-->

* كثيراً ما تعود البساتين - جويل باستار

 


                      Joël Bastard


  ترجمة: مبارك وساط

 

 جُوِيلْ بَاسْتَارْ شاعر فرنسي، وُلِد سنة 1955. له أيضاً قصص قصيرة ورواية بعنوان «مانْـيِـيـرْ» (غاليمار، 2009). من أعماله الشّعرية: ملامحُ بدأتْ ترتسم (غاليمار، 2002)، إحساسُ الأرنب (غاليمار، 2005)، كازالونا (غاليمار، 2007)...


  عن نفسه، كان قد كتب إليّ - مُجيباً عن أسئلة طرحتُها عليه، وكنتُ قد تعرّفتُ إليه أثناء لقاء شِعريّ في بلدة لوديف الفرنسيّة، سنة 2008 - : « وُلِدْتُ بمنطقة بريتاني، في الشّمال الغربي لفرنسا، لأبٍ كان ضابطاً في المِلاحة التّجاريّة وأمّ كورسيكية. انقطعْتُ عن الدّراسة قبل الحُصول على البكالوريا... تنقّلتُ من مسكن إلى آخر، وحدثَ أن أقَمْتُ، لفترات متباينة الطّول، في مقطورة مُهملة، وفي خيمة، وفي باص قديم، وفي برج، وفي فيلّا بِداكَارْ... والآن، أعيشُ في ضيعة منعزلة بمرتفعات الجُورَا الفرنسية... منذُ الثّامنة عشرة، اشتغلتُ بمهن عديدة، لكنّي تفرّغتُ للكتابة منذ 2003. بداتُ كتابة الشّعر في الخامسة عشرة تقريباً. أقرأ بمحبّة للعديدين. أذكر، بلا ترتيب: جورج شحادة، ديلان توماس، پيير ريفيردي، فرناندو بيسوا، لوي(س) كالافيرت...»


                              هذه قصائد نثرٍ له:

1-

بأنفَاسها المُتموّجة، تنقلُ الأعشابُ عينيَّ نحو السِّياج الأسود. الوهدة السرّية، حيثُ تنمو، تُـثَـبّـت المَرْج. حشرةٌ عنيدة تَغُطّ قَرْنَها في الأزهار الزّرقاء الكثيفة. وفي الأفواه المفتوحة، تمضي حتّى الأعماق السّود. سيجيء الليل ليجمعنا من دون أن نوافق.


2-

يُعجِبُه تَقَصّفُ الأوراق الميّتة. والدُّبال قرب وَرِكين وقلْبُ وجهٍ نحو الدّاخل.


3-

لماذا أتركُ هذه القصيدة من أجل نثر عابر. أللاقتراب من دكّانِ تبغ إسباني مزّق جناحيه عَصْفُ ريح في الأشواك؟

لنكنْ قريبين من شؤونِ الجِلد. من الالتماعات المُغَضَّنة على سطح إنسان يَشيخ.


4-

كثيرا ما تَعُودُ البساتين بعد طول غياب. وتكون ثمّة وجوه مشدودة إلى الأزهار، حتّى وإن سَمقت الأعشاب وبلغتِ العيون. في الطّريق، العابرون ذوو الأيدي البيضاء المُتماثلة يتصفّحون ملامساتٍ قديمة. عسل.

إنّه يَكتب، وجهه مُبَقّع بمسحوق الوزّال. مُنغرس هو في الصُّفرة. على مسافة قريبة، تنتظره لَيلكة. يرفعُ المراهق رأسَه. يَمُدّ عُنُقَه كلَّ ربيع ليرى تلك التي تأتي. إنّه يَحمِل اسماً على لسان الآخر، لا يخاف عليه من الضّياع. عسل.

ستَمُرّ هذا المساء تحت النّظرة الشّزراء للورود التي تشيخ. قدماها الصّغيرتان، على العتبة، مصبوغتا الأظافر بالأحمر. « إليكَ هذه الهدِيّة، فأنا سأموت!» في السّماء البرتقاليّة التي تُلَوّن صدرها، بدأتْ في الأزيز شجرةُ أكاسيا.


5-

خِيلانُ جِلدِ الأباجورة تحت اليدِ التي تستعيدُ دُواراً. اهتزازات ضوئيّة تنبجس من جَرَس الذّهب.


6-

في الخارج، مزاريبُ تندفع في الضّباب الجليديّ وقد تَحَنَّتْ رؤوسُها. الأشكالُ في السّماء تتأكّل.


7-

أتخيّل أني أكتب من شرفة بلغة أجنبية. البحرُ، أسفلَ الدَّرَج. لهاثُه يتقطّع فوق الرّؤوس المسنونة لنباتات الأغاف. وإذا حَطّ طائر فوق الشّعار المُـثْـبَـتِ بالباب، فلن يحمل اسماً يُثقِل جناحيه. قد يَمُرّ حِرذون فوق الخريطة حيثُ موقعُ الكنز. قد تكون الطّفولة كُلّها في الدُّرجِ الصَّغير لمطحنة البنّ المُشتراة من محلٍّ للمُستعملات. أو تحت مشهدِ حِراثةٍ بالأسلوب العتيق.

أتخيّل أنّي أكتب من شرفة على البَحر، بحيويّة في القدمين. ورأسي منجذبٌ إلى الخلف. يُمكنُ أن أكتب إلى أمّي. " كلّ شيء على ما يُرام. آكلُ طماطم... والسّماء تُشبهك".


8-

البديهيون يُرافقونني. نُصِبَ حاجز شَرَفِيٌّ لأنّي سأمرّ! لياقةُ هؤلاء البُكم تجعل هذا السّطر ممكناً.

لا نأمة. لا كلام. لا أصوات حيثُ تُثقَل البهائم بالأحمال. وحْدَهُ المَرْجُ يمرّ، دون أن يُزيح الحاجز!

لن أنتهيَ أبدا من كتابة الأشجار، من كتابةِ جباهِها المُوَلّاة جهة الشّمس،

ولا من المرور إلى الجهة الأخرى، حيثُ أكونُ معها،

عالِماً أنّ شمس الصّباح برفقتنا، وأنّها تنبثق من جذع، رفقةَ زمن الطّفولة.


9-

حين لا يكون هنالك شيء. وقتها يُمكنُني أن أبني بازاري الصّغير بالرّيش، بالأغصان، بالحبال. فأجدُني مُجدّداً في تلك الحال التي لا تُنسى. السّأم المحيط بالبازار لا يستطيع اختراق جدرانه الواهية. ثمّ أنام، وجبيني في الميكادو. لا أَكثرَ ممّا يفعلُ عصفور يُلصِقُ الفتائت باللّعاب، جاثماً على غصنه، وبِطَرَف منقاره تعبير بريء.

 


TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *