-->

لوح مارلين المزدوج - البضاعة وثنا|



هشام روحانا 

الاتحاد

("فككوا الصورة، تروا الحقيقة"

جي ديبور)


يتكون اللوح المزدوج (Diptych) من لوحتين متصلتين بمحور بحيث يمكن طيهما ويتكونان إما من ألواح خشبية أو من العاج، الجلد أو القماش. وتم استخدامه لدى الاغريق القدامى ولاحقا في الفترة الرومانية والبيزنطية للكتابة او ليشكل غلافا للكتب ودفاتر الملاحظات أو كعمل فني قائم بذاته. تطور استخدامه لاحقا في الفن الكنسي وصار يوضع في الكنائس ويحمل صور قديسين وسجلا بأسماء الأموات من افراد الرعية والمتبرعين للكنيسة. استخدم اللوح المزدوج أيضا كأيقونة تضم صورا للقديسين يمكن حمله بسهولة ونقله من مكان الى مكان لإقامة مواقع صلاة متنقلة ومؤقتة من قبل الكهنة.


يعد أندي وارهول (Andy Warhol) أحد اهم مؤسسي فن البوب الذي ظهر كحركة فنية في بريطانيا والولايات المتحدة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي. تحدت الحركة تقاليد الفنون الجميلة وقوالبها المتبعة موظفةً عناصر من الثقافة الشعبية والجماهيرية كالإعلانات والكتب المصورة والأغراض والبضائع المعدة للاستهلاك العام والمنتجة بكميات كبيرة، وعزلتها عن سياقها المعروف ودمجتها مع عناصر غير ذات صلة. وقد رفعت لواء السخرية ووظفت المبتذل والشائع ووضعته بين يدي الفنان الذي سيقوم بإنتاج عمله الفنية بوسائل ميكانيكية وبتقنيات النسخ والعرض. (2) فيغدو الفن تجريبيا متنافرا وعشوائيا.


كان وارهول راديكاليًا وشعبيًا في نفس الوقت، وانتاجه الفني هو تصور محدد لما يمكن أن يكون عليه الفن تحت وطء التغييرات الاجتماعية والتكنولوجية العاصفة في عصر الرأسمالية المتأخرة. إن فتح مجالات صناعة الثقافة والفن أمام الجميع يحتوي على جانب راديكالي بدون شك، لكنه من جانب آخر وبوصفه صناعة يُخضع الاعمال الفنية لمنطق السوق مقلصا من الابداع الفردي لتصير هذه الاعمال كأي بضاعة مكررة، بضاعة من بضائع رأس المال.


لوح مارلين المزدوج عام 1962 هو لوحة طبعت على شاشة حريرية أعدها الفنان بعد بضعة أشهر على موت الفنانة المأساوي، ويتشكل من لوحين متقابلين الواحد بالأسود ومقابله بالألوان. يضم كل لوح 25 صورة مكررة للفنانة. تعود هذه الصورة المستخدمة هنا الى بورتريه نشرته احدى الصحف، قصها واحتفظ الفنان بها عشر سنوات في معمله قبل ان يستخدمها.


إن ما يجمع كلا الشخصيتين؛ مونرو ووارهول هو إعادة انتاج مخرج فردي وخلاص متخيل، كل على طريقته، من حالة البؤس الإنساني؛ مونرو الطفلة المهجورة والمتنقلة بين عائلات راعية مختلفة والتي تعرضت لسوء المعاملة والاستغلال الجنسي لتصير الهة الانوثة والاثارة وايقونتها، ووارهول الطفل الخجول المريض والمثليّ، ابن مهاجرين يعيش في الغيتو التشيكي على هامش المدينة الأمريكية والذي أعاد بمفرده تعريف الفن المعاصر.


إن العمل الفني الذي امامنا هو ما بعد حداثي بامتياز، متعدد المعاني والتداعيات. فمن الناحية الشكلانية تستند جمالية العمل على نموذج صناعة الإعلان وتقنية طباعة الصحف والمنشورات الدعائية، متحدية الشكل الفني الكلاسيكي للتصوير والرسم وما تكرار الصورة داخل كل لوح الا تعليق ساخر من نوع تلك السخرية السوداء الباعثة على الكآبة والنابعة من الفقدان. فقدان الأصالة في مجتمع الفرجة والاستهلاك. لا ينفصل الشكل هنا عن المضمون الا كمقاربة إجرائية عقلية لا غير. تكرار صورة الفنانة 25 مرة على اللوح الملون يضعنا امام صورة طبق الأصل عن صورة طبق الأصل عن صورة طبق الأصل؛ تضيع الأصالة إذا أمام عجلة الإنتاج ويفقد "العمل الفني في عصر إعادة انتاجه تقنيا"(3) مرجعيته الأولى وهالته، الـ (Aura) كما يسميها والتر بنيامين. وفي خضم حالة اللا-مرجعية هذه تنقسم الذات على ذاتها؛ يغدو الفنان صورة عن صورته عن ذاته. يتضاعف هذا الأثر في حالة الفنانة المرأة؛ وكما يحدد جون برجر: ".. ينظر الرجال إلى النساء، تراقب النساء أنفسهن لأنه نُظر إليهن... متفحص المرأة في دخيلة نفسها مذكّر: المفحوص مؤنث. وهكذا فإنها تحوّل نفسها إلى غرض – وتحديداً غرضا للرؤية: إنها للنظر!"(4) لكنها ليست مجرد غرض للرؤية إذ يحدد فريدريك جيمسون: "من الواضح أن ما قلناه عن إضفاء الطابع السلعي [البضائعي] على الأشياء يصلح بنفس القوة بالنسبة للذوات الإنسانية لدى وارهول للنجوم- مثل مارلين مونرو – الذين اكتسوا هم أنفسهم طابع السلعة وتحولوا الى صور لأنفسهم"(5)


تغدو صور الفنان/ة النجم في مجتمع الفرجة " تمثيلا استعراضيا للإنسان الحيّ" (6) ونقيضا للذات الفردية، إنها اغراض المحاكاة المأمولة ومواضيع التماهي المستلب المعبئة في علب كعلب الغذاء الجاهز من أجلنا، أنها "موضوع التماهي مع الحياة الظاهرية الضحلة" (7). وما تكرار الصورة 25 مرة على كل لوح والمرتبة بالتسلسل كأنها على رفوف العرض في السوبرماركت الا استعادة لأعمال فنية للفنان يعرض فيها بضائع كزجاجات الكوكاكولا أو علب المعلبات الغذائية معروضة بنفس الشكل.


من خلال استخدام لوحين من الحرير كقاعدة للعمل يستلهم أندي وارهول الفن الكنسي محاولا تخليد ذكرى مونرو. على الجانب الملون تبدو الأمور رائقة، تحضر الصورة الايقونية الثابتة المكررة للّحم المصكوك على هيئة "الشقراء الغبية". تستحضر عيناها نصف المغلقتان وشفتاها بالأحمر القاني وشعرها الأشقر البلاتيني، جمالها الفريد، وتجعل ظلال العيون الزرقاء والخلفية البرتقالية الصورة حية، فما الذي يمنعها إذا عن الموت بجرعة قاتلة من المهدئات، هنا والآن. إنها تستطيع الآن أن تموت لأنها قد حققت معنى وجودها فهي الآن ايقونة الايقونات، الصورة التي ما بعدها صورة – القمة الهاوية. ومن هنا تصير الطريق معبدة الى الجانب المظلم من اللوحة، اللوح بالأسود والأبيض. حيث "يبدأ التظاهر الهش وسريع الانكسار ... بالتصدع ومع تقدم مسار الطباعة تتشوه قسمات وجهها وتتآكل. يتسرب الجانب الآخر للتظاهر الأنثوي [ذلك الذي كان حتى الآن مخفيا] ليصير في مجال الرؤية" (8). ومع أن هذا الجانب هو تكرار لنفس الصورة وبنفس اعدادها ورغم ما يبدو كأنه تشوهات في تقنية الطباعة -وهي مقصودة-، فإنها تبدو أكثر حميمية، بابتسامة واضحة لكنها وكأنها حزينة وكلما ذهبنا في النظر نحو الجهة اليمنى ورغم تلاشي أثر اللون تزداد تقاسيم الوجه إنسانية. وإذا ما كان هذا الجانب بالأبيض والأسود الآخذ بالخفتان هو رمز الموت، فإن هذا الموت هو بالذات ما يعيد لها انسانيتها بعد أن اختزلت في حياتها الى صورة- بضاعة.


إن هذه الوضعية الفيتيشية حيث تغدو النجمة البطلة محل الافتتان المعمم ومحط انظار النظرة الشبقة هي وضعية قاتلة. وفي "مجتمع الاستعراض حيث تتأمل البضاعة ذاتها في عالم من خلقها" (9) وفي "عصر... يفضل الصورة على الشيء النسخة على الأصل، التمثيل على الواقع" (10) في هذا العالم تقوم الفرجة والاستعراض بوظيفة الجسر الذي يصل بين النجمة البطلة الصائرة موضوعا للرغبة والبضائع المتصلة بها. يصير كل ما يتعلق بها موضوع رغبة هو الآخر، وتنتقل متعلقات (Tie-ins) (11) الموضة الرائجة للنجمة البطلة لتصير ملابس ومساحيق تجميل في متناول يد كل فتاة عاملة (12). تكتسب النجمة بعد أن صارت صورة- بضاعة- أيقونة الحلم أو ما يسمى أسلوب الحياة الأمريكي، قيمة فائضة خارج علاقاتها في الأدوار المحددة في أفلامها إنها الآن شباك عرض يسوق الاستهلاك. ومن داخل هذه العلاقات المعقدة للمرأة المستهلِكة والمستهلَكة المشاهِدة والمشاهَدة، موضوع المحاكة وذات الاستهلاك، ومن خلال السؤال ’كيف أبدو؟‘ تتقلص حدود الفجوة بين المستهلك والبضاعة"(13) ويَرفع منطق البضاعة لواءه، ويصير الجسد هو مشروع الرأسمالية في طورها المتأخر.


في مجتمع الاستعراض هذا لا يتوقف رأس المال عند تملك قوة عمل العامل بوصفها بضاعة، بل انه الآن يمتلك الشكل الذي يجب أن تكون عليه الصورة. تصبح صورتي عن جسدي وصورتي عن ذاتي جزئا من منظومة البضاعة المعممة. والآن يصير وقت الفراغ وكيف أقضيه هو أيضا جزئا من هذه المنظومة. تغترب قوة العمل عن منتجاتها وتغترب صورة الذاتُّ عن الذاتِّ ويغترب وقت الفراغ عن مضمونه. ها وقد صرنا جميعا دوريان جراي (14) يكون الاغتراب قد صار عاما.


(*) لوح مارلين المزدوج، عمل فني من انتاج فنان البوب الأمريكي أندي وارهول، عام 1962 بعد فترة وجيزة بعد وفاة الفنانة (مارلين مونرو). يعتبر هذا العمل واحدا من أهم الاعمال الفنية المعاصرة وعلى وجه التحديد تلك المعدودة على فن البوب (Pop Art).



لوح مزدوج يعود للكنيسة الارثوذكسية الاثيوبية (القرن ال 16 -17)، يظهر السيدة العذراء والطفل يسوع من جهة والجهة الأخرى القديس جاورجيوس (مار جريس) على حصانه الأبيض (1). لاحظ تقاسيم الوجوه الافريقية لشخوص اللوحة.



الهوامش والمراجع:


(1)   https://en.wikipedia.org/wiki/Diptych


(2)   https://en.wikipedia.org/wiki/Pop-Art


(3)   العمــل الفنـي فــي عصر إعــادة إنتاجــه تقنيــاً، والتر بنيامين، مجلة نزوى العمانية عدد 1 يناير 2012، لا يظهر اسم المترجم.


(4)   جون برجر Ways of Seeing Based on BBC TV Series By John Berger 1972 PP 44-45 الكتاب مترجم وصادر عن دار المدى، لم تتوفر نسخته العربية بين يدي.



 

(5)   فريدريك جيمسون: ما بعد الحداثة، المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة، صدر كجزء من مجلة الجراد، مارس 1994، ترجمة: أحمد حسان ص 125-126.


(6)   مجتمع الاستعراض، جي ديبور، ترجمة احمد حسان، دار شرقيات للنشر والتوزيع الفقرة 60.


(7)   مصدر سابق.


(8)   "بعض الأفكار حول مفهوم الفيتيشية في السياق الفني المعاصر" لاورى مالفي، بالإنجليزية، October,Vol.65(summer,1993) ,3-20 وسيصدر في كتاب من ترجمتي وهو قيد الطبع.


(9)   مصدر رقم (6) الفقرة 53.


(10) مصدر سابق، اقتباس عن فيورباخ، مقدمة الطبعة الثانية من جوهر المسيحية.


(11) (Tie-ins) تسويق ترابطي يتم من خلاله خلق ترابط بين شركة ما ومنتوجاتها وتفضيل عرضها داخل عمل فني ما كالفيلم او العاب الفيديو او الكتب.

 

(12) يظهر في مصدر رقم (6)، اقتباس من In Fabrications: Costume and Female Body لتشارلز ايكيرت.


(13) مصدر سابق رقم (6)، اقتباس من ماري آن دوان في الرغبة في الرغبةThe Desire to Desire.


(14) في رائعة أوسكار وايلد صورة دوريان جراي يبيع دوريان روحه للشيطان مقابل أن يحظى بشباب وجمال لا يزول.



TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *