"كَثلجٍ على جَناحَي نَسر": هايكوهات ريتشارد رايت - الرومي

الاثنين، 9 نوفمبر 2020

"كَثلجٍ على جَناحَي نَسر": هايكوهات ريتشارد رايت




ريم غنايم
 

"هايكو: هذا العالم الآخر"، كتاب للشاعر الأفرو-أمريكيّ ريتشارد رايت (1908 – 1960)، صدر حديثًا عن "دار مقام للنشر والتوزيع"، بترجمة وتقديم الشاعرة والمترجمة الفلسطينيّة، ريم غنايم.

يقع الكتاب في 214 صفحة من القطع المتوسّط، ويحتوي على 817 قصيدة هايكو، كَتَبها رايت على مدار ثمانية عشر شهرًا، خلال فترة منفاه في فرنسا.

يُعَدّ رايت واحدًا من أبرز أدباء القرن العشرين في أمريكا، وقد ترك بصمته السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة من خلال أعماله الأدبيّة الكبرى: "أطفال العمّ توم" (1938)، و"ابن البلد" (1940)، و"الدخيل" (1953)، إلى جانب مقالات وأعمالٍ نثريّة أخرى.

 

******

 

التقديم:

يقدّمُ هذا الكتاب، 817 قصيدةَ هايكو، كتبَها الشّاعر الأمريكيّ من أصول أفريقيّة ريتشارد رايت (1908-1960) في فترة منفاه في فرنسا[1]. ألّف رايت هذه القصائد في ثمانية عشر شهرًا، وكان قد كتب أكثر من 40,000 قصيدة هايكو في أعوامه الأخيرة.

 



 

ريتشارد رايت، واحد من أهمّ أدباء أمريكا القرن العشرين، ومن أهمّ الآباء الروحيّين للأدب الأفرو-أمريكيّ الّذي أرسى دعائم المقاومة الفكريّة للممارسات العنصريّة البيضاء. ترك رايت بصمته السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة من خلال أعماله الأدبيّة الكبرى: "أطفال العمّ توم" (1938)،و"ابن البلد" (1940)،[2] و"الدخيل" (1953)، إلى جانب مقالات، وأعمال نثريّة أخرى.[3] لكنّ رايت قرّر أن يختم حياته الأدبيّة بالشعر بدلًا من النثر، فالمنفى، بصفته حالة توحّد وعزلة، أي العودة إلى الذات وانسجامها مع الطبيعة، وسيط مثاليّ بين الشعر والوجود.

وعلى عكس ما قد يبدو، فإنّ الهايكو تمرين شعريّ صعب، فالشاعر في هذا النوع الشعريّ خبّاز يحوّل بعدّته، حالات الطبيعة إلى كلمات، والكلمات إلى صور، والصور إلى أحلام، ثمّ تستحيل الأحلام إلى وعي باطن بأنّ الصمت في قلب الطبيعة ما هو إلّا صيغة من صياغات الصخب. الهايكو قصيدة صاخبة لأنّها تختزل لحظة تبصّر يختفي وراءها عالم من الحكمة، أو تجمع في صورة عابرة قصيرة بين ثنائيّات أو متناقضات على نحو يباغت الوعي. هي محاولة للتدرّب على استيعاب الموجودات والاحتفاء بها في قلب الوحدة، مثبتةً لنا أنّ الأشياء في تحوّل دائم رغم ما تبدو عليه من ثبات.

تتماهى قصائد الهايكو عمومًا مع الطبيعة ومواسمها، متحاشية النبش في كوارث الطبيعة والإنسانيّة من مرض، وزلازل، وفيضانات، وما إلى ذلك من ظواهر تهدّ جمال الطبيعة وتشيع النشاز في المخيّلة. هذه النظرة إلى الطبيعة تتطابق مع نظرة شعراء الفلسفة المتعالية من أمثال والت ويتمان، وراف والدو إيميرسون، تعجّ بصور شاعريّة عن القمر والنجوم والشجر والطير والورود وحالات الطبيعة والندى والمغيب والحبّ وغيرها، هي جوهر الاختزال الشعريّ في قصائد الهايكو. على بساطتها وخفّتها، تحمل قصيدة الهايكو بُعدًا فلسفيًّا، صوفيًّا وروحيًّا، متأثّرًا بفلسفة الزن البوذيّة الّتي ترتكز على احترام كلّيّة الطبيعة وتحرير طاقة العقل عبر التبصّر والتأمّل.

تتكوّن قصيدة الهايكو اليابانيّة الأصليّة[4] (الّتي تعود أصولها إلى القصيدة اليابانيّة الكلاسيكيّة المعروفة باسم الواكا) من ثلاثة أسطر، عادةً ما تكون ذات 17 مقطعًا صوتيًّا. تتوزّع هذه المقاطع على نحو (5,7,5) في الأسطر، مع الجنوح نحو التغيير أحيانًا في المقاطع على نحو )6(5,7,أو ((5,8,5.[5]

في ترجمة الهايكو إلى لغات أخرى، تزول هذه القواعد لاعتبارات جماليّات اللغة والرغبة في التحرّر من قانونيّة القصيدة انتصارًا لشعريّتها.

تشكّل هذه القصائد حلقة وصل بين العالم الإفريقيّ والعالم اليابانيّ، بعدسة شاعر منفيّ. هايكوهات ريتشارد رايت تمارين في التأمّل، وشدّ لعضلات الذهن، واختبارها على تحمّل زخم المشهد الآنيّ العابر، واستجلاء كنه الطبيعة لا كنه الشاعر. دائمًا ثمّة حركة، ثمّة شيء مجهول يصير معلومًا، أو معلوم يصير مجهولًا، أو نور يشقّ الظّلام، أو شروق يطرد غروبًا. دائمًا سنجد لحظة تحوّل تستكشف العالم الداخل والعالم الخارج، وتلامس حكمة وفلسفة أعمقَ ممّا تبدو عليه بساطة هذه القصائد. في ساعة الصفر، لحظة المغيب، شيء ما يحدث، نُدَفُ ثلج تتعربش جناحي نسر. هذه هي القيمة المضافة الّتي يأتي بها الشاعر دائمًا، الحياة الكامنة في عمق السكون.

 

النصوص:

 

1

أنا لا أحد:

شمسٌ خريفيّةٌ آفلةٌ حمراء

سَلَبتِ اسمي.

 

2

لأجلِكِ، أيّتُها النوارسُ،

أرتّبُ المياهَ الأردوازيّة

وهذهِ السماءَ الرصاصيّة.

 

3

تقدّمْ أسفلَ هذا الحيّ،

ثمَّ استدِر يمينًا حيثُ ستجدُ

شجرةَ درّاقٍ تتفتّح.

 

4

اكنسِ الغيماتِ

ودعْ قبّةَ السماءِ الزرقاء

تهبُ هذا البحرَ اسمًا!

 

5

أجيزُ

لهذا الربيعِ المتلكّئِ أنْ يبلّلَ

الأسرّةَ البنفسجيّة.

 

6

سِرْ حيثُ

تتقوّسُ أغصانُ الشجرة

في الشمسِ المتأجّجة.

 

103

حسبهُ المطرُ

يطلِقُ رائحةَ الحرير

منَ المظلاّت.

 

104

يترنّحُ على جدار،

ظلُّ مياهٍ أصفر

يطلعُ مِنَ البركة.

 

105

بقرةٌ تجترُّ جرَّتها

فيما كومةٌ رقيقةٌ مِنْ نُدَفِ الثلجِ

تتغربلُ مِنْ قرنيْها.

 

350

عبرَ الثلجِ المنخول.

هيئةُ السفنِ الشبحيّة

في الميناءِ الساكن.

 

351

تحتَ سماءٍ خفيضة

يسيرُ فتى برفقَةِ كلبٍ

في المطرِ الربيعيّ.

 

352

لماذا أصغي

إلى خوارِ البقرة

في هذهِ الليلةِ الخريفيّةِ الساكنة؟

 

*****

 

[1] يُعَدّ العام 1946، عام دعوة رايت إلى فرنسا، عامًا مفصليًّا في حياة الشاعر. في هذه المرحلة انتقل رايت إلى باريس واستقرّ فيها بعد أن أرهقته القضايا والمعاملة العنصريّة في الولايات المتّحدة وملاحقات الإف.بي. آي.

[2] كان رايت منتسبًا للحزب الشيوعيّ الأمريكيّ وعُيّن عام 1973 مع انتقاله إلى نيو يورك محرّرًا في "ديلي ووركر" صحيفة الحزب.

[3] "فتى أسود" عمله السيرذاتيّ الأهمّ الصادر عام 1945.

[4] يُعَدّ الشاعر ماتسوو باشو 1644 – 1694من أهمّ شعراء الهايكو اليابانيّين من فترة الإيدو.

[5] في ترجمة الهايكو إلى لغات أخرى، تزول هذه القواعد لاعتبارات جماليّات اللغة والرغبة في التحرّر من قانونيّة القصيدة انتصارًا لشعريّتها.

 

 


ريم غنايم
 

شاعرة ومترجمة وباحثة من فلسطين، عملت محرّرة مشاركة في منابر أدبيّة ثقافيّة فلسطينيّة، وتكتب باستمرار في الملاحق الأدبيّة والثقافيّة العربيّة. صدر لها شعرًا: 'ماغ: سيرة المنافي' (2011)، و"نبوءات" (2014)؛ وترجمةً: "مكتب البريد" (2014)، و"أجمل نساء المدينة" (2015)، وكلاهما لتشارلز بوكوفسكي، ومختارات من الشعر الأفريقيّ الأمريكيّ بعنوان 'الموت في أرضٍ حرّة' (2014). ترجمت إلى العربيّة قصائد لشعراء كبار من أمثال: شارلز بوكوفسكي، بابلو نيرودا، أوكتافيو باث، أليس ووكر، ريتشارد رايت، جاك كيرواك، شارون أولز، وغيرهم.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق