-->

كافكا العربي.. بين الدين والصهيونية والغموض و"الغرائبية"

 


المدن - ثقافة|الخميس22/07/2021
شارك المقال :
  • 0

كافكا العربي.. بين الدين والصهيونية والغموض و"الغرائبية"
كتاب "كافكا في النقد العربي (البداية) / 1994 - 2005"، يصدر قريباً في طبعة ثانية بعنوان جديد "كافكا العربي / مقالات نقدية / 1994 - 2020 "، ويضم، بالإضافة إلى مقالات الطبعة الأولى، المقالات الجديرة بالقراءة التي نشرت في الصحف بين عامي 2006 و 2020.
هنا مقطع من مقدمة الكتاب الجديد..

خيانة كافكا
وصل كافكا إلى الفئات القارئة في معظم أنحاء العالم باستثناء أفريقيا والمنطقة العربية. وفقط بعد سبعين عاماً من وفاته بدأ كافكا الحقيقي، على مهل وبخَفَر، يصل إلى القارئ العربي. وبين أول مقالة بالعربية عن كافكا في عام 1947 وآخر مقالة في عام 2005، يمكن تبيان مرحلتين في فهم (أو عدم فهم) القارئ العربي لكافكا.
تمتد المرحلة الأولى بين عامي 1947 و1994، وقد وضع أسسها وحدد معالمها اثنان هما طه حسين وسعدي يوسف.

في عام 1947 نشر طه حسين في مجلة "الكاتب" مقالتين عن كافكا، الأولى بعنوان "فرانز كافكا" والثانية بعنوان "الأدب الأسود". في هاتين المقالتين لخّص طه حسين الأفكار التي كانت سائدة آنذاك في أوروبا عن كافكا، نقلاً عن ماكس برود ناشر كتب كافكا، وتحدث حسين عن "الغموض" في أدب كافكا، واعتبر هذا الأدب من "الأدب الأسود"، ورأى في أدب كافكا "شيئاً من الغرابة، أو قل شيئاً من الغربة"؛ وأن قارئ كافكا "معلق بين الوضوح الذي يملأ نفسك سأماً، وبين الغموض الذي يملأ نفسك شوقاً"؛ وأن "أظهر ما تمتاز به آثار كافكا من الخصائص أنها تصور الغموض الذي يضطر القارئ إلى حيرة لا تنقضي"؛ و"هذا الغموض الذي لا غاية له". ويفسر طه حسين هذا الغموض بأن "الكاتب نفسه لا يعرف لنفسه غايةً".

وكتب طه حسين أن كافكا إنما "قد أمعن في درس التلمود، وتعمق ما في آداب إسرائيل من الأسرار والألغاز". وقدّم طه حسين ملخصاً موجزاً لأحداث روايات كافكا الثلاث، ورأى أن كافكا إنما أراد في هذه الروايات "إلى أن يصور الإنسان البائس اليائس الذي... انقطعت الصلة الدقيقة الأمينة بينه وبين الإله"؛ وأن محنة كافكا الكبرى ومشكلته إنما "هي أنه لم يستطع أن يستكشف الصلة بين الإنسان وبين الإله". ويكتب طه حسين: "أمصدر ذلك أن الإنسان أعجز من أن يرقى إلى الإله؟ أم مصدر ذلك أن الإله لا يريد، عن عجز أو عن عمد، أن يهبط إلى الإنسان؟ أم مصدر ذلك قصور في الإنسان وفي الإله نفسه عن أن يلتقيا؟

ويخلص طه حسين إلى أن أدب كافكا إنما يدور حول أصول ثلاثة: "العجز عن الاتصال بالإله من جهة، والعجز عن فهم الخطيئة والتبرؤ منها مع الثقة بالتورط فيها من جهة ثانية، والعجز عن فهم العلل الغائية لما يكون في العالم من الخطوب والأحداث من جهة ثالثة".
ويقارن طه حسين بين المعري وكافكا، ويختتم مقالته متنبئاً: "احتفل العرب منذ أعوام بالعيد الألفي لأبي العلاء. وأكبر الظن أن الأوروبيين لن ينتظروا ألف سنة ليحتفلوا بفرانز كافكا، وإنهم سينتهزون أقرب الفرص للاحتفال به، وسيتبينون، إن لم يكونوا قد أخذوا يتبينون بالفعل أن أدب فرانز كفكا قد كان من الخصب والقوة بحيث أخذ يترك في الآداب العالمية آثاراً بعيدة عميقة، ليس إلى محوها من سبيل".

وقد ظلت هاتان المقالتان دون تأثير.
والأساس الثاني الذي قُدّم كافكا بناء عليه إلى القارئ العربي، وضعه سعدي يوسف في مقالة بعنوان "حل رموز كافكا الصهيونية"، نشرتها مجلة "الأقلام" العراقية عام 1979 ضمن عدد خاص عن الأدب الصهيوني. في هذه المقالة وفي مقالة ثانية لكاظم سعد الدين جرى تكريس كافكا كاتباً صهيونياً.

إن الدور الذي قام به صديق كافكا، ماكس برود، في تأخير فهم آثار كافكا في أوروبا طوال عقود، قام به "عميد الأدب العربي" طه حسين و"الشاعر" العراقي سعدي يوسف في تأخير فهم آثار كافكا في البلدان العربية طوال عقود. وهكذا ضاع نصف القرن الأول من عمر كافكا في اللغة العربية بين الدين والصهيونية والغموض و"الغرائبية".
ويُطلق فاروق يوسف على هذه المرحلة اسم "خيانة كافكا".

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *