ما وراء الطعام عند هاروكي موراكامي - إلاهيه نوزاري - الرومي

الخميس، 12 نوفمبر 2020

ما وراء الطعام عند هاروكي موراكامي - إلاهيه نوزاري



ترجمةعلي الصباح


الممر مثل الشطيرة مُقحم بين نوعين مختلفين من المنازل التي تشكل توليفة شبيهة بالسوائل ذات الخصائص الجاذبية المختلفةمبدئيًّا، هناك تلك المنازل الغابرة التي تمتلك أفنية كبيرة، ثم هناك المنازل الجديدة نوعًا ماليس في المنازل الجديدة أي أفنية تذكربعضها لا تملك أي مساحة للفناءبقعة بالكاد تكون كافية لتعليق حبلين للغسيل ما بين حافة السقف البارز والممر الخارجيفي بعض المنازل تعلّق ملابس الغسيل على الممر الخارجي ما يدفع بي إلى الابتعاد بحذر عن الصفوف المليئة بالفوَّط والقمصان التي ما يزال الماء يقطر منهاأكون شديد القرب إلى درجة تمكنني من الاستماع إلى صوت التلفاز و(سيفونالمرحاضيمكنني شم رائحة الكاري المنبعثة من المطبخ.

  • من قصة اختفاء الفيل

تُعرّض الكتابة عن الطعام إلى نقد قاسٍ باعتبارها سطحية وغير مهمة، وهذا غير عادل لأن الطعام شيء أساسي لوجودناخارج دائرة كتب وصفات الطبخ، ثمّة أدباء تناولوا جوانب الطعام الحسية والعاطفية، من (مارسل بروستإلى (نورا إفرون)؛ إلّا أن أحدهم لم يتمكن من استغلالها نثريًّا مثلما فعل الروائي الياباني (هاروكي موراكامي). مُحبّو (موراكاميلا يفوتون هذا الجانب، فثمّة بعض المدوّنات المخصصة للطعام الذي تحضّره شخصيات (موراكامي)، مثل ما الذي أتحدث عنه حين أتحدث عن الطبخيكتب (موراكاميحبكات معقدة مع مستوى عالٍ جدًّا من الذكاء العاطفي؛ ولكن مهما كانت قصصه خيالية، تظل شخصياته قريبة من القارئ، ويوفر الطعام التوازن بين ما هو سريالي وما هو طبيعييمزج الطعام داخل قصصه بأسلوب ممل يلامس الأسباب العميقة المتعلقة بماذا؟ ولماذا؟ وكيف نأكل؟
المساحة المخصصة للطعام في روايات (موراكاميغير اعتياديةفي رواية «رقص رقص رقص»، لا يمر يوم دون أن يتحدث السارد عن الطعام الذي تناولهليس للطعام أي علاقة بالحبكة؛ مع ذلكيدور الكتاب حول رجل يبحث عن عاهرة وقع في حبهايعرض (موراكاميالنظام الغذائي لبطل الرواية بابتذال ملحوظفي أحد المشاهد، يقطن البطل في فندق ويصرّح بأنه سئم من فطور الفندق، فذهب إلى (دنكن دونتسوحصل على اثنتين من فطائر (المفن). «يمكن أن تسأم من فطور الفندق في أحد الأياميكون دنكن دونتس هو الخيار المناسبإنه رخيص وتحصل على إعادة ملئ للقهوة»يعيش هذا الرجل في الثمانينيّات في اليابان؛ ولكن هذه التفصيلة تجعله مباشرة مألوفًا وودودًا بوجهٍ أكبر.



«سواء عدَدْتَ الثقب في الدونت على أنه مساحة فارغة أو ككيان قائم بذاته فهذه تبقى مسألة ميتافيزيقية لا تؤثر في طعم الدونت بأي وجه». –روايةمطاردة خروف بري.




ما بعد الظلام هي رواية قصيرة تبدأ أحداثها في مطعم «دينيز» بالتحديد في الساعة 11:56 مساءبعد صفحات قليلة نتعرف إلى (تاكاهاشي)، وهو طالب وعازف ترومبون يأتي إلى «دينيز» في وقت متأخر من الليل من أجل وجبة خفيفة من سلطة الدجاج والخبز المحمصيشرع في حوار داخلي عن سلطة الدجاج في «دينيز»، ويشرح كيف مع أنه لا يطلب شيئًا غيرها؛ إلا أنه يظل يحدق في قائمة الطعام«ألن يكون محزنًا أن تدخل إلى دينيز وتطلب سلطة دجاج دون النظر إلى قائمة الطعام؟ إنه يشبه إخبار العالمأنا آتي إلى دينيز كل يوم لأني أحب سلطة الدجاج». الإدراك الذاتي عند (تاكاهاشيلحبه لسلطة الدجاج -الذي سرعان ما تعلق عليه شخصية أخرى بأنه بسبب وجود إضافات كيميائية غريبةيمكن تفهمه.
لدى (موراكامي)، الطريقة التي نتناول بها الطعام هي انعكاس لنافي رواية «1Q84»، الأرملة هي سيدة سبعينية ثرية تتناول أطعمة من مكونات طبيعية ووجبات غداء فرنسية مثل: (هليون أبيض مغلي، وسلطة نيسواز، وبيض أومليت مع لحم السلطعون). تأكل كميات قليلة وتحتسي شايها «مثل جنية في أعماق الغابة ترتشف ندى الصباح الواهب للحياة»ينتابك الشعور عبر نظامها الغذائي وآداب مائدتها بأنها ليست فقط أصيلة ومهذبة؛ ولكن مستنيرة أيضًاقابلها مع (أوشيكاوا). محامٍ دنيء تحول إلى محقق وتخلت عنه أسرته ولم يعد يملك أي حياة خارج نطاق مطاردة الآخرين تحت غطاء وظيفتههو تافه كاره لذاته وهو يأكل بما يتناسب مع ذلك؛ في حين تتناول الأرملة الخضروات الطازجة، يتناول (أوشيكاواالأطعمة المعالجة مثل: (الخوخ المعلب، وكعك المربى الحلو)، ويمضي أيامًا دون تناول وجبة ساخنةالأرملة تعامل جسدها كمعبد، (أوشيكاوايعامله كمكب نفاياتهي في سلام مع ذاتها، هو ليس كذلك.
(يوكي)، الفتاة ذات 13 سنة في رواية «رقص رقص رقص»، لديها نظام غذائي يشبه نظام (أوشيكاوا)؛ مع أنّ انتمائها الاجتماعي مختلف جدًّا عنه إلا أن ميلها إلى تناول الأطعمة الرديئة ينبعث من المشاعر نفسها لعدم تمتعها بما يكفي من حبوالديها أثرياء ومشهوران؛ ولكنهما منفصلان عن بعضهما بعضًا ومهملان لهالم يكن لديها أي أصدقاء حتى التقت السارد، يكبرها بعشرين سنة، الذي صار رفيقًا أفلاطونيًّا لها ومربيفي أحد المشاهد، يتصل عليها ويسألها ما إذا كانت أكلت شيئًا صحيًّاتقول يوكي«لنرىفي البداية دجاج كنتاكي، ثم ماكدونالدز، ثم ديري كويين»كان يوجهها بعيدًا عن الوجبات السريعةبعدئذٍ؛ أخذها إلى أحد المطاعم حيث يتناولون شطائر لحم البقر المشوي مع خبز القمح الكامليقول«جعلتها تشرب كأسًا من الحليب المفيد أيضًاكان اللحم ليّنًا وحيًّا مع الفجلمشبعة جدًّاتلك تسمى وجبة»أخذ السارد على عاتقه مهمة تغذيتها التي أهملها والداها، فغذاها حرفيًّا ومجازيًّا.
غالبًا ما يُظهر (موراكاميشخصياته وهم يحضرون الوجبات ليعبر عن مدى استقلاليتهمفي رواية «رقص رقص رقص»، (خليلوالدة (يوكيالشاعر ذو الذراع الواحدة الذي كان يقطع شطائر لحم الخنزير ببراعة ما دفع السارد أن يتعجب بصوت مسموع عن كيفية تقطيعه للشطائر بيد واحدة فحسبفي رواية «الغابة النرويجية»، ينظر (توروإلى (ميدوريبرهبة في أثناء تحضيرها الغداء على وجهٍ مسرحي «هنا تذوقت سمكة مسلوقة، وفي الثانية التي تلتها كانت عند لوح التقطيع، تك-تك-تك، ثم أخذت شيئًا من الثلاجة وكومته في وعاء، وقبل أن أستوعب ذلك كانت قد انتهت من غسل قدر انتهت من استخدامه». علّمت (ميدورينفسها الطبخ حين كانت في الصف الخامس لأن أمها لم تعتني بأمور المنزلحين نقابلها، تكون يتيمة يُتمًا جوهريًّاأمها ميتة، ووالدها يحتضر، وأختها الكبير مخطوبةكانت تعتني بنفسها جيدًا مع أنّهم تخلّوا عنها.
طبخ الوجبات هو أكثر من مجرد دلالة على الاستقلالية، هو سلوك يضفي النظام على فوضى العالم الخارجيفي رواية «1Q84» دخلت الشخصيتان الرئيستان (تِنغو وأومامي)، دخولًا غير مدرك إلى عالم بائس حيث لا يملكون أي سلطة على حياتهمفي تلك اللحظة، يُراقبُ (أوشيكاواغريب الأطوار (تِنغولأنّهُ وجد نفسه متهمًا بالتزوير لأنّه كاتب خفي لأحد أكثر الكتب مبيعًاالنمط اليومي لعودته إلى المنزل والطبخ أتاح له أن ينظر من بعيد ويدرك ما الذي يحدث حولهغالبًا ما يحضّر وجبات دقيقة مما يجده مُتاحًا في الثلاجةيقول (موراكاميإنّ الارتجال هو أفضل أنواع الطبخ لديهفي أحد المشاهد، يصنع (تِنغو«أرز البيلاف مع لحم خنزير مملح ومشروم وأرز بني، وشوربة ميسو مع توفو وواكامي»الطبخ ليس عملًا روتينيًّا لدى (تِنغو). هو «يستخدمه كوقت للتفكير حول المشكلات اليومية، وحول المسائل الرياضية، وحول كتابته… يستطيع أن يفكر حين يقف في المطبخ ويحرك يديه بطريقة أكثر انتظامًا مقارنةً معه حين لا يكون يفعل شيئًا».

لا تحتاج لأن تذهب إلى طبيب نفسي لتعرف أن الطعام يمكن أن يهبك شعورًا بالراحة؛ ولكن لدى (موراكامي)، الراحة يمكن الحصول عليها بالتركيز الذهني الكامل أيضًا، الذي يأتي بتحضيرهفي رواية «نهاية يوميات طائر»، فقد (تورووظيفته أخيرًا، وأنفق جلّ وقته يطبخ ويبحث عن قطته الضائعةفي بداية الكتاب، يرن الهاتف حينما كان يحضّر (السباجيتي) -الفصل الأولوشطيرة طماطم بالجبنة -الفصل الثالث-، وحاول أن يقاوم الرد عليه لحين الانتهاء من تحضير طعامه«تركت الهاتف يرن ثلاث مرات وقطعت الشطيرة إلى نصفينثم حملتها إلى صحن، مسحت السكين، ووضعتها في درج أدوات المائدة، قبل أن أصب لنفسي قدحًا من القهوة كنت قد سخنتهاما يزال الهاتف يرن».  (توروواعٍ بكل خطوة غير مهمة في ذلك التسلسل، من طريق ترك الهاتف يستمر في الرنين، كان يحاول أن يحجب العالم الخارجي عن اقتحام روتين يومه.
يمكن لأي أكول شره أن يعترف، نحن نأكل لنملأ الفراغ أحيانًافي القصة القصيرة «هجوم المخبز الثاني» استيقظ شخصان حديثي الزواج في منتصف الليل مع شعور لا يقاوم بالجوعتزوجا لأسبوعين فحسب ولم يعتادا على بعضهما بعد«علينا أن نؤسس لفهم زواجي دقيق مع الوضع في الاعتبار قواعد السلوك الغذائيدع عنك أي شيء آخر». اختصارًا للقصةبعد فشل البحث عن الطعام في مطبخهم، قادا سيارتهما إلى (ماكدونالدزليسرقا منه؛ ولكن عوضًا عن طلب المال، طلبوا ثلاثين (بيج ماك)! هو أكل ستة، وهي أكلت أربعة، وحالما تلاشى جوعهما، شعرا بالقرب من بعضهما بعضًا.
في رواية «كافكا على الشاطئ»، حين فر (كافكامن بيته، نزل في فندق وكان يتناول فطورًا كبيرًا من التوست والحليب الساخن ولحم الخنزير المملح والبيضإنها وجبة دافئة ومغذية وكفيلة بأن تشبعه؛ ولكنه لا يشعر بالشبعبينما يبحث حوله عن وجبة ثانية، قاطعه الصوت الذي في رأسه «الفتى المسمى كرو»«لن تعود إلى البيت، حيث تستطيع أن تملأ نفسك بما شئت… أنت هربت من المنزل، صح؟ فكّر بذلكاعتدت على الاستيقاظ باكرًا وتناول وجبة فطور كبيرة؛ ولكن تلك الأيام انتهت، يا صديقي»كان للتو قد ترك حياة سهلة لكنها مليئة بالوحدة في بيت والده مع نية غير واضحة لأن «يسافر إلى مدينة بعيدة ويعيش في ركن في مكتبة صغيرة»اختار مكانًا عشوائيًّا«شيكوكو، قررتإلى هناك سوف أذهبليس ثمة سبب لأذهب إلى شيكوكو، فقط من قراءة الخريطة شعرت أنه يجب أن أذهب إلى هناك». سوف يصل إلى وجهته أو يدرك السبب اللاواعي وراء رغبته في ترك منزله؛ ولكن شعوره بالجوع النهم كان إشارة على مسار رحلته، وكأنه لا يستطيع أن يشعر بالشبع إلا إذا أحس بالأمان.
ثمّة فقرة في رواية «كافكا على الشاطئ» تروي أسطورة من كتاب «المأدبةفلسفة الحب» لأفلاطون، بأنّ كل شخص مخلوق في البداية من شخصين، ثم فصلهما الله بعد ذلك ولهذا يظلان في حياتهما يبحثان عن نصفهما المفقودهذه الفكرة -والفكرة المشابهة لها بأن البشر وحيدون بوجهٍ متأصلواضحة في كثيرٍ من قصص (موراكامي)، خاصة حين تتناول شخصياته الطعاممغازلة (ميدوريمع (توروفي رواية «الغابة النرويجية» تحدث حيث يتناولان الطعاميتقابلان أول مرة في مطعم هادئ قرب الجامعةيأكل (تورولوحده (أومليت مع مشروم وسلطة فاصوليا خضراءو(ميدوري)، التي تتعرف إليه بسبب وجودهما في فصل مشترك، تترك أصدقاءها وتذهب لتقديم نفسها إليهتسأل ما إذا كانت تعيقه فأجابها مباشرة«لا، لا شيء لتعيقيه»يدرك القارئ أن (لتورومشاعر تجاه (ميدوريحين تغيب في الجامعة لينتهي به المآل بأن يصاب «ببرد، ويتناول وجبة غداء بلا طعم وحيدًا».


في حين تُبنى علاقة بوساطة مشاركة الطعام في رواية «الغابة النرويجية»، تنتهي علاقة أخرى في أثناء تناول الطعام في رواية «نهاية يوميات طائر»أخذ (توروعلى عاتقه الواجبات المنزلية، مثلالتسوق من البقالة، وإعداد العشاء؛ في حين كانت زوجته (كوميكوفي العملغالبًا ما تعود في الساعة السادسة والنصف مساءً؛ ولكن في إحدى الليالي لم ترجع إلا عند التاسعةحين عادت إلى المنزل شرع (توروفي طبخ طبق مقلي من اللحم والبصل والفلفل الأخضر والفاصوليا المبرعمة؛ ولكن في أثناء أعداده الطعام بدأت زوجته بالشجار معه لأنه لا يعرف أنها «تكره اللحم المقلي مع الفلفل الأخضر كليًّا»إنها تمامًا مثل نوع الشجارات اللاعقلانية التي تفتعلها حين تكون منزعجًا من شخص ما وتبحث عن شيء تتصيّده له، وهي تلقي بظلالها على مستقبلهم كزوجينبعد فصول قليلة، لا تأتي البيت البتة، ويتسكع (توروبلا هدف في المطبخ ليتناول فطوره لوحدهإنه أكثر إيجاعًا للقلب مما يبدو عليهلم يفوتا تناول الفطور ولو لمرة واحدة منذ تزوجا -إنها بداية النهاية.
في مقابلة بعنوان «فن الأدب» في باريس ريفيو، يقول (موراكاميإن وظيفته ككاتب أدبي هي أن «يراقب الناس والعالم، دون أن يحكم عليهم»فهو يصف شخصياته وهم يأكلون ويحضّرون الطعام بتفاصيل كثيفة، وسرعان ما يغدو سلوكهم مألوفا لنا حين نراهم عبر عدساتهكلنا مررنا بجوع (يوكيللوجبات السريعة حين شعرنا بفراغ داخلنا، وسكون (تِنغوالساحر حين نطبخ عشاءً في المنزل بعد يوم مجهد، وشعور (توروبالوحدة والتوق حين نتناول طعامنا لوحدنا ونتمنى لو نتناوله مع شخص نكترث له.
يستخدم (موراكاميالطعام لينقل مشاعر عالمية منالراحة، والحب، والشراكة، والاستقلالمثلما لاحظ (توروحين تناول خيارة في رواية «الغابة النرويجية»: «إنه أمر جميل حين يكون مذاق الطعام طيبًايجعلك تشعر بأنك حي»حين يلقي هذه الملاحظة مع حبة خضار تحتوي على صفر سعرة حرارية ومذاقها يغلب عليه طعم الماء يلمح إلى أنك تستطيع أن تجد ما يرضيك حتى في أكثر الأشياء يُسرًايمكنك أكل الخيار دون تذوقه، أو يمكنك أن تعيش، وتقدّر الطعم اللطيف المخبوء وراء القشرة المرةنحن لا نأكل لنعيش فحسب، بل نأكل لنتذوق الحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق