شخص يسوع بين الكتاب المقدّس والفلسفة - الرومي

الاثنين، 16 نوفمبر 2020

شخص يسوع بين الكتاب المقدّس والفلسفة

 




أسعد قطّان

إلى الصديق فادي شاهين


«فإذا كان الفقير هو الله، فهذا بسبب تنازل الله المفتقر من أجلنا واقتباله في ذاته متعاطفاً (معنا) آلام كلّ واحد منّا، فمن الجليّ أنّه يتألّم سرّياً بفعل صلاحه إلى انقضاء الدهر بما يتناسب مع ألم كلّ واحد منّا» (مكسيموس المعترف)

القرن الميلاديّ الرابع هو زمن تبلور المنظومة العقائديّة على نحو واسع. كان من شبه الطبيعيّ أن يطرح اللاهوت المسيحيّ آنذاك السؤال عن طبيعة الكلمة المتجسّد وعلاقته بالله. إرهاصات هذا السؤال بدأت مع العلاّمة الإسكندريّ أوريجنّس في القرن الثالث، ولكنّ السؤال تكثّف في مطلع القرن الرابع مع ظهور الكاهن الليبيّ آريوس، الذي قال بأنّ الكلمة كائن مخلوق ذو موقع وسطيّ بين الله والعالم ويضطلع بدور الوسيط بينهما.


موقف آريوس هذا يحيلنا إلى الفلسفة اليونانيّة بالطبع. فالسؤال فلسفيّ بطبيعته. لقد عرفت الفلسفة اليونانيّة، ولا سيّما الأفلاطونيّة الوسطى والمحدثة، التعليم عن وجود كائنات وسطيّة بين «الواحد» والعالم الذي يتّصف بالتعدّد. وبما أنّ الفلسفة كانت تشكّل المناخ الثقافيّ لمعلّمي الكنيسة الناطقين باللغتين اليونانيّة واللاتينيّة، كان لا بدّ، عاجلاً أم آجلاً، من طرح السؤال عن ماهيّة الكلمة الذي يتحدّث عنه إنجيل يوحنّا: هل كلمة الله وابنه (بحسب العهد الجديد) هو كائن وسطيّ يمدّ ضرباً من جسر بين الله والخليقة أم إنّه من جوهر الله نفسه، أي يتمتّع بالطبيعة الإلهيّة ذاتها التي لله؟ الكاهن آريوس طرح السؤال واختار الإمكان الأوّل معتبراً أنّ جوابه لا ينسجم مع القبليّات الفلسفيّة المعروفة في عصره فحسب، بل مع الكتاب المقدّس أيضاً.


معلّمو الكنيسة الذين تصدّوا لتعليم آريوس، وأبرزهم أثاناسيوس الإسكندريّ ومن بعده الآباء الكبادوك باسيليوس وغريغوريوس أسقف نازيانز وغريغوريوس أسقف نيصص، دافعوا عن الإمكان الثاني معتبرين أنّ ابن الله وكلمته يشترك مع الله أبيه في كلّ الخواصّ الطبيعيّة ويحمل في شخصه الطبيعة الإلهيّة ذاتها. طبعاً هم كانوا يلمّون بالمنطلقات الفلسفيّة التي لجأ إليها آريوس، كما كانوا يدركون تماماً أنّه يستند أيضاً إلى كثير من آيات الكتاب المقدّس. ومن ثمّ، تحوّل صراعهم مع الآريوسيّة، في معظم الأحيان، إلى نقاش تفسيريّ قوامه كيفيّة تأويل آيات الكتاب بشكل «صحيح». كثير ممّا وضعه أثاناسيوس، مثلاً، من مصنّفات لدحض الآريوسيّة يستفيض في شرح آيات من الكتاب المقدّس، وذلك في اتّجاه الرأي القائل بأنّ كلمة الله يختزن في شخصه ملء الألوهة.


يُستدلّ من هذا أنّ نصّ الكتاب المقدّس حمّال أوجه، كما قالت العرب، وهو في هذا لا يختلف عن معظم النصوص المكتوبة بلغة بشريّة. هذا يستتبع السؤال عن «المعيار» الذي استنجد به معلّمو الكنيسة في الدفاع عن رأيهم. بكلمات أخرى، كيف عرف أثاناسيوس وباسيليوس وغيرهم أنّ الرأي الذي قالوا به وتبسّطوا في شرحه هو الرأي الأكثر ترجيحاً والأكثر انسجاماً مع «منطق» الكتاب المقدّس ككلّ؟


مفتاح الردّ على هذا السؤال لا يتأتّى من الفلسفة على أهمّيّة مقولاتها في عمليّة صوغ العقيدة، بل من حكاية يسوع كما نقرأ عنها في الأناجيل ومن التأمّل اللاهوتيّ فيها لدى بولس وسائر كتّاب العهد الجديد. هذه الحكاية تعكس، بشكل لا يقبل التأويل، تضامن الله العميق مع البشر. يسوع يأتي إليهم باسم الآب السماويّ، يشترك في طعامهم وشرابهم، يجعل أفراحهم ممكنةً كما في تحويله الماء إلى خمر في قانا الجليل، ويبكي معهم في أحزانهم كما بكى أمام قبر صديقه لعازر. يسوع يشفي البشر من عاهاتهم، يحرّرهم من سلطان الشرّير الذي يتحكّم فيهم، ويموت مصلوباً لأنّه بسلوكه المتعاطف والمتضامن مع البشر يفضح التحالف السياسيّ بين أعيان الأمّة اليهوديّة والسلطة الرومانيّة. لم يطرح معاصرو يسوع وتلاميذه أسئلةً «عقائديّة» عن طبيعة شخص يسوع. ولكنّهم تمعّنوا في هويّته حين سألهم «من يقول الناس إنّي أنا هو؟»، واختبروا حضوره بينهم بوصفه حضور الله نفسه. فنجّار الناصرة كان يخاطب الله بعبارة «أبّا» الآراميّة، التي تعني «بابا»، ويقوم بأمور تذكّر بأفعال الله كما تسردها التوراة، ويغفر الخطايا بسلطان الله ذاته.


هذا كان مستند معلّمي الكنيسة في كلامهم «الفلسفيّ» عن طبيعة ابن الله وكلمته. لقد فهموا أنّ حكاية يسوع تعكس تضامن الله نفسه مع البشر وأنّ خلاص البشريّة، تالياً، لا يمكن تحقيقه ما لم يكن الله نفسه هو من ينخرط في هذه العمليّة. ولقد حقّق الله هذا التضامن الوجوديّ بواسطة يسوع وصولاً إلى دخول عتمات القبر. فمصير البشر المحتوم، الذي هو الموت، مسألة لا يستطيع أحد تخطّيها والانتصار عليها سوى الله نفسه. ومن ثمّ، فإنّ يسوع، الذي صار مرآةً لله وعكس بسلوكه تعاطف الله الأقصى مع البشريّة، «يجب» أنّ يكون «صورة الله»، كما كتب الرسول بولس، أي ابنه وكلمته الذي يشترك معه في الطبيعة الإلهيّة ذاتها. هذا صاغه معلّمو الكنيسة عبر استخدامهم ألفاظاً ومفاهيم فلسفيّةً مثل «طبيعة» و«جوهر» و«قوّة» و«فعل». ولكنّ الفكرة التي سعوا إلى تبيانها فلسفيّاً فكرة متأصّلة في ما تشي به كتابات العهد الجديد وتسعى إلى تظهيره بطرائق متعدّدة من تضامن أقصى لله مع البشر. هذه الفكرة لا تستقي نسغها من التنظير الفلسفيّ، بل من حكاية يسوع الذي من الناصرة، هذه الحكاية التي ما زالت تصيبنا بالدهشة حتّى اليوم وتحرّك المؤمنين بيسوع حتّى بعد انقضاء نيّف وألفين من السنين على مروره بيننا.


(الأيقونة: القيامة، إيرينا جومير، بحسب نموذج جدرانيّة القيامة في دير الخورا، اسطنبول) عرض أقل


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق