-->

تشريح العزلة نص لتوماس وولف




ترجمة: بسمة ناجي

نُشِر في جريدة أخبار الأدب، أبريل 2020

هيمن الانعزال والتيه على حياتي أكثر من أي شخص آخر أعرفه. لا أدرك سببًا لذلك أو كيف حدث؛ لكن هذا ما كان. منذ كنت في الخامسة عشرة من عمري -باستثناء فاصلٍ زمني قصير- عشتُ وحيدًا مثل إنسان معاصر. أعني بهذا أن عدد الساعات والأيام والشهور والسنوات التي قضيتُها وحيدًا كان هائلًا وغير اعتيادي. لذا فقد اعتزمتُ وصف تجربة عزلة الإنسان كما عايشتُها تمامًا.

ما يدفعني للقيام بذلك ليس الاعتقاد بأن تجربتي في العزلة تختلف في نوعها عمَّا قد يعرفه غيري من البشر. على العكس تمامًا، صارت قناعتي في الحياة تتبلور في إيماني بأن الوحدة، بعيدًا عن كونها ظاهرة نادرة وغريبة أختصُ بها وقلة من البشر الآخرين، هي الحقيقة الجوهرية والحتمية لوجود الإنسان. بتأمُّل اللحظات التي يمر بها البشر، وأفعالهم، وتعبيراتهم –لا أحزان وأفراح أعظم الشعراء فحسب، بل التعاسة الكبرى للروح العادية كما تتبدى في الكلمات الحادة التي تحمل إيذاءً، وكراهيةً، وسوءَ ظن، وازدراءً، تزعج مسامعنا كلما مر بنا بشر في الشوارع – نجدُهم جميعًا، برأيي، يعانون من الشيء ذاته. السبب المؤكد لمعاناتهم هو العزلة والشعور بالوحدة.

إذا لم تكن تجربتي مع العزلة مختلفة في طبيعتها عن تجربة بقية البشر، فأتصور أنها أشد وطأة. يمنحني هذا صلاحية للكتابة عنها تفوق ما لأبناءِ جيلي. بقولِ ذلك، أذكرُ الحقيقة كما أراها فحسب، رغم إدراكي ما قد يبدو عليه هذا من غرور أو غطرسة. لكن قبل أن يصل أحد لهذا الاستنتاج، فليتأمَّل مدى غرابة أن تحل الغطرسة بنَفْسِ شخص قد عاش منعزلًا كما عشتُ. لا شيء يداوي الغرور قَدر الوحدة. فنحن، من نسكن قلب العزلة، ضحايا للتشكك بالذات أكثر من بقية البشر. في وحدتنا الأبدية، يتصاعد فجأة شعورنا الخَجِل بالدونية ليغمرنا بفيضٍ سام من الذعر والتشكك والأسى، يفسِد علينا صحتنا وثقتنا بأنفسنا، فيفتك بجذور سعادتنا. والمفارقة الأبدية في هذا أنه لو أراد إنسان أن يجرِّب الإبداع فلا بُدَّ أن يُسْلِم نفسه للعزلة، ويتحمَّل أن تَسلب العزلةُ من ذاته الصحةَ، والثقةَ، والإيمانَ، والبهجةَ بوصفها طَورًا أصيلًا في عملية الإبداع.

ليحيا الإنسان وحيدًا كما حييتُ، لا بُدَّ أن تكون له ثقة إله، وإيمان قديس ناسك، ومَنْعَة جبل طارق. بدون هذه، أمُرُّ أحيانًا بأوقاتٍ حيث يمكن لأي شيء وكل شيء، أو لا شيء على الإطلاق، أتفه الحوادث أو أكثر الكلمات اعتيادية، أن تجرِّدني في لحظةٍ من كل دروعي، وتَشِلّ يدي، وتَقبض على قلبي برعبٍ مُثلج، وتملأ أحشائي بمادةٍ رمادية من عجزٍ مرتجف. أحيانًا لا يكون سوى ظل يمر في نور الشمس؛ أحيانًا أخرى يكون لهيب نهار أغسطس المتقد فحسب، أو القبح المجرَّد الممتد، والسلوكيات البائسة لشوارع بروكلين تخبو في الآفاق الكئيبة لذلك اللهيب المتقد فتستدعي بؤسًا لا يحتمل لحيواتٍ كئيبة ومجهولة لا حصر لها. أحيانًا يكون الأمر مجرَّد خوفٍ فارغ من الخرسانة العارية، أو النار المشتعلة في مدقات الآلات التي تجوب الشوارع الحارة، أو الغبار الثقيل لمواقف السيارات، أو الاصطدام الساحق المزعج للسكك الحديدية، أو الحشد البشري المندفع، يمضي قُدُمًا للأبد بعنفٍ بالغ، مسرعًا إلى حيث لا يدري.

قد يتكرر الأمر بعبارةٍ، أو نظرة، أو لفتة. قد يكون إيماءة باردة مترفعة من عمدة جادة بارك آﭬـينيو المتأنق ذو السلطة لاستهلالٍ ما، كأنه يقول: «أنت نكرة»، أو مجرد إشارة ساخرة وعدائية من ناقد في مجلة أسبوعية رفيعة المستوى، أو رسالة من امرأة تقول: «أنا ضائعة ومحطمة، تبددت موهبتي، كل جهودي زائفة وعديمة الفائدة، منذ تخليت عن الصدق، والبصيرة، وأصالة الفكرة»، بينما هي تتحلى بكل هذا في الواقع.

وأحيانًا يكون شيء أتفه من كل هذا، شيء لا يمكنني لمسه أو رؤيته أو سماعه أو تذكره على وجه التحديد. قد يكون غامضًا كأحد الأحوال البشعة للنفس، يتضافر فيها ببراعة كل التوق والغضب، والأماني المستحيلة التي مررتُ بها طوال حياتي. أو، مرة أخرى، ربما يكون ذكرى نصف مَنسيَّة لحُمرَة أوقات الظهيرة وهي تنحسر في أيام آحادٍ شتوية باردة بكمبردج، أو لوجهٍ شاحب، رقيق، مليح، جعلني أحرصُ ذات مرة على محاضرة جادة في مثل تلك الظهيرة بكمبردج، تنبئني بأن كل آمال شبابي كانت محض أوهامٍ تافهة، وأن حياتي بأكملها ستصير للعدم، وأن الضوء الأحمر الواهن لنهارات مارس كان ينعكس على الوجه الممتقع بعجزٍ مُحزِن أطفأ في التو كل حماسة الشباب في دمي.

كل هذا الارتياب البشع، والقنوط، والارتباك المبهم للروح يعرفه أي شخص منعزل، فهو لا يتآلف مع صورة غير التي يبتدعها بنفسه، ولا يستند إلى معرفة سوى التي يُحصِّلها برؤية عينه وبصيرة عقله. لا تعززه صحبة أو تبهجه أو تُعينه؛ لا يستمد عزاءً من عقيدة، فهو لا يحمل بداخله إيمانًا بغير ذاته. لكن غالبًا ما يهجره هذا الإيمان، ويتركه متخبطًا يغلبه العجز. بعدها، تبدو له حياته لا تلوي على شيء، وأنه محطم، وضائع، وذكرى منسحقة، وأن هذا الصباح، الصباح الزاهر النَيِّر، ووَعْدِه ببداياتٍ جديدة لن يشرق على الأرض مرة أخرى كما أشرق يومًا ما.

إنه يدرك سريان الزمن الكئيب من تحته مثل نهر. يُطوِّقه الآن جدار العزلة الهائل القاتم. يطبق عليه ويهصره، فلا يمكنه الفِكاك منه. تقتات نبتة الذكريات الخبيثة على باطنه، تستدعي مئات الوجوه المنسية وعشرة آلاف يومًا مُنقضيًا، حتى تبدو الحياة بأكملها غريبة وغامضة مثل حُلم. نغمٌ يسري حوله متدفقًا مثل نهر، وهو يكمن في غرفته الصغيرة كأنه أسير تعويذة شيطانية. ستأتيه من بعيد دمدمة الأرض، ويشعر أنه منسيٌّ، وأن قواه تضيع منه مع سريان النهر، وأن حياته بلا قيمة. يشعر بعزمه يضعف، وطاقته تنفد، بينما يجلس مُخَدَرًا حبيس سجن وحدته.

ثم فجأة، ذات يوم، يعود إليه إيمانه بالحياة في فيضٍ غامر دونما سبب واضح. سيتصاعد الفيض داخله بقوة ونشوة لا تقهر، فيفتح نافذة في الجدار الهائل الذي يُطوِّق العالم ويعيد لكل شيء بريقًا لا يخبو. وبعد أن يجمع في نفسه الكمال والطمأنينة، سينخرط مرة أخرى في مهمة إبداعه. سيستعيد قواه السابقة: يعلم جيدًا ما يعلمه، وأنه ما هو عليه، وأنه قد اكتشف ما اكتشف. سينطق بالحقيقة التي يحملها بداخله، ينطق بها رغم إنكار العالم لها، ويؤكدها رغم صياح مليون رجل مؤكدين زيفها.

في لحظة ثقة راسخة كهذه، بتلك المشاعر داخلي، أجرؤ على الجزم بأنني قد اختبرتُ شعور الوحدة كأي إنسان، وسأكتب عنه الآن كأنه أخي حقًا، وهو كذلك. سأصور لك شخصيته الحقيقية بإخلاصٍ شديد يجعل أي قارئ لا يتشكك أبدًا في هيئته حين يدخل مرحلة العزلة في ما بعد.

2

إن التعبير الأكثر تراجيدية وسموًا وجمالًا لوصف عزلة الإنسان بين كل ما قرأتُ، هو ما ورد في سِفْر أيوب، والأروع والأعمق فلسفة، سِفْر الجامعة. هنا تجدر الإشارة إلى حقيقة تتعارض بشدة مع كل ما أُخبِرتُ به في طفولتي عن العزلة والنكوص المأساوي للحياة، الحقيقة التي أذهلتني وأثارت ارتيابي حين اكتشفتُها لأول مرة. لكنها كانت راسخة كصخرة، لا تهتز ولا يمكن إنكارها؛ وبمرور السنين، صارت حقيقة هذا الاكتشاف جزءً أصيلًا من بنية حياتي.

تنص هذه الحقيقة على الآتي: إن الإنسان الوحيد، البائس أيضًا، مغرم بحب الحياة دومًا، لنقُل إنه الإنسان الفَرِح. لا ينطوي هذا الكلام على أي تناقض مُطلقًا. كلتا الحالتين تستلزم الأخرى، تجعلها حتميةً. لا يكمن جوهر معاناة الإنسان في الصراع، بل في العزلة، بغض النظر عن الحجج التي ربما تُلقَى على المسرح. وككُتَّابٍ مأساويين عظام (أقول هنا «كاتب مأساوي» لأميزه عن «كاتب المأساويات» فبعض الأمم كالرومان والفرنسيين ليس لديهم كُتَّاب مأساويين عظام، ففرجيل وراسين لم يكونا سوى كُتَّاب مأساويات)، كان كل من أيوب، وسوفوكليس، ودانتي، وميلتون، وسويفت، ودوستويفسكي أُناسًا منعزلين دومًا، رغم عشقهم للحياة وشعورهم العميق بالسعادة. ستجد جوهر سعادة الإنسان في أعمال هؤلاء الكُتَّاب المأساويين كما لن تجدها في أي مخطوطةٍ من تدوين الإنسان على سطح الأرض. وكدليل على هذا، أطرح هنا توضيحًا مُقنعًا:

في طفولتي، كان مجرد ذِكر سِفْر أيوب يستدعي في ذهني على الفور قطارًا طويلًا من المتلازمات القاتمة، والكئيبة، والمقبِضة. أظن هذا يحدث لمعظمنا. فعبارات مثل، «تعزية أيوب»، و«صبر أيوب»، و«محنة أيوب»، صارت جزءًا أصيلًا من حديثنا الشائع وتُستَخدَم للإشارة إلى بشر تبدو آلامهم لا تُحصى ولا تنقطع، مَن عانوا طويلًا في صمت، ولم ينقُض كآبتهم شعاعُ أمل أو فرحة. اتحدت كل تلك المتلازمات لتشكل لديَّ صورةً لسِفْر أيوب بوصفه كئيبًا ومُغِمًا وبؤسه راسخًا. لكن أي قارئ ذكي ومُجرِّب يقرأ هذا السِفْر العظيم في سنوات نضجه، يدرك خطأَ هذه الصورة.

فسِفْر أيوب، بعيدًا عن كونه كئيبًا وقاتمًا ومُقبِضًا، منسوجٌ بالكامل -أكثر من أي نَص يمكنني تذكُره- من مادةٍ شعرية رفيعة، حسِّيةٍ ومتوهجة وفريدة وصريحة، تحمل في جوهر ترنيمة حزنها الأبدي، أنشودةَ فرح لسعادةٍ أبدية.

لا عَجَب أو غرابة في ذلك، لا شيء سوى ما هو حقٌ ومحتوم. الشعور بدنوِّ الأجل والعزلة، وإدراكه لقِصَر عمره، وحِمْل همَّهُ الثقيل، المتنامي، الذي لا ينقُص أبدًا، ما يجعل الفرحة مجيدةً وتراجيديةً وثمينةً لرجلٍ مثل أيوب. يأتي الجمالُ ويمضي، يضيع في التو حين نمَسَّه، قدرة المرء على الإمساك به وإبقاءه لا تزيد عن قدرته على إيقاف جريان النهر. من ألم الفقد، هذا الوَجد المُر للنَيْل الوجيز، والمجد الفاني لتلك اللحظة، يؤلِّف الكاتبُ المأساوي أنشودةَ الفرح. هذا، على الأقل، ما يحرص عليه ويقدره دومًا. تغلب المرارةُ على أنشودته لمعرفته أن الفرح عابر، نفقده في اللحظة ذاتها التي نناله فيها، ولهذا هو ثمين جدًا، يكتسب عظمته الكاملة من الأشياء ذاتها التي تقيِّده وتقضي عليه.

هو يعلم أن الفرح يكتسب مجده من الحزن، الحزن المرير، وعزلة الإنسان، وكونه مطارَدًا دومًا بحتمية الموت، الموت الخبيث الذي يخرس ألسنَتنا، ويغمض أعيننا، ويوقف أنفاسَنا الحية، وبالاندثار في الغبار والعدم. لذا يأتي رجل مثل أيوب بأنشودة للفرح، لتكون أجمل وأعجب أنشودة ترنَّم بها إنسان:

«هَلْ أَنْتَ تُعْطِي الْفَرَسَ قُوَّتَهُ، وَتَكْسُو عُنُقَهُ عُرْفًا؟

أَتُوثِبُهُ كَجَرَادَةٍ؟ نَفْخُ مِنْخَرِهِ مُرْعِبٌ.

يَبْحَثُ فِي الْوَادِي وَيَقْفِزُ  بِبَأْسٍيَخْرُجُ لِلِقَاءِ الأَسْلِحَةِ.

يَضْحَكُ عَلَى الْخَوْفِ وَلاَ يَرْتَاعُ وَلاَ يَرْجِعُ عَنِ السَّيْفِ.

عَلَيْهِ تَصِلُّ السِّهَامُ وَسِنَانُ الرُّمْحِ وَالْحَرْبَةِ.

فِي وَثْبِهِ وَغَضَبِهِ يَلْتَهِمُ الأَرْضَ، وَلاَ يُؤْمِنُ أَنَّهُ صَوْتُ الْبُوقِ.

عِنْدَ نَفْخِ الْبُوقِ يَقُولُ: هَه! وَمِنْ بَعِيدٍ يَسْتَرْوِحُ الْقِتَالَ صِيَاحَ الْقُوَّادِ وَالْهُتَافَ».[1]

هكذا يكون الفرح؛ فرح مهيب ومنتصر، صارم، ومنعزل، أبدي، يحمل بداخله عمق دهشة الإنسان وتواضعها، كبرياءَه، وشعوره بالرهبة في مواجهة غموض الكون. تنشق شفاهنا عن صيحةٍ جَذِلة ونحن نقرأ السطورَ عن هذا الفرسِ البَهيِّ، نشعر بفرحٍ غريب وجامح، موحِش وكئيب كالموت، وأجَلّ من الفرح الهش الذي وصفه رجالٌ مثل هيريك وثيوقريطس، رغم كونهم شعراءً عظام.

3

كما يمثِّل سِفْرُ أيوب وسِفْرُ الجامعة السجلَ الأسمى لعزلة الإنسان، كلٌ بمجازِه، كذلك تُقدِّم جميعُ أسفار العهد القديم، في مجملها، أعمق وأدق أدب عرفه العالم في وصف عزلة الإنسان. من المدهش وجود وحدة متماسكة تصف روحَ وعقيدة حياة العزلة مسجلةً في تلك الأسفار، بتعبيراتها المكتملة في الترانيم والأناشيد، والنبوءات، ووقائع يومية من حياة رجال عدة، مختلفين جميعًا، يكشف كل منهم على حِدة صورةً لقلب الإنسان الغامض المنعزل، وتتآلف جميعًا لتنتج صورةً واحدة لعزلته التي لا تُضاهَى في نبلها وعظمتها.

إن الانسجام التام لهذا التصوُّر عن عزلة الإنسان في أسفار العهد القديم يصير أكثر إدهاشًا حين نبدأ قراءة العهد الجديد. فكما أن أسفار العهد القديم تأريخًا للعزلة، ترى في أناجيل العهد الجديد، وهي لها نفس الانسجام الإعجازي الذي لا يتزعزع، تأريخًا للمحبة. ما كان يقوله المسيح دومًا، ما لم يحِد عنه، وردده آلاف المرات بآلاف الطرق المختلفة، لكن بوحدةٍ إيمانية جوهرية، "أنا ابن أبي، وأنتم إخوة لي". فالوحدة التي تربطنا معًا، وتجعل من أهل الأرض عائلة، وكل البشر إخوة وأبناء للرب، هي المحبة.

إذن، كان جوهر رسالة المسيح إنهاء حياة العزلة وإرساء حياة المحبة هنا على الأرض. فمن الواضح أن المسيح حين قال: "طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ"،[2]  لم يكن يمجد صفات كالتواضع والحزن والرحمة باعتبارها فضائل كافية بحد ذاتها، لكنه يَعِدُ من تحلَّى بهذه المناقب بأسمى جزاءٍ بُشِّر به الإنسان على الإطلاق، ليس فقط أن يرث الأرض وما عليها، بل ملكوت السماء أيضًا.

كان هذا ما يرمي إليه المسيح، والهدف الأسمى لحياته وتعاليمه. وتمثَّلت قيمتُها الكلية في إمكانية استبدال حياة العزلة بحياة المحبة. أو هذا الغرض الذي أراهُ أنا في حياته. ففي السنوات الأخيرة، حيث عشتُ وحيدًا أغلب الوقت واختبرتُ العزلة، رجعتُ لسيرة الرجل وكلماته لَعلي أجد فيها معنىً لذاتي، أو أسلوب حياة قد يكون أجدى مما اعتدتُ أن أتخذه. قرأت أقواله، لا من منطلق التقوى أو القداسة، ولا الشعور بالإثم أو الندم، ولم تعنِ بُشراهُ بالجزاء السماوي لي شيئًا كذلك. لكن حاولتُ قراءةَ كلماته المجردة ببساطةٍ ووضوح، كما يبدو لي أنه نطق بها، وكما قرأتُ كتابات أخرى لهومر ودون وويتمان وسِفْر الجامعة، فلو أنني حمَّلتُ كلماته معنىً يبدو أحمق أو متطرفًا أو طفوليًا أو تافهًا، فهو لي وحدي ولا علاقة له بما يعتقده عشرة ملايين آخرين من البشر؛ وقد طرحتُه هنا كما رأيتُه فحسب، كما شعرتُ به ووقعَ في نفسي، فلم أحاول إضافة أو اجتزاء أو تبديل أي شيء.

الآن أدركُ أن مغزى حياة المسيح ونهجه أفضل بكثير من نهج حياتي ومغزاها، إلا أنني لا يمكنني اتخاذها مسلكًا لي أبدًا؛ وأظن جميع المنعزلين الآخرين الذين رأيتُهم أو سمعتُ عنهم - من يمثلون الجوهرَ المجهول، والصامت، والمنزوي لهذه الأرض، مثلهم مثل أيوب وإفريمان وسويفت - يرون ذلك أيضًا. فالمسيح ذاته، من بَشَّر بحياة المحبة، عاش وحيدًا كأي إنسان. مع ذلك لا يمكنني القول بخطئه لأنه بَشَّر بحياة المحبة والخِلطة ثم عاش وحيدًا ومات وحيدًا؛ ولا أجرؤ على الجزم بخطأِ مسلكه لأن مليار رجل اتبعوه منذئذٍ ولم ينحوا نحوه.

كل ما يمكنني قوله إنني لا أقدر على اتِّباع نهجه في حياتي. فقد وجدتُ أن العزلة هي الحال الدائم والأبدي لحياة الإنسان، لا المحبة. فالحب ذاته ليس حال حياتنا. إنه الزهرة النادرة، العزيزة. تارةً تكون الزهرة التي تهبنا الحياة، تخرق الجُدران القاتمة لعزلتنا وتعيدنا لألفة الحياة، وصُحبة أهل الأرض، وأُخَوة البشر. وتارةً أخرى يكون الحب هو الزهرة التي تُميتنا؛ قد لا نصيب منها سوى الألم والكآبة، وتشوُّهات الروح، والجنون.

كيف ولماذا وبأية هيئة تأتينا زهرة الحب تلك، بالحياة أم بالموت، بالنصر أم بالهزيمة، بالفرح أم بالجنون، لا أحد على وجه الأرض يدري لكنني أعلم أننا -المشردون؛ مَن لا مأوى لهم، ولا أبواب تغلق عليهم؛ الهائمون على وجوههم، والمنعزلون- ينتظرنا في النهاية الظلُ الكئيب لرفيقتنا الأبدية، العزلة.

إلا أن الإنكار القديم يسقط، ويبقى الإقرار الأزلي؛ فنحن مَن مِتنا قد بُعِثنَا، نحن مَن فُقِدنا قد عُثِرَ علينا من جديد، ونحن مَن تخلَّينا عن الموهبة، والشغف، وقناعات الشباب، وتمسَّكنا بممات الروح حتى عطبتْ قلوبنا، وتبددتْ مواهبنا، وضاع أملنا، قد استعدنا حياتنا في العزلة والقتامة؛ ونحن نعلم أن الأمور ستجري معنا كما جرت دومًا، وأننا سنرى صورة المدينة البراقة مجددًا، كما رأيناها من قبل. نائيةً، تضوي بصفوفٍ من المصابيح الزاهية، نراها متوهجةً في أثناء سيرنا على الجسر إلى الأبد، بينما يهدر المدُّ من حولها، وتمخر السفنُ. ونحن نمضي على الجسر، نقطع الجسر وحدنا معك، أيها الخِلِّ العابس، مَن نتحدث إليه، ولم يخذلنا قط. اسمع:

«العزلة أبدية على الأرض! الرفيق الكئيب والخِل العابس، الوجه الخالد لظلام الليل، مَن قضيتُ معه نصفَ حياتي، ومن ألازمُه الآن حتى موتي، وللأبد؛ ممَ أخاف طالما أنت معي؟ صديق نبيل، أو أخ شقيق، ذو وجه عابس - ألم نسلك معًا ملايين الطرق، ألم نسري معًا في دروب الليل الصاخبة، ألم نعبر وحدنا البحار الهائجة، وتعرَّفنا على البلاد الغريبة، ثم رجعنا من جديد نقطع عتمة الليل وننصت لسكون الأرض؟ ألم نكن جسورَيْن ومتألقَيْن معًا، يا رفيق؟ ألم نختبر النصر، والفرح، والمجد على هذه الأرض؛ ألستُ أستعيدُ كل هذا بعودتك؟ عُد إليَّ يا رفيق، في ساعات الليل!

تعالَ إليَّ في قلب العتمة الخفي الساكن. أقبِل عليَّ كما أقبلتَ دومًا، أعد لي صلابتي القديمة التي لا تُقهَر، الأملَ الذي لا يموت، الفرحَ الظافر والثقةَ التي ستعصف بالعالم من جديد!»


[1]. الكتاب المقدس، العهد القديم، سفر أيوب، الإصحاح التاسع والثلاثين.

[2]. إنجيل متى، الإصحاح الخامس.

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *