-->

محمد خضير... حَشْر في جلسة: (من مفكرة آخر العام)

 

 

هي كالحَشْر أو أقرب، الجالسون في صفوفٍ بانتظار حسابٍ وشيك. كلٌّ حائرٌ بنفسهِ عن نفسه، شاردٌ وراء كلمةٍ يسمعها كنداء بالاستعداد. هناك من يراقب المشهد من الأعلى (بصحبة المصوّر المُستخدَم لهذا الغرض).

مِنّا مَن أكملَ جلسةَ الحساب ورحل (أعرف اثنين من الراحلين في الصورة). ومِنهم من اجتاز الامتحانَ، ودُوِّرَت حياتُه إلى جلسة قابلة، من غير أن يعرف ما ينتظره!

سننتقل إلى جلسة أخرى، صغاراً وكباراً، بنظام حشرٍ آخر، وتصفيفٍ مختلف. حاكِمُ الجلسة غائبٌ عن الصورة، لكنّه حاضر في الاختبار، أُعطِيَ مرتبةً أعلى، وصِفةً فوقيّة أكبر. وكذلك الحال، أينما انتقلنا من محشر إلى آخر: دائرةٍ رسمية، قطار، دار سينما، مستشفى، صفّ دراسيّ.. هناك من يخطّط للمحاسبة وإحصاء الأعمار.. مراقِبٌ من مستوى أعلى..

صفوفٌ وراء صفوف، حذْفٌ وراء حذْف، يتناقص عدد المُحاسَبين، جلسةً بعد جلسة. تغيب الأجساد وتحضر الأسماء، لتذكّرنا بحتمية الاقتراب من الصفوف الأولى، التي يتفانى غير المحذوفين على شغل مقاعدِها. ويأتي وقتُ الحذف اضطراداً مع هيبة المحاسِب الكبير، المتناصّ مع السائل الغائب عن الصفوف.

محاسبة الحشْر الأدبي، شبيهةٌ باستنساخ أجواء السياحات الكبرى لأبي العلاء في رسائله، وابن شُهَيد الأندلسي في توابعهِ وزوابعهِ، والعطّار الذي جمعَ الطيورَ في هيئة طائر خرافي اسمه السَّيمُرغ.. وفي أيّ رحلة من قبيل المِعراج السماوي، يتساوى العارفون وأتباعُهم في المساءلة والحذف، فترجح كفّةُ الميزان علّواً وتسافلاً، لِمَن تصادفَ جلوسُه في محطة السفر بانتظار السؤال المصيري الأخير، الذي يُطرَح عادةً بغموض وتوريةٍ بلاغية، من مثل: "الألفُ أوّلُ الكلام، والياءُ نهايته، ففي أيّ حرفٍ تكمن منطقةُ الوسط بين البداية والنهاية؟". ولا عِلمَ لمحشورٍ بتطابق الحروف مع عدد المسؤولين في الجلسة. ولا مَن سيقع عليه الدَّور في الإجابة. فهناك متطوّعون سِراعٌ للتصدي والمحاورة، وهناك مَن يتردد وينسحب إلى زاويةٍ خشية السؤال.

نُفيقُ على حضورٍ روتينيّ، تصفيفٍ عشوائيّ، الكلامُ فيه كالسُّكوت، الخلوّ والامتلاء مصادفةٌ بحتة؛ والحروف متساوية في قيمة الفتح والإقفال. يُنطَق اسمُك مرة واحدة، ثم يتجاوزك الهُتافُ الى مصفوفٍ بجانبك أو وراءك، ولا فسحة تفكير كي تتأكد مَن المقصود بالمناداة. تنفضّ الجلسةُ ولن تعرف إنْ كنت قد حُذِفت أو تأخر حذفُك الى جلسة تالية. الوجودُ أو عدمُه حالتان لا تُقاس مدّتهما بزمن جلسة تحقيقٍ واحدة، بغفوةٍ قصيرة أو موتٍ أخير. هو، وحده، في الأعلى، من يراقب هذا التعاقبَ التصادفيّ، ويصوّره من أجل دحض الصُدفة، أو إنكار المحاسبة.

يذهب المحشورون الى جلستهم بإصرار غريب، ويختار مصفوفون غيرُهم موقعاً آخر، مقهى أو دارَ مسنّين، ولا يختلف النوعان في الحساب عما اقترفَه من بشريّةٍ مُحِبّةٍ للاجتماع، أو باطنيةٍ محكومةٍ بالتغافل والاستتار عمّا يجاورُها أو يقابلُها من مصادفات الوجود المؤقت واتفاقاتِه، في محشرٍ دوريّ، يُلقى السؤالُ فيه مرةً واحدة.

هل تعرّفت على نفسك في هذه الصورة، أو في صورة غيرها تحتفظ بها في ألبومك/محشرِك الشخصي باعتزاز، وكأنّك الباقي الوحيد بين المحذوفين منها؟

يا لغفلتك عمّا ينتظرك!

TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *