-->

أسعد قطّان: الكنيسة الصامتة




منذ العام ٢٠١١، تعصف بالكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة مجموعة من الأحداث الجسيمة والتغيّرات المتسارعة: الحرب السوريّة وما صاحبها من هجرة، ولا سيّما هجرة آلاف الأدمغة في صفوف الشباب؛ فضيحة التحرّش الجنسيّ بشبّان وأحداث في أحد الأديرة في شمال لبنان وما استتبعها من أخذ وردّ بلغ حدّ الاستعانة بمحكمة كنسيّة وبمحاكم مدنيّة غير كنسيّة، وطرح لماهيّة الأبوّة الروحيّة وقضيّة التربية الجنسيّة على نطاق واسع وغير مسبوق؛ ثورة النفايات في لبنان العام ٢٠١٥، التي دلّت على فساد المنظومة السياسيّة، والمعروف أنّ المؤسّسة الكنسيّة كانت طوال عقود شريكةً، بمعنًى ما، لهذه المنظومة بفعل العقليّة الطائفيّة والنظام السياسيّ الطائفيّ؛ انتفاضة السابع عشر من تشرين الأوّل من العام ٢٠١٩ في لبنان، وهي بالتأكيد أهمّ حركة ثوريّة في تاريخ هذا البلد، وانعكاساتها على شؤون الأرثوذكس وشجونهم في لبنان وسوريّا والمهاجر؛ الأزمة الاقتصاديّة في لبنان وانهيار سعر الليرة وإفلاس المصارف التي تنطوي على كثير من ودائع الأرثوذكس في لبنان وسوريّا وبعض دول الاغتراب؛ والصعوبات الاقتصاديّة الحادّة التي ما تزال ترخي بثقلها على سوريّا في ظلّ حرب لم تنتهِ بعد وانهيار لقيمة العملة لم تشهد له سوريّا مثيلاً في تاريخها الحديث. يضاف إلى ذلك انتشار وباء كورونا على مستوى العالم برمّته وما نجم عنه من انزياحات في الحياة الكنسيّة وإغلاق لدور العبادة وتقزيم للإيقاع الليتورجيّ وانصراف الكثيرين إلى البحث عن نماذج بديلة مستمدّة من الحضارة الرقميّة، فضلاً عن دمار أجزاء كبيرة من مدينة بيروت بفعل انفجار المرفأ في الرابع من آب من العام الجاري.



لا نبالغ إذا قلنا إنّ هذه التبدّلات السياسيّة والمجتمعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والذهنيّة تكاد تهزّ الجبال. وربّما لا يوازيها شيء في التاريخ الكنسيّ الحديث ما خلا الحرب العالميّة الأولى وما أسفرت عنه من تداعيات على منطقتنا، ولا سيّما نشوء دولتي سوريّا ولبنان كما نعرفهما اليوم. أحداث غير مسبوقة في تاريخنا الحديث يقابلها صمت كنسيّ لم نشهد له مثيلاً من ذي قبل. فلنقل الأمور من «الآخر» على رأي المثل اللبنانيّ. حين نتكلّم على الكنيسة «الصامتة»، فنحن لا نقصد الحياة في الروح القدس التي يختبرها المنتمون إلى كنيسة يسوع المسيح بطرق متعدّدة، بل نقصد المؤسّسة الكنسيّة بوصفها جسمًا يتألّف من قيادة وإدارة وهيكليّات وبنًى، ويشرف على مؤسّسات كالمدارس والمستشفيات ودور الرعاية الاجتماعيّة. هذه المؤسّسة تبدو اليوم غارقةً في صمت عميق لا لأنّها لا تتكلّم، فهي كثيرًا ما تكون مصابةً بآفة التورّم من حيث كمّيّة الكلام، بل لأنّها حين تتكلّم، تكاد لا تقول شيئًا، بمعنى أنّ خطابها لا يقدّم جديدًا، بل هو في غالبيّة الأحيان مجرّد تكرار لأفكار بالية مأخوذة «من بطون الكتب»، إذا جاز التعبير. والحقّ أنّ خطاب هذه الكنيسة غالبًا ما يوحي بأنّها تتكلّم كما لو أنّها تعيش على كوكب آخر، ذلك بأنّنا نرصد فجوةً فاغرةً بين مضمون هذا الخطاب والتحدّيات المجتمعيّة والسياسيّة والفكريّة التي يختبرها أعضاء الكنيسة، سواء كان انتماؤهم إلى هذه الكنيسة انتماءً واعيًا وملتزمًا أو مجرّد انتماء سوسيولوجيّ وثقافيّ. يضاف إلى ذلك أنّ هذه الكنيسة، التي تتّصف بالصمت، كثيرًا ما توحي أيضًا بأنّها مؤسّسة مقفلة، مغلقة على ذاتها، عصيّة على التغيير والإصلاح، ترفض أيّ شكل من أشكال التجدّد، وتحاول بشتّى الوسائل أن تستنسخ ذاتها. وليس من النادر بمكان أن يكون المستوى الفكريّ في هذه المؤسّسة الكنسيّة ضحلاً، يتّسم بالجفاف والعقم والجمود. ولا شكّ في أنّ هذا يرتبط، من ضمن جملة من العوامل، بالتربية اللاهوتيّة في المعاهد التي يتربّى فيها قادة الكنيسة، ولا سيّما بفشل هذه التربية الفاضح في العبّ من العلوم الإنسانيّة كالتاريخ والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبواوجيا، وفي تقديم نموذج فكريّ يستنجد بهذه العلوم ويستفيد منها طمعًا في تجديد المقاربة اللاهوتيّة وجعلها أكثر ارتباطًا بالأسئلة الوجوديّة التي يطرحها الناس الذين يدورون في فلك الكنيسة في عالم اليوم.


ربّما يعتبر بعضهم أنّ أوان التحرّك الإصلاحيّ لم يفت بعد، وأنّ التحوّلات في المجتمع والسياسة والثقافة ستضطرّ الكنيسة الصامتة إلى تغيير سلوكها عاجلاً أم آجلاً. فهي ستكون مجبرةً على مراعاة ما يصطخب في المجتمع من تغيّرات جذريّة لكون أعضائها هم، في نهاية المطاف، جزء من هذا المجتمع المصطخب ومن العالم المتغيّر. شخصيًّا، عدت لا أسلّم بقوّة هذه الحجّة كما كنت أفعل قبلاً، وأنا اليوم في حيرة من أمري تصل إلى حدّ التشكيك في صوابيّة مثل هذا المنطق. فسلوك الكنيسة الصامتة لا يوحي البتّة بأنّها تشعر بعمق الأزمة التي هي قابعة فيها اليوم، حتّى إنّه ليس ثمّة مؤشّر على أنّ التبدّلات التي أشرنا إليها أعلاه قادرة على اختراق الذهنيّة البائدة التي تهيمن اليوم على المؤسّسة الكنسيّة وإخراجها من تقوقعها وجمودها. ردّ الفعل الوحيد الذي يمكن رصده اليوم في غياهب الكنيسة الصامتة هو اللامبالاة والاعتقاد أنّها قادرة على الاستمرار، بما تملكه من دور عبادة وأوقاف ومؤسّسات وأموال في البنوك، وذلك بصرف النظر عمّا يحدث في الخارج. فالكنيسة الصامتة يروّج قادتها لنظريّة الانفصال التام بين «الكنيسة» و«المجتمع»، بحيث أنّها قادرة على «الاستمرار» مهما حلّ بهذا المجتمع. والحقّ أنّ هذا النموذج لا يجافي الحقيقة. فهناك أمثلة راهنة في الكنيسة الأرثوذكسيّة عن مؤسّسات كنسيّة قائمة في ظلّ شبه غياب للشعب. ولا تجد هذه المؤسّسات تبريرًا لوجودها سوى حراسة دور عبادة شبه فارغة وأديرة لا يؤمّها أحد والمحافظة على ممتلكات وأوقاف موروثة من عهود قديمة. طبعًا هذا النموذج يجعل الكنيسة في تغرّب عن ذاتها وعن معنى وجودها كما نعثر عليه في الكتاب المقدّس والتراث. ولكنّه، ويا للأسف، نموذج قائم وقابل للاستمرار في وجوده مهما تغيّرت الديموغرافيا وتبدّلت المجتمعات.


نموذج اللامبالاة هذا تقابله لامبالاة من نوع آخر لدى الذين ينتسبون إلى الكنيسة، سواء أتى هذا الانتساب سوسيولوجيًّا محضًا أو انبثق من بعد إيمانيّ حقيقيّ. بكلّ بساطة، هؤلاء البشر، الذين يعتبرون أنفسهم معنيّين بالكنيسة بطريقة ما، لا يبالون بالكنيسة الصامتة، لا يأبهون بسلوكها المعوجّ ولا يحتجّون على غبائها، بل يتركونها في شأنها ويواصلون حياتهم بالوتيرة ذاتها، بالإيقاع ذاته، يمارسون أعمالهم وكأنّ الكنيسة الصامتة غير موجودة، يزاولون «البحر والشباك»، كما يقول النشيد البيزنطيّ السَحَريّ الجميل، ولا يلتفتون إلى الكنائس التي تفرغ وتتحوّل إلى متاحف. وحين تحترق حلب، يستلّون جرار الماء ويهرعون لإطفاء السوق القديم. وحين تتهدّم بيروت، يحملون مكانسهم ويسارعون إلى الأزقّة كي ينظّفوها من الزجاج. المؤمنون منهم يعرفون أنّ الناصريّ الذي يحبّونه يترك الكنيسة الصامتة كلّ مساء ويأتي إليهم، إلى جحورهم المعتمة كي ينصب له كنيسةً هناك. وغير المؤمنين بينهم يدركون أنّ البشر سواسية في الحبّ وفي الضيق وفي الموت. هؤلاء أيضًا يأتي يسوع إليهم في الليالي الظلماء وينصب له خيمةً بينهم، ولكنّهم لا يرونه. أمّا هو، فيراهم جيّدًا ويعرف أسماءهم، لأنّ الراعي الصالح يعرف خرافه واحدًا واحدًا ويتذكّر أسماءها واحدًا واحدًا. ولكن ماذا عن الكنيسة الصامتة؟ كنائسها مغلقة، زواياها تعشّش فيها العناكب، وغالبيّة رعاتها يرعون أنفسهم، بكلّ بساطة. هكذا تنتهي الحكاية، أو ربّما هكذا تبدأ...


(نُشرت هذا المقالة في العدد الأخير من مجلّة «النور»)

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *