-->

شربل داغر فؤاد سليمان، أو جماليات القرية



 


قد تكون صورة "الدرب" من أقوى الصور التي نقع عليها في كتابات فؤاد سليمان، لا بل يمكننا القول إنها تنتسب إلى الصور الاستحواذية التي تتحكم بالكتابة في صريحها وضمنيها، عدا أنها تحيل على معاقد نفسية في أغوار الكائن.

فـ"الدرب" نقع عليها منذ عناوين عدد من كتبه: "درب القمر"، "درب الخلود"؛ وهما الكتابان اللذان يشكلان فاتحة وخاتمة أعماله الكاملة (12 عملاً). فما "الدرب"؟

أول ما يلفت انتباهنا في هذا المسعى تعيينه المعنى (أو القيمة) تبعاً للموقع. فليست كل الدروب دروباً، إذ أن بعضها متميز عن غيره، أو تلحق به صفات مستحسنة، بخلاف غيره مما تصيبه صفات مستقبحة. وهو، مع ذلك، لا يخص الدروب بالقرية، ولا الشوارع بالمدينة، متحدثاً في آن عن الدروب في القرية كما في المدينة، ولكن من دون أن تكتسب الدروب هذه وتلك المعاني نفسها. لا يتأتى المعنى من اللفظ، بل تزيد على حمولته الأصلية معان مستقاة من الموقع الذي تشير إليه أو تعينه. دروب القرية هي التي تفوز بأوصاف إيجابية، ومنها خصوصاً درب سليمان، "درب القمر".

وللقرية دروب، تشير إلى تعدد المسالك فيها، بل إليها بوصفها المدونة التاريخية والشخصية لمجريات القرية وناسها، ومنهم سليمان نفسه. ذلك أنه لا ينطلق من الجغرافيا وحسب، بل من الأصل الطبيعي، أي المنشأ، بل يغنيه أيضاً بمعايشات التاريخ. فـ"دروبنا في الجبل حكايات": واحدة للجرار الحمر، وثانية للخدود الحمر، وثالثة للغناء والحداء، وأخرى للعناقيد وغيرها، من دون أن يعني التعداد لائحة منتهية أو محسوبة. ذلك أن الدرب، هنا، خط جديد، تدوين مكاني، إلا أنه ينطلق من حسابات أو من معايشات شخصية. فلكل دربه، أو لكل أن ينتهج أو أن يخط دربه؛ وله إذا حفر في هذا المدى –الذي يبدو أبيض، مثل ورقة الكتابة - حكاية له، معنى جديد، هو الذي يمحض القرية تاريخها ومعانيها بالتالي. فلفؤاد سليمان، على سبيل المثال، دربه الخاص، وهو "درب القمر"، أي الدرب الذي قاده إلى "شباك الحبيبة": "كأن القمر لا يطلع إلا فيها". وهذا كله كما لو أن للهوية، أو السيرة، خريطة طوبوغرافية، أساسها لزوم الغناء بموقع – موقع المنشأ، لا العيش والعمل بالضرورة.

وهو ما نلقاه في صور عكسية في أوصاف المدينة القبيحة: فهي "موكب التائهين"، و"مدينة الأموات"، و"الراديو" فيها "عفريت غريب". كيف لا، وهو لا يتأخر عن تشبيه نفسه وغيره، من سكان المدن، بالحيوانات: "حيوان يمشي مع حيوانات، بهيمة تعيش مع بهائم (...) ملعون مع ملاعين الدنيا (...) أجر جناحي المنتف ورائي على الدروب وفي الشوارع".

وإذا كان سليمان يسترسل في الغناء أحياناً، واجداً في القرية محلاً للفخار والزخرفة الأسلوبية في آن، فإنه يسرد ذلك كله طمعاً بتأكيد الخاتمة المأسوية لهذه الصورة الفتانة: فشجرة اللوز "شاخت"، و"كسرتْها العاصفة"؛ و"العريشة الخضراء"، هي الأخرى، "يبست"؛ و"السنديانة العتيقة" أحرقت حطباً في الشتاء ... ويعود هذا كله إلى عامل لا تحده سيرة شخصية، بل جماعية، على ما تقول الأم لابنها: "لكنكم هجرتم هذه الأرض يا ولدي (...) إلى المدينة. وبقيت أنا وحدي (...) فبارت الأرض عندنا".

لا يتغنى سليمان بالضيعة بقدر ما يعلن صارخاً نهايتها: "منذ عام مات الفلاح اللبناني الأخير في ضيعتي"، كما لو أنه ليس فلاحاً بعينه، أي أبا وهيب، بل الفلاح عموماً، وإلا ما وجد حاجة لنسبه بـ"اللبناني". والكاتب في هذا الإعلان لا يتحقق من أحوال الهجرة إلى بلدان الاغتراب أو إلى بيروت وحسب، بل تصدمه واقعاً أحوال العيش في المدن، فيهرب منها، أو يصور الضيعة التي فارقها في صورة مثالية، أو يندم في صورة مغالية خافياً خيبته من المدينة: يحن إلى القرية، ولكن من دون أن يعود إليها، إذ يزورها وحسب، على ما نتحقق في غير موضع من الكتاب. يزورها أو يتمنى العودة إليها، بعد أن زال بريق الهجرة والتمدن، أو بعد أن خبا إشعاع جواهر التغرب عبر البحار. فسليمان يحدثنا عن "جبال من الزمرد والياقوت" في البحار، على ما يعتقد شبان القرى الذين يهاجرون ولا يعودون، أو يعودون مثل أبيه من دون الجواهر الموعودة. أهذا ما عاشه سليمان في انتظار ثروة... الأب المغترب؟ هل يمتنع عن الإفصاح عن خيبته، وربما – بلسانه – عن خيبة الأم المنتظرة، عندما عاد والده "مختلفاً" عما كان عليه؟ هذا ما نقع عليه في حوار لافت بين سليمان وأمه:

"(من حديث الأم) ستفيض بالخيرات، حينما يعود والدك.

- ولِمَ لا يعود والدي، يا أمي؟

- البحر لنا عنده ثارات، يا بني، وأميركا قلبها من جديد...

ماؤها قاس يابس...

اكتبْ له أن يعود...

في كتاباتك، يا بني، حنان...

اكتبْ له (...)

وفي صدر أمي غصات، رأيتها تفيض في عينيها (...)

وفي رصيف المرفأ لقيت والدي...

عاد ذات يوم مع البحر ...

أخذه البحر منا، في الفتوة العنيفة، وفي العنفوان الأشد، في الخطوة الواثقة...

وأعاده البحر ذات يوم إلينا غير ما أخذه منا".

يُكثر سليمان في هذا المقطع من استعمال "النقاط الثلاث"، التي تشير، في أدوات التنقيط، إلى تقطعات في الأفعال والأزمنة، وإلى تغييبات متعمدة عما لا يريد البوح. ففي الإفصاح وجع، ذلك أنه يطاول من دون شك جراحاً لم تندمل. وقد يكون إقباله على الكتابة، على قول وجع الأم الصابرة، بلسانها، أو هو عنها، نوعاً من التفريج عن النفس. وقد لا يكون الحديث "التجميلي" عن القرية افتناناً طفولياً وطبيعياً بها وحسب، بل نوع من التعويض الرمزي، ولو بعد وقت، عن لهاث الأب خلف الثروة البعيدة، ومن ورائه الأم والأولاد.

هكذا نرى في مقابل "الجبل" الهانئ والجميل (وهو مجموع القرى) "البحر" العادي. فهو يغيِّب المهاجرين، لا إلى المدينة هذه المرة، بل إلى بلاد الاغتراب، مثل والد سليمان نفسه. والبحر يبدلهم في أي حال، حتى لو عادوا منه. وهو معادٍ بقدر ما هو جذاب وفتان. فهو يَعِد بـ"جبال من الزمرد والياقوت"، وبـ"صبيات حلوات"، هن حارسات الكنوز المرصودة في البحر، حتى أنه "هبط من الجبال شبابها، خلف الحكاية الحلوة"، ما يفسر الساحات المقفرة في القرى، والعناقيد اليابسة في الكروم، وأجراس الكنائس الكئيبة، وبيوت القرميد المعتمة، و"البنيات الصبايا مكسورات على الشبابيك عيونهن في البحر وراء الحكاية". هكذا يعلو سليمان في غير موضع بالدعاء: "إلى أرضهم يا بحر رُدَّهم، فأرضهم فيها الكنوز المرصودة"، بعد أن "كذَّب" عليهم البحر، وبعد أن وعد غير ابن أمه بعودته من البحر بأكداس من الجوهر.

خيبة طالبِ الثروة المفتون بالبحر هي التي تجعل أيضاً من القرية "الملجأَ" الأمين والوفي، ومجال الاستثمار الممكن. وخيبة النازل إلى المدينة، المنبهر بأضوائها ووعودها، هي التي تجعل الضيعة من ذهب أكيد، ولو محدود، لا مزور، ولو بدا وفيراً. ما يعنينا من هذه الأقوال تبينُنا لمحلات وجع في الكتابة، في الوجدان، عما آل اليه الاغتراب بعد الفتن الطائفية (1840 و1860) والمجاعة (1914) في لبنان، وعما أدى إليه النزول الكثيف إلى بيروت - هذا النزول الذي عرفته بيروت بعد الأزمة الطائفية الدامية في 1860، والذي تأكد بعدها، مع وقوع لبنان تحت الانتداب، ومع استقلاله، والذي شهد سليمان فصولاً عديدة منه. هل ما يكتبه سليمان موافق، وفي السنوات نفسها أحياناً وقبلها بعقدين على الأكثر، للنزعة الغنائية – الانطباعية في الأدب والتصوير في لبنان في فترة ما بين الحربين؟

ندقق في هذه المعاني، ذلك أن أمين نخلة سعى قبله إلى الحديث عن الدروب، مقارناً بينها في القرية وفي المدينة. فإذا كان نص سليمان، "درب القمر"، يرقى إلى العام 1949، فإن طباعة "المفكرة الريفية" تعود إلى العام 1942. ماذا يقول نخلة فيها؟

يفتتح نخلة "مفكرته" بالحديث عن "درب الريف"، ويوضح منذ السطر الأول: "الدرب في الريف غير الدرب في المدينة"، ذلك أنها في القرية "تمشي على هواها"، بينما الدرب في المدينة "تمشي في خط مستقيم"؛ وهي في القرية بيضاء، وفي المدينة سوداء، عدا أننا نقوى على تمييز الخطى في الضيعة بينما تتشابه الأقدام في الشوارع، مؤكداً على "قِدَم" الدروب في القرى، وعلى كونها "محطات للتذكر"، بخلاف ما هي عليه الشوارع.

لن نعقد المقارنات بين نخلة وسليمان، أو بينهما وغيرهما من الأدباء اللبنانيين، فهذا يتعدى غرضنا؛ غير أننا لا نغفل بالمقابل عن العملية الجارية في الأدب والتصوير في مدى العقود بين الحربين العالميتين في لبنان، والتي أدت إلى تأسس تقليد إبداعي محلي ذي مرجعية منفصلة عما كان عليه الأدب في غير بلد عربي. هذا ما نقع عليه في أدب سعيد عقل،لا سيما في المسرحية الشعرية "قدموس" وفي "الجبل الملهم" لشارل القرم، وفي كتابات ميشال شيحا وغيرهم، وقبل كتابات فؤاد سليمان، من تأسيس لموضوعة "الريف"، بل "القرية" تحديداً وحصراً، في الإبداع اللبناني. وهي الموضوعة التي ستتأكد لاحقاً كمصدر للكتابة والفن عموماً في أعمال الرحابنة وغيرهم. وقد يتبادر إلى الذهن، ونحن نتحدث عن عقل وشيحا والقرم على الأقل – وقد كان لهم دور بارز ومعروف في تدبيج الإيديولوجية "اللبنانية" الخالصة قبل استقلال لبنان وبعده خصوصاً -، أن هذه الموضوعة خصت أدباء بعينهم، ودون غيرهم، تبعاً لنزعة إيديولوجية محضة. وهو اعتقاد صحيح في بعضه، غير أنه لا يشمل سائر الأدباء والفنانين الذين عنوا في لبنان بموضوعة "القرية"، من أمين نخلة حتى مارون عبود في الأدب، أو من صليبا الدويهي حتى رشيد وهبي في التصوير. وهذا يصح في "القرية"، كما في أمور الغناء بالموقع، أو بالأرض، أو بالأساطير القديمة الخاصة بالشاطئ اللبناني. فمن الفنانين خصوصاً من اعتنى بتصوير المشهد الطبيعي اتباعاً للمدرسة الاستشراقية ذات المنزع الاتنولوجي، أي رسم المناظر والعادات والوجوه وفق منظور يؤكد على التمايز العرقي أو الفولكلوري عند هذه الجماعة أو تلك. أما في الأدب، فيمكننا القول إن نزعتين إيديولوجيتين متضادتين تنافستا في الفترة عينها على استلهام الأساطير القديمة، الكنعانية أو الفينيقية، هما النزعة القومية اللبنانية والنزعة القومية السورية، اللتين وجدتا في الأساطير القديمة للشاطئ الفينيقي ما يبعث الروح في رماد التاريخ، بعد الفترة "العروبية" خصوصاً. فـ"دليلة" كانت في هذه السنوات موضوع استلهام عند أدباء مختلفي النزعات، مثل الياس أبي شبكة وأدونيس وفؤاد سليمان نفسه. وإذا كانت "دليلة" أبي شبكة دينية التكوين، أخلاقية المنزع، فإنها عند أدونيس وسليمان "بطلة قومية". يقول فؤاد سليمان: "فلا الحب، ولا الغيرة، ولا الشهوة هي التي قادت دليلة إلى وادي سورق لتلاقي الجبار الإسرائيلي فترديه صريعاً عند أقدامها... ولكنه شيءأقوى من الحب وأبقى... إنه الصراع بين شعبين، شعب غريب تائه، يجيء أرض كنعان بالسيف والحديد والنار، فاتحاً غازياً بكل ما في الفتح من قوة، وما في الغزو من إرهاب، وشعب هو ابن هذه الأرض، زرع كرومها وأنبت صخورها، وروى حقولها، يحارب من أجل البقاء، في الأرض التي هي أرضه"(من "درب القمر").

هي الحاجة إلى أساطير تأسيسية، من جهة، في طور النزاع على تاريخ لبنان، وعلى صيغته، التي كانت محل اجتهاد وتنافس في آن. وهي الحاجة أيضاً التي تستدعيها، من جهة ثانية، متطلبات الغناء بالموقع الطبيعي. إن هذه العلاقة بين "الجبل" و"البحر"، التي تأكدت مع "أسطرة" عدد من أخبار لبنان السالفة أو القريبة، ستكون محل غناء عند سعيد عقل، ولا سيما في "قدموس"، حيث "يذري" البطل الفينيقي في "كل شط" "القرى" اللبنانية، أشبه ببذرة الفلاح التي "تزرع" لبنان أينما تحل خطواته. وهو أدب روَّجه المقيمون من اللبنانيين، لا المهاجرين منهم على أي حال. فاللبناني "الشاطر" أو "بائع الكشة"، و"المغترب"، أو "جوّاب الآفاق"، ليس سوى تلفيق محلى لخطاب، ما أريد منه فقط تجميل ملحمة الاغتراب اللبناني الصعبة والموجعة والذليلة في عدد واسع من محطاتها، ولا سيما في عهد الهجرات الأول، بل أُريد منه أيضاً تجميل الصورة لما جرت تسميته بـ"المعجزة اللبنانية" الحرة في لبنان، القادرة بقدرة قادر على جني الثروات كيفما كان.

هكذا يندرج سليمان في سياق، نجد فيه ما يفسر عنايته المتأنية بعالم الريف وأوصافه، والتي تصدر عن افتتان طبيعي بالأرض، بمحلاتها ومشاهدها وأشجارها وثمارها، وعن توافق أسلوبي أيضاً، أو عن استثمار تعبيري في محل بعينه. وهي التشاركات عينها التي نقع عليها، في السنوات نفسها، في اللوحات الزيتية لصليبا الدويهي وعمر فروخ وجورج القرم ورشيد وهبي وغيرهم، من رواد "المدرسة اللبنانية" في تصوير المشاهد الطبيعية.

ولكن إذا كان أمين نخلة يتحدث عن "الريف" و"المدينة" في تقابلٍ لازمٍ مولدٍ للمعاني والقيم، فإن سليمان يتحدث عن "الجبل" و"البحر" (والمدينة أحياناً)؛ وهي قطبية سنجد لها رنيناً ووقعاً في الكتابات اللبنانية، أشد وأقوى مما هو عليه التناظر عند نخلة: لبنان لا يقوم على تقابل بين ريف ومدينة، مثلما نرى ذلك في غير بلد، بل على تقابل آخر، أو على صيغة مخصوصة منه، هي بين "الجبل" و"البحر". يندرج سليمان، إذن، في هذا السياق، إلا أن منزعه مختلف عن أقرانه تماماً. فهو إذا أنشد، فلنشيده وقع الشكوى والتحسر، لا الاحتفال والمدح على أي حال. هو مغنٍٍّ مأسوي، تشوب نبراته نقمة رومانسية، تستمد نَفَسَها من تمرد جبران، لا من انتصارية سعيد عقل. كتابة ناقمة تقع في الصراخ والمباشرة أحياناً (معززة بما تطلبه الصحافة من استهداف شديد للمعنى)، فلا تقترب من صقل أمين نخلة الشديد لعبارته، ولا من كثافتها التعبيرية المركبة. وفؤاد سليمان في ذلك يتناول العربية بعد أن فقدت "هيبتها" الدينية والاسلوبية في النثر اللبناني، وباتت لغة مدينية، إذا جاز القول، وتسعى إلى جذب قرائها بجمالها المأنوس، لا إلى التباري الاسلوبي في حلقات المتأدبين الفصحاء.

"أنتم تذكرون" و"أنا أذكر": هذا التقابل بين الكاتب والجماعة، الذي يقيمه المتكلم الفردي ويخاطب به الجمع، قريب من تقابل "أنا" و"أنتم" في أدب جبران. ونتبين فيه أثراً للخطابة (ومعها الصحافة) في الكتابات العربية منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، الذي راج بين أوساط الجمعيات الأدبية والسياسية وحسب. كما نتبين خصوصاً حال الافتراق وطلب التمايز بين الكاتب وغيره: تأكيد الفردانية، لا طلباً للتمايز وحسب، بل ممارسة لدور توجيهي إرشادي، هو الصورة الأولى للداعية الإيديولوجي في الكتابة العربية.

كما نقع، في غير موضع من كتاباته، على عبارات إنجيلية المنشأ، كما في هذه الجملة–المطلع: "أنا جئت أحدثكم..."، أو هذه: "الحق أقول لكم..."، اللتين تذكراننا بأحاديث المسيح إلى الرسل؛ وهي المطالع عينها التي نقع عليها في كتابات جبران، ولا سيما في "النبي". مثلما نقع أيضاً على صور واستعارات سارية في الكتابات والمعتقدات المسيحية، مثل صورة الحية وسمومها، أو "درب الآلآم"، أو "نجمة المشرق" وغيرها الكثير. وهي صور لا تتأتى من الذاكرة الكتابية وحسب، بل من المعين الاعتقادي أو من متبقياته، خاصة وأن سليمان لا يتأخر عن النهل من معين أخلاقي، شديد التباين بين عالمين؛ وهو المعين نفسه الذي اصطرعت في رحابه المعاني عند الياس أبو شبكة بين "الخطيئة" و"الرغبة"، بين مقتضيات التربية المسيحية الكاثوليكية ومواقعات اللذة في العلاقات المدينية الناشئة.

وإذا كنا نقع على عبارات وجمل وألفاظ مستلة من القاموس الديني المسيحي، ومن الكتب الدينية المسيحية(التوراة، الأناجيل)، فإننا نقع أيضاً على عبارات عامية المنشأ. وكان الأديب الراحل ميخائيل نعيمة تنبه إلى هذا الأمر في تقديمه في العام 1952 لكتاب "درب القمر"، وفسره وفقاً لحاجات ضاغطة على النفس عند الكتابة، ما جعل سليمان ينصاع إلى إملاء النفس، فلا يراقب أو يدقق فيما كتبه: "وذلك الصدق المتناهي، وقد اقترن بحس الشاعر وذوق الفنان، هو مصدر العذوبة التي تتسرب إليك من خلال هذه الفصول، والتي من أجلها تغفر لفؤاد سليمان انتهاكه في بعض الأحيان لحرمة اللغة انتهاكاً تشتم منه التصميم أكثر من العجز. فكأني به وقد ازدحمت به الخيالات والخواطر في صدره، كان يخشى أن يفوته. ولذلك كان يقتنصها بقلمه من أقصر السبل. وأقرب السبل قد يكون كلمة عامية، أو انتقاصاً من كرامة قاعدة لغوية. ولذلك جاءت عباراته لجوجة، مقتضبة، وجاءت نبراته سريعة عالية".

غفر نعيمة لسليمان هذه "الانتهاكات" اللغوية، ولو أنه رأى فيها شيئاً من "الضغط" في الإملاء، الملازم للكتابة ما إذا أسلست قيادها لإيقاعات الجسد المتناوبة. "غفر" ذلك وحسب، لأنه لا يقرأ واقعاً – منسجماً في ذلك ومتوافقاً مع "تراث" الكتابة العربية التقليدية – بالهز المتمادي لبنية اللغة الفصيحة، ولا لأساليبها البيانية، وهو "الهز"، أو التجديد، الذي قامت عليه "المدرسة اللبنانية" في النثر الفني، مع أعلامها البارزين منذ جبران خليل جبران مروراً بأمين نخلة وصولاً إلى فؤاد سليمان نفسه.

لهذا قد يعجبنا حتى أيامنا هذه البيان في أدب أمين نخلة، و"النَفَس" الرؤيوي في عبارة جبران، وقد تبدو جملة سليمان، مع تقادمها، أقل جمالاً وسحراً، إلا أنها، بخلاف هذه وتلك، تبدو أشد تعبيراً عن التخلعات في الوجدان اللبناني عند مفترق حيوات وأزمنة ودروب.

(جريدة "الحياة"، لندن، 1997).



عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *