-->

أوستر: 1234 الرواية الأكبر في حياتي

 | بول ليتي | 


ترجمة: آية هشام محمود


عندما كان بول أوستر في الرابعة عشرة من عمره، أصيب فتى، كان يقف على بعد خطوات منه، بصاعقة جوية وفقد حياته على إثرها. علّق أوستر: "إنها حادثة لم أستطع التغلب عليها أبدًا". كان أوستر في مخيم صيفي: "كنا حوالي 20 شخصًا عالقين في الغابة بسبب عاصفة رعدية. أشار علينا أحدهم أننا يجب علينا الذهاب ناحية أرض منبسطة، ولكي نستطيع الوصول إلى هناك اضطررنا إلى الزحف، بشكل فردي، تحت سور من السلك الشائك. وفجأة ضربت السور صاعقة كهربائية، بينما كان الفتى، الذي كان أمامي مباشرة، يهم بالمرور من تحت السلك. لقد كنت  أقرب إليه أكثر من قربك مني الآن، كانت رأسي عند قدميه تمامًا."

لم يعرف أوستر أن الفتى مات من فوره. "وبعدها، قمت بجره نحو الأرض المنبسطة. وبينما كان المطر ينقض علينا وتهاجمنا رماح البرق من كل صوب، ظللت ممسكًا بلسان الفتى حتى لا يبتلعه لمدة ساعة كاملة." وكان بجانبه فتيان أو ثلاثة فتية يئنون لإصابتهم هم أيضًا بصاعقة أخرى. "كان المشهد كما لو أنه من إحدى الحروب. ومع مرور الوقت، تحول وجه الفتى إلى اللون الأزرق، وكانت عينيه نصف مغمضة، وأصبح الجزء الأبيض في عينه ظاهرًا للعيان."  استغرق أوستر بعض الوقت حتى يستوعب ما حدث: لو تأخرت الضربة بضع ثوانٍ فقط، لكان هو ممدًا الآن مكان الفتى. "تطاردني دائمًا أحداث تلك الليلة، والعشوائية البحتة التي أحاطت الموقف. أعتقد أن هذا كان أهم يوم في حياتي."

تقع حادثة مشابهة في رواية أوستر الجديدة "4321". فبينما كان "أركي فيرجسون"، وهو فتى في الثالثة عشرة من عمره ومليئ بوعود الحياة ومسحور بالقبلات الأولى وبرواية "الحارس في حقل الشوفان"، يجري تحت إحدى الأشجار في مخيم صيفي، ضربت الشجرة صاعقة كهربائية ومات فيرجسون إثر سقوط غصن الشجرة على جسده الصغير:  "بينما كان جسده  ممدًا على الأرض المشبعة بالماء ... أكمل البرق تشققه، ومن أحد أطراف الأرض إلى الطرف الآخر، سكنت كل الآلهة."  

لكن هذه كانت نهاية شخصية واحدة من أربع شخصيات تحمل اسم أركي فيرجسون في الرواية. دائمًا ما تتطرق روايات أوستر إلى اللحظات التي تأخذ الحياة نحو منعطفات مختلفة، نتيجة للصدفة أو الظروف، وفي "4321" تُعرض هذه الفكرة في أنقى صورها. تبدأ الرواية بميلاد "فيرجسون" في الثالث من مارس 1947، لأب يدعى "ستانلي"، يعمل مديرًا لإحدى محلات الأثاث في نيوجيرسي، ولأم تدعى "روز"، تعمل مصورة  فوتوغرافية. وما يتبع هذه البداية هي تفاصيل أربع نسخ مختلفة لقصة فيرجسون. تبدأ القصص الأربعة عند نقطة البداية نفسها، فيملك أربعتهم – "نفس الوالدين، والجينات والأجسام نفسها" – لكن تختلف مساراتهم خلال مرور أربعتهم بمرحلتي الطفولة والبلوغ. فكل شخصية منهم تعيش في بلدة نيوجيرسي مختلفة، ولديها مجموعة مختلفة من الأهل والأصدقاء. وبينما ينكشف المزيد عن حياتهم في فصول متناوبة، يتضح أكثر قدر اختلاف كل منهم عن الآخر: يشعر القارئ أن العنصر المؤثر يكمن في وجود المال من عدمه، وفي طلاق الأبوين، والتعليم، وكل هذه العوامل التي تشكل بدايات حياة المرء. يعرض أوستر أربع صور جميلة تفصيلية لحَمِيّة مرحلة الشباب، والتي تكون مليئة بالحماقات والإخفاقات إلا أنها مملوءة ايضًا بشغف الكتب والأفلام والرياضة والجنس.

يتميز أربعتهم بالذكاء، و طموحهم الأدبي، وشغفهم بالفتاة الجذابة، "إيمي شنيدرمان". ولكن تتطور علاقة كل منهم بشكل مختلف. فيتعرض واحد منهم لحادثة سير ويفقد على إثرها عدة أصابع، ويكتشف آخر ازدواجية ميوله الجنسية، ويفقد آخر صديق حياته فجأة، وآخر يعيش في علّيه في باريس، بدلًا من الذهاب إلى الجامعة، بينما يفقد الأخير والده في حادثة حريق. وبعد حادث العاصفة في المخيم، وتقلص عددهم إلى ثلاثة أشخاص بموت أحدهم، يتضح للقارئ أن حياة بعض منهم ستكون أقصر من البعض الآخر، بنظرة تأملية لعنوان الكتاب، يصبح المعنى أكثر وضوحًا.

قال أوستر: "على حد علمي لم يكتب أي شخص رواية بهذا الشكل." وبينما نحن نتحدث في منزله في بروكلين، بدأنا بالتفكير في عدة مقارنات: أشرت عليه برواية "حياة بعد حياة" لكيت أتكينسون، وذكر هو فيلم لكريستوف كيشلوفسكي، ولكن لم يكن لكلا العملين الفكرة نفسها. "في البداية، لم أكن أعلم كم شخصية سأكتبها لفيرجسون"، وأكمل قائلًا: "ولكنني كنت فقط أعلم أنها فكرة شغلت عقلي طوال حياتي." لا يحاول أوستر طرح  دور الإحتمالات والغير متوقع فقط، بل يناقش أيضاً مفهوم "ماذا لو" الذي يتعقبنا شبحه دائمًا، هذه الحيوات التخيلية التي نحتفظ بها في عقولنا وتعيش بشكل مواز لوجودنا الحقيقي. كم كانت ستختلف الظروف إذا كنت درست في مدرسة مختلفة؟ أو إذا لم تقابل الشخص الذي تزوجته؟ هذه هي ظلال حياتنا، أو موتنا، الآخر المحتمل. أضاف أوستر: "انها فكرة قوية جدا، وكانت دافعي أثناء كتابة الرواية."

تزامن نشر "4321" مع عيد ميلاد أوستر السبعين. يعتبر أوستر هذه الرواية "أكبر عمل أدبي كتبته في حياتي" – وليس فقط لأنها مؤلفة من 900 صفحة، وطولها يبلغ ثلاثة أضعاف طول رواياته الأخرى (أنا أعترف أنها "فيل"، "ولكنني أتمنى أن تكون فيلاً سريعاً"). أما عن تأثير هذا العمل على شهرته، فأشار أوستر إلى أنه متأكد من أن الرواية "ستسيطر على كل شيء. أنا أشعر أنني انتظرت طوال حياتي لأكتب هذا العمل. لقد كنت أعمل على بنائه طوال هذه السنين."

وعن شعوره بضرورة كتابة الرواية قال، "لقد كنت أجلس في غرفتي، وأعمل تقريبًا سبعة أيام في الأسبوع. أردت أن أعيش لكي أنجز هذا العمل." توقف أوستر برهة ليأخذ نفساً من سيجارته الإلكترونية: لقد أقلع منذ عامين عن تدخين السجائر الصغيرة التي كان يدخنها باستمرار، والتي منحته صوته المبحوح الخشن  (الذي وصفه أوستر قائلًا: "يشبه حك قطعة ورق مرملة بسطح خشبي جاف"). "لقد بدأت كتابة هذا العمل وأنا في السادسة والستين من عمري، وهو العام نفسه الذي توفي فيه أبي بسبب نوبة قلبية. حالما تخطيت هذه المحنة، بدأت العيش في عالم مروّع. ورغم أنني مستقر الآن، إلا أن فكرة الموت المفاجئ ما فارقتني يوماً."

يوجد لأوستر حضور مبهر في المشهد الأدبي العالمي منذ نشره "ثلاثية نيويورك" في منتصف ثمانينات القرن الماضي، واشتهر أوستر ككاتب عصري يمكنه كتابة حبكات ذات إيقاع سريع، مع مسحات من الوجودية والنظرية الأدبية. أول رواية في ثلاثيته، كانت "مدينة الزجاج"، والتي تحكي عن كاتب، يدعى "كوين"، يتم الخلط بينه وبين محقق سري يدعى "بول أوستر": القصة من الروايات ما بعد الحداثية وتناقش العزلة في الحياة المدنية، أو كما وصفها أحد المحررين هي "كافكا يلعب دور المحقق". بملابس أوستر السوداء، وثقافته  عن الشعر الفرنسي، وحبه للبايسبول والكاتب المسرحي صمويل بيكيت، يُمثل نموذج المثقف المنفتح الأنيق، وأفضل مثال على الكاتب الطليعي الذي استطاع الحصول على جمهور من الاتجاه السائد.

ومع أن أوستر كاتب له مكانته في فرنسا، وتحظى كتبه بأعلى مبيعات في باقي أوروبا، إلا أنه كان أقل شهرة في موطنه الأصلي. لكن، تغير الحال في منتصف تسعينيات القرن الماضي عندما كتب فيلم "دخان" وأخرجه مع واين ووانج، وشارك في صنع عدة أفلام أخرى. بعدها بدأ الاهتمام يتزايد بسيرته الذاتية التأملية، و بعض أعماله الأدبية مثل "موسيقى المصادفة"، وهي رواية مليئة بالإثارة وفيها ميل إلى الأسطرة والعبثية، تحكي عن رجل محطّم ومنعزل عن الناس. كان أوستر ينشر أعماله بصفة مستمرة، وأنتج مجموعة من الأعمال المميزة في مواضيعها وأشكالها المتلاعبة (مثل، تداخل النصوص مع نصوص أخرى، استخدام أسلوب ذاتية الإحالة، وما إلى ذلك). تبادل الرسائل مع أصدقائه المقربين في المجال الأدبي – مثل دون دليللو، وسلمان رشدي، وبيتر كاري، وج.م. كويتزي – والتي نُشر بعض منها بعد ذلك. تزوج أوستر من الكاتبة سيري هوستفدت، وطُلب في الماضي من الزوجان الظهور في إعلان دعائي لشركة "جاب"، كتجسيد للعصرية الأدبية. حاليًا، يعتبر أوستر كاتباً عتيقاً مكرساً، ومنزلته الأدبية حاضرة بقوة.

و كعضو في المؤسسة الأدبية ذات الميول اليسارية، لم يتوارَ أوستر عن إسماع صوته في المجال السياسي، وفي خلال الظروف السياسية الحالية يصبح من الصعب تجنب الحديث عن رئيس الولايات المتحدة الجديد: "إن هذا كل ما يشغل بالي حاليًا". في الماضي، وقف أوستر ضد جورج بوش وحرب العراق، كما أنه دخل في مشاحنة علنية مع رئيس الوزراء التركي، رجب طيب إردوغان، حول كتّاب معتقلين. في ليلة الانتخابات الأمريكية الأخيرة، وصف أوستر نفسه قائلًا إنه "على حافة انهيار عصبي". ويرى شعار حملة دونالد ترامب "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، هو في الحقيقة "لنجعل أمريكا بيضاء مرة أخرى ... لم أشعر قبل الآن بهذا القدر من اليأس حول حاضرنا ومستقبلنا."

وعلق أوستر على فوز ترامب قائلًا، "أشعر بالذهول التام بما وصل بنا الحال. أعتقد أن هذه الانتخابات هي أكثر الأحداث السياسية ترويعًا في حياتي." ووصف قرصنة الروس لحسابات الحزب الديموقراطي الإلكترونية بأنه " إعلان حرب من دون رصاص". وقال أوستر: "منذ فوز ترامب، وأنا أكافح لتحديد كيف ستكون حياتي في السنوات المقبلة." وعن قراره لأخذ خطوة، قال: "لقد وصلت في النهاية إلى  تقبل شيء كان يتم عرضه عليّ باستمرار خلال السنوات الماضية – وهو أن أصبح رئيسًا لجمعية PEN الأمريكية. لقد كنت أعمل سكرتيراً ونائبًا للرئيس، لكنني لم أرغب بتحمل المسؤولية كاملة. سأبدأ عملي رئيسًا للجمعية بداية عام 2018، وسأتحدث علانية كلما أتيحت لي الفرصة، لأنني ما لم أفعل، فلا أظنني سأطيق الحياة مع نفسي".

في "4321"، تتفاعل شخصيات فيرجسون مع أبرز أحداث ستينيات القرن الماضي في تاريخ الولايات المتحدة، من ضمنها: حركة الحقوق المدنية، واغتيال جون كينيدي، وحرب فيتنام، واحتجاجات الطلاب في جامعة كولومبيا عام 1968. سألت أوستر إذا ما كان هناك أي صلة بين أحداث هذه الفترة والأحداث الحالية، وأجاب، "مع أن هذه الفترة كانت مليئة بالاضطرابات، إلا أنها لم تكن كئيبة كحال هذه الأيام." وأكمل: "كم تغير القليل في الحياة الأمريكية منذ ذلك الوقت; ما تزال قضية العِرق تشكل مشكلة كبيرة، وما زالت قرارات السياسة الخارجية تتصف بالغباء، ولا تزال البلد منقسمة كما كانت وقتها. إن الأمر يبدو كما لو أن الولايات المتحدة كانت دائمًا منقسمة بين هؤلاء الذين يؤمنون بمصلحة الفرد فوق كل شيء، وأولئك الذين يعتقدون أنهم مسؤولون عن بعضهم البعض."

قضى أوستر العقد الماضي، منشغلًا بأحداث طفولته وبلده التي نشأ فيها. وفي الخمسينات من عمره، بعد معاناته من وعكته الصحية الأولى، كتب مجموعة من الروايات ("تمبكتو"، و"كتاب الأوهام"، و"ليلة الوحي") التي تمحورت حول رجال يغلبهم الوهن، وفكرة تواجد الأموات في أفكار الأحياء. وفي الستينات من عمره، عاد أوستر بالزمن إلى الوراء. (دائمًا ما كان يشير إلى بيت من قصيدة للشاعر، جورج أوبين، عن التقدم في العمر، تقول: "يا له من أمر غريب يحدث لطفل صغير".) وفي روايته الثالثة عشرة، تحت عنوان "غير مرئي"، يحكي عن طالب في كولومبيا في ستينيات القرن الماضي – هي الفترة التي درس فيها أوستر هناك. ويعتبر آخر عملين سيرة ذاتية للكاتب، ("مفكرة الشتاء" و "تقرير من الداخل")، هي محاولة غنائية لإسترجاع نمط مشاعر وأفكار شخصه أثناء مرحلة الطفولة. وعلق أوستر: "أعتقد أن هذين الكتابين هما الأساس الذي بنيت عليه هذه الرواية، فلا أعتقد أن "4321" كانت لتكون كما هي، لو لم أعش في هذه المدينة لمدة طويلة."



بدأ فيرجسون شبابه، مثل أوستر، في ستينيات القرن الماضي: "أردت أن أعطي القارئ فكرة عن معنى أن يترعرع المرء إبان تلك الفترة"، وقال أوستر إن روايته الجديدة هي "قصة عن تطور مراحل عُمر الإنسان ... ولقد عمِلت وفكرت بشدة في تفاصيل تلك المراحل المختلفة”، لحياة شخص في مُقتبل عمره. بدأت قصة فيرجسون ب: "والدته تُدعى روز، وعندما يصبح في سن تسمح له بربط سيور حذائه بنفسه، والتوقف عن التبول في فراشه - فسيتزوجها.  تهدف "4321" إلى إيصال الطريقة التي تشكلت بها شخصيات فيرجسون، بكل تجسيداتها، نتيجة لظروفها الشخصية والأحداث العامة. اليوم الذي قُتل فيه كينيدي، كان هو ايضًا اليوم الذي مارس فيه فيرجسون الجنس للمرة الأولى مع حبيبته إيمي: جلس كلاهما وشاهدا تغطية حادث الاغتيال لساعات طويلة على التلفاز، ومن ثمّ، هوى كلاهما على الفراش. (علّق أوستر: لا تخلو حياة أي فتى في سن المراهقة من "استحواذ الجنس على تفكيره ... يكون من الصعب وضع أي فكرة أخرى برأسك حينها.”)

وينكشف تاريخ أميركا تدريجيًا، فتشير إحدى شخصيات فيرجسون إلى أن قوات أمن ولاية ألاباما قامت بمهاجمة متظاهري حركة الحقوق المدنية في مدينة سيلما، وقد تمت مضاعفة عدد القوات الأمريكية في فيتنام. وظهر بعدها زود أم في المشهد، وبدأت الرياضة تحظى باهتمام الجميع، وأصبح قيادة السيارات ممكنة للمرة الأولى، وتم تقييم تسجيلات ليندون جونسون. كانت جميع شخصيات فيرجسون، خلال هذه الفترة، تمتاز بالمرونة، فقد كانت في صدد تشكلها الأولى. كانوا جميعًا ناشئين قبل الأوان، ومحبوبين وذي مشاعر مرهفة وبصيرة ثاقبة: أراد أوستر أن يصور "طبيعة الفوضى المُربِكة في نفس، فيرجسون، والاضطراب المُتناقض بين  إصدار الأحكام الصعبة القاسية و الشعور بالاحتقار والسخط تجاه الجشع الأمريكي المادي، وتضارب كلاهما مع نفسه الرقيقة ... وبين استقامة الفتى الجيد داخل نفسه وحماقة قلبه الجريء."

كانت رغبة أوستر في تصوير حمّية الشباب في روايته هي السبب وراء تغيير أسلوب كتابته (انتُقدت كتابات أوستر في الماضي بأنها متمركزة حول أفكار مكررة أكثر من اللازم). وصف أوستر روايته بأنها "أكثر عمل واقعي كتبته ... يوجد خيال ملحوظ في بنية النص، لكنها رواية واقعية للغاية." لا يوجد خصائص نوارية في الرواية أو أي استعارات من الرواية بوصفها جنساً أدبياً، ولا يوجد أي أثر لاستخدامه أسلوبه التبسيطي المعتاد: لا تكتظ 4321 بالتفاصيل فقط، ولكنها ايضًا كُتبت في جُمل طويلة خاطفة  للأنفاس - يصل طول بعضها إلى عدة صفحات.  

وأكمل أوستر قائلًا: "لقد كنت أُجهز لهذه الخطوة في أعمالي الأخيرة، وشعرت بنوع من الحرية في كتابة جُمل يبلغ طولها ثلاث صفحات. إنها تمنح طاقة محفزة." لا يستخدم أوستر في روايته تقنية تيار الوعي، بل يجعل القارئ "يتتبع عمليات تسلسل أفكار الشخصيات". تجاهل أوستر، عند الجزء الخاص بشخصية فيرجسون الرابعة، النصيحة المعتادة في الكتابة، وهي "الإبداء لا الإفصاح"، واستبدلها ب "أفصح وأفصح وأفصح"، فيقول أوستر أن الرواية نفسها عبارة عن "إفصاح ومزيد من الإفصاح". وبالتالي، "بها الكثير من الأفكار التي شغلتني خلال كل تلك الأعوام، ولكنها طُرِحت بطريقة مختلفة تمامًا".

وهذا لا يعني أن الرواية لا تتناول أيًا من موضوعات أوستر المعتادة، أو تلجأ إلى الحيل باستخدام القص الما ورائي. فعلى سبيل المثال، في أثناء سرد تفاصيل اشتراك فيرجسون في إعتصامات جامعة كولومبيا، ظهرت شخصيات أخرى من روايات أوستر، كانت قد تخرجت من الجامعة نفسها - ماركو ستانلي فوج من رواية "قلعة القمر"، وديفيد زيمر من "كتاب الأوهام"، وبيتر آرون من "لوياثان"، وآدم ووكر من "المَخْفيّ". فيدخل القارئ بشكل لحظي، كما يحدث مع روايات أوستر عادة، إلى بهو من المرايا.  ويؤكد أوستر: "نعم، جميعهم هناك. أردت أن أعيد كل فتياني إلى الذاكرة، واجمعهم جميعًا هناك في الوقت نفسه … فقط، على سبيل التسلية. إنه رابط لأعمالي".

على نحو مماثل، في الصفحات الأخيرة من الرواية، تُشير إحدى العبارات المُهِمة إلى "الطرق المتشعبة بشكل لا نهائي، التي يجب على المرء أن يواجهها أثناء سيره في رحلة الحياة".  هذه إشارة إلى خورخي بورخيس وقصته "حديقة الطرق المتشعبة"  - والتي تعرض كل النتائج المحتملة لحدث ما، في ذات الوقت. وما هو أهم من ذلك، هو إنهاء أوستر للرواية بطريقة خادعة، مما يغير طبيعة الرواية بأكملها.

استعار أوستر في 4321، كما يفعل عادة في معظم أعماله، من تجاربه الخاصة. فعلى سبيل المثال، نحن نعلم من قراءة سيرته الذاتية أنه عندما كان شابًا، عاش، مثل شخصية فيرجسون الثالثة، في غرفة في طابق علوي في باريس، كما قصد العاهرات – وفي الرواية الكثير من المواقف المماثلة الأخرى. وللحقيقة، فإن فهذه الرواية تعتبر، للقرّاء المطلعين على أعمال أوستر، كغرفة الصدى; مليئة بالموضوعات و المواقف المألوفة التي يتردد صداها بين تفاصيل سرد قصص فيرجسون المتعددة. الكاتب، كما يبدو، سكب كل حياته في روايته هذه.

قال أوستر: "لقد استعرت بعض الأشياء من حياتي الخاصة، ولكن، أي من الكتّاب لم يفعل ذلك؟" ولكن، على عكس الكتّاب الآخرين، فنادرًا ما يُنهي أوستر هذه المحادثات بالملاحظة المثيرة للضجر ذاتها والتي تشير إلى أن الأدب في النهاية يعتمد على الخيال، ولكن يقوم، بدلًا عن ذلك، بالإشارة تلقائيًا إلى الأجزاء التي استعارها من حياته الشخصية. على سبيل المثال، ففي الرواية، تلعب الشخصية الرابعة لفيرجسون مباراة كرة سلة، والتي تنتهي برمية حظ، يترتب عليها افتعال شجار بين الأولاد السود والبيض. كان أوستر في مباراة مثل تلك، وعلق أنها كانت، "مُربِكة لي للغاية، لقد كنت طفلًا في الرابعة عشرة من عمري و مليء بالقيم المثالية". وذكر أوستر إحدى الشخصيات المستوحاة بطريقة مباشرة من شخصية صديق والده - والذي كان رجلًا مليء بالحكايات الرائعة عن "الرحلات البحرية، واللاسلكي، وجوارب النساء، وأول شراب مسكر تذوقه". وأضاف أوستر، "واستخدمت ايضًا شقة جدي وجدتي، والتي كانت في مبنى عند زاوية سنترال بارك".

لم تشمل استعارات الكاتب لمواقف وأماكن فقط، بل تضمنت ايضًا اهتماماته الشخصية. فاستطاع أوستر الإشارة إلى حبه ذائع الصيت للثنائي الكوميدي لوريل وهاردي، عندما كانت شخصية فيرجسون الثانية تشاهد أفلامهما في منزله، بشكل مستمر. وأحيا الكاتب ماضيه عندما كان طالبًا يدرس ترجمة الشعر الفرنسي (يوجد لشخصية فيرجسون الأولى ميل مشابه). حتى أنه أدرج في السرد، نصًا كان قد كتبه وهو في التاسعة عشرة من عمره، تحت عنوان "درونز" - وصفه بأنه "أكثر محاولات [شخصية فيرجسون الرابعة] غرابة حتى الآن" - والتي تضمنت هذا السطر الفريد: "بعد ثلاثة أيام وثلاث ليالي، وصلت إلى قرية فلوم". علق أوستر: "لقد نقلت القصيدة كما هي، لأنني قلت في نفسي: هذا ما كنت أكتبه وأنا في التاسعة عشرة من عمري، فلماذا إذًا التلاعب به؟".

أما عن سرد إعتصامات جامعة كولومبيا، فعلق أوستر قائلًا إن تفاصيل الأحداث "قيلت بدقة" وتعامل معها على أنها "تاريخ بحت". وفي عام 1967 اشترك أوستر في المظاهرات، وقال أوستر، "تم إلقاء القبض عليّ وضربي [حينها] من قبل قوات الأمن، إنني سعيد للغاية لأنني فعلت هذا". وفي إحدى لحظات تفاقم العصيان الطلابي، كان أوستر على معرفة بسبعة أشخاص من قائمة أكثر عشر أشخاص مطلوبين لمكتب التحقيقات الفدرالي.

يحب أوستر  تحديد بداياته ككاتب، إلى اليوم الذي بلغ فيه الثامنة من عمره، حين قابل ويلي مايز، بطله في رياضة البيسبول في فريق نيويورك جاينتس، واستطاع استجماع شجاعته وطلب منه توقيعه. لكن لم يملك والده أو والدته قلمًا، وفي النهاية تركه اللاعب وذهب. بكى أوستر حينها وكره نفسه بسبب بكائه، ولكن منذ ذلك اليوم لم يخرج أوستر من المنزل من دون قلم: " إن كان يوجد دائمًا قلم في جيب معطفك، فغالبًا سيأتي يومًا ويغريك لاستخدامه. (بعد هذه المباراة ب 52 سنة، أعطاه مايز كُرة موقّعة).

جاء نجاح أوستر بسبب ثلاثية "نيويورك" عندما كان في الثلاثين من عمره (وحتى حينها رفضت 17 دار نشر روايته "مدينة من الزجاج"). كتب أوستر في عدة أعمال عن سنوات ما قبل النجاح، وتحديدًا في سيرته الذاتية "عيش الكفاف: وقائع الإخفاقات السابقة". ومنذ عام 1971، عاش أوستر في فرنسا مع الكاتبة ليديا دافيز، والتي تعرّف عليها في الجامعة. اهتم كلاهما بالنقد والترجمة، و كانا يعتبران فقرهم شاعريًا للغاية - إلى أن تفاقم الحال بعدها. عاد كلاهما في النهاية إلى الولايات المتحدة، وهم لا يملكان سوى 9 دولارات، وتزوجا عام 1974. وفي العام التالي، عندما حملت دافيز - بطفلهما الأول دانيال - اشترى سويًا منزلًا قديمًا في مقاطعة دوتشيز في نيويورك.

كانت الأعوام التالية هي أكثرها بؤسًا في حياة أوستر. كان أوستر مفلسًا لدرجة أنه كان يروج للعبة بيسبول اخترعها بنفسه باستخدام ورق اللعب، كما كان يستجيب لإعلانات على وتيرة، "كيف تربح المال عن طريق تربية الديدان في قبو المنزل". كتب أوستر في سيرته الذاتية "عيش الكفاف"، "لقد كنت أتجنب طوال حياتي الكتابة عن موضوع المال، وفجأة الآن، لا أستطيع التفكير في أي شيء آخر. انفصل أوستر عن زوجته دافيز في عام 1978، وترتب على ذلك مواجهة أوستر، لما أطلق عليه "أزمة سيئة للغاية" : "كانت الأرض تهتز من تحت قدمي، لم تعد تلك الأشياء التي تعلّقت بها موجودة بعد الآن".

وأدت وفاة والده في العام التالي (بسبب أزمة قلبية أثناء ممارسته الجنس مع حبيبته)  إلى تغيير كبير في حياته. فلم يساعده ميراث والده القليل على استكمال الكتابة فقط، بل بدأ في كتابة نص نثري بهدف البحث عن والده الغائب البعيد، والتي أصبحت سيرة ذاتية رائعة تحت عنوان "اختراع العزلة". من أكثر اللحظات صدمة في حياته هي عندما علم أن جدته أطلقت الرصاص على جده وقتلته عام 1919. برأتها المحكمة على أساس  تشخيصها بمرض الجنون المرحلي الجزئي، وتناسى أولادها الخمسة هذه الفضيحة.

وفي عام 1981، قبل عام واحد من نشر "اختراع العزلة"، قابل أوستر سيري هوستفيدت في إحدى الجلسات الشِعرية. قالت هوستفيدت، "نمزح دائمًا قائلين إن الأمر استغرق مني بضع ثوان حتى أقع في حبه بشدة، أما هو فأخذ الأمر منه بضع ساعات. كانت عملية سريعة قليلًا في حقيقة الأمر." يشير أوستر دائمًا إلى أنها أنقذته، وعلّق قائلًا: "قد يبدو الأمر عاطفيًا لأننا سويًا منذ  36 عامًا، إلا أنها بالفعل الأكثر ذكاءاً ممن قابلتهن في حياتي". دائمًا ما تكون هوستفيدت قارئة أعماله الأولى، كما هو أيضًا قارئًا لأعمالها. نشرت هوستفيدت منذ فترة مجموعة من المقالات تحت عنوان "امرأة تبحث عن رجل يراقب النساء". وسألْت أوستر إذا ما كانت انتقدت تصويره للنساء في أعماله، فأجاب، "لا، ابدًا، لقد تعلمت الكثير منها خلال هذه الأعوام. إنها نسوية متفانية، وأنا أوافقها على كل آرائها، فهي آرائي أيضًا."

يرى أوستر أن مقابلة هوستفيدت، والتي غيرت حياته، هي خير مثال على الأثر "المربك" للصدف. وعلى نحو مماثل، أشار أوستر أنه ما كان كتب روايته "مدينة من زجاج"، لو لم يتلقَ مكالمتين، عن طريق الخطأ، من رجل يطلب التحدث إلى مكتب بينكرتون للتحقيق. يمكن أن يتمادى المرء في تفسير الأحداث من هذا المنطلق، أو ربما تبدو مملة، لكن ينجذب أوستر بشدة إلى قصص الصدف والمواقف الغريبة. "هؤلاء الذين لا يعجبهم أعمالي يشيرون إلى أن الرابط بين الأحداث  يبدو إعتباطيًا، لكن هكذا هي الحياة في الواقع".

يوجد في بداية ونهاية "4321" سخرية من الصدفة، وهي مقتبسة من نكتة قديمة عن المهاجرين اليهود في الولايات المتحدة.  فقبل أن يقابل جد فيرجسون مسؤول الهجرة، نصحه صديقه الروسي اليهودي أن يختار اسمًا لنفسه شبيهًا بالأسماء الأمريكية، مثل روكفيلر. ولكن عندما بدأت المقابلة، نسي الرجل الاسم، وأخذ بضرب رأسه وهو يردد "Ikh hob fargessen" (لقد نسيت). وبالتالي، كتب المسؤول اسمه "فيرجسون" - وهكذا خطأ حدث في لحظة واحدة فقط، لكن نتائجه كبيرة.

وأنتج أوستر روايته "4321" بنفسه، محتفظًا بعاداته القديمة في الكتابة، تحديدًا اهتمامه بالكتابة العادية، واستخدامه للآلة الكاتبة، والتي يملكها منذ عام 1974. حتى أنه نشر كتاباً مصوراً مع الفنان "سام مسير"، تحت عنوان "حكاية آلتي الكاتبة". يحب أوستر صوت مفاتيح الآلة، ولكنه يستخدمها فقط حين ينتهي من كتابة فقرة كاملة في مفكرته. لا يحب أوستر الحاسوب ويعتقد أن موقع أمازون هو "العدو". شعر أوستر "بالاستنزاف" عند الانتهاء من روايته الجديدة، بعد العمل عليها لمدة ست ساعات يوميًا، وكتب أن كتابة الكتب "عملية مرهقة نفسيًا وجسديًا". ومع وجود زوجته هوستفيدت، فإنه غالبًا ما يروّح أوستر عن نفسه بمشاهدة فيلمٍ كلاسيكي معها.

بالنسبة لأوستر، "فقط الشخص الذي يشعر أنه مدفوع للكتابة هو من يُغلق الغرفة على نفسه للكتابة يوميًا … عندما أفكر بطريقة أخرى للحياة - وكيف يمكن لها أن تكون مثيرة للاهتمام وجميلة - أفكر أن الحياة بهذه الطريقة هي ضرب من الجنون". وعند عودتنا للحديث عن ترامب وحال الولايات المتحدة، أشار أوستر أنه دائمًا ما يؤرقه السؤال الذي سألته شخصية فيرجسون الرابعة: "إذا كان العالم يحترق، فما هي فائدة الأدب؟". ويقول أوستر " عندما يمتلك المرء ضميراً اجتماعياً، تصبح هناك معاناة بداخله حول الطريقة التي يجب أن يعيش بها حياته." وهذا مما لم يجد له أوستر إجابة حتى الآن. ويؤكد أوستر أن هذا هو الدافع وراء "العطش للكتابة"، أن "تُكمل الكتابة"، حتى لو رفضت العبارات الجيدة المجيء. فعند الكتابة، "تنشط الإثارة والمعاناة. أنا فقط أشعر أنني مفعم بالحياة أكثر وأنا اكتب".


TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *