-->

باسم المرعبي... أماندا غورمان شعر أم لا شعر!




تثير قصيدة الشاعرة الأميركية الشابة أماندا غورمان، المعنونة "التل الذي نتسلقه" The Hill We Climb التي ألقتها في حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن، على مرآى العالم، أجمع، السؤال الأهم بل السؤال المحوري والمتكرر منذ أمد بعيد، بشأن الالتباس الأزلي الحاصل، عن الشعر وما يتشبه بالشعر. الشعر وما يُخيّل للبعض بأنه شعر. الذائقة السائدة، التي تنفر من الشعر الأصل وتراه غامضاً ومعقداً وبطِراً. ملتمسةً "شعراً" لا يخرج عن "براغماتية" الكلام اليومي، بعمليته، قابلاً للفهم المباشر، بلا عاطفة، بلا أحاسيس، خال من الخيال والصورة ومتجرداً من الحدس، هذا العنصر السرّي والسحري وكلمة سر الشعر. ما الذي بقي للشعر ومن الشعر إذاً، حين يجرّد من مقوماته ومادته؟

وعوداً إلى قصيدة غورمان ـ من المناسب تسميتها بالخطاب/ الخطابة ـ فهي تنتمي إلى فن الخطابة وليس الشعر، الخطاب المسخّر لبث روح التضامن، بشكل مدرسي، حاثاً على التفاؤل وتجاوز العثرات، بأسلوب أقرب إلى التعليمي:


لقد شهدنا قوة غاشمة كان يمكن أن تحطم أمتنا، بدل أن تحميها. يمكن أن تدمر بلدنا، إذا كان هذا يعني إرجاء الديمقراطية. هذا الصنيع كاد الحظّ يحالفه. لكن إذا أمكن إرجاء الديمقراطية، فإنها لن تهزم قطعياً.1


أعلاه مقطع من القصيدة ويمكن أن يُقرأ في الوقت نفسه بوصفه مقطعاً من خطاب الرئيس المنتخَب، بايدن. وهو ملائم تماماً لهذا الغرض، فقد قرأت أو سمعت كلمات له، بهذا المعنى، قبل أن يترك ترمب، البيت الأبيض. وقد تقصدت توزيع جمَل "القصيدة"بصَرياً، بالشكل النثري، حيث السطور المتراصة المتواصلة، كاسراً بذلك هذه الخدعة المعتمدة لدى الجميع، التي لا تعرف من الشعر سوى توزيع الأسطر ، مبتورةً، في جمل قصيرة، متتالية. وهو ما يسود الآن في كل مكان في العالم. وبشكل خاص، في العالم العربي. وثمة أكثر من نوع مما يتشبّه بالشعر. نوع لا يصلح للقراءة، فإفلاسه طافح حتى العظم! ونوع يُقرأ على مضض، ترقباً لما يسفر عنه، في النهاية. اما عن المضامين فهي معالجة بروح نثرية. من النثر إلى النثر. أغلب القصائد الرائجة هي مقابر للشعر، بتبنيها موضوعات كفيل وجدير بها المقال أو الريبورتاج. أما قصيدة أماندا غورمان هذه الفتاة الجميلة المتقدة ذكاءً، كما يبدو، الجذابة بملابسها وتسريحتها المميزة، المتوّجة بشريط أحمر، ولا أُخفي إعجابي بطلّتها. لكن القصيدة وهنا لابد من تجديد وتشديد القول، بأنها خطاب، بكل ما للكلمة من نثر لازم كي يكون كذلك، كما في المقطع التالي، الذي أبقيت على توزيعه "الشعري" الخادع.


لأننا أبناء هذه البلاد

في زمن تستطيع فتاة نحيلة،

انحدرت من أصلاب العبيد،

وربتها أم وحيدة تخلى عنها زوجها،

أن تحلم بأن تصبح رئيسة الجمهورية

فيأخذهــا الحلــم لتلقــي قصيدتهــا أمــام رئيــس

الجمهوريــة

نعم! أعترف لسنا متحضرين بما فيه الكفاية

ولسنا أنقياء بشكل مثالي

ولا يعني هذا أننا نسعى لصياغة اتحاد كامل

إننا نسعى لخلق اتحاد له هدف: أن يخلق بلدا

ملتزماً بكل الثقافات والألوان والأعراق والأشخاص وبالوضع الإنساني

كي نرفع أعيننا ونحدق

لا فيما يفرقنا، وإنما إلى مستقبل ننشده

سننهي الانشقاقات

لأننا ندرك أهمية ان نجعل المستقبل هدفنا الأول.2


1ـ المقطع بترجمة الشاعر التونسي منصف الوهايبي.

2ـ بترجمة الدكتور صبري حافظ. عرض أ

TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *