدأ بحرق صور العري التي صورها في الماضي، خوفاً من زمن أقل تسامحاً.

العري النسائي في الصورة نوع معروف لدى المصورين في مصر خلال الثلاثينات والأربعينات، وله نساء متخصصات تمثلن عادة أمام الرسامين والمصورين الفوتوغرافيين.

صوَّر فان ليو عدداً كبيراً من صور العري، وكان يتحيَّن وضعاً يسمح له بطلب التعرّي من الماثلات أمامه. يقول: "لصور العري طابع شخصي: أولاً يجب أن تتوصل لعلاقة صداقة وطيدة مع الزبونة كي تطلب منها التعري، وإلا كان هذا مستحيلاً. كل صور العري التي صورتها مبنية على صداقة حميمة فيما عدا واحدة فقط.كانت سيدة مصرية من هليوبوليس، أرادت أن تتصور 12 صورة مختلفة بكاميرا روليفلكس. في البداية كانت مرتدية كامل ملابسها، ولكنها بدأت بالتعري تدريجياً إلى أن صورتها عارية تماماً. صورتها في 12 وضعية مختلفة وهي تخلع ثيابها تدريجياً، من دون أن أسألها حتى ماذا تعمل، ومن دون أن تكون بيننا أي معرفة سابقة." يرجح فان ليو أن لصورة العري ارتباطاً بالوقت. إذ أن الإنسان يتغير مع الزمن بجسده و ملامح وجهه. والمرأة وعت ذلك برأيه، لذلك تسعى عادة إلى تصوير نفسها في سن الشباب. 


ولكن الصور أيضاً تشيخ وتزول مع الوقت. الأسباب عديدة أولها ضعف المثبت المستعمل في المختبر. بعض نغاتيف صور فان ليو تأثر بفعل الحر لأنه لميكن مصنوعاً أصلاً للبلاد الحارة. ولكن ما جدوى حفظه إذا كان المصريون يحبوناللون: "عندما اكتشفوا الألوان نسوا أن الأبيض والأسود هو أساس المهنة. يرون أن الفن في اللون، وهذا خطأ. تسعون بالمائة منهم مهتم بالألوان لا بالمصور، ولا بالصورة." مع كل ذلك لم يترك فان ليو مصر كما فعل أخوه أنجيلو، بل فضَّل البقاء في الأستوديو الذي أسسه واعتاد العمل فيه.

يعود فان ليو بالذاكرة إلى طفولته في الزقازيق. يتذكر كمّ اللغات التي كان يسمعها من حوله: ألأرمنية أولاً في البيت، التركية للغناء وتبادل الأحاديث خلال زيارات الأقارب، اليونانية مع محلات البقالة، والإنكليزية مع زملاء والده في شركة الترام.  يعود بالذاكرة إلى الأحاديث التي كان ينقلها الآتون من تركيا عن أخبار المجازر الحاصلة ضد الأرمن هناك، ولكنه كان طفلاً ولم تكن تخيفه. يقول "لن ترجع تلك الأيام، حتى عندما جئت إلى القاهرة، والتحقت بالمدرسة الأميركية، لم أكن أملك حتى خمسة قروش، ولكني كنت سعيداً جدّاً. الآن أملك كل شيء إلا السعادة." لم تنصفه مصر. ويتمنى لو هاجر إلى كندا كما فعل المصور الأرمني الأصل يوسف كارش، لربما ذاع صيته في العالم. ولكن فان ليو لا يعرف أنه استطاع أن يفعل ما لم يفعله كارش. أولاً، قدَّم لمصر وثيقة عن أكثر من نصف قرن من حياتها. وثانياً، أثبت أنه في بقعة ما من العالم العربي الغني بتعدديته، توصل المصور الفوتوغرافي إلى أن يكون كاتباً ومفكراً وأن تكون له شخصية ولغة فوتوغرافية خاصتان به، هو وحده. تمرّد فان ليو، ولو بانضباط، على قيم عديدة لإثبات ذلك حتى ولو كان ذلك على حسابه هو. يروي كيف اضطر إلى حرق نيغاتيف صورة امرأة، عندما أصرّ زوجها اعلى حيازته صوناً لعرضه. ولمّاكان النغاتيف من حق الأستديو، كما هو مدوَّن في الإيصال المعطى للزبون، فضّل فانليو حرقه أمام عينيه، في نوع من التمرد، تجنباً لتسليمه إياه. و يستعيد فان ليو أمامي تذكار أول تمرد له عندما كان في سن السابعة في مدرسته في الزقازيق، عندما اشترى له والده صندلاً، وكان هو يريد حذاء. فقرر أن يتصنع الذهاب إلى المدرسة، و قضى النهار بطوله مختبئاً في ظلام الطابق السفلي إلى أن انضم إلى الطلاب ساعة الانصراف. ولم يعلم أحد بغيابه. ويضيف: "أنت كذلك، يوماً ما، تأتيك رؤية منبعيد، فتتذكَّر."

يقولها ويضحك.

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *