-->

"اسطورة المفتش الأكبر

 

نيقولا برديائف


تمثل "اسطورة المفتش الأكبر" قمة العمل الفني لدوستويفسكي، كما انها تعد تتويجا لجدله. ففيها ينبغي ان نتلمس آراءه البناءة عن الدين، وهنا تنفك كل الخيوط، وتحل المشكلة الجوهرية - مشكلة الحرية الانسانية، وهو موضوع يمثل الاسطورة كلها، وان يكن ذلك علي نحو مستتر، ومن الغريب ان هذه الاسطورة التي تمثل دفاعا عن المسيح بقوة لم يسبق لها نظير - توضع على لسان ايفان كارامازوف الملحد. والحق ان هذا لغز، ولا يتبين المرء الي أي جانب ينضم الراوي، والي أي جانب ينضم المؤلف نفسه. والحرية الانسانية يمكن ان تفسح المجال للتأويل والتكهن. كما نجد أيضا ان موضوع الاسطورة هو الحرية. وانها تخاطب "الحرية" . فمن الظلمات، ينبغي ان ينبثق النور. وهكذا نري ان نفس الملحد المتمرد ايفان كارامازوف تنطوي على اطراء المسيح. ومصير الإنسان يسوقه حتما، اما نحو المفتش الأكبر او صوب المسيح. ولا مناص من الاختيار، لأنه لا وجود لحل ثالث، والحل الثالث لا يمكن الا ان يكون حالة عابرة. هي انكار الاطراف . ففي مذهب المفتش الأكبر، يؤدي الطغيان الى ضياع حرية الروح وانكارها وهذه الحرية لا يمكن العثور عليها ثانية الا في المسيح. والحيلة الفنية التي يلجأ اليها دوستويفسكي في سرده تدعو الي الاعجاب، اذ يظل مسيحه صامتا طيلة الوقت، ساكنا في الظل. ذلك ان الفكرة الدينية الكافية Effciente لا يمكن التعبير عنها بأية كلمة. وحقيقة الحرية لا سبيل الى التعبير عنا ايضا. أما حقيقة القهر فيمكن التعبير عنها في يسر. واخيرا تنبثق الحقيقة عن الحرية من المتناقضات التي تكتنف افكار المفتش الأكبر: وهي تبرز علي نحو مبهر من جميع الاقوال التي يتمسك بها ضدها. وهذا المحو للمسيح ولحقيقته يعطي انطباعا فنياً، قوياً علي نحو خاص. فالمفتش الأكبر يسوق الحجج ويقنع: فهو يمتلك منطقا قوياً وارادة قوية تنزع نحو تحقيق خطة لا متناهية. بيد ان صمت المسيح وسكوته الوديع يقنعان ويؤثران بشكل أكثر حسما من كل ما تتمتع به محاجة المفتش الأكبر من قوة. 


كتاب/ رؤية دوستويفسكي للعالم 

ترجمة: فؤاد كامل 

 


الت

TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *