-->

مي زيادة.. ملكة دولة الإلهام.. حياتها راوحت بين هويات

 



‫- محمد الحجيري - كاتب لبناني | مايو 1, 2018 | بورتريه

مجلة الفيصل

 

لا أحسب أن كاتبة عربية أخذت حياتها الشخصية صدى مثلما أخذت مي زيادة (1886 – 1941م)، ولم تنل كاتبة عربية ما نالته من كتابات وأبحاث (عشرات الكتب)، كان ظهورها بين الكتّاب «كظهور زنبقة برية رائعة في صحراء قاحلة (…) وتهافت أدباء عصرها «على عتبة قلبها» كما كتب الأديب أسعد حسني، فقد لقّبها ولي الدين يكن بـ«ملكة دولة الإلهام»، وخليل مطران بـ«فريدة العصر»، ومصطفى صادق الرافعي بـ«سيدة القلم»، وشكيب أرسلان بـ«نادرة الدهر»، ويعقوب صروف بـ«الدرّة اليتيمة»، والأب أنستاس الكرملي بـ«حيلة الزمان»، وشبلي الملاط بـ«نابغة بلادي»، ومصطفى عبدالرازق بـ«أميرة النهضة الشرقية»، وفارس الخوري بـ«أميرة البيان»، وعبدالوهاب العزام بـ«النابغة الأدبية»… ووراء المجد والشهرة، كانت تعيش «مأساة النبوغ» بحسب ما عنونت سلمى الحفار الكزبري كتابها عنها. ويكفي الاطلاع على ما خلّده فيها كبار شعراء العربية المعاصرين للتأكّد من أن مي زيادة ليست امرأة عادية؛ هي التي قال فيها أحمد شوقي:


«إذا نطقتْ صبا عقلي إليها… وإن بسمتْ إليَّ صبا جَناني»


وفي كل مرة أقرأ كتابًا جديدًا عن مي، أحسب صاحبه يزعم أنه يقول جديدًا حولها لا يعرفه غيره، أو يتوهم أنه يمتلك الأوراق المجهولة عنها، خصوصًا أن حياتها راوحت بين هويات، بين الشرق التقليدي والغرب المنفتح و«التحرري»، كانت امرأة وحيدة في صالون أدبي يضم عشرات الرجال، وإذا رصدنا الكتب الصادرة عنها قديمًا وحديثًا، نجد أنها ستظل لغزًا طويل الأمد، يحمل كثيرًا من الدلالات والمدلولات الثقافية والاجتماعية. ويبدو أن حياتها التراجيدية والدرامية كانت أقوى بكثير من أدبها ونصوصها في زمننا هذا؛ إذ شكلت مادة دسمة للكتابة والبحث، بغض النظر عن النتائج والتأويلات والتخمينات، وبغض النظر إن كان بعض الكتابات استنساخًا أو تناصًّا ولا يقدم جديدًا. وآخر النتاجات عن مي، ما كتبه الروائي الجزائري واسيني الأعرج الذي أمضى، بحسبه، أكثر من ثلاثة أعوام في التنقيب عن المرحلة الأخيرة من حياة الأديبة الراحلة إلى أن ضمّن هذا الجزء المرير في روايته «ليالي إيزيس كوبيا.. ثلاث مئة ليلة وليلة في جحيم العصفورية»، وتنطلق الرواية من البحث عن مخطوطات مفقودة كانت زيادة، قد دونتها في أثناء وجودها في مصحٍّ عقليّ يقع في لبنان يسمى «العصفورية».


والعصفورية هو أول مصحٍّ للأمراض العقلية في لبنان، شيِّد على أيدي أفراد من الإرساليات الأميركية في نهاية عام 1890م بإذن من السلطنة العثمانية. في عام 1972م توقف استعمال المصحّ لكن ظلت كلمة «العصفورية» في ذاكرة اللبنانيين. ويشير الأعرج في كتابه إلى أن أجيالًا متعاقبة ركضت وراء تلك المخطوطات في كل اتجاه لأكثر من 70 سنة لكن من دون جدوى ويتساءل عما إذا كانت ضاعت حقًّا أم أن القدر شاء غير ذلك فرماها في بقعة مظلمة ليجعل العثور عليها محالًا. وبعد رحلة مضنية رافقته فيها الباحثة الكندية- اللبنانية روز خليل يتمكن الراوي من العثور على هذه المخطوطات لدى امرأة عجوز في مصر وطابق بعضها مع أوراق معدودات كان الكاتب قد وصل إليها عن طريق مقربين من الأديبة الراحلة في بلدة الفريكة وتحمل عنوان «ليالي العصفورية»، يستغلُّ واسيني تقنية «المخطوط»، فيجتهد في مقدّمة طويلة بعنوان «غيمة النّاصرة» في رسم مسار متابعة المخطوط المفترَض: القاهرة بيروت روما الناصرة… مصوِّرًا كيفية القبض عليه وتحصيله في القاهرة بعد جهود مضنية، محاولًا حَفْز «أثر الحقيقة» في نفس قارئه إلى حدِّ إعطائه رقمًا في المكتبة الوطنية الفرنسية، وهو ما يوحي بإمكانية تصفُّحه والاطِّلاع عليه لمن يرغب في ذلك، وهو ما يجعلُ كثيرين يعتقدون ذلك حقًّا. والحال أن مي في أثناء محنتها لم تنقطع عن القراءة والكتابة، وحدثت زوارها عن كتابها لكن زوارها قلّ عددهم وأخذ يتناقص فمزقتها الوحدة والكآبة، وزاد التشهير بها ولم تطبع كتابها، وقالت: «الذين كتبوا إليّ الأشعار والرسائل إمعانًا في إثبات حبهم لي، أنطون والشناوي والعقاد ولطفي وطه، كلهم شربوا قهوتي وتقاسموا العيش والملح والأغاني، لم يسطروا سطرًا للدفاع عني، الله يرحمك يا أمين يا ريحاني ويديم عزك يا فيليكس فارس»، وهما من الذين وقفوا إلى جانبها في محنتها. ومن أجواء رواية واسيني الأعراج الجديدة على لسان بطلتها «إيزيس كوبيا»: «أخيرًا دونتك يا همّ قلبي وجرحه، إلى أين أهرب بهذا الخوف الذي سيضيف لي رعبًا جديدًا؟ تحدثت فيه عن علاقاتي السوية وحتى غير السوية مع محيطي، عن الناس الذين عرفتهم وعرفوني. عن الذين أحببتهم، والّذين ركضوا ورائي باشتهاء عرفته من عيونهم، حكيتُ عن الذين زجّوا بي في دهاليز الجنون وجعلوا من العصفورية سجنًا يموت فيه الناس بصمت. حتى النفس الأخير، قلتُ بعض ما أحرقني، وحوّلني إلى رماد في ثانية واحدة».


ويختار الأعرج اسم «إيزيس كوبيا» الذي كانت تستخدمه كاسم مستعار، يوم أصدرت ديوانها «أزاهير الحلم»، (حافظت مي على مراوحة من الأسماء، تفيء إلى التوقيع بواحد منها لاعتبارات عائدة إليها أساسًا، ساد اسم ميّ، فيما راحت تخبو التسميات الأخرى: عائدة، كنار أو كنار شهاب، خالد رأفت، ميمي برقش، دُخَّلَة). ولم يقدم الأعرج جديدًا لافتًا في روايته سوى أنه قام بمجهود في تدوينها.


وسبقت الأعرج الكاتبة دارينا الجندي التي أصدرت كتابًا باللغة الفرنسية بعنوان «مي زيادة… سجينة الشام»، ويتناول سيرة مي الأدبية وحياتها الشخصية منذ ولادتها في الناصرة مرورًا بحياتها في لبنان ومصر، وإيداعها في مستشفى الأمراض النفسية. وتقول الجندي: إن الدافع الأول وراء إعادة كتابة سيرة مي، التي كتبها عدد من المؤلفين ومن أبرزهم سلمى الحفار الكزبري، هو تعرضها للتجربة نفسها، حيث دخلت «العصفورية» لفترة من الزمن. وتقول دارينا في حوار مع تهامة الجندي: «لم يكن من المفترض أن ألتقي ميّ زيادة، هي وُلدتْ عام 1886م، وأنا وُلدتُ في سنة 1968م. كنت أسمع عنها في طفولتي أنها حبيبة جبران، وأن لديها صالونًا أدبيًّا، ثم أُصيبت بالجنون، وكنت ألعب في حديقة مستشفى الأمراض العقلية الذي قبعتْ فيه، وحين كنت أصوّر دوري في ثلاثية لمحطة «إل بي سي»، كان التصوير في بلدة الفريكة، واكتشفت أن البيت الذي كنت أختبئ فيه، كي أنفرد بنفسي وأدخن، كان بيت أمين الريحاني، وإلى جواره كان البيت الذي وضُعت فيه ميّ، بعد خروجها من المشفى، وفي باريس اكتشفت أن بيتي يقع على مقربة مئة وخمسين مترًا من الفندق الذي نزلتْ فيه، وكنت أمشي كل يوم على ضفاف السين، أصل إليه وأعود. وبت على يقين أن كل المصادفات تأخذني إلى هذه المرأة وتربط قدري بها».


أوهام الهوية

قبل الأعرج والجندي قرأنا في إحدى الصحف اللبنانية أن أهالي شحتول في منطقة كسروان اللبنانية يرفضون ما تورده بعض المراجع عن أن «مي زيادة أديبة وشاعرة فلسطينية»؛ لأنها على رغم ولادتها في الناصرة الفلسطينية، لبنانية بامتياز، لذا أقامت بلدية شحتول تمثالًا نصفيًّا لها في ساحة البلدة، مسقطها. (لنتذكر أيضًا أن جبران خليل جبران كان منبوذًا من بعض المؤسسات الدينية في أيامه، لكن بعد تبني أدبه في العالم أصبح أحد الأساطير المؤسسة للجمهورية اللبنانية) الأرجح أن أبناء البلدة اللبنانية التي تريد تكريم مي زيادة لا يعرفون كثيرًا عن حياتها، ربما هم أرادوا ما بقي منها، أي شهرتها في الوسط الثقافي. كان والد مي قد رحل من شحتول إلى فلسطين، حيث تزوج من والدتها نزهة معمر، الفلسطينية من أصل سوري، ووُلدت ابنتهما ماري في 11 فبراير (شباط) 1886م، وهي من خلال مسارها، تجمع بين اللبنانية والسورية والفلسطينية أي المشرقية الشامية ويضاف إليها المصرية من دون أن ننسى الثقافة الأوربية، وبهذا تتجاوز مي الهوية المحلية نحو «الثقافة الكونية»، وإن كانت في مرحلة ذهبت ضحية العقل المحلي المتخلف. وتأرجحت حياة وحياة مي زيادة بين الموهبة الإبداعية وبراقش الحب والمعجبين (وهم كثر) وما بينهما «ليالي العصفورية» المرة. فالكاتبة حين كانت في الخامسة عشرة كانت لا تزال تدرس في مدرسة راهبات الزيارة في عينطورة، انتحلت اسم «كنار» لتوقِّع به رسائل غرامية وترسلها إلى ابن عمها نعوم الذي كان يتعلم في مدرسة مجاورة. كان ابن عمها نعوم يبادل المرسِلة كنار رسائلَها من دون أن يدري هويتها الحقيقية. ربما كان يدري وكتم الأمر إلى حين، ولعلّه كان يضع مراسلته تحت الاختبار. خطبها فيما بعد، في أواخر يونيو عام 1905م حين قدم والدها إلى لبنان للاحتفال بخطبتها. بدت يوم الاحتفال سعيدة ووجدت في الاحتفاظ بشرعية علاقتها بنعوم تحقيقًا لاستقلالية شخصيتها وتأثرت بلطف ابن عمها ثم أصيبت بخيبة أمل دعتها إلى إلغاء الخطبة في أواخر صيف 1905م؛ إذ تبين لها أن نعوم كان يستكتب صديقه لتدبيج رسائل حب تستهويها وترضيها لعجزه عن ذلك. بعدها انتقلت برفقة والديها للإقامة في مصر في منتصف عام 1907م، حاملة مشروع أديبة تكتب بالفرنسية، بتوقيع إيزيس كوبيا، في هذا المناخ العام، صدر العدد الأول من جريدة «المحروسة» في القاهرة في 11/1/1909م باسم صاحبها ومديرها المسؤول إلياس زيادة. وكانت ماري توقِّع كتاباتها فيها طوال عامي 1909م و1910م، تأليفًا وترجمة، بأسمائها التي خبت. تعرفت مي إلى أستاذها أحمد لطفي السيد، الذي قادها إلى برنامج مكثف لدراسة اللغة العربية والخط العربي، أمّا اسم ميّ فظهر، للمرة الأولى، في عدد «المحروسة» الصادر في 3 فبراير 1911م، في الصفحة الثانية، لا الأولى. وذلك ضمن إطار خاص بعنوان «خواطر»، أُلحِقتْ به، تعريفًا، عبارة: «لحضرة الآنسة صاحبة الإمضاء (ميّ)». على هذه الصورة، وبهذا الاسم، باشرت ميّ حضورها الكتابي في «المحروسة»: «… ذهبت إلى الجامعة المصرية وفي قلبي شيء من السرور [….]، ولم أجد في الجامعة أثناء المحاضرة أكثر من ستين سيدة بين سوريات ووطنيات». ثم كرّت سبحة خواطرها عن «علّة العصر والتربية»، و«السعادة» و«حملة الأقلام». في 6 يوليو 1911م كان عنوان مقالها في «خواطر»: «لا عدالة عندكم أيها الرجال. الإنصاف تأنّث».


أسعفها ثراء أهلها في افتتاح صالونها الأدبي في القاهرة في منزلها الكائن في شارع عدلي، كل يوم ثلاثاء منذ عام 1913م، قبل أن ينتقل عام 1921م إلى إحدى عمارات جريدة الأهرام، ويستمر حتى بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث كانت تقدم حفلات الشاي في أثناء المناظرات الفكرية والأدبية والشعرية، وتوفير الراحة لعشرات الوافدين، خصوصًا الأدباء الذين كثُرت التأويلات حول علاقتهم بها وعلاقتها بهم، وهي راوحت بين الاستلطاف والانسجام والغرام إلى حد العشق، وتضاربت بين الظن والتأكيد والشائعات وجعلت بعض الشعراء يهيم بزيادة كأنها ليلى العصر الحديث… ومن الأسماء التي ارتادت صالونها عباس العقاد وطه حسين وأحمد لطفي السيد وإسماعيل صبري والشيخ مصطفى عبدالرازق وشبلي شميل وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وولي الدين يكن ومصطفى صادق الرافعي وأنطون الجميل ومنصور فهمي. وكل هؤلاء أحبها على طريقته.


ولم تذهب الكتابات في تبيان علاقات زيادة مع أشخاص بعيدين من الوسط الأدبي (غير الأدباء)، كأن أهل الأدب وحدهم «محصورة بهم بالذات المؤهلات الدونجوانية» بتعبير الكاتب اللبناني فاروق سعد الذي أصدر كتابًا بعنوان «السر الموزع للآنسة مي»، مبيّنًا فيه أنه بعد وفاتها أطلق عدد من الكتّاب أعنّة أخيلتهم في تركيب الأخبار والروايات عن غراميات مزعومة لزيادة، وإن كان فيها شيء من الواقع. ولو عاشت زيادة، يقول فاروق سعد، وقرأت الحلقات المتسلسلة التي نشرها كامل الشناوي بعنوان: «الذين أحبوا مي»، وما تضمنته من مزاعم عن علاقاتها العاطفية بزوار صالونها الأدبي، لأقفلت باب منزلها في وجههم! ومي «عروس زفوها إلى ألف حبيب»، في الرسائل الموجهة من أحمد لطفي السيد إليها تستوقفنا عبارات: «جاءني كتابك فشممته مليًّا وقرأته هنيئًا مريئًا». لم يكن فعل السيد يقتصر على فيتشية شمّ رسائل مي فحسب، في إحدى رسائله يخاطبها: «أنا لا أطرد الطيور إكرامًا لخاطر كنارك الصغير ولا أهيج الحمام إكرامًا لما اشتهر به من معنى الوفاء، وحسن العشرة، (…) فطالما أصليت صغار الطير نارًا حامية من بندقيتي لا لآكل لحمها، بل لألعب بالنفوس البريئة التي هي مثلي لها حق في الحياة»! شعرت مي بحرج كبير إزاء رسائل السيد، لكنها كانت تتجاهل الأمر وتسكت عن الجواب. لم يكن وقار الشيخ مصطفى عبدالرازق، شيخ الأزهر آنذاك، حصنًا آمنًا من جاذبية مي. فأخذ يحبها بصمت وحياء ولم يعبّر عن حبه بالكلمة المسموعة، واكتفى بالتعبير بالكلمة المكتوبة عبر بعض الرسائل التي كان يراسلها بها وبلغت ثلاثًا إحداها أرسلها من باريس والأخريان من ألمانيا. إضافة إلى تلك الزيارات التي كان يحرص عليها في صالون مي زيادة.


وكان الشاعر ولي الدين يكن أحد أولئك الأدباء الذين ربطت بينهم وبين مي صداقة وطيدة. لم يقف الأمر على الإعجاب بل تجاوزه إلى الهيام وعقدة الشعور بالاضطهاد العاطفي (المازوشي) إلى درجة جعلت يكن يكتب على صورة فوتوغرافية له أهداها إلى مي: «كل شيء يا مي عندك غال/ غير أني وحدي لديك رخيص». كانت مي تشعر بعشق ولي الدين وصدق عاطفته نحوها، لكنه لم يلق تجاوبًا منها ولم يغضبها ولم يحرجها، كان يسرف في التذلل لها إلى درجة التصريح بتقبيل قدميها بكل إجلال، ختم رسالته المؤرخة 4 نوفمبر عام 1915م بعبارة: «أقبّل الأقدام بكل إجلال». حشد كامل الشناوي الأدلة لإثبات الحب بين ولي ومي، إلا أن سلمى الحفار الكزبري ترفضها، وتقول: تجاوز إعجاب يكن بـمي حدود الإعجاب، فأضحى حبًّا روحيًّا جميلًا تجلى في رسائله إليها وأشعاره فيها، مما حدا بمعاصريه أن يقولوا: إن هيامه بمي دفعه إلى ذرف الدموع، وتقبيل اليدين والقدمين، وتتساءل: «لا ندري من أين استقى الشناوي هذه الأخبار الملفقة، التي لم يذكر منها شيئًا معاصرو مي وولي الذين كانوا أعرف الناس بهما، وكتبوا عنهما صفحات مشرفة لهما ولذكراهما، أمثال العقاد ومنصور فهمي وطه حسين والجميل، ولم يلحظ أحد أنها لبست السواد عليه طوال سنتين. أما مصطفى صادق الرافعي فزار مي للمرة الأولى في صالونها عام 1923م وكان في الثانية والأربعين. بالغ بعض الكتاب في وصف مشاعر الرافعي تجاه مي، ذكر كامل الشناوي أن الرافعي «جن بمي غرامًا وفكّر أن يتخذها ضرّة لزوجته، بل إنه كتب أوراقًا ظن أنها تجلب له قلب مي وتحببها فيه وعلّقها على سارية في أعلى منزله».


وأحب العقاد مي بكبرياء في أول الأمر. ورويدًا رويدًا، بدأ يذعن لعاطفته حتى امتلكت قلبه وعقله. وبدلًا من أن يكتفي بزيارتها في صالونها الأدبي، راح يعزز علاقته بها فيقضي معها ساعة أو أقل سيرًا في صحراء مصر الجديدة. وبدأت الغيرة تجد طريقها إلى نفسه، فيغار عليها من علاقتها بجبران. وكانت مي تستلذ بغيرة العقاد عليها، فتستزيد من تلك اللذة كلما وجدت إلى ذلك سبيلًا، مستخدمة أحيانًا الدلال الناعم الجذاب، كما تظهر رسالة أرسلتها إلى العقاد من برلين في 30 أغسطس عام 1925م، قالت فيها:


«وحسبي أن أقول لك: إن ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرتُ به نحوك منذ أول رسالة كتبتها إليك وأنت في بلدتك التاريخية أسوان. بل إنني خشيتُ أن أفاتحك بشعوري نحوك منذ زمن بعيد، منذ أول مرة رأيتك فيها بدار جريدة «المحروسة». إن الحياء منعني، وقد ظننتُ أن اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك. والآن عرفتُ شعورك، وعرفتُ لماذا لا تميل إلى جبران خليل جبران». ويقول الشناوي: إنه كان تحدث مع العقاد، ووضح له أنه يرى أن مي لم تشعر بغير يكن فأجابه بلا، وسرد المؤلف تفاصيل الحديث، حيث وضح للعقاد وجهة نظره في كتاباته الشعرية، وتكرار اسم هند، إنه يرى الأخيرة ما هي إلا اسم مستعار لميّ، كما أن رواية «سارة» لم تكن إلا مي أيضًا، وهنا تفاجأ العقاد بتحليل الشناوي لذلك قال: «لقد حاولت جهدي أن أكتم هذه الحقيقة عن أقرب الناس إليّ وكان في عزمي أن أجهر بها يومًا، ولكن بعد أن يصبح هوانا العفيف تاريخًا يجب أن يسجل، وإن عندي من رسائل «مي» إليّ، وعندها من رسائلي إليها، ما يصلح كتابًا يصور علاقتي بها، وهي علاقة قائمة على الحب المتبادل. نشير هنا إلى أن خليل مطران وأنطون الجميل رغبا في الزواج من مي وأخفقا إذ ظلا في حياتهما عازبين مثلها! أما علاقة عباس العقاد بمي فزاخرة بالمزاعم والتناقضات بين رواية وأخرى. ومي بحسب المازني «أخذت مي من جبران خياله، ومن العقاد عقله، ومن طه حسين دأبه، ومن شبلي شميّل ذكاءه، ومن مصطفى عبدالرازق أخلاقه، ومن الحياة رومانسيتها الحالمة». وثمة من يقول: «لم يثبت لميّ أية علاقة عاطفية بينها وبين أحد في مصر».


الشعلة الزرقاء

يوم أرسلت مي زيادة أول رسالة إلى جبران كانت بلغت السادسة والعشرين، وأخذت تلوح تباشير ذيوع اسمها كأديبة تكتب باللغتين الفرنسية والعربية وبأسماء مستعارة كثيرة، وتوطدت ثقتها بمستقبلها الأدبي. استمرت حتى وفاة جبران في 5 مارس 1931م. كانت مي معجبة بمقالات جبران وأفكاره فبدأت بمراسلته عقب اطلاعها على قصته «الأجنحة المتكسرة» التي نشرها في المهجر عام 1912م. في بداية المراسلات، اتسمت لغة مي بالحذر، واكتفت باللهجة الرسمية في الخطاب. لكنها مع الوقت، وقعت أسيرة كلمات جبران، وتحركت عاطفتها له، ومع ذلك آثرت التهرب من مشاعرها. فكانت تنقطع شهورًا عن مراسلته، ليدفعه ذلك للتساؤل عن هذا الانقطاع، واصفًا إياها بإحدى رسائله بأنها «موسوسة». ولدى التأمل في بعض الرسائل يتّضح بأن الصلة ما بين جبران ومي قد توثقت شيئًا فشيئًا؛ لأن لهجته في مخاطبتها تدرّجت من التحفظ إلى التودد، وعام 1919م عكرت صفو التواصل سلسلة من الخلافات بينهما التي عبّر عنها جبران مرةً على أنها «هي معاكسات التي تحوّل عسل القلب إلى مرارة».


ويمكن استخلاص «معجم الأشواق» من خلال الرسائل الجبرانية المي الزيادية، ففي تعليقة على كتاب «مي زيادة صحافية» لأحمد أصفهاني كتب الباحث العراقي علي الشوك: قرأت في كتاب أصفهاني، كلمات لمي ولجبران هزتني، بدلال مي، وغلظة جبران. في رسالة مي إلى جبران، في مارس 1925م، قالت له: «… لقد قصصت شعري، وعندما ترى من صديقاتك بعد اليوم يا جبران من هن في هذا الزي يمكنك أن تذكرني، وتقول لهن، في سرك، إنك تعرف من تشبههن!» وجاءها الرد في 23 مارس: «إذًا قد قصصت شعرك؟ قد قصصت تلك الذوائب الحالكة ذات التموجات الجميلة؟ ماذا يا ترى أقول لك؟ ماذا أقول وقد سبق المقص الملام؟».


يضيف الشوك: كان جليًّا أن مي أرادت التقرب إلى جبران. ووجدت أن وسيلتها إلى ذلك هي محاكاة «صديقات» جبران. إنها تعلم أن لجبران صديقات. فأحبت أن تدخل إلى قلبه من خلال انتمائها إلى حظيرتهن، كأنثى لا تقل عنهن جمالًا. لكن جبران، الغارق في رومانسيته، ربما لم يُرد لي أن تصبح امرأة طبق الأصل عن النساء المحيطات به في أميركا. لقد قصت مي شعرها من أجله، فصفعها في رد فعله. وفي شتاء عام 1924م، وبعد ما يقارب 13 عامًا من بدء المراسلات، استجمعت مي شجاعتها واعترفت لجبران بحبها له، كانت قد تجاوزت الخامسة والثلاثين من عمرها. جُمعت رسائل جبران لمي في كتاب «الشعلة الزرقاء» لا ريب أن مي أحبت جبران حبًّا جعل المقارنة بينه وبين الذين خطبوا ودّها أمرًا محالًا. وفي عام 1931م، بعد انقضاء شهر على وفاة جبران، اعترفت ميّ لقرائها بوجود مراسلة طويلة بينها وبين جبران وذلك في مقالة: «جبران خليل جبران يصف نفسه في رسائله» نشرت في مجلة «الحديث» الحلبية لصاحبها سامي الكيالي، ضمت فيها فقرات قصيرة من رسائله إليها، وعبرت عن حزنها العميق عليه مصوِّرة غربتها وغربته في الوجود بعبارات موجعة قالت فيها: «حسنًا فعلت بأن رحلت! فإذا كان لديك كلمة أخرى فخير لك أن تصهرها وتثقّقها، وتطهرها لتستوفيها في عالم ربما يفضل عالمنا هذا في أمور شتى…». أيضًا تعرضت بعد وفاة والديها إلى حالة من الحزن، ووجدت نفسها وحيدة، فقررت إلغاء ندوة صالونها الأسبوعية كل ثلاثاء، لكنها لم تنقطع عن التأليف والكتابة، واستسلمت لهواجسها بأن أدخلت مستشفى الأمراض العقلية في بيروت. إذ كتبت لابن عمها جوزيف في 28 سبتمبر سنة 1935م رسالة مؤثرة، وصفت فيها آلامها وتردي صحتها، وطلبت منه الحضور إلى مصر لإنقاذها مما كانت تعانيه من عذابات نفسية، معربة عن رغبتها في العودة إلى لبنان:… «إني أتعذب شديد العذاب يا جوزيف، ولا أدري السبب، فأنا أكثر من مريضة، وينبغي خلق تعبير جديد لتفسير ما أحسه فيَّ وحولي، إني لم أتألم في حياتي أبدًا كما أتألم اليوم (..) لا، يا جوزيف، إن هناك أمرًا يمزق أحشائي ويميتني في كل يوم، بل في كل دقيقة». لقد لبَّى جوزيف زيادة طلبها على جناح السرعة، فمكثت أربع سنوات متنقلة بين العصفورية ومصح الدكتور ربيز، وبين بيت متواضع في بيروت استأجره لها أولئك الذين هبوا لإنقاذها ومصيف الفريكة التي استجمت فيه بجوار صديقها أمين الريحاني.


   وفي مستهل صيف عام 1935م، كانت أُحِلَّتْ عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ) محل ميّ زيادة في صفحة «الأهرام» الأولى. هو إعلان صارخ بالاستغناء عن ميّ وشطبها من الوجود، لا من «الأهرام» وحسب. لكأنه انقلاب في مناخ مصر العام بحسب الكاتب سمير سعد مراد، لا مجرّد تبدّل. هذا ما عناه استبدال عائشة عبدالرحمن بميّ، المعروفة باستغراقها في الثقافة التراثية الإسلامية «.. وكانت مطبوعة المحروسة تعرضت للأسلمة في فبراير 1921م، غامرتْ ميّ، في عام 1922م، بالتساؤل العلني «أين وطني؟»، وقالت فيه: «… فهؤلاء يقولون: «أنتِ لست منّا لأنك من طائفة أخرى، ويقول أولئك: «أنتِ لست منّا لأنك من جنس آخر». فلماذا أكون، دون سواي، تلك التي لا وطن لها؟ وُلدتُ في بلد، وأبي من بلد، وأمّي من بلد، وسكني في بلد، وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد، فلأيّ هذه البلدان أنتمي، وعن أي هذه البلدان أدافع؟». والمشروع الليبرالي كله تعرض للنكسة بعد محاكمة طه حسين بسبب كتاب «في الشعر الجاهلي» والهجوم على كتاب علي عبدالرازق على خلفية كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وغيرهما من القضايا. ويوم ماتت مي عن عمر ناهز 55 عامًا في عام 1941م لم يمش وراءها رغم شهرتها ومعارفها وأصدقائها الذين هم بغير حصر، سوى ثلاثة من الأوفياء: أحمد لطفي السيد، خليل مطران، أنطون الجميل.


ذكورية السياق

ظهرت حقيقة معظم الأدباء الذين ارتادوا صالون مي، في أثناء محنتها مع ابن عمها وبعد وفاتها. فعدا ترويج الغراميات المتخيّلة، ظهّر بعض الأدباء لغتهم الذكورية وكشفوا عن أقنعتهم الحقيقية وفسقهم اللفظي والعنصري. كان الناقد عبدالله الغذامي محقًّا حين كتب في مجلة العربي (فبراير 1995م) مقالًا بعنوان: «تأنيث المكان وذكورية السياق»، قال: «لم يكن صالون «مي» صالونًا أدبيًّا عاديًّا ولكنه كان تحدِّيًا للرمز الذكوري ولاستحواذ الرجل على ضمير الخطاب اللغوي واحتكاره المواقع وتفرده في إدارتها. ظهور «مي» هو علامة على هذا التحدي وهو لغة العلاقة الجديدة التي عبثت بالأدوار التقليدية الراسخة». كان الأدباء والشعراء «يجتمعون يوم الثلاثاء في ضيافة هذه الفتاة الخارجة للتو إلى نهار اللغة الساطع». «كلهم رجال يمثلون ثقافة الفحل». حادثة تأنيث المكان وبروز النص المؤنث في مواجهة واقعية أمام ثقافة الفحول وكأن ذلك «ترجمة عملية لحكاية الجارية (تودد) التي واجهت الرجال الراسخين في عصرها في مجلس الخليفة هارون الرشيد وانتهت معهم بأن أخرجتهم عراة منكسي الرؤوس واحدًا وراء الآخر بعد أن هزمتهم وعرت زيفهم». وأسوأ ما قيل في ميّ زيادة بحسب فاروق سعد، هو ما تركه سلامة موسى، فهذا الأخير إذ كان محظوظًا سمحت له مهنته الصحافية في جريدة «المحروسة» ثم في مجلة «المستقبل» بالتقرب من الكاتبة، لاحظ في عام 1914م، أن ميّ واسعة الاطلاع على الأدب الفرنسي، وأنها على اطلاع بالأدب الإنجليزي، وكانت تتحدث الفرنسية بطلاقة وترطن الإنجليزية بدلال، وكان إحساسها الفني والموسيقي دقيقًا، وكانت تحيط إلى جانب هاتين اللغتين بأربع لغات أخرى». وتتبدل الصورة مع وقوع مي في محنة، فعندما عادت إلى القاهرة في أوائل عام 1941م. يقول موسى عن أيامها الأخيرة: ذهبت لزيارتها.. كانت صورة مي في ذهني لا تزال صورة الفتاة الجميلة الحلوة التي تضحك بتدلل، وتتحدث بتأنٍّ عن النزعات والمذاهب الأدبية والفلسفية. دققنا الجرس، خرجت امرأة مهدمة كأنها في السبعين، وقد اكتسى رأسها بشعر أبيض مشعث، وكان وجهها مغضنًا، وقد تقاطعت فيه الخيوط.. وكان هندامها مهملًا.. تلك صورة مي قبل وفاتها المأسوية بشهور.. في 19 أكتوبر 1941م». والمخيف في قلمه (وهو من جيل مي) ما كتبه بعد سنوات من وفاتها الباكرة تحت عنوان: «ذكريات من حياة مي» وهو نقيض لما كتبه عنها في حياتها، ولا سيما مقالته في مجلة «الهلال» أو مقالته في مجلة «آخر ساعة» (1952م)؛ إذ تجاهل ثقافة ميّ العلمية والنظرية. وكتب الناقد المصري شعبان يوسف في مؤلفه: «لماذا تموت الكاتبات كمدًا؟» بعد رحيل ميّ في عام 1941م، كتب سلامة موسى في مجلة «المجلة الجديدة» أنها «لم تكن جريئة ولكنها كانت تمالئ المسلمين، وكانت تخشى أن تنقدهم لكيلا ينتقدوها»، وزعم في كتابه «تربية سلامة موسى» (1957م) أن مي زيادة «أصيبت بلوثة حقيقية وأصبحت مجنونة بالفعل»، واستطرد في وصف حالتها الصحية في شكل مهين وغير إنساني. وكتب العقاد مقاله «رجال حول ميّ»، وحصرها في خيال ذكوري وسلطوي، وأخذ يركز على الأحاديث والنكات التي كانت تدور في صالونها؛ لا عن مآثر مي الأدبية والفكرية. أما الباحثة نوال السعداوي فتقول: إن صالون مي زيادة الأدبي كان يشمل الرجال فقط، كانوا من أعداء المرأة مثل العقاد، ولم يشمل امرأة واحدة، أديبة أو غير أديبة، ومع ذلك لم يحتمل المجتمع الذكوري كاتبة مبدعة مثل مي زيادة ولم يتركها إلا حطامًا فوق سرير في المستشفى النفسي.


لم تكن مي زيادة كمثيلات عصرها أو بنات جيلها، بل يراها بعضٌ المثلَ الأعلى للفتاة الشرقية المثقفة؛ لإتقانها عدة لغات، وتهوى ركوب الخيل، وتجيد العزف على بعض الآلات الموسيقية، وتغني وتكتب الشعر وتترجم. لكن في الدراسات عنها كان قناعًا لمئات التأويلات والتخمينات والفذلكات، كل التهم قد توجه إليها، لنتخيل أن كاتبًا لمجرد أنه قرأ قصيدة لها تتحدث عن امرأة فرنسية ألمح إلى مثليتها (غيريتها)، وكاتبًا آخر من أصول يسارية عاد بعد «ردته الفكرية» للتركيز على مسيحانية ميّ زيادة وأقليتها، وروائيًّا يتسلّق على مأساة مي زيادة لا يتوانى عن استحضار كل عناوين الإثارة تخص الفنانين والفنانات مثل: هل قُتلت مي في القاهرة؟ هل كانت يهودية وماسونية؟

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *