-->

ديان دي بريم

الحبيب الواعي

 ولدت ديان دي بريما في مقاطعة بروكلين  بنيويورك عام 1934 وتربت في كنف عائلة إيطالية مهاجرة، وكان جد أمها، دومينيكو ملوزي، ناشطا فوضويا وشريك كارلو تريسكا وإيما كولدمان. درست بثانوية هانتر كوليج وبكلية سوارثمور بنيويورك قبل أن تنقطع عن الدراسة بعد انسلاخ السنة الأولى وتركز على حلمها الذي اختزلته في رغبتها الجامحة في أن تصبح شاعرة في مانهاتن مهما كلفها الأمر. 

كانت إلى حد كبير شاعرة عصامية، وبدأت حياتها الإبداعية في سن التاسعة عشرة من خلال مزيج من ثلاثة تأثيرات. تقول ديان دي بريما: 

"لقد درست كيتس وباوند. أخبرتني رسائل كيتس بكل ما كنت أحتاج إلى معرفته حتى وقعت يدي على كتاب "أبجديات القراءة" لإزرا باوند. كانت بحاجة إلى أن تتعلم المزيد من التقنيات مثل إتقان "لبنات بناء الشعر التي تكمن في الصورة، ورقص اللغة، وموسيقى الكلمات". شكلت هذه العناصر الثلاثة – كيتس وباوند ولبنات البناء – بداية تعليمها الأولي إلى جانب جلساتها مع إزرا باوند نفسه الذي أرسلت له بعض قصائدها قبل أن تزوره بإنتظام في مستشفى سانت إليزابيت للأمراض النفسية في واشنطن. بعد أن هجرت المدرسة، قضت نصف اليوم في الكتابة والنصف الآخر في الدراسة وتتبعت الأجندة التي اقترحها عليها باوند بشكل أو بآخر، كما درست قواعد اللغة اللاتينية وقليلا من اليونانية كي تتمكن من قراءة قصائد هوميروس. 

تقول ديان في مذكراتها: "كنت أدرس عادة في المنزل، وبعد ذلك كنت آخذ دفتر ملاحظاتي وأخرج وأكتب وأركض في أنحاء المدينة وأكتب. ثم أتم الكتابة والمراجعة في المنزل مساء. لم نكن بحاجة إلى الكثير، ولذلك فقد كانت 70 دولارًا شهريًا تغطي تكاليف الإيجار. كانت تكاليف المنزل لا تتجاوز33 دولارًا، وكانت الشقة تأوي أربعة أشخاص غير أنها لم تكن تتوفر على الماء الساخن ولا على التدفئة، وكان الحمام في الردهة". 

خلال أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، وأثناء عيشها بغرينتش فيلاج بمنهاتن إلتقت دي بريما بفرانك أوهارا، أودري لورد ورواد حركة جيل 'البيت' أمثال جاك كيرواك، ألن غينسبرج وأميري بركا، وبدأت تشارك في تنشيط الحركة الأدبية والثقافية هناك وساهمت في ازدهارها بالمدينة. وهكذا أصبحت ديان ديبريما إحدى الرائدات المؤسسات لحركة جيل البيت Generation Beat إلى جانب الشاعرة الصديقة آنوالد مان، وهيتي جونز، وجوان كايغر، ودينيس ليفرتوف، ولينور كانديل، وجوانا مكلور، وجوزفين مايلز، وروثفايس اللواتي لولاهن لما كان لهذه الحركة الأدبية وجود. وصف ألين غينسبرغ ديان دي بريما بكونها: "ناشطة ثورية تنتمي للنهضة الأدبية لجيل البيت لفترة الستينيات، تميزت بدورها البطولي في الحياة والإبداع الشعري: بوهيمية مطلعة ذات مزاج ساخر، تنهل من الأدب الكلاسيكي غير أنها راديكالية تنتمي للقرن العشرين. 


دي بريما خلفت إرثا أدبيا غنيا في الشعر والقصة والمذكرات فقد صدر لها 40 كتابا ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة


تشكل كتاباتها المستوحاة من الهدوء البوذي نموذجا فريدا في أساليب التصوير والنقد السياسي والتصوف. شاعرة عظيمة نبغت خلال النصف لثاني من القرن الأميركي وكسرت حواجز الهوية الطبقية والعرقية وأنتجت العديد من الدواوين الشعرية الرائعة من حيث خصوصيتها". 

كان أسلوب حياتها البوهيمي ينبع من التزامها بفنها وليس العكس. خلال تلك الفترة، شاركت دي بريما كذلك في تأسيس مسرح شعراء نيويورك، وأسست دار نشر 'دبويتس برس' التي نشرت أعمال العديد من الكتاب الجدد الذين لم يسبق وأن تعرف عليهم القارئ الأميركي، كما أنها شاركت في تحرير النشرة الأدبية 'دفلوتين بير' جنبا إلى جنب مع الشاعر الثائر أميري بركة.

تكمن أهمية الشاعرة ديان دي بريما في كونها دمجت بين توجهات أدبية عديدة في وقت غلبت فيه التفرقة والعنصرية وساد التحزب في الولايات المتحدة الأميركية، وبذلك تكون دي بريما قد ساهمت في تقريب الهوة المتزايدة بين مختلف الأجناس والأعراق المشكلة للمجتمع الأميركي خلال الستينيات من خلال كتاباتها النسائية التي اتسمت بالثورة على أعراف إجتماعية تشجع على التفرقة عوض لم شتات المجتمع.

 تعتبر دي بريما لبنة أساسية في حركة الستينيات الأدبية حيث شكلت جسرا يربط بين حركة جيل 'البيت' الأدبية وحركة 'الهيبي' التي استمدت جدورها الثقافية من جيل الإيقاع في وقت لاحق، وكذلك بين فناني الساحل الشرقي والساحل الغربي لأميركا. تميزت دي بريما بكونها أول صوت نسوي يكسر قيود المجتمع البطرياركي وينضم إلى حركة جيل "البيت" التي تميز بنبذها لكل ما هو مؤسساتي. وكغيرها من الكتاب الذين وقفوا في وجه السلطة السائدة والمؤسسات التي تمثلها فقد واجهت دي بريما في عدة مناسبات مضايقات نظرا لطبيعة شعرها واتهمت باستمرار بنشر الفاحشة بسبب ما ينشره مسرح شعراء نيويورك ومجلة 'دفلوتين بير،'  وفي عام 1961 ألقي القبض عليها بالفعل من قبل المكتب الفيدرالي للتحقيقات بسبب نشرها لقصيدتين في مجلة "دفلوتين بير". 

في عام 1966، أمضت بعض الوقت في ميلبروك بنيويورك مع جماعة تيموثي ليري وأصدرت نسختين من  كتابه "صلوات سايكيديلية"، وهو كتاب يتكون من قصائد تأملية كتبها ليري خلال رحلته إلى الهند 1965 متأثرا بلاوتسي، وأمضت سنة 1967 على الطريق مسافرة في حافلة فولكس فاغن، تقرأ الشعر أمام واجهات المحلات والبارات وصالات العرض والجامعات، قبل أن تنتقل سنة 1968 إلى مدينة سان فرانسيسكو حيث ستقضي معظم حياتها وتنكب على دراسة البوذية و الغنوصية والخيميا والسنسكريتية.

 قاريء شعر دي بريما سيلاحظ أنه يمزج بين تقنيات الإنسياب العفوي لتيار الوعي مع الإنتباه الدقيق إلى الشكل واللغة  كما أنه يجمع بين السياسة والممارسة الروحية في قالب واحد. مواقفها السياسية توصف أحيانا بأنها فوضوية، وتدين بذلك إلى جدها دومينيكو ملوزي وهو مهاجر إيطالي ومفكر سياسي حر كان من أقرب أصدقائه الفوضوي كارلو تريسكا. تقول دي بريما في إحدى مقابلاتها "جلب جدي فكر الفوضوية معه وإحساسا مشتركا بأن الشعر للجميع، وكان يقول إن الجميع قد قرأ دانتي، وتخيلت كل ربات البيوت يقرأن دانتي... وعندما بلغت عشرة أعوام طلب مني والدي أن أقرأ مكيافيلي، وقال لن تفهمي أبدا ما يجري في العالم لأنه لا أحد سيخبرك بذلك، كل ما يكتبونه هو مجرد دعاية". 

وفي مقابلة أخرى لها مع مجلة 'جاكيت' تتحدث دي بريما عن حياتها ككاتبة وأم وناشطة سياسية قائلة: "كنت أريد كل شيء- بجد وفي كليته- أردت أن أمر بجميع التجارب الممكنة، وكنت أرغب في كل ما هو ممكن لشخص في جسد أنثوي، ويعني ذلك أنني أردت أن أكون أما... وكان شعوري، 'حسنا'، لا أحد قام بذلك بهذه الطريقة من قبل ولكن تبا لكل شيء، هذا ما سأفعله، وسأجازف من أجله". ويعتبر شيلي، كيتس، بليك إزرا باوند، تشارلز أولسون، الشاعرة هيلدا دوليتل من أهم الشعراء الذين تأثرت بهم بالإضافة إلى موسيقى الجاز والبلوز، وبطبيعة الحال، كتابات شعراء معاصرين لها أمثال مايكل مكلور، جون وينرز وأميري بركة.

لم تقتصر دي بريما على كتابة الشعر والمساهمة في الحركات الثورية للخمسينيات والستينيات بل واصلت مسيرتها كناشطة سياسية من خلال التدريس، كما سعت إلى تربية الأجيال الصاعدة على مبادئ الحرية والعدالة والإختلاف في العديد من المدارس والكليات. من عام 1974 إلى عام 1997، اشتغلت دي بريما مدرسة للشعر في مدرسة جاك كيرواك جاك للشعر بجامعة ناروبا في بولدر بولاية كولورادو، وتقاسمت حصص البرنامج مع زميلها ألين غينسبيرج (الشريك المؤسس للمدرسة)، ويليام بوروز، غريغوري كورسو، وآخرين، كما أنها درست بكلية كاليفورنيا للفنون والحرف، وبرنامج الماجستير في  الشعر والبويتيقا بنيوكوليج بولاية كاليفورنيا. وفي سنة 2009 تم إنتخابها شاعرة  مدينة سان فرانسيسكو وأنجز فيلم وثائقي حول حياتها وتجربتها بعنوان "صفقة الشعر".

خلفت دي بريما إرثا أدبيا غنيا في الشعر والقصة والمذكرات فقد صدر لها 40 كتابا ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة، وتشمل دواوينها الشعرية: "هذا النوع من الطيور يطير إلى الخلف" (1958)، "رسائل ثورية"(1971) و"قصيدة طويلة لوبا" (1978)، و"مقطوعات من أغنية: قصائد مختارة" (2001)، بالإضافة الى مجموعة قصصية معنونة بـ "عشاءات وكوابيس" (1960)، و"مذكرات امرأة من جيل البيت" (1968)، و"ذكريات من حياتي كامرأة: سنوات نيويورك" (2001) و"صفقة الشعر" (2014). منحت جائزة الجمعية الوطنية للشعر اعترافا بما قدمته للثقافة والمجتمع كما حصلت على جوائز أخرى منها جائزة فريد كودي لأحسن إنجاز مدى الحياة، وتلقت أيضا منحا من الصندوق الوطني للفنون، ولجنة الشعر، ومعهد التنمية الجمالية، وكللت جهودها بشهادة دكتوراه فخرية من جامعة سانت لورانس. 

كانت حالة دي بريما الصحية قد بدأت في التدهور منذ أكتوبر 2017 وعانت مع مرض الباركينسون وضعف البصر، كما فقدت أسنانها من مما دفع بأهلها إلى نقلها إلى مركز للعناية الخاصة بمستشفى سان فرانسيسكو حيث قضت نحبها محاطة بزوجها شيبارد بوويل وأبنائها الخمسة.

نصوص مختارة

رسالة ثورية # 20

(مهداة إلى هيوي نيوتن)

لن نستريح

حتى يمشي الإنسان حرّاً وشُجاعاً على هذه الأرض

كلّ واحد وفق طريقته الأصلية

وقبيلته، مُسالماً في الهواء الطلق

...

حتى يمكن للجميع أن يبحثوا دون عوائق

عن شكل أفكارهم

لا وجود لسحابة سوداء من الخوف أو شعور بالذنب

بينهما والشمس، لا أطفال يحترقون

لا شبابَ محبوسين، لا عالمًا من الورق

يقف بين الجسد والجسد في

التقاء الإنسان بالإنسان

...

حتى تصبح الشابات

أنفسهن شريفات وغير خائفات

يلدن أبناء أقوياء

يحببن ويرقصن

...

حتى يمكن للشباب في نهاية المطاف

أن يفقدوا بعضاً من صرامتهم، أن يعودوا

إلى أفكار الشباب، حتى يرتدَّ صدى

الضحك  مرة أخرى على تلالنا ويملأ

سهولنا

 

رسالة ثوريه رقم 21

هل تستطيع

أن تمتلك الأراضي، هل تستطيع أن تمتلك

بيتا، أن تكون لك حقوق في

عمل الآخر، (أسهما، أو مصانع

أو مالا مقدما بفوائد)

ماذا عن

العائدات من نفس المحاصيل وسيارات،

طائرات تسقط القنابل، هل تستطيع أن تمتلك

العقارات حتى يدفع لك الاخرون

ثمن الإيجار؟ من يمتلك

الماء، من سيمتلك

الهواء وهو في طريقه الى النذرة؟

يقول الهنود الحمر إن الإنسان

لا يمكنه أن يمتلك أكثر مما يستطيع أن يحمل

على حصانه

 

الرسالة الثورية/ 15

عندما تستولي على كولومبيا، 

عندما تستولي على باريس، سيطر على

وسائل الإعلام، أخبر الناس بما تفعله

أخبر الناس بما توصلت إليه ولماذا وكيف تنوي

القيام بذلك، وكيف يمكنهم أن يساعدوك، حافظ على انسياب الأخبار

بثبات، لديك سبعون سنة 

من الشريط الناتج عن وسائل الإعلام كي تقاتله، إنّه جدار

يجب أن تخترقه، على نحو ما، لتصل إلى

الإنسان الغريزي، الذي يكافح مثل مصنع

للضوء، للهواء

عندما تستولي على المدينة، والحرم الجامعي، سيطر على 

محطات الكهرباء والماء والنقل،

اِنْسَ التفاوض، انْسَ كيف

تتفاوض، لا تنتظر ديغول أو كيرك

كي يتنازلا عن العرش فإنهما لن يتنازلا، أنت لا

"تتظاهر" أنك تقاتل

تقاتل من أجل الفوز، لا تنتظر جونسون أو

همفري أو روكفلر كي يوافقوا على شروطك

خذ ما تحتاج إليه، "الأشياء مجانية

لأنّها لك".

•    باحث ومترجم من المغرب

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *