ثورة مروان طحطح - الرومي

الجمعة، 4 ديسمبر 2020

ثورة مروان طحطح


 


بدات رسائل فيضانات هاتف المصور مروان طحطا في وقت متاخر من ظهر يوم الخميس 17 اكتوبر 2019. ولكن مثل الكثير من اللبنانيين مر بالكثير من اللبنانيين وفي ذهنه لم يكن هناك اخبار هامة بشكل خاص ان بعض الشباب قد انتصبوا حاجز طريق هنا، او ان الاخرين بداوا في حرق الاطارات هناك. لذلك ذهب لبقية يومه وذهب الى المنزل. ومع ذلك، ومع استمرار الرسائل بلا هوادة في الليل، زاد فضوله، وقرر حوالي منتصف الليل ان ياخذ سكوترته ويتفقد ما كان يحدث. مرة واحدة في محيط الحلبة، الجسر الذي يربط شرق بيروت وغربها، لفت النظر الى مشاهد الاحتجاجات التي تتكشف، وفي تلك اللحظة التقط اول صورة له لما يعرف باسم ′′ اكتوبر 17 ′′ ثورة."

طوال الايام والاسابيع القادمة، استمر مروان في متابعة الاحتجاجات - بشكل رئيسي في بيروت ومحيطها - واستمر في رؤيته للاحداث. كصحفي مصور، نشرت بعض الصور التي التقطها في مختلف وسائل الاعلام، وكمصور فوتوغرافي، تم مشاركة صور اضافية من خلال منصات التواصل الاجتماعي الخاصة به.

لاي شخص يرصد عن كثب التطورات حول الثورة وتدفق الصور الفوتوغرافية التي توثق مشاهدها، اما كناشط او كمراقب، فليس من الصعب ملاحظة ان صور طاحطة تختلف عن العديد من الصور الاخرى المتداولة. ليس ان صوره هي الاكثر رسومات من حيث التبليغ، ولا الاكثر استخداما من حيث التوثيق، ولا الاكثر اثارة من حيث التاثير. ومع ذلك، فهي ملحوظة لانها، بطريقة ما، مخالفة لهذه الاطرف. اثناء نقل التوترات والقلق من ديناميكية ′′ اكتوبر 17 ′′، فان صوره تفعل ذلك بطريقة رشيقة واحيانا بعيدة، سواء بالمعنى الحرفي والمجازى. يميل المرء الى ان يتخيل طحطا ليس كمينا عدوانيا، يهرع لتحقيق مهمته ويعود الى بر الامان، ولكن كقاذة حادة، يتحرك بثقة من خلال فراغ وموجود ما سيفعل امامه.

واستنادا الى اقتناعها بان حتى القضايا الملحة والاحداث السريعة التطور تتطلب تامل مدروس عبر نهج متوسطة، سعى UMAM D & R الى نحت نافذة للتامل في الاحداث المزعجة التي يعيشها لبنان في العام الماضي، على الرغم من استمرار تعدد - بيئة طبقات من الاحباط اثناء اقتحام التفكير، جاءت صور طحطا طبيعية في التفكير في احداث الخريف الماضي، وتم تصور النسخة الاولية من هذا التركيب كمعرض للصور التقليدية. ومع ذلك، اثناء اختيار الصور لعرضها، ظهرت فكرة غمر المعرض ضمن نسخ شاشات الاسمنت التي فطرت في بيروت ومدن لبنانية اخرى بعد اكتوبر 17.، وبذلك كانت الصور متداخلة على التركيبات المعدنية ثلاثية الابعاد. اعادة تصميم HANGAR، مساحة معرض UMAM D & R، في سلسلة من نوافذ الصور المعششة الحرفية، وتشجيع المشاهدين على الدخول الى مساحات تشبه كشك الاعتراف للتامل داخل وفي المشاهد المصورة. عندما يتعلق الامر باعطاء عنوان لهذا العمل، جاء في ذهني طقس عربي، ينص على ان الصيف يمكن عادة العثور عليه في موسم الخريف، كطريقة لوصف الخريف بانه موسم متعدد الاستخدامات والمفاجاة.

اثناء النظر في المثل العام اللبناني ′′ bayn tishreen wa tishreen wa tishreen sayf tani...," المعنى الحرفي ′′ بين اكتوبر ونوفمبر، الصيف الثاني هو الربيع،" ملاحظة كاموس الشهيرة ′′ الخريف هو الربيع الثاني عندما تكون كل ورقة زهرة ′′ جاء في ذهني. وهكذا ولد عنوان هذا المعرض، وان كان مع التحذير الذي حتى لو لم تكن كل ورقة زهرة، فان الخريف لا يخلو من طعم الصيف.

على المُنْتَصَفِ من ليل الخميس 17 تشرين الأول، أو قريبٍ منه، لـبَّـى مروان طحطح نِداء الرَّسائلِ الهاتـفـيَّةِ الَّتي توالَتْ على هاتِـفِه منذ مساء ذلك اليوم، وانطَـلَقَ، على مَتـنِ درَّاجَـتِه النَّارِيَّة، يستَطـلِعُ «شو عَمِ يِصيـر!». 

كان «الريـنغ» ومُحيـطهِ أُولَى المَحطَّاتِ التي استَوقَـفَه ما تَشهدُه فـتَــرَجَّلَ عن درَّاجَـتِه، والْتـقَط أُولَى الصُّوَرِ التي وَثَّـقَتِ «الثــورة» مُذَيَّــلَةً بـتَوقيـعِه. لم تَنـتَـهِ تلك الليلة عندما أصبَـحَ صَباحُ اليَومِ التَّالي، ولا انقَطعَ مروان، اليوم تِـلوَ الآخر، والصورة تِـلوَ الأخرى، عن تَـدوينِ يَومِـيَّاتِـه، ويَومِـيَّاتِ المَدينةِ التي يَعرِفُها، ويَعرِفُ مِزاجَها، عن ظَـهرِ قَـلب.

أُتِيـحَ لـبَعضِ هذه اليَومِـيَّاتِ أن تُـنْـشَـرَ بـوَصفِها «صُـوَرًا صِحافِـيَّة»، وأُتِيـحَ لـبَعضٍ آخر أنْ يُنـشَرَ، على مَنابِرِ مروان طحطح الإلكتـرونـيَّة، بوَصفِه اختِـياراتٍ شَخصِيَّة. وعلى مَـرِّ الأيَّـامِ وتَسَلْسُل النَّشْـر، لم يكُن منَ الصَّعبِ على عَيـنٍ تَــرنُو إلى ما يَـجري من حَولِـها بأُمِّ العَين، وترى إليه أيضًا بعدَساتِ المُصَوِّرينَ والمُصَوِّراتِ أنْ تُـمَـيِّـزَ صُور طحطح، وأن تُـفرِدَ لها في ذاكِـرَتِها مَحَلًّا على حِدَة.

وليسَ ذلك لأنَّ هذه الصُّـورَ أوْصَـفُ مِنْ سِواها لـوَقائِـعِ ما بـدَأ في 17 تشرين، أو أَحْـصَـرُ لـتَفاصيـلِها، أو أَوعَى لـدَقائـقِها، أو غَيْـرُ ذلك ممَّا قد تُمدَحُ به صُوَرُ «مراسل ميدان» ــ بل يَكادُ العَكسُ أنْ يكونَ هو الصَّحيح! فـمِنْ مَناقِبِ الصُّوَرِ الَّتي استخلصتها عَدسَةُ مروان طحطح أنَّها ــ رغم الْتِـصاقِها أحيانًا بـوَقائِعَ مُعيَّـنةٍ حَدَّ نُزولِـها مَنـزِلَةَ الشَّاهِدِ العَدلِ على وُقوعِها ــ من مَناقِـبِها أنَّها لا تُوحِي، من قَريبٍ أو بَعيدٍ، باللُّهاثِ وَراءَ هذا المَشْـهَدِ أو ذاك، أو هذه الوَاقِـعَة أو تلك، أو بحَـبْسِ الأَنـفاس، أو بما يستدل منه أن المصور سعى إلى «الْتِـقاطِ» ما يعبر أمامه على مَعنى النَّـشْلِ، أو جهد لتثبيته على سبيل وَضْـعِ اليَـد... بل كـأنِّي بها، بصور مروان طحطح، لا تَـأتي من شَيءٍ سوى أنَّها تُـدْرِجُ في نِصابٍ بَصرِيٍّ ما تَعْلَـمُ سلفًا، بل عِلمَ اليقين، أنه مُقبِلٌ أنْ يقَع... وما هذا في مُزدَحَمِ «ثـورةٍ» بالأمر القليل!

وإذْ كانَ يُــلِــحُّ على «أُمَـم» أن تُستَعادَ هذه «الأيَّـامُ اللُّبـنانِـيَّة» التي يُؤرَّخُ لـبِدايَـتها في 17 تشرين الأول 2019، ونُصْبَ العَيـنِ من هذه الاستعادة الرَّوِيَّـةُ في اسْتِـبـصارِها، فلا ما يُدْهِـشُ أنِ اقـتَـرحَتْ على مروان طحطح أن يُـتِيحَ في «الهنغار»، على النَّحوِ الذي يَرتَـئِـي، ما يَتـيسَّر من صَفحاتِ يَومِـيَّاته... وهو ما وافق عليه. 

ومن حَديثٍ إلى حَديث، ومن جَولَةٍ إلى أُخرى على العَشراتِ منَ الصُّوَرِ المُخزَّنةِ في مَلفَّاته، تَـبَـلْوَرَتْ فِكرةُ «بين تشـرين وتشـرين...» ــ ولا إسرافَ في القَولِ إنَّ من آياتِ تَـبَـلْوُرِهَا ما تَوارَدتْـه الأفـكارُ من أنْ يُعَـنْـوَنَ «المعرض» بهذا العُنوان، وما تَوارَدتْه كذلك من أنَّهُ لا ما يصف تلك الأيَّـامَ اللُّبنانِيَّةَ الماضِيَةَ قدمًا بأفْصَحَ من سَواتِـرِ الأسمنت («المُسَلَّح») الَّتي شَطرَتِ المدينةَ فُسطاطَينِ لا رَحِمَ بينهما: أهْلَ المدينة وأصحابَ المتاريـس!

  ·   · 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق