-->

أحمد بيضون... عن تقشير البرتقال

برتقال يافا محمد الكرنز

 ذات مساءٍ، في باريس، لاحظتُ أنّ جلسائي الفرنسيّينَ إلى العشاءِ يختلسونَ النظرَ إليّ باستهجانٍ وأنا أقطّع قشرةَ البرتقالةِ أهِلّةً ثمّ أنزَعُها هلالاً هلالاً وآكُلُ البرتقالةَ هلالاً هلالاً أيضاً مجارياً في كلّ ذلك خِلْقةَ البرتقالةِ وعادةَ بني قومي.

بعدها أتيحَ لي أن أعاينَ بعضاً من أهلِ تلك البلادِ وهُمْ يقشّرون البرتقالةَ مديرينَ السكّينَ حولَها بحيث تخرُجُ القشرةُ شريطاً واحداً. ثمّ إنّهم يقطّعون البرتقالةَ بالسكّين دوائرَ متجاهلينَ - لَعَنَهم الله! - خلقتَها الربّانيّة، مستعملينَ في أكْلِها الشوكةَ والسكّينَ وكأنّهم لا أصابعَ لهم ولا أظافر. وهذه، في كلّ حالٍ، سُنّتُهم في التحاشي من لمْسِ ما يدخُلُ أفواهَهُم ما أمكنَهُم ذلك. حتّى لَيَسَعُني - لو كانت لي بلاغةُ وزيرِ الصحّةِ اللبنانيّ - أن أصفَ طريقَتَهم تلك بأنّها "غايةُ التحاشي من لَمْسِ المَحاشي". وهذا مع العِلْمِ أنّ الطريقةَ المُشارَ إليها تَجَلٍّ واحدٌ لعلاقةٍ شاملةٍ بالعالم... ولكنّ هذا حديثٌ يطول.

من هذا الحديثِ أقتصرُ على الإشارةِ إلى اعتمادِنا في تقشيرِ البرتقالِ وأكْلِهِ مبدأَ "التشابُهِ" أو "المحاكاةِ" (analogy ) أي المواءمةِ ما بين تكوينِ البرتقالةِ وطريقةِ استهلاكِها. والتشابُهُ شيءٌ قديمٌ في سياسةِ البَشَرِ علاقتَهم بالعالم: فمِنْهُ منشَأُ السِحْرِ ومَنْشَأُ الشِعْرِ ومبْدأُ الطبِّ التقليديِّ وقد يكون أصلاً في التكوينِ الدلاليِّ للُّغات، إلخ. ومِثالُ ذلك كلّهِ قولُ أبي نواس (رض): "وداوِني بالتي كانت هي الداءُ". وأمّا عُلوجُ أوروبّا فغلَبَ في العصرِ الحديثِ مَيْلُهُم إلى جعلِ الجِسْمِ البشريِّ وحرَكَتِه في العالَمِ مسْتَقِلَّيْنِ عن العالمِ وصُوَرِهِ وحركاتِهِ، وهذه هي بؤرةُ ما يُسَمّى "الموضوعيّة"، وهي مختلفةٌ جدّاً عن "التشابهِ"، تدركُ هذا الأخيرَ - إذا احتاجت إلى إدراكِه - لا عَفْواً أو مباشَرةً بل بالاصطناعِ والواسطةِ أي بِما يقتضيه التحليل.

في كلِّ حالٍ، قد لا يكون تأمّلي هذا في تقشيرِ البرتقالِ وأكْلِهِ غيرَ هَذَيانٍ صَباحِيٍّ موصوف. فكم أوروبِيّاً رأيْتُهُ يُقَشّرُ برتقالاً؟ ثلاثة؟ أربَعة؟ وكم واحداً من بني جِلْدَتي شاهدتُهُ يَلْجَأُ صاغراً إلى منهجِ العُلوجِ في التقشير؟ خمسة؟ عشرة؟ هذا لا يكفي- بديهةً - أساساً لاستقراءٍ علميّ. الذين يختبرون لقاحَ كوفيد ١٩ احتاجوا إلى أربعين ألفاً من بني آدم! ولكنْ ما لنا وللعلمِ الآن؟ فإنّ مرادَنا أن نتسَلّى قليلاً عن مُصابِنا بالفيروس وبمن يشبهونه من بني قومِنا ليسَ إلّا.


TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *