-->

شعرية الأخوين رحباني ..بين المسرح والموسيقا



محمد علي شمس الدين(*)


تم الاصطلاح على تسمية الشاعرين والمسرحيين اللبنانيين عاصي الرحباني ومنصور الرحباني بالأخوين رحباني، وللفنانين المذكورين إخوة آخرون، من بينهم موسيقي مشهور هو إلياس الرحباني، إلا أن التصنيف الإبداعي المشهور شعبياً وفنياً أخرج إلياس من دائرة العقد الرحباني الثنائي الفريد، لأسباب صحيحة أولها ندرة أو عدم تشاركه مع أخويه في أعمال شعرية ومسرحية، وثانيها الفارق القيمي الإبداعي الملحوظ بين إلياس وأخويه، والأهم هو استئثار الأخوين رحباني بجوهرة الغناء العربي الفريدة، فيروز.. وبعد وفاة عاصي انفصل منصور عن فيروز، وأكمل مسيرته المسرحية والشعرية بمفرده، ولم يخلُ ذلك من أسئلة وملاحظات.. فخلال تشارك الأخوين معاً في الكتابة والمسرح، كان يتبادر للذهن سؤال: أين يبدأ هذا ويبدأ ذاك؟ وكيف في الإمكان التشارك في كتابة قصيدة، أو نص مسرحي؟ وذلك لأن في الشعر وفي التأليف الإبداعي على العموم فرديّة وخصوصية وأسرار يخفي بعضُها حتى على أصحابها.

إن علاقة الشاعر بقصيدته شبيهة بعلاقة العاشق بالمعشوق، تتصف بالاستئثار والفردانية..

فكيف إذن يتشارك اثنان أو أكثر في كتابة نص شعري أو ورائي أو نص مسرحي واحد؟ إن هذه الكتابة المشتركة، عرفت في أوربا (فرنسا على وجه الخصوص) من خلال تجريبية إبداعية وضعها السرياليون في التداول، إنما بصفة محدودة.. فتمّ تأليف قصائد جماعية، وتمت كتابة جمل شعرية من خلال كلمات يقترحها عدد من الشعراء في جلسة ما، يتم إلصاقها الواحدة إلى الأخرى من دون تدبّر سابق، أو عقل سابق لها، وكيفما اتفق، ألف السرياليون الفرنسيون أول جملة شعرية جماعية أوتوماتيكية بحضور وإشراف مؤسس السريالية وبطريركها الأول: أندريه بريتون.

حدثت بعد ذلك تجارب أخرى شعرية وروائية مشتركة.. إلا أنها قليلاً ما حفرت في الحقل التجريبي للكتابة.. فهي على كل حال، قليلة ومتباعدة وحين انتقلت الحساسية السريالية والتجريب السريالي إلى الثقافة العربية مع هبوب رياح الحداثة الغربية على العرب، في أواسط خمسينيات القرن الفائت وما بعده، تحققت ألاعيب وتجاريب شعرية قليلة احتضنتها مجلة شعر اللبنانية التي أسسها يوسف الخال العام 1953.

وكتب البعض، وربما بأسماء مستعارة، ترّهات شعريّة مثل (مقامة الضمعباد) كنص تسفيهي للبلاغة العربية القديمة.. إلا أن هذه المحاولات لم تترك بصمات لها في تجربة الحداثة الإبداعية العربية.

تشارك روائيان عربيان معروفان وكلاهما اليوم في ذمة الموت، وهما عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا في كتابة رواية واحدة هي (عالم بلا خرائط).. وإذاكان الشاعر أو الكاتب هو الأسلوب كما يقول الفرنسيون (Le style c'est l'hnu ué) فما هو الأسلوب بالنسبة لاثنين أو أكثر؟ من خلال قراءتي للرواية المذكورة، ومعرفتي الشخصية بالروائي والشاعر الراحل جبرا إبراهيم جبرا، وسؤاله مباشرة عن أصل التشارك في كتابة رواية وأصوله وتقنياته، تبيّن لي أن هذا التشارك لم يستطع أن يطمس ملامح أسلوبين في فصول الرواية، فعبد الرحمن منيف سردي نثري في أسلوبه، أما جبرا فشعري فنتازي، وقال لي يومها جبرا أن الاتفاق تم بين الاثنين على أن يبدأ هو كتابة الفصل الأول من الرواية من دون أي اتفاق مسبق على الخط أو الخطة أو الهدف.، هكذا إذن: كتب جبرا فصلاً أول من رواية ما، قام بتسليمه إلى منيف، وقرأه وتابع بدوره كتابة الفصل الثاني، وهكذا حتى تمت كتابة فصول الرواية بالتناوب.

في النهاية اجتمع الروائيان في جلسة مشتركة أخيرة، وطلعت الرواية على هذه الصورة.

ليس لديَّ أية معلومات خاصة تتعلق بكيفية وتقنية كتابة الأخوين رحباني لنصوصهما الشعرية والمسرحية المشتركة، وكان هناك من يغمز خفيةً من قناة منصور معتبراً أن عاصي هو الأساس.. إلا أن هذا الادعاء لم يُثبت ببينة.. فقد تابع منصور بعد وفاة عاصي كتابة الشعر والمسرحيات.. ولم يظهر كبير فرق بين العصرين.

كما أن ثمة شهادةً ثمينة قالتها فيروز وهي واسطة العقد الرحباني الفريد وأكثر الناس قرباً من الأخوين ومعرفةً بأحوالهما، فإنها حين سُئلت عن العلاقة والفرق بين عاصي ومنصور قالت: (إنهما متشابهان كحبتي المطر).

والعقد الرحباني الفريد الذي أعنيه تشكّل وانتظم هنا على الأرض اللبنانية في مطلع عشرينيات القرن الفائت، وقد تألف من اثنين رحبانيين في الأساس هما عاصي ومنصور وفي الوسط فيروز.. ثم جاء بعد ذلك زياد الرحباني ابن عاصي وفيروز، وهو من السلالة العبقرية نفسها إنما بنكهة أخرى تخصّه وتميزه، فالرحابنة إذن هم هؤلاء من دون أية إضافة أو نقدية.. إن حبّات هذا العقد مشغولة كما أراها، بعناصر من طبيعة وخيال ومشحونة بدم بشري خاص، حالم عند الأخوين، ساخر واقعي عند زياد.

وأراها منشورة على ساحةٍ تمتد من انطلياس في الضاحية الشمالية لبيروت، قرب الفوّار والغابة صعوداً إلى (المنيبيع) الجبلية في الشوير (الجبل) فما فوق حتى ذروات الجبال والنسور الموصولة بالسماء، نزولاً إلى البحر وقيعانه العميقة، وثمة بعض من هذه الجواهر مخبأ في كهوف لا تكشف أسرارها بسهولة، لسيرة هؤلاء الرحابنة وأشعارهم ومسرحياتهم وألحانهم مسالك ومفاتيح وناطورة لهذه المفاتيح، لكل هذه الناطورة ساحرة قاعدة في مكان ما في القيم وجدائلها تنساب إلى الأرض. سماوية وإن كانت من لحمٍ ودم وتراب.

امرأة خاصة مقدودة من ضوء وظلمة معاً واسمها (فيروز)،. ليس في الإمكان فهم أشعار الرحابنة ومسرحياتهم وألحانهم والإحساس بها بلا صوت فيروز.

إنّ صوت فيروز جزء من شعرية هذه الأشعار، والدليل على ذلك هو أنه لو حصل (وقد حصل بالفعل) وغنيت أشعارهم بأصوات أخرى غير صوت فيرو لما كانت هي هي.

والمفارقة الموضوعية والتاريخية النادرة هنا هي التالية:

أن القصيدة الأغنية الرحبانية مؤلفة من اثنين فثلاثة.. تجلس في وسطهم رابعة، فلو حركت عنصراً في هذا الهيكل يتصدع الهيكل، والعقد الرحباني- فيروز يطرح على المتأمل فيه أسئلةً ومفارقات.. من بينها ما سبقت الإشارة إليه من تشارك اثنين في نص واحد يضاف لذلك إضافة الصوت للكتابة، والشراكة إذن شعرية مسرحية صوتية.. وهذه هي المفارقة.. الصوت هنا جزء من داخل الأغنية القصيدة، أو الأغنية - المسرحية وليس من خارج.

هناك إذن أقانيم وواحد.

أعتقد أن فيروز هي قوس قزح الغيم الرحباني، هذا القوس الذي انثلم بموت عاصي ولم يلتئم مع منصور وحده بعد ذلك، لعله التأم بصورة أخرى مع زياد.. الذي جدد أمه.. ولد أمه من جديد.

ما معنى شعر الأخوين رحباني؟ أين هو؟ وكيف؟

أن ما ترك موقعاً بهذا الاسم المزدوج مجموعة من الأغاني والقصائد بالعامية اللبنانية في غالبيتها، وبالفصحى العربية في القليل منها، فضلاً عن المسرحيات الرحبانية المعروفة التي تنتمي إلى المسرح الغنائي (Le théatre lurique) وعدد هذه المسرحيات المكتوبة بالمحكية اللبنانية 22 مسرحية. والظاهر أن القصيد الرحباني في جوهره، وفي ما هو نسق في الكلمات والرؤية والتأليف، يؤلف مناخاً خاصاً رحبانياً إنه طقس شعري يندرج فيه كل ما يشبهه أو يتفرع منه.

فإنني كنت أعتقد أن قصيدة (دقت على صدري وقالت لي افتحوا تا شوف قلبي أن كان آعد مطرحو) هي للأخوين رحباني من حيث هذا المناخ أو الطقس الشعري الذي عنيته.. في حين أنها في واقع الأمر للشاعر الراحل عبد الله غانم، لقد اختار الرحبانيان نصاً يشبههما في الأسلوب، كذلك، وبعد موت عاصي الرحباني في 21 حزيران (يونيو) 1984، حيث امتنع مادياً توقيع الأعمال الشعرية والمسرحية باسم هذا الثنائي المجيد.. فإن مسرحية صيف 860 لمنصور وحده، يمكن فنياً توقيعها باسمهما معاً.. أعني لجهة المناخ وجوهر القول الشعري والتقنية المسرحية.. والفضاء المسرحي.. فضلاً عن تقنيات الكلام الشعري والمسرحي معاً.

نعود إلى طرح السؤال: ما هي عناصر الشعرية الرحبانية هذه؟

ونجيب: كتب الرحبانيان معاً من العشرينيات للقرن الفائت حتى وفاة عاصي شعراً (كمقطعات غنائية) - عامية وفصحى- لا تتجاوز الواحدة منها في الأداء الغنائي أربع أو خمس دقائق، وعدد هذه المقطعات كبير، لم يجمع منه وينشر سوى قصائد من عامية وفصحى وبعض المترجمات جمعت في ديوان صغير من 144 صفحة سمياه (سمراء مها) باسم إحدى القصائد التي غنتها فيروز، وصدر العام 1925 عن دار الرواد في دمشق.. مع رسوم بريشة أدهم إسماعيل، ويشتمل على 77 قصيدة وأغنية.

كما كتبا مسرحيات طويلة بالعامية 22 مسرحية تمتد في الزمان من عشرينيات القرن الفائت حتى منتصف ثمانيناته.. وفي المكان تمتد من عروق الريف اللبناني وأحلامه الأولى الطفولية (موسم العز، جسر القمر، الليل والقنديل، بياع الخواتم، دواليب الهوا).. وتتمدد أحياناً في سراديب التاريخ (بترا) أو تصعد لقمم الجبال العالية (جبال الصوان) وتمجد البطولة أو تنتظرها (أيام فخر الدين).. ثم تعود إلى المدينة لتعيش فيها من حيث هي واقع يومي للإنسان في توزعه بين همومه المعيشية اليومية، وصدامه مع السلطة السياسية والاجتماعية، وتوقه الشغوف للحرية.. حيث الحب هو وحده المحرر، وحيث البغض هو القيد والسلاسل.

بالطبع ثمة تسريبات هنا وهناك أحياناً، هي وجودية أحياناً أو عبثية (كما في مسرحية الشخص) أو (المحطة) حيث يطول الانتظار ولا أحد يأتي (على غرار في انتظار غودو) وحيث يتم التأهب للسفر ولا سفر على غرار نهاية اللعبة حيث يردد البطل عشرات المرات أنا ذاهب.. أنا ذاهب ولا يذهب مع انه في ثياب السفر. وهي جزء من اللعبة الذهنية والثقافية في المسرح الرحباني.. وهو ما يحتاجه تفصيل لخصائص المسرح الرحباني.

أما الشعرية الرحبانية فشعريتان: واحدة للنصوص المغناة أو الأغاني والأصوات على غرار ما صنعه أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الشهير (الأغاني) حيث أورد قصائد تحت عنوان أصوات وقرن الشعر بالصوت في حنجرة وأداء المغنين في أيامه.. وواحدة للنصوص المسرحية فمسرح الرحبانيين مسرح غنائي، وربما لم يكن في بعض فصوله سوى أغانٍ وأناشيد طويلة أو حوارات غنائية مركبة على أشخاص ومواقف.. (أدوار فيروز ووديع الصافي ونصري شمس الدين) حيث الأبطال المسرحيون سواء كانوا من الماضي أو الحاضر أو المخيلة هم مغنون أو مؤدون غنائيون. ويلاحظ في الأغاني المفردة، أن شعر الشاعرين مؤسس على الغناء والنغم، فالموسيقى في هذه القصائد (وهي عامية بمعظمها) أصل الكلام، والغناء أصل القصيد.

لذا لا بد هنا من التأكيد على أن صوت فيروز جزء تكويني عضوي من داخل القصيدة الرحبانية. إنه ليس مجرد أداة للإنشاد، أو لقول الشعر، بل لعله هو هو القصيدة والشعر بصورة ما.. وشعر الرحبانيين هنا يأتي من أصل الأشياء والعناصر.

من مقلع الحياة الطبيعية، فالإنسان كما يقول فقهاء اللغة (الشيخ عبد الله العلايلي) (غنى قبل أن يتكلم).

هذا من جهة.. ومن جهة ثانية فإن هذه الأغنيات من كلمات ومعان وصور طالعة من قاع الطفولة (الولدنة) كما تسميها الأغاني الرحبانية. وطلوعها من (هناك) شبيه بطلوع البخار من الغابة.

إنها تنفس الطفولة، والطفولة هنا هي الطفولة الرحبانية بالذات (أي سيرة ذاتية طفولية لأخوين ولدا معاً وعاشا معاً.. إلا أنها قادرة على استثارة أية طفولة أخرى) إنها مربوطة بذكريات النشأة الأولى للوالدين في غابات أنطلياس حيث تمتزج عناصر الطبيعة بحكايات الجدة وقدرتها الخرافية على إثارة المخيلة.

يقول منصور الرحباني في مقابلة شخصية أجراها معه نبيل أبو مراد وأثبت جزءًا منها في كتابه (الأخوان رحباني- حياة ومسرح) عن دار أمجاد للنشر والتوزيع ط1-1990: (هناك في الليالي الحالكة، غالباً ما كنا نسمع عواء الذئاب التي كانت تكثر في الأحراج المجاورة، يخالطها نباح الكلاب وعواء الثعالب وهدير العناصر الطبيعة).

ويروي عن جدته لأمه في المقابلة المذكورة نفسها أنها (كانت امرأة أميّة من بلدة عينطورة - المتن - وكانت تحفظ في ذاكرتها حكايات القبضايات والمكارية والجن والرصد وكانت تنظم الزجل والفراديات).

هذا المناخ الأول للطفولة الرحبانية (في تلك الطبيعة بظرفها التاريخي الموصوف بالذات) شكّل حضن الأغاني والأناشيد التي أبدعها الشقيقان.

تضاف إليها مناقبية ما آتية إليهما من جهة الأب (حنا الرحباني).. الذي كان من قبضايات انطلياس وكان فاراً من الدولة العثمانية، إنما كان رجلاً أخلاقياً، وله عصب في العزف على البزق، الآلة الموسيقية التي كان يعشقها.

تجميع هذه العناصر على بعضها، يشكل حضن النص الشعري الرحباني الأول، وهذا الأصل له صلة بسخرية الأشياء والكلمات.. والاعتقاد بأن الكلمات تصنع الأشياء.

نحس من حيث الأصل الغنائي للكلمات أن معظم قصائد الرحبانيين، تغني بذاتها لذاتها، لما في تركيبها من عناصر موسيقية للحروف والكلمات، نأخذ مثلاً: (هيلا يا واسع):

(هيلا يا واسع - مركبك راجع - بسمتك لالا - عبستك ليله - هيلا هيلا)

نحن هنا إزاء أصوات أو نداءات صوتية أكثر مما نحن أمام كلمات.

كذلك أغنية (طلعلي البكي) حيث يتردد فيها (يبا لالا) في حوار صوتي يجعل من الكلمة لحناً. نلاحظ هنا نسباً بين الأغنية الرحبانية والموشح.. كما هو معروف في نشأته الأندلسية، من حيث تأسيس الأشعار والأوزان على الأصوات والألحان واستكمال الكلمات بإضافات نغمية وصوتية ذات قيمة إيقاعية محضة ولا معنى لها من حيث هي لغة، فالموشح نوع من الشعر ونوع من الغناء في آن.

استطراداً في الإمكان ملاحظة اللعب بعناصر الكلمات والقوافي والحروف، ومطابقتها وأنساقها في النصوص الغنائية الرحبانية.

هناك تنويع أو ترجيع لبعض الحروف، حروف الزاي والراء والعين مثلاً: (راحت علمزارع والمزارع - فيها الزرع والع بالمزارع) الرصد العددي يشير إلى المتوالية التالية للحروف:

ز = 4 مرات

ر - 5 مرات

ع = 6 مرات

وهي حروف الجذر (زرع) للمقطع.

القاف والفاء (وهما أصل قف في موقف)

(وقفت علمفارق والمفارق - فيها الهوى مارق علمفارق)

ق (وتلفظ أ) = 5 مرات

ف = 4 مرات

ونجد في النص الرحباني حوار الزمان والمكان حيث نجد عناصر طفولة وخوف ودوران، حيث الصراع مع الموت والضغينة يأخذ شكل الحيلة الشعرية ويتم الانتصار بالطفولة والحب.

(الموت + الضغينة + التآكل التغيرات ضدها الطفولة، الحب، الشعر)

والطفولة مطروحة دائماً ضد الموت على شكل دوران، إنها دويخة ضد الوحش حيث يتم مغالبة الموت أو التآكل والهرم بالنسيان (وينسانا الزمان - عسطح الجيران).

(وان سألو وين كنتو - وليش ما كبرتو إنتو - بنقلهن نسينا..) رائعة هي هذه الحيلة الطفولية حيث الشعر بشهر الطفولة (ببراءتها) ضد مخلب اسمه الوقت.

مثل طفل يشهر إصبعه في وجه الوحش:

(يا دارة دوري فينا

وظلّي دوري فينا

تا ينسو أساميهن

وننسى أسامينا)

إنها جميلة.. هذه الحيلة، ولكنها مضحكة.

ونسأل: لماذا الدوران والنسيان في الأغنية الرحبانية؟

ونجيب: الدوران والنسيان هما العودة إلى البداية، فالدائرة هندسياً أولها آخرها. أجمل الحركات وأكملها الدوران. الدوران هو اتصال الموت بالحياة والحياة بالموت.. الدوران إحياء. أما النسيان فإلغاء.. رغبة في العودة إلى الرحم إلى البداية الأولى، النسيان محو من أجل الابتداء من جديد.

وهذا المعنى كان يراود الأخوين رحباني.. على ما يبدو، من الصغر، فقد روى نبيل مراد في كتابه آنف الذكر (الأخوين رحباني-حياة ومسرح) من حديث شخصي له مع منصور أنه في العام 1937 أصدر عاصي مجلة مكتوبة جميعها بيده، يؤلف بنودها ويوقعها بأسماء مستعارة.. بالفصحى والعامية.. ومن طرائفها النص التالي الذي بالإمكان اعتباره النواة الأولى المتقدمة للطرافة الشعرية لدى عاصي حيث تظهر باكراً لديه مسألة الدوران أو (البرم) كما في النص:

(قد جاء الليل وظلماته

غمرت أشجار الساحات

لا بيت يضوي بقنديل

خوفاً من ضرب الغارات

وبصرت بنومي حبيبة قلبي

قد ضربت لي سلامات

ولقد جاءت تخطر مشياً

وهي من أحلى الستات

فضربتها كفاً شقلبها

طحبشها مثل البيضات

برمت برمت برمت برمت

شبقت خلف الكنبايات)

وهذه المخيلة المنفتحة على الغرابة، كان يتمتع بها الأخوان رحباني من الصغر. يروي منصور أيضا (في المرجع المذكور نفسه) أن عاصي كان يداعبه أحياناً بمثل قوله (هاجمت طائرات البرغش الطرّاد منصور الراسي في ميناء التخت، وأمطرته بوابل من قنابل الملاريا).

وفي النص الرحباني أيضا حوار بين عناصر سريعة وعناصر ديمومة.

فالحوار العتيق فعلاً (ثابت)، ورمل الطريق (رخو) الفصول متحركة (حبيتك بالصيف- حبيتك بالشتي - وعيونك الصيف وعيوني الشتي) إنما خلف المتحول ما هو ثابت (الحب) فالبغض = الموت. والحب = التحرر من الموت.

في مسرحيته (جسر القمر) البغض يسجن الصبية ولا يفك أسرها سوى الحب:

(وسمعتهن عم يبغضو بعضن

وتفرقو بهلكون

هوني حبسني علجسر بغضن

ورح ظل وحدي هون

تلحب يجمعهن)

شعرية النص المسرحي الرحباني شعرية مركبة، تبدأ رومانسية ريفية في (موسم السفر) ورفيقاتها، وتنتهي ملحمية تاريخية أو نقدية أو عبثية في مسرحيات أخرى.

من السهر على أدراج الورد والأغاني في المسرحيات ذات (الدم الزراعي) إلى الفرد الشاعر الذي يكتب ويمحو الحكم:

(سيف المراجل حكم

ضبوا الدوا والعلم

فردك بإيدك شاعر

يمحي ويكتب حكم)

وكأنه استعادة إبداعية لأبي تمام:

(السيف أصدق أنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب)

في (موسم العز) ورفيقاتها من المسرح الرحباني الأول يلاحظ أصل ريفي رعوي وزراعي لجوهر القصيد، وللحركة المسرحية أيضاً، الذات الأولية بسيطة (ضيعة) وربما هي مشتقة من الضياع.. ذات ساحة وأشخاص فولكلوريين ثمة قمر وضوء وحكاية صراع ولاّدية (طفولية) في الغالب بين عائلتين أو شخصين حول شيء ما.. امرأة... قطعة أرض.. وهم من الأوهام.. ثم ينتصر الحب والقيم الأخلاقية في النهاية (على غرار جوهر الأفلام المصرية القديمة).

في هذا المسرح ذي الدم الزراعي قيم خاصة به من فروسية وأزجال وثنائيات: حب -بغض - خير-شر - عدل-ظلم - براءة-كيد.. الخ ومن خلال صراعية هذه الثنائيات تكرج أغانٍ وصور ذات إبداع خاص وجذاب.. تقول (وردة) للحرامي في مسرحية المحطة:

(طيب بدك الترين يظل ضايع بهلسهل

وتنقودو العصافير؟)

لكن النص المسرحي الشعري للأخوين رحباني ليس ساذجاً أو سهلاً.. كما قد يتراءى للذهن.. إنه مشغول بشفافية لا بسذاجة. بسيط لكنه غير سهل.

لذا هو ممتنع، قد يظن أحد ما أنه يستطيع تقليدهم، لكن المسألة أصعب من هذا الظن.. فالضيعة مثلاً، وهي بطلة المكان في معظم المسرحيات الريفية، هذه (الضيعة) ليست قائمة على أرض محددة، في مكان محدد، بأناس محددين، حتى وإن لاحت المسألة بخلاف ذلك.

إنها ضيعة قائمة هنا (في الرأس) والناس مقيمون هناك (في الخيال). المكان إذن وهم مكان، والأشخاص وهم أشخاص (قصقص ورق ساويهن ناس).

في (بياع الخواتم) تبدأ القصة على النحو التالي:

(رح نحكي قصة ضيعة - لا القصة صحيحة - ولا الضيعة موجودة)

واللافت أن كل شيء يأتي وليد الضجر. الشعر والفن وتجديد الحياة:

(بس بليله

وهوي ضجران

خرتش إنسان

عورقه

صارت القصة

وعمرت الضيعة)

تتناسل وتتساحب عناصر الضيعة في المسرحية الرحبانية عنصراً بعد آخر: الضيعة، الساحة، الجرن، الناس، العيد (في دواليب الهوا) يأتي:

(ما بيسوا ضيعه بلا عيد)

هذه الضيعة تظل بلا كهرباء، حتى ولو ضوأت الكهرباء الجبال والقرى اللبنانية بكاملها.

إنها ضيعة في البال..

وكم هي وحشية وكاسرة أحياناً كالجبل في (الليل والقنديل) حيث الوعر سيد والصيد للصياد (شريعة الغاب) عنف وعنفوان (كمشة نسورا والنسر أدي).

وعلى سيرة النسر، نرى أنه مأخوذ كرمز للبطولة العالية في مسرحية (فخر الدين) حيث يقول فخر الدين في لحظة حرجة الجملة الملحمية التالية:

(النسر لازم يتقوص قواص

ومش لازم يختير

ويموت بوكرو علعش)

هناك عناصر إحيائية وبذور انبعاث في المسرح الشعري الرحباني، مثل دور (غربة) في (جبال الصوان) التي تنحل مع عناصر الطبيعة وتعود مع الفصول.

الشخصيات تظهر أحياناً آتية من الماضي إنما هي ذاهبة للمستقبل، في المرحلة الواقعية في (صح النوم) هذا الحوار المعبّر:

(يوسف: أنا بدي أزرع خوخ

زيدون: خوخ.. الدولة بتحبو بوريحة)

مختصر الشعرية الغنائية والمسرحية المركبة للأخوين رحباني، تمجيد الحب والحرية والعناصر الأولى في الطبيعة والطفولة ومقاومة الموت والظلم والبشاعة بسحر الكلمات، بقي أن نسأل: كيف انثلم الإناء الرحباني واندلق ماؤه الفيروزي؟

ليس هو الموت، على ما نعتقد، وراء ما حصل. ثمة شيء ما أصعب منه، لعله شيء رمبوي (نسبة للشاعر الفرنسي رامبو) حيث قال: (أخذت الجمال. وضعته على ركبتي، وجدته جميلاً فهشمته) ولعله أيضا البغض أو أشياء أخرى غامضة.. والله أعلم.

شاعر لبناني

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *