-->

نساء طروادة وشعراؤها: خفاء التجلي



صبحي حديدي


 إذا وضع المرء جانباً مثال «عوليس» رواية جيمس جويس الفريدة الاستثنائية، فإنّ تاريخ الآداب العالمية يشير إلى أنّ اقتباس هوميروس سيرورة دائمة متعاقبة، عابرة للعصور والثقافات والجغرافيات، وكذلك أنماط التخييل وأشكال التعبير ووسائط الكتابة شعراً وسرداً بالطبع. وإذا كانت «الأوديسة» تتفوّق قليلاً على «الإلياذة» لأسباب لعلها تتصل بجاذبية التيه البحري الذي سيق إليه عوليس وثراء الصراع بين الفرد/ البطل والآلهة الغاضبة على العصاة من البشر؛ فإنّ موضوع حصار طروادة في «الإلياذة» ليس البتة أقلّ احتواء على العناصر الجاذبة إياها، مضافاً إليها مسائل العشق والحرب والحصار والخديعة الكبرى التي صنعها الحصان الشهير.

وأعرف شخصياً من محمود درويش، وكذلك اتكاء على أقواله في أكثر من حوار منشور، أنّ مزيجاً من التوق الجمالي والفضول التاريخي والتعطش المعرفي حكم تساؤله الدائم عن قصائد شعراء طروادة تحت الحصار؛ التي لم يحفظها التاريخ بالطبع، وليس مؤكداً أنّ هوميروس الشاعر اكترث بتدوينها أو حتى باقتراحها في «الإلياذة». أعرف، أيضاً، أنّ درويش ابتهج على نحو خاصّ حين عرف من الكاريبي ديريك ولكوت (شاعره المفضّل خلال السنوات العشر التي سبقت رحيله) أنّ الأخير مصاب بالتوق ذاته إلى معرفة نصوص شعراء طروادة. ولم يكن بغير دلالة خاصة أنّ هذا البوح المتبادل جرى في قرطبة، أثناء لقاء حافل جمع عدداً من شعراء العالم الكبار، وأنّ دلالات الأندلس ورموزها الطافحة أسبغت على التوق الإلياذي طابعاً وجدانياً وفكرياً وتاريخياً خاصاً.

أحدث التجليات الهوميرية، إذا جاز هذا الاشتقاق، رواية بديعة من الإنكليزية بات باركر صدرت مؤخراً بعنوان «نساء طروادة» لا تكتفي باستلهام «الإلياذة» وحدها، بل تعود كذلك إلى مسرحية يوربيديس الشهيرة «الطرواديات»؛ وذلك لمنح نساء المدينة المحاصرة، وليس الشهيرات وحدهنّ بل عشرات المجهولات المغمورات، الحقّ في النطق النسوي والتعبير بطرائق أخرى غير ذكورية. رواية باركر السابقة «صمت الفتيات» صدرت سنة 2018 وذهبت بدورها إلى نساء «الإلياذة» لكن بلسان الملكة بريزيس التي تتولى دور الراوية للحكايا، والمعلِّقة كذلك على أفعال الرجال خلال الحصار والحرب، فضلاً بالطبع عن نبش جذور سوسيو – سياسية («جندرية» المحتوى، كما يصحّ القول) كمنت في خلفيات قرار القادة في ساحات القتال والحصار والانسياق إلى الخديعة.

ورغم انحياز هذه السطور إلى «عوليس» جويس بوصفها الاكتمال الأقصى، حتى إشعار آخر بالطبع، لاستلهام هوميروس؛ فالأرجح أنّ المثال الأفضل لحضور الشاعر اليوناني الضرير في ثقافات العصور والدهور لم تقدّمه المخيّلة الإبداعية الفنية، شعراً أو سرداً أو مسرحاً أو موسيقى أو تشكيلاً، بل جاء من حقل معرفي يندر أن يخطر على البال: علوم الفلك! وكان مارشيللو مانياسكو، رئيس قسم الفيزياء الرياضية في جامعة روكفلر، نيويورك؛ قد عكف مع زميله كونستانتينو بايكوزيس، رئيس المرصد الفلكي في لابلاتا، الأرجنتين؛ على قراءة «الأوديسة» لأسباب ليست أدبية، بل علمية فلكية حصرياً. وإذا كانت أبحاثهما لم تضف إلا النزر اليسير في البرهنة على وقوع، أو اختلاق، الوقائع الهائلة التي تسردها «الأوديسة» وقبلها «الإلياذة» فإنهما برهنا أنّ الشاعر الضرير لم يكن يهرف بما لا يعرف حول الأفلاك والخسوف والأنواء والعواصف.

انكبّ مانياسكو وبايكوزيس على تحليل جميع الأقمار الجديدة بين سنوات 1250 و1125 قبل المسيح، وبلغ عددها 1684 قمراً، للبحث فيها عن تواريخ تطابق أحداث «الأوديسة»؛ فعثرا على يوم 16 نيسان (أبريل) 1178 الذي يصادف عند هوميروس تاريخ عودة عوليس إلى إيثاكا، وانتقامه الرهيب من خطّاب زوجته بنيلوبي. وفي النصّ الأدبي، عشية المذبحة، يروي هوميروس (في ترجمة دريني خشبة الشهيرة) أنّ ثيوكليمنوس يهتف بالخُطّاب: «تعساً لكم أيها الأنجاس لقد سيءَ بكم! ماذا تخبئ لكم المقادير يا ترى؟ ما هذه الظلمات كأنها قِطَع الليل تغطس رؤوسكم وتزلزل أقدامكم؟ وما هذه الدموع تتصبب من عيونكم فتشوي خدودكم؟ أنظروا إن استطعتم! (…) تلك آية أخرى، لقد كسفت الشمس فجأة وتوارت بالحجاب! الضباب الضباب!»…

الظواهر الطبيعية التي سردها هوميروس، ونجح مانياسكو وبايكوزيس في رصد تواريخ وقوعها على نحو فعلي متطابق، بينها التالي على سبيل الأمثلة: قبل ستة أيام من المذبحة، كان كوكب الزهرة مرئياً في السماء، وعالياً؛ وقبل 29 يوماً، كانت مجموعة كواكب «بنات أطلس» و»بؤرطيس» (أو «راعي الشاء») مرئية بدورها عند الغروب؛ وقبل 33 يوماً، كان عطارد عالياً وقريباً من الطرف الغربي لمساره (في نصّ هوميروس يكون هرميس، التسمية الإغريقية لكوكب عطارد، على سفر لتسليم رسالة). ليست هذه رياضة استكشاف مجانية من جانب العالمَيْن، كما أنها قد لا تضيف قيمة جمالية إلى «الأوديسة» ولا تنتقص منها في المقابل؛ إذْ ليس التطابق بين الفنّ والواقع قلادة جودة أو رداءة بالضرورة، سيّما إذا جُرّد من جدليات اشتغاله داخل العمل الإبداعي، أو نُظر إليه على نحو ميكانيكي جامد.

غير أنّ حضور هوميروس الدائم على هذا النحو يمنح أعماله سلطة مزدوجة من الخفاء والتجلي، إذْ بين شاعر مجهول وامرأة مغمورة ثمة استنطاق معاصر مشبع بشؤون الراهن وشجونه؛ وهيهات أن تنسلخ وظيفة كهذه عن وجود النصوص الإبداعية العظمى.

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *