-->

مقتطف من رواية "سخط" للكاتب الأمريكي فيليب روث

ترجمة خالد الجبيلي


جلست، وفي هذه المرة، بمبادرة مني، جرعت كأس الماء. بدا الآن أن ذلك أكثر مما أستطيع أن أحتمله، ومع ذلك، كيف يمكنني أن أذعن عندما يكون مخطئاً ومعي كل الحقّ؟ "إني أعترض على أنه يتعين عليّ أن أحضر الكنيسة أربعين مرّة قبل أن أتمكن من التخرج والحصول على شهادتي، يا سيدي. لا أرى كيف يحق للجامعة أن ترغمني على الاستماع إلى رجل دين مهما كان دينه، أو الاستماع إلى تراتيل مسيحية تستحضر الإله المسيحي حتى لو لمرة واحدة. وبما إنني شخص ملحد، لأكون صادقاً معك، فأنا أشعر بإهانة عميقة من ممارسات ومعتقدات دين منظّم". الآن لم أستطع أن أكبح نفسي، وقد اعتراني شعور بالضعف، "لست بحاجة إلى مواعظ يقدمها لي دعاة أخلاق محترفين يعلمونني كيف يجب أن أتصرّف. ومن المؤكد أنني لست بحاجة إلى أيّ إله يخبرني كيف أفعل ذلك. بصورة عامة، أنا قادر على أن أقود وجوداً أخلاقياً من دون أن أومن بمعتقدات يستحيل إثباتها، وتتجاوز السذاجة، والتي هي في رأيي، ليست أكثر من قصص حوريات تروى للأطفال يؤمن بها الكبار، وليس لها أساس من الصحة أكثر من كونها في واقع الأمر إيماناً بسانتا كلوز. أظن أنك مطلع جيداً، يا سيد كودويل، على كتابات بيرتراند راسل. بيرتراند راسل، عالم الرياضيات والفيلسوف البريطاني المعروف، الذي حصل على جائزة نوبل في الآداب في العام الماضي. وكان من بين أعماله الأدبية التي مُنح من أجلها جائزة نوبل مقالة حظيت بإقبال واسع من القرّاء كان قد ألقاها لأول مرة في محاضرة في عام 1927 بعنوان 'أنا لست مسيحياً' هل اطلّعت على تلك المقالة، يا سيدي؟"

 "أرجوك اجلس مرة أخرى"، قال كودويل.

 فعلت ما طلبه مني، لكنني قلت: "إني أسألك إن كنت قد اطلّعت هذه المقالة المهمة للغاية التي كتبها برتراند راسل. أفهم أن جوابك لا. حسناً، لقد اطلعت عليها جيداً لأنني كنت أحرص على حفظ مقاطع طويلة منها عندما كنت كابتن فريق المناقشة في مدرستي الثانوية. لم أنسها بعد، وقد وعدت نفسي بأن لا أنساها على الإطلاق. إن هذه المقالة ومقالات أخرى لا تضم مناقشات راسل وحججه ضد مفهوم المسيحية عن الله فحسب، بل تضم كذلك مناقشات ضد مفاهيم الله التي تؤمن بها جميع الأديان العظيمة في العالم، والتي يجد راسل أنها جميعها غير صحيحة وضارّة على حد سواء. وإذا قيض لك أن تقرأ مقالته، بهدف التفتّح الذهني، فإني أحثّك على قراءتها، وستجد أن برتراند راسل، أحد أبرز علماء المنطق في العالم بالإضافة إلى كونه فيلسوفاً وعالم رياضيات، يلغي بمنطق لا مراء فيه حجة علّة الوجود، الحجة التي تقول إنه ما دام هناك خلق، فلا بد أن هناك خالق، حجة القانون الطبيعي، الحجة الأخلاقية بوجود إله، وحجة العدل ورفع الظلم. سأعطيك مثالين. الأول، السبب الذي يجعل مقولة علّة الوجود غير صحيحة، فهو يقول، 'إذا كان يجب أن تكون هناك علّة لكل شيء، إذن يجب أن تكون هناك علّة لوجود الله. وإذا كان هناك شيء بدون علّة، فقد يكون العالم كما هو الله'. والمثال الثاني، بالنسبة للحجّة التي تقول إنه ما دام هناك خلق فلا بد أن يكون هناك خالق، فإنه يقول: 'هل تعتقد أنك إذا مُنحت قدرة كلية ومعرفة تامة وملايين السنين حتى تتقن تشكيل عالمك، فإنك لا تستطيع أن تنتج شيئاً أفضل من جماعة كو كلاكس كلان أو الفاشيين؟' ويناقش أيضاً أوجه الخلل في تعاليم المسيح على النحو الذي يظهر فيه المسيح في الإنجيل، بينما يلاحظ أن وجود المسيح مشكوك فيه من الناحية التاريخية. وهو يعتبر أن أكبر خلل في شخصية المسيح الأخلاقية، تكمن في إيمانه بوجود جهنم. إذ يكتب راسل، 'لا أشعر أنا نفسي بأنه يمكن لأيّ شخص يتمتع بإنسانية مفرطة أن يؤمن بوجود عقاب أبدي'، ويتّهم المسيح بأنه يهدد بغضبه وانتقامه كل من لا ينصت إلى تعاليمه ومواعظه. ويناقش بصراحة تامة كيف أخّرت الكنائس تقدّم البشرية وأعاقته وكيف أنها، بإصرارها على ما ترغب في أن تطلق عليه المبادئ الأخلاقية، تسبب كلّ أنواع المعاناة التي لا يستحقها البشر. ويقول إن الدين يقوم أساساً على فكرة الخوف - الخوف من شيء غامض، الخوف من الهزيمة، الخوف من الموت. ويقول برتراند راسل إن الخوف هو أمّ الوحشية، لذلك لا غرو أن الدين والوحشيّة يسيران جنباً إلى جنب منذ قرون طويلة. ويقول راسل اغزوا العالم بالذكاء والعقل، لا بالاستسلام بخنوع للإرهاب الذي ينبعث من العيش فيه. ويخلص إلى أن مفهوم الله كله ليس جديراً بالرجال الأحرار. هذه هي أفكار الرجل الذي فاز بجائزة نوبل، والذي اُشتهر بمساهماته في الفلسفة وببراعته في المنطق وفي نظرية المعرفة، وإني اتفق معها جميعها اتفاقاً تاماً. وبعد أن درستها، وبعد أن أمعنت التفكير فيها، قررت أن أعيش وفقها، بذات القدر الذي يجعلني متأكّداً من أنك يجب أن تقبل ذلك يا سيدي، ولديّ كلّ الحقّ في أن أفعل ذلك".

TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *