سرديّة الألَم.. بيروت بين الحداثة والطائفيّة - الرومي

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2020

سرديّة الألَم.. بيروت بين الحداثة والطائفيّة

صلاح سالم /


كاتب وباحث من مصر

نَشأت الحداثة في قلب المُدن. ففي المدينة الواسعة ينفصل الفرد عن القبيلة، ويتمزَّق الإقطاع وتختفي القُرى ومعها الثنائيّة الضدّيّة بين النُبلاء والأقنان، كما تتوارى العقائد وتذبل الطوائف أمام تشابكات المِهن الوسيطة وتشابُكات العلاقات الاجتماعيّة الجديدة التي تدور في فلك الأنشطة الصناعيّة والتجاريّة والترفيهيّة التي لم تكُن معروفة ولا يُتصوَّر وجودها في البيئة القرويّة وفي ظلّ اقتصاد الرعي والزراعة.


ففي المُدن ولدت الطبقة الوسطى ولعبت دَورها المُركَّب، كحامل تاريخي للحداثة سرعان ما تمكَّن من فرْض رؤيته الجديدة للعالَم. فمثلاً، وُلِد عصر النهضة بين ثنايا المُدن الإيطاليّة، وخصوصاً البندقيّة، ونهضَ الاقتصاد المركنتيلي على أكتاف المُدن الهولنديّة، وخصوصاً أمستردام، لتُصبح هولندا أوّل دولة مُحفِّزة للنظام الرأسمالي، والأكثر هَيمنة على مياه البحار وحركة التجارة في القرن السابع عشر؛ بل إنّ فلسفة التنوير لم تكُن متصوَّرة من دون المدينة، فلا يُمكن تجاهُل دَور صالونات باريس الثقافيّة وسيّدات قصورها المخمليّة في رفْد الحركة الثقافيّة، أو تجاهُل دَور الطبقة الوسطى أو الطبقة الثالثة، بلغة الثورة الفرنسيّة، في حمْل راية التنوير، فلولاها لظلّت علاقة المثقّف حامل الأفكار: عالِماً وشاعِراً ومُفكِّراً، مع السلطة الحاكِمة، هي نفسها العلاقة البسيطة والفاضحة بين الشاعر القديم والسلطان، من دون وسائط تنقل ذبذبات الفعل الثقافي بين مَركز السلطة والقوّة في الدولة وبين بؤر الوعي والخيال في المُجتمع.


في التاريخ السياسي والثقافي للمنطقة الحضاريّة المُسمّاة بـ "الشرق الأدنى القديم"، والتي غلب عليها الطابع العربي أعقاب الانتشار الإسلامي، لعبت مُدنٌ عدّة أدواراً أساسيّة، وخصوصاً في الشام والعراق ومصر، حيث تحرَّك مَركز الثقل السياسي من الحِجاز بعد أقلّ من ثلاثين عاماً تبلورت خلالها المَلامِح الأوّليّة للحضارة العربيّة، ونمت فيها حدود الدولة، إلى دمشق حيث استقرَّت الخلافة الأمويّة لنحو المائة عام على قاعدة الحيويّة العقديّة للإسلام. ثمّ إلى بغداد مَوطن الخلافة العربيّة الثانية التي بلغت حدود الإمبراطوريّة في عصرها الأوّل، وأخيراً إلى القاهرة التي استضافت شَبَحَ الخلافة العباسيّة بعد سقوطها في بغداد لنحو القرنَين ونصف القرن بعدما كانت طاقة إبداع الحضارة العربيّة قد استُنزِفت، والنموذج المَعرفيّ الصوري الذي نَمَت في ظلّه وارتكزت عليه قد أشرف على الأفول، وجغرافيّة العالَم الكلاسيكي قد تضاءلت بفعل حركة الكشوف الجغرافيّة وانبثاق العالَم الجديد في الأميركتَين.


لم يكُن لبنان، لظروفٍ موضوعيّة تتعلَّق بالحجْم، مُهيّأً للعبِ دَورٍ استراتيجي كبير، ولكنّ بيروت، استناداً إلى قيَم الحداثة، تمكَّنت من إعادة اكتشاف نفسها، والتحوُّل من مدينة صغيرة، حول ميناء تجاري قديم، يسكنها نحو سبعة آلاف نسمة فقط عند منتصف القرن التاسع عشر، إلى مدينة كبيرة عند منتصف القرن العشرين، انطوت على طبقة وسطى مُتنامية ومُنفتحة على العالَم، تلعب دَورَ الجسر الذي تَعبر خلاله الحداثةُ الغربيّة إلى العالَم العربي. فمنذ نشأ لبنان الكبير، كدولة تحت الانتداب، صارت بيروت هي قلبه ومحور حركته ومصدر إلهامه، يسكن فيها تقريباً ربع سكّانه. ومثل كلّ العواصم، كانت بيروت حاضنة للمَصنع والنقابة، للبرلمان وقصر الحُكم، للأندية الرياضيّة والجمعيّات الأهليّة، للسينمات والمَسارِح والصحف، فكانت مدينة حيّة وفعّالة على الرّغم من صغر حيّزها الجغرافي.


إنّها مثل لبنان، فكرة أكبر دوماً من حجْمها، ومَغزىً يفوق أبداً جسدَها. عندما زال الانتدابُ وأُعلِن الاستقلالُ في العام 1943، أخذت بيروت تتألّق حتّى بلغت ذروة أناقتها بين الخمسينيّات والسبعينيّات من القرن الماضي، فنالت سمعتها كمدينة سياحيّة وخَدميّة حرّة ومفتوحة، فتحوّلت إلى بنوكِها أموالٌ غزيرة وتدفّقت استثمارات كبيرة، وخصوصاً في المجالات العقاريّة. وقبل ذلك وبعد تأكَّد دَور بيروت كعاصمة ثقافيّة بارزة تحتضن عشرات الصحف بالعربيّة والإنكليزيّة والفرنسيّة، وأيضاً العشرات من دُور النشر الكبرى حتّى صارت عاصمة النشر العربي، بل مركز الجدل الثقافي والأدبي، وخصوصاً بعدما نال التأميمُ وضيقُ هامش الحريّة السياسيّة من القاهرة، العاصمة الكبرى للحداثة العربيّة. وقد تغذّى ألَقُ بيروت من رَحَمِ الجامعة اللّبنانيّة التي أُنشئت في العام 1951، لتُضاف إلى الجامعة الأميركيّة التي نشأت من قلب الكليّة السوريّة البروتستانتيّة قي العام 1866، وإلى جامعة القدّيس يوسف (الجامعة اليسوعيّة) التي تأسَّست في العام 1875، فكانت مَنارةً تعليميّة تخرَّج منها كثيرون ممَّن أضافوا للحياة الثقافيّة والإعلاميّة والطبيّة في لبنان وعموم المنطقة العربيّة.


قيل دوماً إنّ بيروت، هي مرآة العالَم العربي الذي تتبدّى فيها تفاعُلاته وصراعاته، أفكاره وأحلامه، وهو دَورٌ وظيفي أضفى عليها وزناً خاصّاً مَنحها حيويّة كبيرة وقيمة استثنائيّة، لكنّها دفعت أثمانه الباهظة في أحيان كثيرة. كانت المدينة الصغيرة شاهدَ عصْرٍ على تفاعُلات العالَم العربيّ، وخصوصاً في النصف الثاني من القرن العشرين: صداقات العرب وعداواتهم، وِحدتهم وانفصالهم، تضامُنهم وخياناتهم. فحتّى الصراعات بين أنصار البعث العربي في سوريا والعراق كانت بيروت، لا دمشق أو بغداد، حاضنةَ السجالات والتراشُقات بين رموز جناحَيه القطريَّين. أمّا الحركة الناصريّة فلم تكُن لها القوّة نفسها، ولا لأنصارها الحضور ذاته الذي كان لهما خارج بيروت ولبنان، اللّهم سوى في القاهرة.


بيروت الكريمة مع الجميع


أمّا الجدل حول الأيديولوجيّة والثورة، بين القومي والقطري، اليميني واليساري، التقدّمي والرجعي، فكان زاداً يوميّاً للجالسين في قلب بيروت وعلى مقاهي شارع الحمراء. حدثَ ذلك بينما الحلم العربي لا يزال مُمكناً، على الرّغم من كلّ ثغراته وعوامل ضعفه الكامنة. كان الجميع يذهبون إلى هناك وكأنّهم يحجّون إلى سوق عكاظ، كلٌ ببضاعته، وكانت بيروت كريمة مع الجميع لا تردّ بضاعة أحد، ولا تغلق أبوابها أمام طارق.


بقي نظامها السياسي بمثابة الثغرة الكبرى، فالحداثة الاجتماعيّة والتفتُّح الثقافي والرواج الاقتصادي نمت جميعها في قلب حُكم طائفي رجراج بحُكم تكوينه، حاضن أزمات بطبيعته، كثيراً ما تفجَّرت على الرّغم من أنف لبنان وحداثة بيروت طيلة القرنَين الماضيَين. في ظلّ إمارة الجبل، وخصوصاً في عصر الأمير بشير الشهابي (1788 - 1840) كان الصراع يدور غالباً داخل الطائفة المسيحيّة نفسها، وخصوصاً بين الموارنة والأرثوذكس، وأحياناً بين المسيحيّين عموماً والدروز، على الرّغم من أنّ الرجل لم يكُن طائفيّاً، فقد تزوَّج مُسلِمة وعُمِّد مسيحيّاً، على الرّغم من أصله الدرزيّ. مع نَفيه ثمّ رحيله، تفجَّر الصراع الطائفي بين المُوارنة والدروز، وثارت فِتنٌ عديدة اقتضت تدخُّل السلطنة العثمانيّة ودُول أوروبيّة عديدة، على نحو أفضى إلى تقويض إمارة الجبل باستقلالها النسبي، وقيام متصرفيّة الجبل (1864 - 1920) التي أسّس دستورها للطائفيّة حينما قرّر أن يكون حاكمها (المُتصرّف) مسيحيّاً بالضرورة، تُعيّنه إسطنبول غالباً، من أصول غير لبنانيّة عادة، ويُعاونه مجلس إدارة من 12 مُمثِّلاً للطوائف الموجودة فعلاً، مع تقسيم المُتصرفيّة إلى سبعة أقضية يحكم كلّاً منها قائمقامٌ ينتمي للطائفة الأكبر في قضائه. استمرّ ذلك الوضع حتّى قيام الحرب العالَميّة الأولى التي أفضت نتائجها إلى دولة (لبنان الكبير) تحت الانتداب الفرنسي في العام 1920 والتي ضمّت، إلى الجبل، السهل الساحلي من طرابلس إلى صور مروراً ببيروت، بجانب بعلبك والبقاع، ومن ثمّ أخذت المُعادلة الطائفيّة تتغيّر وتتوازن بين الطوائف. المُفارَقة أنّ دستور الدولة سنة 1926 تجاهلَ ذلك التغيّر واستمرّ يُكرِّس الطائفيّة الموروثة عن عهد المتصرفيّة عندما اشترط انتخاب البرلمان على أساسها، وبحيث يكون التمثيل بحسب الوزن العدديّ للطائفة، وإن سكتَ عن تسمية دين رئيس الدولة، ربّما لقلّة أهميّة المنصب آنذاك، حيث كان يُعيّنه المفوّض السامي الفرنسي عمليّاً. وعندما زال الانتدابُ وأُعلن الاستقلال في العام 1943 كان عُرْفُ دولة المتصرفيّة قد اكتسب قوّةَ القانون الذي أكَّدته صياغة "الميثاق الوطني"، عندما حدّدت الرئاسات الثلاث: المارونيّة لرئيس الدولة، والشيعيّة لرئيس مجلس النوّاب، والسنيّة لرئيس مجلس الوزراء، وهو الواقع الذي أقرّه دستور 1946 الذي وُضِع بعد رحيل آخر جنود الانتداب الفرنسي وبلوغ الاستقلال التامّ.


بانتصاف الخمسينيّات أحذت الجمهوريّة المستقلّة تعاني من خلخلة التركيبة الطائفيّة، ومن تيّارات السياسة العربيّة الجديدة بفَوراتها الأيديولوجيّة، وخصوصاً مع صعود تيّار القوميّة العربيّة، وتصاعُد المدّ الناصري الذي أتى بفؤاد شهاب رئيساً وتدشين المرحلة الموسومة بـ "الشهابيّة"، ثمّ تزايدت وطأة الدَّور السوري في لبنان، ثمّ الحضور الفلسطيني الوازِن سياسيّاً وعسكريّاً، وجميعها مطبّات سياسيّة أفضى انفلاتها إلى الحرب الأهليّة سنة 1975 التي نهشت أوصال الشعب اللّبناني مخلِّفة دماء كثيرة، وآلاماً أكبر مع خسائر ماديّة لا تُحصى.


انتهت الحرب الأهليّة وعاد الاستقرار مع توقيع اتّفاق الطائف، ولكنّ الأساس الطائفي للنظام السياسي ازداد رسوخاً، حيث كان العلاج هو أصل الداء، ليظلّ لبنان يدور في فَلَكِ الطائفيّة. المشكلة الأكبر هي أنّ الطائفيّة نفسها، والتي بدأت سيرتها كنَوعٍ من الديمقراطيّة التوافقيّة، أخذت تذبل وتتدهور قيَمها، وخصوصاً مع رحيل الزعامات الكبيرة من آباء الاستقلال، وحضور زعماء أقلّ استمساكاً بالعُرى الوطنيّة وتعزيزاً للطوائفيّات على اختلافها، وخصوصاً بعدما صارت الطائفيّة باباً للاسترزاق والفساد وتوزيع الغنائم واقتسام الوظائف وليس مجرّد آليّة لتقاسُم السلطة.


الاحتباسُ التاريخيّ


اليوم صار مجرّد تشكيل حكومة أو انتخاب رئيس في لبنان أمرأ إشكاليّاً، حتّى داخل الطائفة نفسها التي ازداد وضعها تعقُّداً وعلا صوتها على كلّ صَوتٍ آخر بفعْل الاحتباس التاريخي؛ ذلك أنّ المَوقف الإنساني برمّته، ومن ضمنه الفضاء السياسي، لا يمثِّل وضعاً فيزيقيّاً، ولا يُمكن تصوُّر استمراره جامداً، بل هو موقف عضوي، إن لم يتقدَّم ويتجدَّد، فمحكوم عليه بالترهّل والتراجُع، وهذا سرّ ما يحدث في لبنان من تدهور تدريجي شامل أعقاب الربيع العربي الدامي، وصعود الفوضى وتراجُع هَيبة الدولة ومؤسّساتها المُختلفة.


من جانب آخر، تدهورَ الجدل الثقافي، وأَغلقت مَنابره الرصينة تباعاً، من صحف ومراكز أبحاث، ثمّ توارت نشاطاته من ندوات ومؤتمرات، فأخذت بيروت تتلوّى حسرةً من فقدان الظلّ وغياب الدَّور والمَوقِع. لم يعُد أحد يتّجه إلى لبنان كقبلة سياحيّة، فتراجَع نِظام الخدمات، وتمدَّدت البطالة وانكمشت اللّيرة وسادَ الإحباطُ على كلّ صعيد.


مع انسداد الأُفق في بلاد الأرز، اندلعت انتفاضة تشرين الأوّل (أكتوبر) 2019، نشداناً للأمل في أيّ جديد، لكنّ الجديد لم يأتِ، وكأنّه "غودو" في مسرح العبث. وبينما الجميع ينتظر وقوع المُعجزة، التي لم تَقَع، وقَعَ الانفجار اللّعين في الميناء، جُذر بيروت المؤسِّس، الذي أتى على الكثير ممّا فيها، مُتسبِّباً بآلامٍ ممضّة، وبشعورٍ بالعجز لا يوصف عند كلّ لبناني، بل كلّ عربي يدرك قيمة بيروت ورسالة لبنان، وهو يُشاهِد مرآته التي لطالما رأى فيها وجهَه، تتكسَّر أمامه. لكنّ بيروت، وكما عوَّدتنا في سيرتها الملحميّة الشاهدة، سرعان ما ستتجاوز مَشهدَ خرابها الأخير وتنهض من جديد في عيون نفسها وعيون كلّ مُحبّيها من عرب وغير عرب.



عن دورية "افق" تصدر عن مؤسسة الفكر العربي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق