-->

لماذا لا يسمع المصريون فيروز

 

نائل الطوخي

الحوار المتمدن-العدد: 1295 - 2005 / 8 / 23 - 13:12

 

لسنوات طويلة ظل ألبوم وحيد لفيروز هو المنتشر في الأسواق المصرية. حمل الألبوم عنوان (نخبة من أجمل أغاني فيروز) واشتمل على عدد من أشهر أغانيها بدءا من (حبيتك بالصيف) و انتهاء ب (أعطني الناي و غني) و مرورا ب (شادي) و ( يا أنا يا أنا). لهذا السبب أو ذاك فلم يسمع المصريون الألبوم, برغم انتشاره النسبي, أي أنهم لم يسمعوه بنفس الجدية التي يسمعون بها فريد الأطرش وعبد الحليم وعبد الوهاب, و أم كلثوم بالطبع في المقدمة. و الجدية هنا تعني المتعة لا المعرفة, فكثيرون هم من يسمعون المطربة العظيمة لأجل القول بأنهم يسمعونها, و كثيرون – وإن كانوا يقلون بعض الشيء – يسمعونها لأجل معرفة شيء عن الشام أو عن المحيط العربي خارج مصر, و لأنه لا شيء يبدأ بالمتعة, و التي تحتاج إلى استكانة ما, بدء سابق و خلود إلى ما هو متحقق, فالمعرفة هي ما تؤدي ببعض المصريين في خطوة لاحقة إلى التمتع بصوت فيروز, و غالبا ما لا تصل هذه المعرفة إلى درجة المتعة, أي تقف عند كونها معرفة, تباهي الشاب المصري بمعرفة عدة مفردات لبنانية تلوح أكثر رقيا و تفرنساً من العامية المصرية, و قد تتطور هذه المعرفة لتشتمل على أهداف أيديولوجية كذلك, مثل ربط فيروز بالقضية الفلسطينية, أو ربطها بكسر احتكار السوق المصري للموسيقى. هذا بالنسبة لبعض المصريين, هم الذين يعرفون, بخفة لا مناص منها, بالمثقفين.

أما على الجانب الآخر فتلوح فيروز كائنا بعيدا عن الناس, لا يعرفون عنها شيئا اللهم إلا (زهرة المدائن) التي دأب التليفزيون المصري على إذاعتها أثناء انتفاضة الأقصى, ثم, مؤخراً فقط, أغنية (طيري يا طيارة) بسبب مشهد قصير من المسلسل المصري (امرأة من زمن الحب) أشير فيه إلى الأغنية, و أغنية (سهر الليالي) بسبب الفيلم المصري الشهير الذي حمل اسم الأغنية و اعتمد عليها في أحداثه. فيما عدا هذا تلوح فيروز مغنية شديدة التعالي كما ترى الغالبية في مصر, هي لا تتودد إلى الناس, لا تنكأ جراحهم الطرية كما يفعل عبد الحليم و لا تجعلهم يغيبون معها وراء دوائر الدخان و الفضاء الصوفي كما تفعل أم كلثوم و لا تدغدغ حواسهم كما تفعل صباح, لذا ربما يكون حتما التباهي بالإعجاب بفيروز و في نفس الوقت, إهمالها الواقعي, تأجيلها حتى تنتهي قائمة المطربين الأكثر رسوخاً في الواقع المصري, و هي لن تنتهي أبداً, لأنها في حالة تكرار دائم, سواء من قبل الإذاعة أو التليفزيون أو إشارات الصحافة, أو حتى أرفف محلات الكاسيت و دندنات الناس في الشوارع.

على مدار عقود, دأبت مصر على أن تكون مورداً للموسيقى إلى الدول المحيطة, تعيد إنتاج ما يرد إليها من سائر الوطن العربي, تصهره ثم تصدره ثانية بعد تمصيره, أي بعد السيطرة عليه و احتكاره و إلغاء اختلافاته, الشرط الأساسي في هذه العملية هو سعي الفنانين العرب إلى مصر. تحدث الفنانون الوافدون المصرية و تباهوا بمصر هوليود الشرق التي أخرجتهم من عتمة المجهولية إلى نور الانتشار, امتنوا لمصر دوماً بل و غنوا لثورتها و حروبها. و حتى عندما توقفت ظاهرة اتخاذ الفنانين لمصر وطناً فإنهم لم يتوقفوا عن الغناء بالمصرية أو بلهجات محلية فيها من المصرية الكثير, هذا ما يشعر المصريين بالرضا, فحتى في عصر الفضائيات لم يتوقف أعضاء الهامش الثقافي- سائر البلاد العربية (حتى و أن قلت هامشيته الكثير) على خطب ود المركز, الامتنان له و جعله أكثر مركزية, و التطوع بإلغاء اختلافاته هو ذاته لصالح النموذج المركزي الواحد. وحدها فيروز تخرق الرضا المتباهي للمصريين, عبر خطاياها الثلاث الكبرى, فهي أولاً مغنية جيدة و هي ثانياً مغنية شهيرة و هي ثالثاًَ لا تسعى للمركز (لا تقيم في مصر, ولا تغني بالمصرية, و مجمل ما غنته لمصر لا يزيد على أصابع اليد الواحدة). كان يمكن لفيروز أن تكون مغنية جيدة و لا يسمعها أحد, و يكون هذا عقاب الإله على من لا يهبطوا مصرا من الفنانين, غير أنها قد جرؤت على أن يسمعها كل العرب في العالم أجمع– فيما عدا المصريين بالطبع, الجدار الأخير.

ربما لم يكمن الجرح في فيروز وحدها, فما أكثر صاحبات الصوت الجميل, غير أنه كمن في تراث خرجت منه, في عائلة كاملة تميزت بموهبة مخيفة, باختصار, في مناخ, و هو الدليل القطعي على أن عظمة فيروز لم تكن عرضية, ليست حالة فردية أو نتاجاً عبقرياً للصدفة, و إنما تقطع كذلك بأن الهامش (وقت كان أكثر هامشية بكثير من الآن) بإمكانه إنتاج شيء ما يوازي و يفوق ما ينتجه المركز (وقت كان كذلك أكثر مركزية بكثير). هكذا فشل مشروع بليغ حمدي في أن يتبنى عفاف راضي كما تبنى الرحابنة فيروز, و كان فشل كهذا (مثل الفشل في إخراج أسرة كالرحابنة و إقامة تعاون بينها و بين صاحبة صوت وردي كفيروز, و لتكن نجاة مثلا) هو ضربة في صميم النرجسية المصرية, من هنا نبع ليس فقط التوق للانتقام من فيروز بالحرص على إبقائها في قاع الاهتمام الفعلي للمستمع المصري, و إنما شعور هذا المستمع بتعالي المطربة, لأنها لا تغني بالمصرية, هو من تعود الاكتفاء بذاته و النظر إلى أية لهجة عربية أخرى باعتبارها مستهجنة. لذا, و ردا على هذا التعالي الفيروزي, لا تعدم حيل المصريين في ترميم نرجسيتهم الجريحة, يشار عرضا في مسلسل تليفزيوني رمضاني إلى أغنية "طيري يا طيارة" فتجد غالبية المصريين قد عرفوا الأغنية و حفظوا مقاطعها التي ترددت في المشهد القصير عن ظهر قلب كما يحدث ذلك مع فيلم (سهر الليالي) الذي حقق نجاحا جماهيريا هائلاً, لتصبح بعده أغنية (كان عنا طاحون / سهر الليالي) من أكثر الأغنيات شعبية لفيروز في مصر. عبر خرق مصري بسيط لجدار المقاطعة غير المدركة لفيروز, يتم مداواة النرجسية المصرية ثانية. ففيروز تغني من عقود طويلة, غير أن الناس لم يعرفوها إلا من إشارة المسلسل التليفزيوني و الفيلم السينمائي المصريين. أي: ليبرع (الآخرون) كيفما شاءوا, غير أن أحداً لن يسمح لبراعتهم بأن تقتحمنا هنا (في الداخل) إلا بتصريح مصري منا, التصريح الذي حرص عليه الجميع قبل ذلك و وحدها فيروز عاملته بحياد مهين. قد يأتي الغناء من الخارج غير أن التصفيق إن لم يأت من الداخل فلن يعود للغناء, وليكن رائعا كما يكون, قيمة, هذا الداخل الذي يعتز به المصريون, بعد الشروخ المتتابعة لنرجسيتهم, بعد انتشار فيروز في كل العالم بدون تصريح منه - الداخل المصري, هذا الداخل الذي صار هو الجدار الأخير في وجه الخارج العدو, الفن المدوخ لفيروز.


عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *