-->

مم






















في هذا الحوار، يحلل الباحث السياسي المختص في الجهادية أوليفييه روا جريمة الاغتيال التي راح ضحيتها المُدرِّسُ الفرنسي صامويل باتي في 16 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مبيناً أنه رغم تَشَارُك القتلة في انتمائهم للجيل الثاني من المهاجرين، إلا أن بروفايلاتهم، منذ العام 2016 ،أصبحت أكثر تنوعاً.

أوليفييه روا هو باحث سياسي مختص في الأديان، وبروفيسور في المعهد الجامعي الأوروبي في فلورنسا. نشر العديد من الكتب، أبرزها: الجهل المقدس (2008)، البحث عن الشرق المفقود (2014)، الجهاد والموت (2016)، هل أوروبا مسيحية؟ (2019). أجرت هذا الحوار معه ماري لومونييه، ونُشِرَ في 18 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في مجلة نوفيل أوبسيرفاتوار، وترجمه إلى العربية حازم السيد.

*****










هي الهجمة الثانية التي تشهد استخدام السلاح الأبيض خلال محاكمة شارلي ايبدو، المرتبطة بالرسوم الكاريكاتورية عن النبي. الهجوم على المدرسة من خلال هذا الأستاذ، الذي كان يُدرِّسُ حرية التعبير، تَخَطَّى عتبة جديدة في استهداف الإرهاب للجمهورية. هل يمكن اعتبار هذه الهجوم استراتيجية محبوكة قائمة على الهجمات المركزة والحاملة لتوقيع منظمة ما؟

دعى كلٌّ من القاعدة وداعش إلى اغتيال رسامي الكاريكاتير منذ البداية. دَعَت القاعدة لذلك في 2005، وقامت من ثم بقيادة هجوم الأخوين كواشي عام 2015. هناك إذن دعوة دائمة للقتل، ولكن لا شيء يدل على أن هجمات السلاح الأبيض كانت موجّهة. منذ العام 2016، لم نشهد أي هجمات احترافية لأشخاص مُدرَّبين وموجهين عن بعد. لقد ماتوا جميعاً، ومراكز القيادة اللاهثة بحثاً عن حبل نجاتها خَسِرَت بوضوح جزءاً  شاسعاً من قدراتها التنظيمية والتعبوية في الخارج. هجمات السلاح الأبيض لا تعدو أن تكون محاكاة بدائية وفردية غالباً  للهجمات «التاريخية»، وغالباً ما تنتهي بالموت الانتحاري لمنفّذ الهجمة الذي لا يبحث عن الهرب. بالإضافة إلى ذلك، السلاح الأبيض، بتعريفه، يقتل عدداً أقل من نظيره الأوتوماتيكي. فإما أنهم فقدوا قدرتهم على التزود بالأسلحة النارية بسبب غياب الشبكات اللوجستية التي طالما ساندتهم، أو أن هدفهم لا يتلخّص في إحداث أكبر عدد من القتلى وإنما في تفريغ أحقادهم. إنهم لا يمتلكون احترافية منفذي هجمات الباتاكلان، ولا يدافعون عن الخليفة، بل يصطفون في نطاق «الغضب» إزاء التجديف. لا شيء استراتيجي لديهم.

يبدو أن بروفايل المهاجمين قد تَغيَّرَ مؤخراً. ليسوا شبّاناً من جذور مغاربية. أحدهم باكستاني والآخر شيشاني. كيف يمكن أن نشرح ذلك؟ هل هي بوادر مرحلة جديدة للجهادية؟

لم نبرح، برأيي، الإطار التقليدي. إنه تَطرُّفُ الجيل الثاني من المهاجرين (ممن قَدِمَ آباؤهم إلى فرنسا)، والاختلاف اليوم أننا أمام أولئك ممّن قَدِمَ آباؤهم بعد العام 1995، ولكن مع تَغيُّرٍ في البروفايل.

تشارَكَ الإرهابيون، من خالد كلكال1 في العام 1995 إلى الباتاكلان عام 2015 البروفايل نفسه: أغلبية كبيرة تنحدر من الجيل الثاني من المهاجرين المغاربة، وقرابة الربع من المتحولين إلى الإسلام. جميعهم تقريباً شبّان تطرّفوا في إطار مجموعة صغيرة، دون تجذّر في المجتمعات المسلمة ودون تأهيل ديني مُعمَّق، بينهم كثيرٌ من الأخوة، كما تلعب العلاقات الناشئة في السجن وعالم الجنح الصغيرة دوراً مهماً. تقوم على استنهاضهم جهادات المرحلة، مثل جبهة الإنقاذ بالنسبة لِكلكال، والبوسنة وأفغانستان وسوريا. معظم المحاكمات التي شِهِدناها في تلك المرحلة تؤكد على هذه المعطيات الأساسية. تَطرُّفُ الفاعلين في العام 2015 ولد في عالم السجون، ضمن مجموعات من الأصحاب والأخوة.


لشيشان، آخر الوافدين
تَغيَّرَ ذلك منذ العام 2016. تنوعت البروفايلات والأعمار، وأصبح التنفيذ أكثر فردية وأقل حرفية، فاستُخدِمَت الأسلحة البيضاء كالسكاكين، ومسدسات البكرة والسواطير والمسدسات الصغيرة. فلنذكر هنا هجمات 2017: هجوم زيد بن بلقاسم Zyed Ben Belgacem بمسدس البكرة على دورية في أورسي (آذار 2017)2، هجوم كريم شرفي Karim Cheurfi على الشانزليزيه بين جولتي الانتخابات الرئاسية3، هجوم أحمد هناشي Ahmed Hanachi، مدمن المخدرات، على محطة سان شارل في مرسيليا4. هجوم فريد إيكين Farid Ikken بالمطرقة على أفراد الشرطة5. محاولة آلان فويرا Alain Feuillerat الهجوم على القاعدة العسكرية في أيفرو6، وبعد ذلك هجمة تريب Trèbes وهجمة مركز الداخلية والشرطة في آربون Harpon والفتاتان اللتان أرادتا تفجير نوتردام. هجوم ناتان شيسون في أيفري Ivry. وختاماً الباكستاني زاهر حسن محمود في 25 أيلول7، وهو أحد مريدي مجموعة صوفية، وشيشاني.

ما يثير الإهتمام أننا نشهد انخفاضاً كبيراً في عدد المغاربة المنحدرين من الجيل الثاني من المهاجرين، وزيادة في عدد القادمين الجدد والمتحولين للإسلام، كما نشهد جنسيات كانت غائبة سابقاً (ما من أتراك حتى اليوم). الجنح ما زالت حاضرة، ويبدو أن الإدمان (كحول، مخدرات أو أدوية) يلعب دوراً أكبر. إن استثينا حالياً الشيشاني عبدالله أبويزيديفيتش Abdoullakh Abouyezidvitch، فلن نجد حضوراً للمساجد والأئمة السلفيين. لا بدَّ من الذكر أننا توقعنا مسبقاً تطرف الشيشان في فرنسا.

هل يمكنك توضيح هذا التطرف عند الشيشان؟

لا يوجد كثيرٌ من الشيشان في فرنسا، ولكنهم تورّطوا مؤخراً في أحداث عنيفة (مولوز وديجون) غير مرتبطة بالإسلام، ولكنها تؤشر على جاهزيتهم للانتقال إلى العنف. نعلم أيضاً أن الكوادر الشيشانية كانت فعّالة جداً مع داعش في سوريا، ونتذكر هجوم الأخوة (مجدداً) تسارنايف Tsarnaiev على ماراتون بوسطن عام 20138. باختصار، شعبٌ صغير (لا يتجاوز تعداده المليون) ولكن حضوره في الأنشطة العنفية يتجاوز حجمه.

8. «وكان جوهر وصل إلى الولايات المتحدة في سن الثامنة ونال الجنسية الأميركية في 2012. وسيمثل وحيداً أمام المحكمة لأن شقيقه تيمورلنك (26 عاماً)، الذي سيسعى الدفاع إلى تقديمه على أنه العقل المدبر للاعتداءات، قتل بعد أربعة أيام خلال مواجهة عنيفة مع الشرطة». «وقبل اعتقاله، كتب على جدران القارب حيث اختبأ ما يشبه التبرير لتلك الاعتداءات. وكتب أن الحكومة الأميركية تقتل مدنيينا الأبرياء. لا أستطيع التغاضي عن بقاء هذا العمل الشرير من دون عقاب. نحن المسلمين جسم واحد، وإذا ما أسأتم إلى واحد منا تسيئون إلينا جميعاً». بدء محاكمة جوهر تسارناييف المتهم في تفجيرات بوسطن. المترجم.

الفرضية التي طرحتُها في كتاب الجهاد والموت أن التطرّف هو تعبير غير مباشر عن نزع الثقافة «déculturation»، وهو ما يشرح واقعة ارتباطه بالجيل الثاني من المهاجرين (والمتحولين للإسلام)، حيث أن الجيل الثاني المنحدر من المغرب العربي، والذي سيطر على المشهد خلال عشرين عاماً، قد وصل اليوم إلى مرحلة لم يعد فيها للتطرّف السحر المعهود نفسه عليه.

على العكس، يعيش شيشان الغرب اليوم، الوافدون في نهايات التسعينات، غمرة تحولهم الجيلي وأزمة نزع ثقافي متسارعة. كما في كل مكان، تُحطِّمُ الهجرة هرمية الأجيال، وينتزع الجيل الشاب فُسحته الخاصة وينظمها على إيقاع «أنا أكثر إسلاماً منك يا أبي» (ما يدعوه فتحي بن سلامة بالمفرط إسلاماً «surmusulman»). من جهة أخرى، الخسارة أمام الروس ما زالت ندباً حاضراً في مراياهم، فقد خسر آباؤهم هذه الحرب، ويُريد الشبّان أن تسكن مراياهم صورتُهم كأبطال المعركةِ الواجبِ استكمالُها، ولكن بوصفها معركة كونية مرتبطة بالإسلام عوضاً عن القومية الشيشانية.

التحريض على الجريمة والانتقال إلى التنفيذ

في خلفية هذه الجريمة يوجد دعوة قضائية يحرّكها عصبة من الإسلاميين، وشاركهم فيها مُحرِّض معروف، من الأوساط الإسلامية، هو عبد الحكيم صفريوي Abdelhakim Sefrioui. انتشرت على الشبكات الاجتماعية فيديوهات ورسائل داعية لفصل الأستاذ، وقامت بالتشهير بالمدرسة ونشر اسمها وعنوانها. ألا تخلق هذه العناصر اتصالاً ملموساً بين الحركات الإسلامية والإرهاب، مُثبٍتةً سهولةَ اختراق هذه الأوساط؟

ما لم تتوافر عناصر جديدة، يبدو أننا نتعامل مع سلسلتين مختلفتين ولكن متوازيتين. من جهة، تلك الحملة الإعلامية والقضائية التي يخوضها الصفريوي على الملأ منذ سنوات، ومن جهة أخرى تنفيذ الجريمة من قبل عبد الله. حملات الصفريوي تهدف إلى إحراج السلطات واستنهاض المسلمين (دون أن تحقق نجاحاً كبيراً). استراتيجيته تفترض التحرك على الملأ وبالصوت المسموع، وهو ما يعاكس استتار الإرهابي. ليس الصفريوي إماماً محلّياً يود استنهاض «رعيته»، إنه بالأحرى مُتصيّدٌ جوّال ينتهز كل فرصة من أجل المضي بقضيته قدماً. وهو السبب الذي دفعه إلى الوقوف إلى جانب والد الطالب المسلم (المتطرف ربما) وتضخيم اعتراضاته. يسعى الصفريوي، وهو مناضل إسلامي معروف، إلى الاستحواذ على كل حدث من أجل استنكار المهانات التي تستهدف الإسلام. إنه يتواصل مع الناس، يداخل في اللقاءات، يلتمس المواعيد، يقدم الشكاوى ويحرّض أولياء الطلبة، ممّن كان أحدهم قريباً لشخص كان قد التحق بالدولة الإسلامية. لو أن الصفريوي ووالدَ الطالب كانوا قد حضّروا هجوماً لكانوا تفادوا الظهور قبله، بل إن هذه الجريمة تمثل مشكلة تعرقل استراتيجيته.

ولكن لا يبدو أن العائلة الشيشانية مرتبطة بهم: فهم يعيشون بعيدين بعضهم عن بعض، ولم يكن عبدالله طالباً في المدرسة المعنية. لذلك يبدو أن عبدالله قد نفّد الجريمة بمفرده. لا شيء يسمح بالقول إنها كانت بطلب من الدولة الإسلامية. بالتأكيد، عرف بأمر عرض الرسوم من خلال الفيديو الذي قام والد الطالب بعرضه (وبهذا المعنى فإننا أمام تحريض على الجرم).

ليس الحيّ الذي يقطنه حاضناً للسلفية، عائلته متدينة جداً ولكن لا يبدو أنها تنتمي لتقليد ديني محدد؛ لم يستحضر أي مرجع تيولوجي. إنه يعبر عن «غضبه» وعن رغبته بالانتقام: كما هي الحال مع الباكستاني وساطوره. إنه يحاول إنتاج صورته كبطل. وكما الآخرين، إنه يبحث عن الموت. من المحتمل أن يكون قد غذّى تطرفه في إطار مجموعة صغيرة، ولكن برأيي إننا أمام بروفايل أقرب لبروفايلات ما بعد 2015، وهو ما يسبب مشكلة كبيرة في التعرّف على المتطرفين، فلا يمكن في هذه الحالة اعتماد «علامات التطرف» (كالصلاة والتردد المفاجئ على الجامع ...): فإما أن هذه العلامات فضفاضة بحيث تنطبق على عدد كبير من السكّان، وبما لا يسمح باستهداف من يريدون الانتقال إلى الهجوم، أو أنها غائبة.



عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *