بوب كوفمان.. «رامبو أميركا الأسود» - الرومي

الاثنين، 9 نوفمبر 2020

بوب كوفمان.. «رامبو أميركا الأسود»

 - محمد مظلوم - شاعر وناقد عراقي | مايو 1, 2018 

المصدر مجلة الفيصل

في تقديمه لديوان «المطر القديم» آخر دواوين الشاعر الأميركي الأسود «بوب كوفمان» يروي «ريموند فاي» أنه سعى للقاء هذا الشاعر المنعزل والمشرَّد وغريب الأطوار لما يقرب من عامين قبل أن يظهر له فجأة في أحد مقاهي سان فرانسيسكو ويواجهه بهذه الكلمات: «أريدُ أن أبقى مجهولًا»، مؤكدًا أنه سمع تلك العبارة من كوفمان في إحدى الليالي الممطرة، ثم قاده هذا الشاعر الذي غيّر الشعر الأميركي في الخمسينيات، من ذراعه إلى حانة موحشة في الحي الصيني، وهناك بدأ بإطلاق تصريحاته المتطرفة والصارمة: لا أعرف كيف تريد أن تتورَّط مع شخص لا يريد الانخراط في صحبة، ولكنَّني لا أريد تلك الصحبة، طموحي أن أُنسى تمامًا».




لكن كوفمان نفسه كان قد كتب في وقت مبكِّر في ديوانه الأول «عزلة مكتظة بالوحدة» يقول: «حينَ أموتُ لنْ أبقى ميِّتًا». هذه المسافة الملتبسة بين رغبتين متناقضتين: رغبة الشاعر في أن يبقى مغمورًا في الحياة، ويقينه أنه سيبعث شعريًّا بعد موته العضوي تلخّص حكاية تراجيدية مثيرة لأحد أهمّ مؤسسي حركة «جيل البيت» في خمسينيات القرن الماضي، فهو المبتكر الأصلي لكلمة «بيت» وليس جاك كيرواك كما يشيع في النقديات التي تؤرخ لجيل هذه الحركة المثيرة، شعريًّا وسلوكيًّا، في تاريخ الشعر الأميركي، ولهذا فقد كتب «ستيف أبوت» بعد رحيل كوفمان واصفًا إياه بـ: «الأستاذ الخفي لجيل البيت» معبرًا بهذا العنوان عن جانب درامي آخر من القصة الضائعة لهذا الشاعر.

ولد بوب كوفمان واسمه: روبرت غارنيل كوفمان في نيو أورليانز في 18 إبريل 1925م وكان أحد ثلاثة عشر أخًا في عائلة من أب ذي أصول ألمانية، وأم سوداء من جزيرة المارتينيك. وكانت جدته، التي قدمت إلى أميركا في سفينة تقلّ العبيد من إفريقيا، تنتمي «لطائفة الفودو» وتمارسُ الطقوس السحرية لهذه الجماعة. وقد انعكس هذا التداخل العرقي في نسبه ظلالًا متعددة في شعره لمرجعيات من التراث الكريولي، والفودو، والزنوج، حتى الهنود الحمر. عمل منذ سِنِي مراهقته بحارًا في أسطول البحرية التجارية الأميركية فطاف الكرة الأرضية مرات عدة في تسع سنوات من الإبحار ونجا أربع مرات من حوادث غرق السفن، في ذروة سنوات الحرب العالمية الثانية وفي أثناء تلك الرحلات البحرية الطويلة قرأ كثيرًا في الأدب والفلسفة والتاريخ، وكان القبطان يزوده بالكتب المختلفة. وما إن ترك أسفاره البحرية ونزل إلى الأرض، حتى بدأت رحلة تيهه في أرض الشعر والقسوة والجحيم، فلم تكن تلك الأرض مناسبةً له كما لسواه، فقد درس في أوائل الأربعينيات الأدب في نيويورك مُدة وجيزة وسرعان ما ترك الدراسة، لكنه تعرف في تلك المدة إلى ألن غينسبيرغ وكيرواك وويليام بوروز الذين اقترحوا عليه الانتقال إلى الشاطئ الشمالي.

وفي عام 1958م انتقل للعيش في سان فرانسيسكو معقل «جيل البيت» وكانت المرحلة الأخصب في حياته الشعرية حيث نشر مطولاته السوريالية الثلاث: «manifesto abomunist» و«نيسان الثاني» و«هل يهمس العقل السري»: التي نشرها له لورانس فيرلينغيتي في كراسات ضمن منشورات «مكتبة أضواء المدينة» وأصبحت هذه القصائد التهكمية من المصادر الكلاسيكية لجيل البيت. وكتب فيرلينغيتي في نشرة لـ«نيسان الثاني»: سيأتي يوم يجري فيه الاعتراف بأنَّ هذه القصيدة هي إحدى مصادر التنوير الأساسية التي غيَّرت الشعر الأميركي.

أما: «manifesto abomunist» فقد كانت النصّ المنافس الذي عادة ما يقارن بقصيدة غينسبيرغ الشهيرة «عواء» و«abomunist» كلمة ليست من القاموس لكنها منحوتة من أجزاء كلمتين هما: bomb: قنبلة، و Communist: شيوعية، في حين يستخدمها في أماكن أخرى داخل القصيدة بما يوحي بأنها منحوتة كذلك من: abominable وتعني: المكروهة أو البغيضة، و: communist أي: الشيوعية. ويتكون هذا العمل الذي يلفت فيه كوفمان انتباه العالم إلى فظاعة القنبلة الذرية، من أحد عشر قسمًا. وإذا يلعب في عنوانه على «البيان الشيوعي» الذي كتبه كارل ماركس وفريدريك إنجلز، فإنه يستفيد في فصوله كذلك من لغة «البيان السوريالي» الذي كتبه أندريه بروتون.

وفي الوقت نفسه تزوج امرأة بيضاء ذات أرومة إيرلندية هي إيلين سينغ وهي «المنقذ الحقيقي» لشعر كوفمان ولولاها لَمَا بقي من شعره شيء؛ إذ بدأت إيلين بتدوين قصائده وجمعها، وسط الفوضى والعبثية التي يعيشها وفقده لكثيرٍ من أشعاره التي لم يهتم بتدوينها وجمعها، وجاء زواجه من هذه المرأة النشطة في أوساط «البيت» ليقنعَه مؤقتًا بالتّخلِّي عن الحياةِ المتجوّلةِ كبحّار ويستقرُّ في سان فرانسيسكو، ولعله كان يسعى أيضًا إلى تكوين عائلة والتفاعل بنشاط أكثر داخل «جيل البيت».


رجل أسود وامرأة بيضاء

وبدلًا من أن يتيح له هذا الزواج الاستقرار المنشود، أدَّى إلى دفع أثمان باهظة، ففي مجتمع يحرِّم الزواج العرقي المختلط كان زواج رجل أسود من امرأة بيضاء، يعدُّ تهديدًا للنظام الاجتماعي في الخمسينيات العنصرية في أميركا، وغالبًا ما سبب ظهورهما معًا كثيرًا من المشكلات ذات الطابع العنصري. وهكذا عاش كوفمان في أصعب مرحلة في تاريخ أميركا بالنسبة لشخص مثله: زنجي متمرد، وشاعر منبوذ، ونابذ لقيم الثقافة الأميركية في عصره، ومتهم بالشيوعية في الحقبة المكارثية/ الكارثية، وفي زمن الحرب الباردة التي استخدمت فيها الشيوعية التمييز العنصري في أميركا كأحد الأسلحة «الثقافية» في تلك الحرب.

وإذا كان أدباء «جيل البيت» هامشيين ومنشقِّين وغير منسجمين مع محيطهم فإن كوفمان هو انشقاق إضافي داخل ذلك الانشقاق، وهامش مضاعف داخل الهامش نفسه، ويمثل عزلة خاصة داخل الجماعة الهامشية المنشقَّة نفسها. وهو ما جعله يبدو كـ«الغراب» بين طيور جيل البيت مما يذكرنا بأغربة العرب في التراث، أولئك الذين سرى لهم السواد من أمهاتهم. وظلوا منبوذين أو مهمشين داخل القبيلة، لكن عبقريتهم أوجدت لهم مكانًا تحت الشمس فأضاؤوا رغم سوادهم في ذاكرة التاريخ والإبداع، هكذا بدا «البيت» وكأنَّهُ تاريخٌ (أبيضُ) فقد جرى تجاهل دور كوفمان الأساسي في نهضة ذلك الجيل. وكأنه تلك البقعة السوداء التي لا ينبغي لها وجود في ذلك التاريخ الناصع البياض! رغم أن «شعراء البيت» أنفسهم يقرُّون بأهمية دوره في حركة الجيل، على الأقل في نصوصه الطليعية.

كما أن التوصيفات النقدية المتعددة التي حاولت تصنيف شعر كوفمان ربما أسهمت في إغفال -أو على الأقل تهميش- دوره الأساسي في «جيل البيت» وتأثيره الصريح في شعراء عصره، ولعل أهم تصنيف أسهم في التهميش تصنيفه في كثير من السرديات النقدية أنه «شاعر جاز» وهو توصيف عادة ما يرتبط بالشعراء السود، طالما أن موسيقا الجاز هي موسيقا الزنوج. وإذا كان كوفمان قد عمد في «abomunist» إلى كسر لغة المُضطهِد كما تقول الناقدة ماريا دامون، فإنه في تبنِّيه موضوع موسيقا الجاز في شعره، عمدَ إلى كسر هيمنة الثقافة الأميركية البيضاء عبر التأكيد على الأصول القبائلية الإفريقية السوداء لموسيقا الجاز والبلوز، بل إنه يراه فعل مقاومة جمالية وسلمية لقبح الحرب وعنفها:

«البلوز نفخةُ حياةٍ، بينما الحياة تنفخُ الخوف،

الموت يَبْدأُ، بَينما الجاز ينفخ نفخَات خفيضة في الليلِ،

خفيضة تمامًا من أجل بشرٍ لا تسمعُ عقولُهُم

سوى صوتِ الموتِ، والحربِ،

وإحراق الجُثثِ الملفوفةِ بالأعلامِ في الأراضي المرَّةِ.

ليست أوتارُ الجازِ كمجرفةٍ تجرفُ الوحل

داخل أفواهِ البشر، لكي يخْجلَ البلوز

عند صرخات الأطفالِ الذين يمُوتُون على تقاطعات الشوارع المَهْجُورةِ».

والواقع أن كوفمان شاعر عصيّ على التصنيف، ففي شعره نكهة سوريالية واضحة، بيد أنها سوريالية لا تنهلُ من المصادر السوريالية الفرنسية المعروفة لدى بروتون وصحبه، إنما تستقي من «لوركا» وتحديدًا في ديوانه «شاعر في نيويورك» الذي يبدو تأثيره واضحًا في كوفمان إذ يقتبس منه، ويحاوره، وبخاصة في قصائده عن ملك هارلم والزنوج، فيما يبدو أحيانًا أقرب إلى «والت ويتمان» كما في قصيدة «الشمس الأميركية» وهو يبدو مرة وجوديًّا مع كامو كما في قصيدة «كامو أريد أن أعرف» لكنه غالبًا شاعر جاز، بسخرية مريرة، وضحك كالبكا، وهو أيضًا شاعر سياسي بنبرة يسارية محتجَّة، وشاعر شارع، وبالأحرى شاعر قاع، وهو شاعر سجون، وشاعر ليل وتشرُّد ومخدرات.


شعر مأهول بالضحايا

إضافة إلى أوصافه الكثيرة هذه يوصف كذلك بأنه «شاعر شفاهي» بأبعاده المختلفة: المنبرية والارتجالية، والبلاغية، واللافت أن شعره الذي كثيرًا ما يعتمد على الأصوات واللهجة العامية ولغة الزنوج، ينطوي في الوقت نفسه على مضامين عميقة وغريبة هي مزيج صعب من نزعات «شامانية» و«أورفية» فيجمع في شعره بين «البذاءة» و«السوقية» و«التهكم» بلغة الهامشيين وعالم أهل القاع من جهة، والنزعة الروحية المتطرفة والتأمل الصوفي والميل إلى التفسيرات الأسطورية في مبدأ النشأة والمعاد للعالم من جهة أخرى، وهذا ما قاده في نهاية المطاف إلى قطع كل صلة له بما هو أرضي، والاتصال بعوالم غيبية من كواكب أخرى، وتعد قصيدة «التجربة البوذية» تجسيدًا لجانب من هذا التوجه نحو عالم علويّ. كما أن شعره مأهول بالشهداء والضحايا الذين كثيرًا ما يحتفي بهم فيما يسميه «صالة الخلود» من لوركا إلى «هارت كرين» إلى «كارل تشيسمان» إلى «بودنهايم» إلى «كريسبوس أتوكس» إلى المطربة الزنجية القتيلة «بيسي سميث» وسواهم.

وربما باستثناء مطولاته السوريالية الثلاث، لم يهتم مطلقًا بنشر أشعاره، أو حتى تحريرها، ولم يدفع للنشر أيًّا من كتبه بنفسه. فديوانه الأول لم يكن قد صدر بعد حينما شاهد على التلفزيون اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي. الذي كان يرى فيه أملًا حقيقيًّا، وبعد هذ الاغتيال «للأمل» التزم كوفمان بنذر بوذي بالصمت لعشر سنوات، واعتكف بعيدًا من الحياة العامة، وهكذا أعدَّتْ زوجته ديوانه الأول «عزلة مكتظَّة بالوحدة» وأرسلته إلى «الاتجاهات الجديدة» في نيويورك التي كانت تهتم بنشر الشعر التجريبي والأدب الطليعي. وبعد صدور الديوان جرى ترشيحه لجائزة جينيس الشعرية «Guinness poetry Award» وفي المنافسة مع إليوت ذهبت الجائزة لشاعر «الأرض الخراب».

وتؤكد زوجته إيلين أنَّ صمته لم يكن مجرَّد صمت شعري بل شمل الإضراب عن الكلام، ولم يكن ينطق سوى بكلمات قليلة من قبيل: مرحبًا… أو هل لديك سجائر؟ ويروي من رأوه في مدة امتناعه عن الكلام والكتابة أنه كان يحرك يديه بعصبية، حتى ليبدو كمن يَكتب في صمتِه. وهو في ذَلِك الوَقت لم يَكنْ يفعل، لكن حركاته اليدوية تلك بَدتْ كما لو أنه ينوي الاتصال مع الكون. أو كما لو كان على اتصال حقيقي مع شخص آخر في ذلك الكون». وبينما اختفى من مشهد الحياة الأدبية الأميركية فقد أصبح في الوقت نفسه معروفًا على نحو واسع في فرنسا، إذا حظي شعره باهتمام كبير بعد ترجمته للفرنسية، وصار يعرف باسم «رامبو أميركا الأسود».

ولعل اهتمام الفرنسيين بشعره يعود إلى أسباب عدَّة، في حين قرب شعره سياسيًّا من اليسار الأوربي، ونقده التهكمي للمجتمع والثقافة الرأسماليين، وتجسيده للصورة الأثيرة عن الشاعر في الثقافة الفرنسية، حيث هو الغريب المجنون الرجيم المنبوذ. ولعل كوفمان ذهب إلى أبعد مما ذهب إليه رامبو، فقد وصل في أسفاره إلى نهايات العالم أكثر من مرَّةٍ فطاف أبعد مما وصل إليه «العابر الهائل»، وذهب إلى أقصى الإدمان على الكحول والمخدرات، وإلى نهاية الهذيان والجنون حتى نهاية الشعر. ومثل رامبو استنفد كل الممكنات الحياتية الجسدية حتى الفنية في وقت قياسي، وانتهى إلى الصمت، فمعظم أشعاره في دواوينه الثلاثة تعود للخمسينيات، باستثناء بضع قصائد كتبها بعد خروجه الوجيز من نذر الصمت ليعود إلى صمت شعري مطبق حتى رحيله. فقد استمرّ في نذره حتى إعلان نهاية حرب فيتنام عام 1973م. فوجدها مناسبة مثالية لكسر الصمت من خلال قراءة قصيدته «كل تلك السفن التي لم تبحر»:

«كُلُّ تلكَ السُّفنِ التي لمْ تُبحرْ

تلكَ التي بمضخَّاتها البحرية المفْتوحة

تلكَ التي تعطَّلتْ في مرافئها،

أُعيدُها اليوم

هائلةً وعابرة

وأدعُها تُبحرُ

إلى الأبد.

كُلُّ تلكَ الزهورِ التي لمْ تربِّيها

تلكَ التي أردتِها أنْ تنمو

تلكَ التي بُذرتْ تحتَ

التربةِ في الوحْلِ

أُعيدُها اليوم

وأتركُكِ تُربِّينها

إلى الأبد.

….

جسدي كانَ مُغَطّى بالجمالِ ذات يومٍ

الآن هو متحفٌ للخيانةِ.

أنا نَفَسٌ متقطِّعُ الأنفاس وأُحبُّك

وأحرّكُك

إلى الأبد»

لكنها كانت أشبه بهدنة وجيزة ففي عام 1978م، تخلى كوفمان عن الأسرة والحياة العامة وعن الكتابة فجأة وانسحب مرة أخرى إلى الصمت والتشرد في الشوارع حتى وفاته. وفي أوقات من حياته كثيرًا ما كان يُشاهَد في شوارع سان فرانسيسكو يمشي مترنحًا ويبدو كالشحاذ، أو المجنون أو كما يشير ألن غينسبيرغ في مستهلّ قصيدته الشهيرة «عواء»: «رأيتُ أفضلَ العقولِ في جيلي دمَّرها الجنونُ، جياعًا عراةً مُهَسْترين يجرجرون أنفسهم عبر شوارع زنجيةٍ في الفجر باحثينَ عن إبرةِ مخدِّرٍ».


يصرخ بشعره كالمجنون

وفي غضون سنة ونصف فقط سُجن 35 مرة تقريبًا. وكثيرًا ما تعرَّضَ للضرب وللصدمات الكهربائية في الرأس. ولعل من أغرب أسباب اعتقاله ما يسميه بتهكُّم: «تهمة إحياء قراءات شعرية من دون تصريح» ففي الوقت الذي كان يتهرب فيه من الأمسيات الرسمية التي تُخصَّصُ له في الجامعات والمنتديات والصالات، فإنه يلجأ إلى اعتلاء السيارات في شارع غرانت بسان فرانسيسكو ويصرخ بشعره اللاذع كالمجنون. وكتب عن تجربته في السجن في واحدة من أهمّ قصائده «قصائد السجن»:

أيُّها الرسامُ، ارسمْني سجينًا مجنونًا، واجعل الزنزاناتِ ألوانًا مائية.

أيها الشاعر، كَمْ عُمْر الألم؟ اكْتبْهُ بالرصاصِ الأصفرِ.

يا الله، اجْعلني سماءً على سقفِي الزجاجيِ. فأنا أَحتاجُ النجومَ الآن،

لأتقدَّم خلال هذا الفضاء مِن الصرخاتِ والجحيمِ الشخصي.

….

في عالم من الزنازين- مَنْ ليس سجينًا؟ السجّانون.

في عالم من المستشفيات- مَنْ ليس مريضًا؟ الأطباء.

سردينٌ ذهبيٌّ يَسْبحُ في رأسي.

….

أحدٌ ما، إنِّي لا أَحَد.

شيءٌ ما فَعَلتُهُ هو لا شيء.

مكان مَا كنتُ فيهِ هُوَ لا مَكان.

وأنا لستُ.

أيّ من الأجوبةِ

عليَّ أَنْ أجدَ لها الأسئلةُ؟

كُلّ هذه الشوارعِ الغريبةِ

عليَّ أَنْ أَجِدَ لها مُدُنًا»


وبلغ الأمر أن أضحى ممنوعًا من دخول جميع حانات سان فرانسيسكو، وكثيرًا ما كان يشاهد سائرًا في شوارع المدينة بلهاث يقطعه السعال حيث رئة معطوبة وذهن مشوش بفعل الصدمات الكهربائية وقد أجهز على بقيته إدمان مزدوج على المخدرات والكحول. وفي تلك الأثناء كان ثمة من يدعونه ليشرب على حسابهم كي يتسلوا بسخريته منهم وما يكيله لهم من شتائم وإهانات لاذعة وهم يستمتعون بذلك في مازوخية غريبة! وهناك من كتب لهم قصائد مقابل سهرة في حانة، كما كان يفعل أستاذه «ماكسويل بودنهايم». ويروي الشاعر «دي أي واينانس» في استذكاره لكوفمان: كانت هناك مجموعة من السياح يمشون أمام حانة بجوار «مكتبة أضواء المدينة» حين بدأ المرشد السياحي خطابه الذي اعتاد ترديده: «هذا هو المكان الذي بدأ فيه جيل البيت… وفجأة قفز كوفمان فوق إحدى الطاولات، صارخًا بصوت عالٍ: «لا. لا.. لقد ألَّفَت أليس توكلاس كتابًا بتكليف من البابا، فانبثقت جيرترود شتاين من المرآة، وأعلنت عصر البيت!» وسرعان ما غادر السياح، وهم على يقين أن كوفمان ليس سوى رجل مجنون!».

وفي سنواته الأخيرة وصل إلى سان فرانسيسكو طاقم تصوير تلفزيوني فرنسي لتصوير فلم وثائقي عنه، لكنه ظل يماطلهم لمدة أسبوعين وواصل التملُّص منهم حتى عادوا إلى فرنسا من دون تصوير أيّ شيء معه. وبَعْدَ وفاته في 12 كانون الثاني 1986م بالتدرُّن الرئوي وتشمع الكبد أحرق جثمانه وسط استعراض لفرقة جاز قَدِمتْ من مسقط رأسه «نيو أورليانز» وهي تسير على طول شارع غرانت معقله ومقتله وتتوقف قليلًا عند كلِّ حانة شرب فيها وطرد منها! ثم نثر رماده على الخليج بموكب من ثلاث مراكب صغيرة.

بيد أنَّ «الصدى الحزين» بقي في قصيدته التي حملت هذا العنوان:




«المساماتُ الصغيرةُ المحفورةُ

في جِلدِي،

ملايينُ

مِنَ القبورِ السريَّةِ الصَّغيرةِ،

مليئةٌ بالأحاسيسِ

الميِّتةِ.

تلكَ التي لَنْ تَبْقى

ميِّتةً.


الشعراتُ الصغيرةُ المُشْعِرةُ

عَلَى رأسي،

مَلايينُ

مِنَ الأشجارِ السرِّيةِ الصغيرةِ،

مليئةٌ بالطيورِ

الميتةِ،

تلكَ التي لَنْ تَبْقى

ميِّتةً.


وحينَ أموتُ

لَنْ أبْقى ميِّتًا».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق