الشاعر العربيّ والمدينة .. ائتلافٌ أم اختلافٌ؟ - الرومي

الأحد، 10 يناير 2021

الشاعر العربيّ والمدينة .. ائتلافٌ أم اختلافٌ؟



د. سمير حاجّ*

للمكان أهميّة خاصّة في الإبداع الشعريّ والتشييد الجماليّ في العالَم التخييليّ، فقد عرّفه الفيلسوف الفرنسيّ جاستون باشلار في كِتابه الموسوم La Poétique de l'espace (بالإنكليزيّةThe Poetics of Space) والذي تَرجمه إلى العربيّة غالب هلسا تحت عنوان "جماليّات المكان" بأنّه "المكان الأليف. وذلك هو البيت الذي ولدنا فيه، أي بَيت الطفولة. إنّه المكان الذي مارَسنا فيه أحلام اليقظة، وتشكّل فيه خيالنا. فالمكانيّة في الأدب هي الصورة الفتيّة التي تُذكّرنا أو تبعث فينا ذكريات بيت الطفولة. ومكانيّة الأدب العظيم تدور حول هذا المِحور".


وللشعراء العرب مَواقف متنوّعة تجاه المدينة، نابعة من رؤىً عدّة تِبعاً لتجربة الشاعر الشخصيّة فيها وموقفه الأيديولوجي منها. ويُعتبرُ الشّعراءُ أحمد


عبد المعطي حجازي وخليل حاوي ومحمّد الماغوط وأدونيس أصحاب مَوقف صداميّ ورفضيّ من المدينة، فهي في أشعارهم ديستوبيا Dystopia (المدينة الفاسدة)، وذاك بتأثيراتٍ مُختلفة منها الموروث الاجتماعيّ والصُّور التي رسمها شعراء وأدباء الغرب أمثال ت. س. إليوت، الذي نَعَتَ مدينة لندن بعد الحرب العالَميّة الأولى، في قصيدتيه ("الأرض اليباب" The Waste Land 1922) و" رجال الجوف" The Hollow Men بالانحلال و"مستودع تُعلَّب فيه عظام الموتى". كما أنّ الكاتِب الإنكليزي جيمس جويس شبَّه مدينته "دبلن" بـ "أنثى الخنزير التي تأكل أبناءها".


أمّا الكاتِب الأميركي لويس ممفورد في كِتابه "المدينة على مرّ العصور"The City In History فقد ميَّز بين نوعَين من المُدن، الأكروبوليس المدينة العليا (مدينة الحصن) والنيكروبوليس المدينة السفلى - مدينة الموتى، ورأى فيها وعاءً للعنف المُنظَّم ودوراً ناقلاً للحرب.


المدينة العربيّة بين الديستوبيا واليوتوبيا


في الشعر العربيّ تَحْضُرُ المدينة بصورتَيْن نقيضتَيْن، الصورة الطاغية هي المدينة الفاسدة والصورة الشحيحة هي المدينة الفاضلة. والشاعر العربيّ أتى المدينة قسراً إمّا بَحْثاً عن عمل أو اختارها مَنَفىً إنْ كانَ غَريباً، وهو يعيش فيها صَيْرورَةً وتناقضاتٍ، وتمزّقاً وغربةً نفسيّة، وشعوراً بالكآبة والضياع والتلاشي. ويَعتبر الشاعر المصري أحمد عبد المُعطي حجازي (1935) من أكثر الشعراء العرب صِداماً مع المدينة - القاهرة، فقد أَفرد لها ديواناً خاصّاً "مدينة بلا قلب" (1959)، وَصَفَها فيه بتمازُج الأضواء والجدران:


يا وَيْلَهُ مَنْ لم يُصادفْ غيرَ شَمْسِها/ غَيْرَ البناء والسّياج، والبناء والسياج/غَيْرَ المربّعات، والمثلّثات، والزجاج.


والعَيش في المدينة عنده يحتاج إلى نقود، وحين طُرد من غرفته لأنّه ذاك القروي الذي لا يملك النقود، قال: لا لن أعودَ / لا لن أعودَ ثانياً بلا نقود/ يا قاهرة ! / أيا قِباباً مُتْخماتٍ قاعدة / يا مِئْذناتٍ مُلْحِدَة / يا كافرة / أنا هنا لا شيء، كالموتى، كرؤيا عابرة.


ويُفسِّر حجازي، وهو الريفيّ، مَوقفه العدائيّ من المدينة بأنّه استقاه من تربيته الريفيّة التي لا تتغيّر، وقد تشكّل لديه من تجربة خاصّة حين أتى القاهرة عام 1955 بَحْثاً عن عمل، فاشتغلَ مُحرّراً في مجلّة "صباح الخير"، وقد ضاع فيها روحيّاً وعاش الاستلاب والغُرْبة، ورأى في الريف المصريّ الحضارة الحقيقيّة، وفي القاهرة الحضارة المزيَّفة. هذا ما صرَّح به في مُقابَلة أجراها معه ماجد السامرّائي، ونُشرت في مجلّة "الأديب" (عدد2 -1979): " إنّ المدينة الحديثة العربيّة هي حديثة بالنسبة إلى المُواطِن العربيّ العاديّ، الفلّاح والعامل .. وجماهير العرب . وهي مدينة مزيَّفة، وهي مدينة قاهرة .. وهي مؤسَّسة للطغيان، وللاستغلال وللفساد .. وهي مؤسَّسة للأغنياء .. وهي مؤسَّسة لم تنشأ نشأةً طبيعيّة من حاجات أهل البلاد .. إنّما فرضت على أهل البلاد عمارتها..". ويسهب حجازي في شرْح الصورة النمطيّة للإنسان الريفيّ تجاه المدينة: صورة الفساد والخطيئة والاستغلال والظلم والقهر. ومن الطبيعيّ أن تسمع دائماً تلك النصيحة التي تقدّمها الأمّ، أو الأب إلى الابن الذي يذهب ليتعلّم أو ليعمل في المدينة: " احذَر المدينة ..احذَر نساء المدينة ..احذَر أهل المدينة".


ومَوقفه الرفضيّ من المدينة والنّابع من اغترابه، تجلّى في قصائد عدّة منها "سلّة ليمون" و"مَقْتل صبيّ" التي يقول فيها: " فالناس في المدائن الكبرى عدد/ جاء ولد!/ مات ولد!". لكنّ الشاعر في ما بعد تصالَح مع مدينته في "أُغنية أكتوبر" إذ يقول: "آن الأوان، كَيْ أُغَنّي لك، يا مَدينتي / يا أجْمَلَ الأوطان/ في منزل فيك تعلّمْتُ الهوى/ وفي مقاهيكِ، أنا أحاولُ السلوان". وفي قصيدة "أغنية للقاهرة" يحنّ حجازي للقاهرة. يحنّ حجازي إلى مدينته من غُربته المكانيّة، فيقول: "أنا العاشقُ المُقيمُ! / مُغَنّيكِ / حملت الاسم العظيم/ ولم أرحل سوى فيك/ فهل آنَ أنْ نفيءَ لظلّ .."


هذه الصورة للمدينة الفاسدة تبرز عند خليل حاوي (1919-1982) في " ليالي بيروت" حَيْثُ تتجلّى الصورة السَوْداويّة الرافضة للمدينة، فيُشَبّهها بالجحيم والتيه ومأوى الحيارى، ويختزلها بخمرٍ ومَواخير وجريمة:


"إنَّ في بيروتَ دنيا غيرَ دنيا / الكَدحِ والمَوتِ الرتيبْ / إنّ فيها حانةً مسحورةً / خمراً، سريراً مِن طيوبْ / للحيارى / في متاهات الصحارَى/ في الدهاليزِ اللعينَهْ / ومواخيرِ المدينَهْ / (...) / مَن يقوِّينا على حملِ الصليبْ / كيف نَنجُو مِن غِواياتِ الذنوبْ / والجَريمَهْ؟. وعند محمّد الماغوط (1934-2006) في "مقهى بيروت" تتكَرَر هذه الصورة، إذ تتمظهر المدينة الرّافضة للمَنفيّين الآتين إليها، فيعيش الشّاعرُ، وهو الزائر الغريب فيها، الاغترابَ واللّاانتماء، ويقضي وقته في التسكُّع بين شارعٍ وَرَصيفٍ: "لا شيء يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء/ لا شيء يربطني بهذه المروج/ سوى النسيم الذي تنشقّته "صدفة" فيما مضى/ ولكن مَن يلمس زهرة فيها يلمس قلبي".


بينما عند صلاح عبد الصبور (1931-1981) في "أغنية للقاهرة" تتراءى صورة جميلة للمدينة، حيث تبقى القاهرة مدينته الأثيرة، على الرّغم من اغترابه فيها ونُكرانها لَهُ، فيقول: "أهواك يا مدينتي الهوى الذي يُشْرقُ بالبكاء/ إذا ارتوت برؤية المحبوب عَيناه /أهواكِ يا مَدينتي الهوى الذي يُسامح/لأنّ صوته الحبيس لا يقول غير كلمتَين/ إذا أرادَ أن يَصْرُخَ / أهواكِ رُغْمَ أنّني أُنكرتُ في رحابك/ وأنّ طيري الأليف طارَ عنّي/ وأنّني أعودُ ،لا مَأوى، ولا مُلْتَجَأ/ أعودُ كَيْ أشْرُدَ في أبوابك/ أعودُ كَيْ أشرَبَ من عَذابِكِ".


وفي قصيدة عبد الوهّاب البيّاتي (1926- 1999) "بغداد يا مدينة النجوم" تتمَظْهَرُ بغدادُ بصور مُختلفة، حيناً ترتسم بشكلٍ رومانسيّ بهيّة مُشتَهاةً، مُزَركشةً بالنجوم والشمس والأطفال والكروم رُغم الهموم: "بغداد يا مدينة النجوم/ والشمس والأطفال والكروم/ والخوف والهموم". ثُمَّ معشوقة وطفلة سَرْمَدِيّة: "بغدادُ في حبّك أهلُ الهوى/ ماتوا؟ وَاَنْتِ الطفلةُ الباقية"، وأحْياناً أخرى ترتسم بشكلٍ واقعيٍّ رَمْزاً للفقر والخَناجر والدخان كما في "الليل والمدينة والسّل": لم تَزَل كالهرّة السوداء/ أعماقُ المدينة /ترضعُ الأحياءَ من ثدي الأمومة، وكذلك رَمْزاً للسّلطة والقمع والموت: "وعندما تعرّت المدينة / رأيْتُ في عُيونها الحزينة/ مباذلَ الساسة واللّصوصَ والبيادق/ رأيْتُ في عُيونها المشانق/ تنصب والسجون والمَحارق/ والحزن والضياع والدخان".


وعند أدونيس (1930) في "ريشة غُراب" تَحْضُرُ بيروتُ الناكرةُ له، فيعيشُ فيها النَفيَ، ثُمّ يتجاهلُها الشاعرُ مُسْتَعْلياً ويمضي إلى سواها "من مغرب الشمس إلى ضحاها، أعبر بيروت ولا أراها، أسكن بيروت ولا أراها". وعند محمود درويش (1941- 2008) ترتسمُ بيروتُ بصُورٍ مُختلفة، تناغُماً وتناسُباً والحالة الفلسطينيّة، وهي مرايا للمَشهد الفلسطينيّ وحالاته المُتبدّلة، بانتصاراته وانكساراته، وتشكّل هُويّة سياسيّة، فهي حيناً " تُفَّاحةٌ للبحر, نرجسةُ الرخام / فراشةٌ حجريّة بيروتُ. شكلُ الروح في المرآة / وَصْفُ المرأة الأولى/ ورائحة الغمام". وهي آنذاك الملاذُ والمكانُ الوحيدُ للفلسطينيّ، وهي الاستثناءُ الجميلُ للمُدن العربيّة: "بيروتُ خيمتُنا الوحيدة/ بيروتُ نجمتُنا الوحيدة". وهي الاستشرافُ الجميلُ وطريق يولسيس الفلسطينيّ إلى وطنه: "بيروتُ! من أين الطريقُ إلى نوافذ قُرْطُبهْ / أنا لا أُهاجرُ مَرتَّين / ولا أُحبُّك مرّتَين لكنِّي أُحوِّمُ حول أحلامي/ وأدعو الأرض جمجمةً لروحي المتعبهْ / وأُريد أن أمشي / لأمشي / ثمّ أسقط في الطريق/ إلى نوافذ قرطبهْ".


*أكاديميّ وكاتب من فلسطين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق