عيسى الحجيري... عن الحجي خالد - الرومي

الاثنين، 14 ديسمبر 2020

عيسى الحجيري... عن الحجي خالد

 


كان من نتيجة عملية البحث عن الكنز، أن قضى أحد الأشخاص إختناقاً داخل البئر وكاد رفيقه الذي أنزلوه لإنقاذه أن يلحق به لولا أنهم سحبوه بسرعة بعد صراخه مستغيثاً وهو يفقد وعيه ويدخل في غيبوبة، وكان الذي سرّب الدليل السريّ حول موقع الكنز وحجمه هو أحد المعمّمين المتجولين من بلاد الشام، وحادثة البئر هذه أكدت للجماعة الباحثة عن الطمائر بأن ذلك دليل قاطع على وجود الكنز الدفين المرصود بحراسة الأرواح الشريرة وهي التي قامت بخنق الشخص الأول وقد تقضي على أي شخص آخر يحاول الوصول للكنز المطمور في قعر البئر، ومما زاد في قناعة الجماعة في وجود الرصَد هو إنطفاء أية وسيلة للإضاءة مشتعلة حاولوا إنزالها في البئر، و من أجل ذلك فإن الأمر يتطلب القيام بعملية معقدة لطرد تلك الأرواح أو السيطرة عليها وإبطال شرّها، ولا يقوم بهذا العمل غير أصحاب الخبرة المجربين في إخراج الأرواح من الأجساد التي تتلبسها.     


تضاربت الأحاديث المتداولة همساً وعلناً حول حقيقة اللقايا التي وجدها بعض أولئك المصلين من رواد مسجد عرسال القديم وحجم الكنز الذي وجدوه في البئر العتيق الذي كان موجوداً قرب حائط المسجد الخارجي، وهو جُبٌّ لجمع المياه في فصل الأمطار والثلوج لاستخدامها في حاجات رواد الجامع، مثلما كانت عليه حالة السقاية والمياه عند عموم أهالي البلدة قبل إنشاء شبكة للمياه، واستمر وجود تلك الأبار بعد إنشاء تلك الشبكة واستجرار مياه النبع المعروف بـ "عين الشُعب" بضخها بواسطة مضخة يشغلها محرك ديزل  ضخم نحو أعالي "ضهر الجبل" بواسطة قساطل وتجميعها في خزان كبير لتنقلها أنابيب أخرى إلى البلدة وتوزعها على حنفيات في بعض الأحياء، وكان ذلك في أوائل العقد السادس من القرن الماضي، وجاءت تلك الإلتفاتة من السلطات اللبنانية نحو البلدة البعلية المحرومة البائسة، إثر أحداث مأساوية عصفت بالبلاد خلال سنوات ما سُمي بثورة الـ 58 حيث كان للبلدة "عرسال" وأهلها صيت بارز فيها وضحايا كثر.


كانت فوهة البئر مغلقة بقطعة من صفيح الحديد مثبتة بوضع بعض الحجارة فوقها، ولم يكن أي شخص قد فتح البئر منذ وفاة الحجي خالد الذي كان يستخدم مياه ذلك البئر منذ سنوات قبل العثور على بقايا جثته المتحللة داخل الكوخ التابع للجامع، فأصبحت مياهه الضحلة لزجة تفوح منها رائحة كريهة من الغازات المتولدة عن تحلل المواد المختلطة بالمياه الآسنة.


كان الكوخ القديم المبني من الحجر الغشيم هو كناية عن غرفة مسقوفة بجذوع أشجار صلبة تعلوها مَدّة من أغصان أصغر وتغطيها فرشة من الشيح والبلان وفوقها طبقة سميكة من الطين المجبول مع قصب تبن القمح والحصى، وتلك الخلطة كانت هي الشكل التقليدي في سقوف كل البيوت التقليدية العتيقة، مع فوارق بين البيوت الصغيرة مثل هذا الكوخ الذي كان تابعاً للمسجد القديم والبيوت الواسعة الكبيرة،  ففي هذه الأخيرة كان السقف يتألف من قسمين من جذوع الشجر تستندعلى جهتي الجسر وهو كناية عن جذع ضخم يصل قطره إلى ذراع أو أكثر وطوله يزيد عن عشرة  أذرع، وكان يسند الجسر عند وسطه جذع آخر يقف في وسط البيت هو العامود وهو يكون عادة منجور بشكل متقن؛ وفوق كل سقف توجد مدحلة أو محدلة صخرية أسطوانية الشكل لا يقل وزنها عن خمسين رطلاً تحدل بها الأسطح خلال فصل الشتاء والمطر لمنع تسرب المياه في السطوح تلافياً لحصول الدلف، وفي زاؤية من زوايا البيت يوجد الموقد وله مدخنة من الطين تخترق السقف وتعلو عنه


عاش في المسكن المذكور خلف المسجد شخص لم نعرف عنه شيئاً غير تسميته: الحجي خالد، هو وحيد منفرد لا أسرة له ولا قربى ولا نسب ولا معارف أو أصدقاء سوى بعض المصلين من رواد المسجد، منعزل عن الناس وكل ما كان معروفاً عنه أنه من ديرة حمص، هو رجل قصير القامة رث الثياب متقشف أمضى حياته زاهداً متنسكاً مجاوراً للمسجد يسد احتياجاته من صدقات وتبرعات المصلين وجيران المسجد ولم يغادر مسكنه أبداً، لا يزور أحداً ولا احد يستطيع زيارته بسبب القطيع الكبير من الهررة والقطط ، وهذه الحيوانات الأليفة التي تشاركه السكن في الكوخ المعتم المطلي بالسواد جراء الموقد الذي يشعل فيه النيران لقضاء حاجاته هو وهررته، هي كما يقال قد التهمته بعد وفاته لسد جوعها بعد نفاذ أية مواد تغتذي بها، فوجدت بقاياه بعد أيام من إختفائه عن الأنظار، وكان هو يرد على من يساله عن سبب عنايته بهذه القطط بترداد حديث نبوي مرويّ يقول" أكرموا الهر إكراماً لأبي هريرة"، 


كان جامع عرسال القديم وحيداً وجدرانه مبنية من الحجر الأبيض المقصوب بجدران سميكة تبلغ سماكتها حوالي المتر، وله مئذنة من الحجر أيضاً في داخلها درج لولبي حتى أعلاها، وبه في الحائط القبلي ـ الجنوبي محراب ومنبر عن يمينه، ويقع المسجد في مركز البلدة القديمة ووسطها تحيط به مساكن هي على ما يعتقد أقدم ما بُني من عرسال، ففي أسفل تلة "الشفق" من جهة الشمال والشمال الشرقي كانت توجد كهوف ومغاور وأمامها مساكن بيت حميد الذين تتفق كل الروايات على أنهم أول من استوطن عرسال وعاش فيها.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق