-->

ابن البلد قاتلاً.. ريتشارد رايت وتراجيديا الزنوج أحمد أبوزيد إنه نموذج من الأدب يعبّر عن غضبة الزنوج, اتهام صريح لأمريكا بقتل إنسانيتهم من خلال قوانين التفرقة العنصرية. في عددها الصادر بتاريخ 17 ديسمبر 2001 نشرت جريدة نيويورك تايمز مقالاً بقلم مارتن أرنولد عن شغف زنوج أمريكا بشراء الكتب وشدة إقبالهم على قراءة كتب الأدب الزنجي بحيث إن ما يباع الآن من هذه الكتب وبخاصة من الأعمال الروائية يفوق بكثير جداً ما يباع من كتب المؤلفين والروائيين البيض. وتدور معظم هذه الكتابات بما فيها الأعمال الروائية حول حياة الزنوج ومعاناتهم في المجتمع الأمريكي وما يلقونه من عناء واضطهاد, كما تسجل الجهود التي يبذلونها لإثبات حقوقهم المدنية والقضاء على التمييز العنصري الذي لايزال قائماً رغم كل القوانين التي تقضي بتحريم مظاهر التفرقة بين المواطنين مهما اختلفت ألوانهم ومعتقداتهم. فالمجتمع الأمريكي يقوم على أسس قوية وراسخة من التفرقة العنصرية على الرغم من تطبيقه مبادئ الديمقراطية ودفاعه المعلن عن حقوق الإنسان على المستوى العالمي. وتصل الأمور بالمجتمع الأمريكي إلى حد أنه في كثير من الحالات حين يحقق بعض هؤلاء الزنوج مستوى معيناً من الرقيّ الثقافي والنجاح الاقتصادي يؤهلهم للانتقال من العشوائيات التي يعيشون فيها في المدن الكبرى إلى الضواحي التي يسكنها البيض. في العادة يهجر السكان البيض المنطقة كلها حتى لا يتجاوروا في السكن والإقامة مع الزنوج الذين ظلوا يرسفون في قيود العبودية لعدة أجيال. ولاتزال محاولات السود الاندماج مع البيض في مجتمع عضوي واحد تواجَه بالرفض والنفور رغم كل المظاهر السطحية التي قد توحي بعكس ذلك. ولذا يعمل السود جاهدين على تنظيم مجتمعهم الخاص بهم ونشر ثقافتهم المتميزة وإحياء الأصول الإفريقية لتلك الثقافة وتكوين الجمعيات والنوادي التي تساعد على تقوية تماسكهم الاجتماعي والسياسي, بل وإصدار صحف ومجلات خاصة تعبّر عن فكرهم ونظرتهم إلى الحياة وتعرض للمشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحيط بهم. ولكن الأهم من هذا كله هو إصرار هؤلاء الزنوج على تسمية أنفسهم بالأمريكيين الأفارقة مما يميّزهم عن غيرهم من الجماعات العرقية الكثيرة المتنوعة التي تؤلف المجتمع الأمريكي, كما يكشف عن اعتزازهم بأصولهم الإفريقية وبالحضارة الإفريقية التي هي على أي حال أقدم بكثير من حضارة أمريكا البيضاء. قبل تجارة الرقيق ويرجع تاريخ هؤلاء السود في نصف الكرة الغربي إلى أكثر من أربعة قرون ونصف القرن, أي أن وجودهم في أمريكا كان أسبق بكثير على تجارة الرقيق المنظمة التي ازدهرت في القرن الثامن عشر وبعض القرن التاسع عشر. بل إن وجود هؤلاء الزنوج كان إلى حد كبير معاصراً لوجود البيض أنفسهم, فقد أتاحت إسبانيا الفرصة لهم للوصول إلى العالم الجديد منذ أوائل القرن السادس عشر وبالذات منذ عام 1501 مع حركة الاستيطان الإسباني لأمريكا الجنوبية, وتابع البرتغاليون الإسبان في ذلك بحيث إنه في أواخر القرن الثامن عشر كان السود يؤلفون أكثر من نصف سكان البرازيل على سبيل المثال. وعلى العموم, فإن وجود الزنوج الأفارقة في العالم الجديد كان أسبق بكثير على رحلة السفينة ماي فلاور الشهيرة. وقد حفظت الآداب الشعبية وبخاصة أغاني الزنوج كثيراً من صور المعاناة التي يلقاها العبيد الأفارقة وذلك حين كان الرجل الأبيض ينكر عليهم حق التعليم ويقصر دورهم في المجتمع على ممارسة العمل الفيزيقي الشاق بعيداً عن أي نشاط ذهني. وقد تغير ذلك الوضع بالتدريج بعد الثورة الأمريكية التي كانت تحارب الرق والعبودية وتتبنى الدعوة إلى مبادئ الديمقراطية والعدالة, وإن لم تفلح في القضاء تماماً على التمييز العنصري, فقد كانت هناك دائماً حركات مناوئة لتحرير العبيد حتى في القرن التاسع عشر, وكانت هذه النزعات العنصرية تقف دون تحقيق السود ما يبغونه من تقدم مادي ورقي معنوي. وقد سجلت الكتابات الزنجية هذه التجربة المريرة بعد أن أفلح الزنوج في الحصول على حقوقهم المدنية وبخاصة حق التعليم, وظهر من بينهم عدد كبير من الكتّاب والأدباء والروائيين الذين يجمعون في كتاباتهم بين التفكير الموضوعي الدقيق والإبداع الفني والأدبي الراقي. وتكشف هذه الأعمال عن حقيقة الأوضاع في أمريكا من وجهة نظر السود الذين يؤلفون قطاعاً واسعاً من المجتمع الأمريكي المعاصر. ويولي علماء الأنثربولوجيا بالذات هذه الكتابات - بما فيها الأعمال الروائية - كثيراً من الاهتمام باعتبارها تسجيلاً للتجربة الذاتية المستمدة من الحياة الخاصة في مجتمع يقوم على التمييز العنصري بين مكوّناته من البشر. سليل العبيد وربما كان الكاتب الروائي ريتشارد رايت (ولد عام 1908) واحداً من أهم هؤلاء الكتّاب الزنوج في النصف الأول من القرن العشرين. وقد توفي عام 1960 وهو في الثانية والخمسين من العمر, ولكن كتاباته وأعماله الروائية لاتزال تلقى كثيراً من اهتمام النقّاد والأنثربولوجيين على السواء كما تخضع للتحليل والتقويم بحيث صدرت عنه في السنوات الأخيرة خمسة كتب على درجة كبيرة من الأهمية, وكان آخرها كتاب هيزيل رولي الذي صدر عام 2001 تحت عنوان (ريتشارد رايت: حياته وعصره). وقد عرف عن قرب أثناء حياته القصيرة كيف يعيش أطفال الزنوج الفقراء العاملين في مزارع وضياع السادة البيض الأغنياء المتسلطين في الجنوب الأمريكي المتعصّب, خاصة أنه هو نفسه سليل أربعة أجيال من العبيد. وقاسى من الحرمان الذي نجم عنه وجود أب سكير لم يلبث أن هجر الزوجة والأولاد مما اضطر الأم إلى النزوح إلى الشمال للعمل في أعمال حقيرة حتى تقيم أود أولادها كما اضطر هو نفسه منذ الصغر إلى ممارسة عدد من الأعمال الشاقة مثل حمل الأمتعة والبضائع والحقائب في الأسواق ومحطات الأتوبيس والسكك الحديدية وكنس الشوارع وغسيل الأطباق في المطاعم والفنادق والخدمة في مكاتب البريد, ولكنه عرف في الوقت ذاته الجوع والبطالة, وكانت حياته في الشمال لا تقل قسوة عن حياته في الجنوب بحيث كان يقول إن الفرق الوحيد بين الشمال والجنوب هو أنهم في الجنوب يقتلون السود بأنفسهم, أما في الشمال فإنهم يتركونهم يموتون من الجوع, ولكن ذلك لم يصرفه عن القراءة وتهذيب عقله مع أنه لم يواظب على الدراسة في المدارس لأي سنة كاملة حتى بلغ السادسة عشرة من العمر. ورغم ذلك كان يبدي منذ سن مبكرة قدرة فائقة على التعبير عن نفسه وتطويع اللغة بمهارة لشرح ما يدور في ذهنه ويجيش في صدره, بحيث نشرت له إحدى المجلات التي تُعنى بأدب الزنوج قصة قصيرة وهو في الرابعة عشرة من عمره, كما فاز كتاب ظهر له عام 1937 ويضم بعض القصص القصيرة بعنوان (أولاد العم توم) بجائزة مالية قدرها خمسمائة دولار كانت تمثل ثروة هائلة بالنسبة له في ذلك الحين. وقد دفعه الفقر والحرمان والشعور بالظلم واستعباد البيض للزنوج إلى الانضمام إلى الحزب الشيوعي في أوائل الثلاثينيات كنوع من الاحتجاج على الوضع السيئ الذي يجد الزنوج أنفسهم فيه, فقد وجد أن الحزب الشيوعي هو التنظيم الأمريكي الوحيد الذي لا يهتم بالفوارق والاختلافات بين السلالات والأعراق والمعتقدات, ولكنه لم يلبث أن أدرك زيف الشيوعية بعد أن هاجر إلى فرنسا فانفصل عن الحزب وإن ظل متمسكاً بالفكر اليساري المادي الإلحادي. وعلى أي حال فقد وجد في فرنسا من الحرية واحترام آدمية الفرد ما لم يجده في أمريكا. وعاش في فرنسا خمس عشرة سنة عرف فيها المجد والشهرة, وأتيح له أثناءها أن يصدر سبعة أعمال رئيسية إلى جانب عدد من المقالات. ولكنه عرف أيضاً في أواخر حياته تراجع الشهرة والقدرة على الإبداع وهجران الزوجة الأمريكية البيضاء التي كانت قد صحبته في هجرته من أمريكا, ووقع فريسة المرض حتى مات فجأة في أحد مستشفيات باريس نتيجة أزمة قلبية مفاجئة وهو في الثانية والخمسين, وبعد أن كان قد سجل اسمه في تاريخ الأدب الزنجي المعبّر عن معاناة الزنوج في المجتمع الأمريكي الذي يحمل لواء الحرية والديمقراطية والعدالة رغم عنصريته الشديدة وعدائه الصريح لأبنائه الزنوج والملوّنين. الغضب ضد الإهانة وتسجل أعمال ريتشارد رايت شعور الإنسان الزنجي بالغضب إزاء الوضع المهين الذي يفرضه مجتمع البيض على الزنوج. وقد عبّر عن ذلك الغضب بقوة وعنف في روايته الشهيرة (ابن البلد) التي صدرت عام 1940. وتدور أحداث الرواية حول حياة شاب زنجي يعيش في حي الزنوج بشيكاغو وتضطره ظروف حياته المضطربة إلى ارتكاب جريمة قتل كانت ضحيتها الفتاة التي يعمل في خدمة عائلتها ثم وجد نفسه ذات مساء يحملها وهي مخمورة إلى حجرتها وحين تأتي أمها للاطمئنان عليها خشي أن تحس بوجوده وتتهمه باغتصاب الفتاة البيضاء - وهي التهمة التي كثيراً ما توجه حتى الآن للزنوج - فكتم أنفاس الفتاة لكي تموت دون أن يشعر ودون أن يتعمّد ذلك, فالخوف الشديد والفزع من الإنسان الأبيض الظالم المتسلط كانا وراء الجريمة التي لم تكن تخطر للفتى الزنجي على بال. وهذا الوضع يتكرر بأشكال وصور مختلفة في كثير من أعماله وبخاصة في كتابه الثاني الذي صدر عام 1944 تحت عنوان (الفتى الأسود), وهو نوع من السيرة الذاتية للفترة المبكرة من حياته ويصور حياة الزنوج في عشوائيات شيكاغو والمدن الأمريكية الكبرى وبعض الأحداث التي وقعت بالفعل والظروف القهرية التي تدفع الإنسان الأسود في أمريكا إلى الجريمة وموقف القضاء الأمريكي المتحيّز الذي لا يأخذ تلك الظروف في الاعتبار ولا يتردد في أن يرسل (المجرم) إلى الكرسي الكهربائي على جرائم لم يكن يتعمّد ارتكابها. إدانة للعنصرية وكلا العملين: ابن البلد والفتى الأسود, اتهام صريح لأمريكا العنصرية التي تحب ألا تعترف بأن المجرم الحقيقي هو البيئة التي يعيش فيها الزنوج. ويعتبر النقاد رواية ابن البلد قمة التراجيديا الأمريكية الزنجية, فهي تدور حول مشكلة عدم التوافق الاجتماعي في أمريكا وأثر البيئة الاجتماعية في السلوك الفردي ومشاكل الجريمة والعقاب في مجتمع يقوم على العنصرية ضد السود, وأن الإنسان الأسود هو في آخر الأمر ضحية اللامبالاة في ذلك المجتمع وأن الظلم الذي يقع على الإنسان الأسود له جذور عنصرية عميقة في أمريكا. وقد دفعه الإحساس بالظلم إلى الانشغال بهموم الإنسان الأسود في كل مكان وإلى أن يتبنى قضيته ويتعرف مشاكله عن قرب. وكان الإنسان الأبيض يمثل في نظره مجموعة من المعضلات التي تبحث عن حل, وقاده البحث إلى اعتناق الوجودية ثم الفرويدية بعد أن تبين له زيف الشيوعية ولكنه لم يجد في هذه المذاهب كلها الحل الذي يستطيع بواسطته أن يتجاوز الفروق بين البشر. ودفعه ذلك إلى الاهتمام بمشكلة الصراع ضد الكولونيالية فسافر إلى غانا التي تُعرف في الخمسينيات وقبل استقلالها باسم ساحل الذهب وشاهد بؤس الأوضاع هناك وسجل انطباعاته في كتاب بعنوان (القوة السوداء), وأصبح العنوان بعد ذلك شعاراً لحركات التحرر الزنجي ورمزاً لتماسك الزنوج في أمريكا والاعتزاز بأنفسهم وبتراثهم الإفريقي القديم, كما كان ذلك العنوان - أو تلك العبارة - سبباً في إخضاعه لمراقبة وكالة المخابرات المركزية وأن يخشى الاستعمار الغربي أن يصبح رايت زعيماً لحركات السود وتحالف الشعوب السود في العالم. ثم حضر بعد ذلك مؤتمر باندونج عام 1957 وسجل ملاحظاته وآراءه في كتاب بعنوان (الستار اللوني) مستلهما في ذلك عبارة الستار الحديدي, لكي يدلل على مدى قسوة العنصرية والتمييز العنصري والمظالم التي يخضع لها السود في أمريكا وفي المجتمعات الغربية بوجه عام. وهو الموضوع نفسه الذي عالجه في محاضراته التي جمعها في كتاب بعنوان (اسمع أيها الرجل الأبيض) والتي يسجل فيها الكثير من مساوئ التفرقة العنصرية وآثام البيض في حق الزنوج. الكتابة احتجاجاً وواضح من ذلك أن ريتشارد رايت كان (كاتباً ملتزماً) حسب تعبير ميكائيل أندرسون في مقال في جريدة نيويورك تايمز بتاريخ 26 أغسطس 2001. فالأدب بالنسبة له نوع من الاحتجاج, ولذا كان يؤمن بضرورة استخدام الكلمة كسلاح يدافع به الكاتب عن آرائه وأفكاره. وقد ساعده بطبيعة الحال على اعتناق هذا الموقف وضعه كزنجي في مجتمع يقوم على التفرقة العنصرية واستعلاء البيض على السود. كما كان لانضمامه للحزب الشيوعي أثره في تعميق هذه النظرة وذلك علاوة على مشاهداته الخاصة للفظائع التي يرتكبها البيض وبخاصة في الجنوب ضد السود وما يعرفه عن تاريخ العبيد في أمريكا. وقد كان السؤال الضخم المهم الذي ظل يلح عليه طيلة حياته ومنذ الصغر هو: لماذا هذا التمييز ضد الإنسان الأسود? ولم يفلح في الوصول أبداً إلى إجابة شافية مقنعة, بل إنه يذكر أنه حين كان يسأل أمه وهو صبي صغير عن سر هذه التفرقة كان الجواب دائماً: ألا تكف عن مثل هذه الأسئلة الغبية? وفي كتابه عن (الجوع الأمريكي) وهو امتداد لسيرته الذاتية في كتاب (الفتى الأسود) يذهب إلى أنه (لكي تستطيع أمريكا البيضاء أن تفهم مشكلة الزنوج فإن الأمر يحتاج منها إلى أن تكون أكبر وأقوى وأشد صلابة مما نعرفه عنها حتى الآن. وهذه عبارة قاسية تكشف عن عدم الاحترام للأوضاع القائمة في الوطن الذي ينتسب إليه رغم هجرته منه. والواقع أن هذا الكتاب يضم مجموعة من العبارات التي تحتاج إلى الوقوف أمامها طويلاً لأنها عبارات كاشفة. فهو يقول مثلاً (إنني أشعر أن ماضي أمريكا شديد الضحولة وأن طابعها القومي يتميز بدرجة عالية من التفاؤل السطحي كما أن أخلاقياتها تشوبها كراهية اللون لدرجة تمنعها من أن تنجز مثل هذه المهمة المعقدة) (أي فهم مشكلة الزنوج). فالرجل الأسود يمثل مفارقة ثقافية, إذ رغم أنه يؤلف جزءاً عضوياً من الأمة, فإن التيار العام كله, وكذلك اتجاه الثقافة الأمريكية يعملان على نبذه وإهماله. وبكل صراحة, فإن ثمة شعوراً عاماً بأن من الخطأ قبوله بغير تحفظ, ولذا فإن أمريكا حين تحاول في حدود ثقافتها الحالية تطهير نفسها من كراهية اللون تجد نفسها في حرب مع نفسها وتنتابها نوبات من التقلصات الناجمة عن عدم الوضوح العاطفي والأخلاقي... إن أمريكا ذات التاريخ الضحل تسيطر عليها ميول جامحة لأنها تشعر بأنها وحيدة, كما أنها عدوانية لأنها خائفة. إنها تخشى الحقيقة الواقعية مثلما تخشى التاريخ, ولذا تلجأ إلى الأسلوب البسيط وهو إدانة الذين تعجز عن فهمهم ونبذ الذين يختلفون معها...). وقد لخص قصة حياته هو نفسه في عبارات قصيرة ولكنها مفعمة بالمعنى, إذ كان يقول إن قصته في الحياة هي قصة فلاح زنجي بسيط, ولكنه فنان وأديب مرموق, قصة رجل زنجي أسود ولكنه يتزوج من أمريكية بيضاء, قصة شيوعي يرفض استمرار الانتساب إلى التنظيمات الشيوعية, قصة كاتب لا يريد, بل ولا يستطيع أن يكتب مثلما يكتب الآخرون من الكتاب, ولذا فرض على نفسه الوحدة التي يعتبرها هي الحالة الطبيعية المحتومة للإنسان. كذلك كان يعتقد أنه الزنجي الوحيد الذي يصعب إخضاعه وتطويعه وترويضه لمطالب الإنسان الأبيض والدول الاستعمارية, وأنه يدفع ثمن ذلك غالياً. وكان الثمن فادحاً حقاً وبخاصة في السنوات العشر الأخيرة من عمره حين تكاتف ضده الشيوعيون وأعداء الشيوعية (المخابرات المركزية الأمريكية). وربما كان أفضل ما قيل فيه هو عبارة جيمس بولدوين القصيرة البليغة: (كان زنجياً وكاتباً أفلح في أن يثبت أن ذلك أمر ممكن)

 ابن البلد قاتلاً.. ريتشارد رايت وتراجيديا الزنوج

أحمد أبوزيد

إنه نموذج من الأدب يعبّر عن غضبة الزنوج, اتهام صريح

لأمريكا بقتل إنسانيتهم من خلال قوانين التفرقة العنصرية.



في عددها الصادر بتاريخ 17 ديسمبر 2001 نشرت جريدة نيويورك تايمز مقالاً بقلم مارتن أرنولد عن شغف زنوج أمريكا بشراء الكتب وشدة إقبالهم على قراءة كتب الأدب الزنجي بحيث إن ما يباع الآن من هذه الكتب وبخاصة من الأعمال الروائية يفوق بكثير جداً ما يباع من كتب المؤلفين والروائيين البيض. وتدور معظم هذه الكتابات بما فيها الأعمال الروائية حول حياة الزنوج ومعاناتهم في المجتمع الأمريكي وما يلقونه من عناء واضطهاد, كما تسجل الجهود التي يبذلونها لإثبات حقوقهم المدنية والقضاء على التمييز العنصري الذي لايزال قائماً رغم كل القوانين التي تقضي بتحريم مظاهر التفرقة بين المواطنين مهما اختلفت ألوانهم ومعتقداتهم. فالمجتمع الأمريكي يقوم على أسس قوية وراسخة من التفرقة العنصرية على الرغم من تطبيقه مبادئ الديمقراطية ودفاعه المعلن عن حقوق الإنسان على المستوى العالمي. وتصل الأمور بالمجتمع الأمريكي إلى حد أنه في كثير من الحالات حين يحقق بعض هؤلاء الزنوج مستوى معيناً من الرقيّ الثقافي والنجاح الاقتصادي يؤهلهم للانتقال من العشوائيات التي يعيشون فيها في المدن الكبرى إلى الضواحي التي يسكنها البيض. في العادة يهجر السكان البيض المنطقة كلها حتى لا يتجاوروا في السكن والإقامة مع الزنوج الذين ظلوا يرسفون في قيود العبودية لعدة أجيال. ولاتزال محاولات السود الاندماج مع البيض في مجتمع عضوي واحد تواجَه بالرفض والنفور رغم كل المظاهر السطحية التي قد توحي بعكس ذلك. ولذا يعمل السود جاهدين على تنظيم مجتمعهم الخاص بهم ونشر ثقافتهم المتميزة وإحياء الأصول الإفريقية لتلك الثقافة وتكوين الجمعيات والنوادي التي تساعد على تقوية تماسكهم الاجتماعي والسياسي, بل وإصدار صحف ومجلات خاصة تعبّر عن فكرهم ونظرتهم إلى الحياة وتعرض للمشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحيط بهم. ولكن الأهم من هذا كله هو إصرار هؤلاء الزنوج على تسمية أنفسهم بالأمريكيين الأفارقة مما يميّزهم عن غيرهم من الجماعات العرقية الكثيرة المتنوعة التي تؤلف المجتمع الأمريكي, كما يكشف عن اعتزازهم بأصولهم الإفريقية وبالحضارة الإفريقية التي هي على أي حال أقدم بكثير من حضارة أمريكا البيضاء.


قبل تجارة الرقيق


ويرجع تاريخ هؤلاء السود في نصف الكرة الغربي إلى أكثر من أربعة قرون ونصف القرن, أي أن وجودهم في أمريكا كان أسبق بكثير على تجارة الرقيق المنظمة التي ازدهرت في القرن الثامن عشر وبعض القرن التاسع عشر. بل إن وجود هؤلاء الزنوج كان إلى حد كبير معاصراً لوجود البيض أنفسهم, فقد أتاحت إسبانيا الفرصة لهم للوصول إلى العالم الجديد منذ أوائل القرن السادس عشر وبالذات منذ عام 1501 مع حركة الاستيطان الإسباني لأمريكا الجنوبية, وتابع البرتغاليون الإسبان في ذلك بحيث إنه في أواخر القرن الثامن عشر كان السود يؤلفون أكثر من نصف سكان البرازيل على سبيل المثال. وعلى العموم, فإن وجود الزنوج الأفارقة في العالم الجديد كان أسبق بكثير على رحلة السفينة ماي فلاور الشهيرة.


وقد حفظت الآداب الشعبية وبخاصة أغاني الزنوج كثيراً من صور المعاناة التي يلقاها العبيد الأفارقة وذلك حين كان الرجل الأبيض ينكر عليهم حق التعليم ويقصر دورهم في المجتمع على ممارسة العمل الفيزيقي الشاق بعيداً عن أي نشاط ذهني. وقد تغير ذلك الوضع بالتدريج بعد الثورة الأمريكية التي كانت تحارب الرق والعبودية وتتبنى الدعوة إلى مبادئ الديمقراطية والعدالة, وإن لم تفلح في القضاء تماماً على التمييز العنصري, فقد كانت هناك دائماً حركات مناوئة لتحرير العبيد حتى في القرن التاسع عشر, وكانت هذه النزعات العنصرية تقف دون تحقيق السود ما يبغونه من تقدم مادي ورقي معنوي. وقد سجلت الكتابات الزنجية هذه التجربة المريرة بعد أن أفلح الزنوج في الحصول على حقوقهم المدنية وبخاصة حق التعليم, وظهر من بينهم عدد كبير من الكتّاب والأدباء والروائيين الذين يجمعون في كتاباتهم بين التفكير الموضوعي الدقيق والإبداع الفني والأدبي الراقي.


وتكشف هذه الأعمال عن حقيقة الأوضاع في أمريكا من وجهة نظر السود الذين يؤلفون قطاعاً واسعاً من المجتمع الأمريكي المعاصر. ويولي علماء الأنثربولوجيا بالذات هذه الكتابات - بما فيها الأعمال الروائية - كثيراً من الاهتمام باعتبارها تسجيلاً للتجربة الذاتية المستمدة من الحياة الخاصة في مجتمع يقوم على التمييز العنصري بين مكوّناته من البشر.


سليل العبيد


وربما كان الكاتب الروائي ريتشارد رايت (ولد عام 1908) واحداً من أهم هؤلاء الكتّاب الزنوج في النصف الأول من القرن العشرين. وقد توفي عام 1960 وهو في الثانية والخمسين من العمر, ولكن كتاباته وأعماله الروائية لاتزال تلقى كثيراً من اهتمام النقّاد والأنثربولوجيين على السواء كما تخضع للتحليل والتقويم بحيث صدرت عنه في السنوات الأخيرة خمسة كتب على درجة كبيرة من الأهمية, وكان آخرها كتاب هيزيل رولي الذي صدر عام 2001 تحت عنوان (ريتشارد رايت: حياته وعصره).


وقد عرف عن قرب أثناء حياته القصيرة كيف يعيش أطفال الزنوج الفقراء العاملين في مزارع وضياع السادة البيض الأغنياء المتسلطين في الجنوب الأمريكي المتعصّب, خاصة أنه هو نفسه سليل أربعة أجيال من العبيد. وقاسى من الحرمان الذي نجم عنه وجود أب سكير لم يلبث أن هجر الزوجة والأولاد مما اضطر الأم إلى النزوح إلى الشمال للعمل في أعمال حقيرة حتى تقيم أود أولادها كما اضطر هو نفسه منذ الصغر إلى ممارسة عدد من الأعمال الشاقة مثل حمل الأمتعة والبضائع والحقائب في الأسواق ومحطات الأتوبيس والسكك الحديدية وكنس الشوارع وغسيل الأطباق في المطاعم والفنادق والخدمة في مكاتب البريد, ولكنه عرف في الوقت ذاته الجوع والبطالة, وكانت حياته في الشمال لا تقل قسوة عن حياته في الجنوب بحيث كان يقول إن الفرق الوحيد بين الشمال والجنوب هو أنهم في الجنوب يقتلون السود بأنفسهم, أما في الشمال فإنهم يتركونهم يموتون من الجوع, ولكن ذلك لم يصرفه عن القراءة وتهذيب عقله مع أنه لم يواظب على الدراسة في المدارس لأي سنة كاملة حتى بلغ السادسة عشرة من العمر. ورغم ذلك كان يبدي منذ سن مبكرة قدرة فائقة على التعبير عن نفسه وتطويع اللغة بمهارة لشرح ما يدور في ذهنه ويجيش في صدره, بحيث نشرت له إحدى المجلات التي تُعنى بأدب الزنوج قصة قصيرة وهو في الرابعة عشرة من عمره, كما فاز كتاب ظهر له عام 1937 ويضم بعض القصص القصيرة بعنوان (أولاد العم توم) بجائزة مالية قدرها خمسمائة دولار كانت تمثل ثروة هائلة بالنسبة له في ذلك الحين.


وقد دفعه الفقر والحرمان والشعور بالظلم واستعباد البيض للزنوج إلى الانضمام إلى الحزب الشيوعي في أوائل الثلاثينيات كنوع من الاحتجاج على الوضع السيئ الذي يجد الزنوج أنفسهم فيه, فقد وجد أن الحزب الشيوعي هو التنظيم الأمريكي الوحيد الذي لا يهتم بالفوارق والاختلافات بين السلالات والأعراق والمعتقدات, ولكنه لم يلبث أن أدرك زيف الشيوعية بعد أن هاجر إلى فرنسا فانفصل عن الحزب وإن ظل متمسكاً بالفكر اليساري المادي الإلحادي. وعلى أي حال فقد وجد في فرنسا من الحرية واحترام آدمية الفرد ما لم يجده في أمريكا.


وعاش في فرنسا خمس عشرة سنة عرف فيها المجد والشهرة, وأتيح له أثناءها أن يصدر سبعة أعمال رئيسية إلى جانب عدد من المقالات. ولكنه عرف أيضاً في أواخر حياته تراجع الشهرة والقدرة على الإبداع وهجران الزوجة الأمريكية البيضاء التي كانت قد صحبته في هجرته من أمريكا, ووقع فريسة المرض حتى مات فجأة في أحد مستشفيات باريس نتيجة أزمة قلبية مفاجئة وهو في الثانية والخمسين, وبعد أن كان قد سجل اسمه في تاريخ الأدب الزنجي المعبّر عن معاناة الزنوج في المجتمع الأمريكي الذي يحمل لواء الحرية والديمقراطية والعدالة رغم عنصريته الشديدة وعدائه الصريح لأبنائه الزنوج والملوّنين.


الغضب ضد الإهانة


وتسجل أعمال ريتشارد رايت شعور الإنسان الزنجي بالغضب إزاء الوضع المهين الذي يفرضه مجتمع البيض على الزنوج. وقد عبّر عن ذلك الغضب بقوة وعنف في روايته الشهيرة (ابن البلد) التي صدرت عام 1940. وتدور أحداث الرواية حول حياة شاب زنجي يعيش في حي الزنوج بشيكاغو وتضطره ظروف حياته المضطربة إلى ارتكاب جريمة قتل كانت ضحيتها الفتاة التي يعمل في خدمة عائلتها ثم وجد نفسه ذات مساء يحملها وهي مخمورة إلى حجرتها وحين تأتي أمها للاطمئنان عليها خشي أن تحس بوجوده وتتهمه باغتصاب الفتاة البيضاء - وهي التهمة التي كثيراً ما توجه حتى الآن للزنوج - فكتم أنفاس الفتاة لكي تموت دون أن يشعر ودون أن يتعمّد ذلك, فالخوف الشديد والفزع من الإنسان الأبيض الظالم المتسلط كانا وراء الجريمة التي لم تكن تخطر للفتى الزنجي على بال. وهذا الوضع يتكرر بأشكال وصور مختلفة في كثير من أعماله وبخاصة في كتابه الثاني الذي صدر عام 1944 تحت عنوان (الفتى الأسود), وهو نوع من السيرة الذاتية للفترة المبكرة من حياته ويصور حياة الزنوج في عشوائيات شيكاغو والمدن الأمريكية الكبرى وبعض الأحداث التي وقعت بالفعل والظروف القهرية التي تدفع الإنسان الأسود في أمريكا إلى الجريمة وموقف القضاء الأمريكي المتحيّز الذي لا يأخذ تلك الظروف في الاعتبار ولا يتردد في أن يرسل (المجرم) إلى الكرسي الكهربائي على جرائم لم يكن يتعمّد ارتكابها.


إدانة للعنصرية


وكلا العملين: ابن البلد والفتى الأسود, اتهام صريح لأمريكا العنصرية التي تحب ألا تعترف بأن المجرم الحقيقي هو البيئة التي يعيش فيها الزنوج. ويعتبر النقاد رواية ابن البلد قمة التراجيديا الأمريكية الزنجية, فهي تدور حول مشكلة عدم التوافق الاجتماعي في أمريكا وأثر البيئة الاجتماعية في السلوك الفردي ومشاكل الجريمة والعقاب في مجتمع يقوم على العنصرية ضد السود, وأن الإنسان الأسود هو في آخر الأمر ضحية اللامبالاة في ذلك المجتمع وأن الظلم الذي يقع على الإنسان الأسود له جذور عنصرية عميقة في أمريكا.


وقد دفعه الإحساس بالظلم إلى الانشغال بهموم الإنسان الأسود في كل مكان وإلى أن يتبنى قضيته ويتعرف مشاكله عن قرب. وكان الإنسان الأبيض يمثل في نظره مجموعة من المعضلات التي تبحث عن حل, وقاده البحث إلى اعتناق الوجودية ثم الفرويدية بعد أن تبين له زيف الشيوعية ولكنه لم يجد في هذه المذاهب كلها الحل الذي يستطيع بواسطته أن يتجاوز الفروق بين البشر. ودفعه ذلك إلى الاهتمام بمشكلة الصراع ضد الكولونيالية فسافر إلى غانا التي تُعرف في الخمسينيات وقبل استقلالها باسم ساحل الذهب وشاهد بؤس الأوضاع هناك وسجل انطباعاته في كتاب بعنوان (القوة السوداء), وأصبح العنوان بعد ذلك شعاراً لحركات التحرر الزنجي ورمزاً لتماسك الزنوج في أمريكا والاعتزاز بأنفسهم وبتراثهم الإفريقي القديم, كما كان ذلك العنوان - أو تلك العبارة - سبباً في إخضاعه لمراقبة وكالة المخابرات المركزية وأن يخشى الاستعمار الغربي أن يصبح رايت زعيماً لحركات السود وتحالف الشعوب السود في العالم. ثم حضر بعد ذلك مؤتمر باندونج عام 1957 وسجل ملاحظاته وآراءه في كتاب بعنوان (الستار اللوني) مستلهما في ذلك عبارة الستار الحديدي, لكي يدلل على مدى قسوة العنصرية والتمييز العنصري والمظالم التي يخضع لها السود في أمريكا وفي المجتمعات الغربية بوجه عام. وهو الموضوع نفسه الذي عالجه في محاضراته التي جمعها في كتاب بعنوان (اسمع أيها الرجل الأبيض) والتي يسجل فيها الكثير من مساوئ التفرقة العنصرية وآثام البيض في حق الزنوج.


الكتابة احتجاجاً


وواضح من ذلك أن ريتشارد رايت كان (كاتباً ملتزماً) حسب تعبير ميكائيل أندرسون في مقال في جريدة نيويورك تايمز بتاريخ 26 أغسطس 2001. فالأدب بالنسبة له نوع من الاحتجاج, ولذا كان يؤمن بضرورة استخدام الكلمة كسلاح يدافع به الكاتب عن آرائه وأفكاره. وقد ساعده بطبيعة الحال على اعتناق هذا الموقف وضعه كزنجي في مجتمع يقوم على التفرقة العنصرية واستعلاء البيض على السود. كما كان لانضمامه للحزب الشيوعي أثره في تعميق هذه النظرة وذلك علاوة على مشاهداته الخاصة للفظائع التي يرتكبها البيض وبخاصة في الجنوب ضد السود وما يعرفه عن تاريخ العبيد في أمريكا. وقد كان السؤال الضخم المهم الذي ظل يلح عليه طيلة حياته ومنذ الصغر هو: لماذا هذا التمييز ضد الإنسان الأسود? ولم يفلح في الوصول أبداً إلى إجابة شافية مقنعة, بل إنه يذكر أنه حين كان يسأل أمه وهو صبي صغير عن سر هذه التفرقة كان الجواب دائماً: ألا تكف عن مثل هذه الأسئلة الغبية?


وفي كتابه عن (الجوع الأمريكي) وهو امتداد لسيرته الذاتية في كتاب (الفتى الأسود) يذهب إلى أنه (لكي تستطيع أمريكا البيضاء أن تفهم مشكلة الزنوج فإن الأمر يحتاج منها إلى أن تكون أكبر وأقوى وأشد صلابة مما نعرفه عنها حتى الآن. وهذه عبارة قاسية تكشف عن عدم الاحترام للأوضاع القائمة في الوطن الذي ينتسب إليه رغم هجرته منه. والواقع أن هذا الكتاب يضم مجموعة من العبارات التي تحتاج إلى الوقوف أمامها طويلاً لأنها عبارات كاشفة. فهو يقول مثلاً (إنني أشعر أن ماضي أمريكا شديد الضحولة وأن طابعها القومي يتميز بدرجة عالية من التفاؤل السطحي كما أن أخلاقياتها تشوبها كراهية اللون لدرجة تمنعها من أن تنجز مثل هذه المهمة المعقدة) (أي فهم مشكلة الزنوج). فالرجل الأسود يمثل مفارقة ثقافية, إذ رغم أنه يؤلف جزءاً عضوياً من الأمة, فإن التيار العام كله, وكذلك اتجاه الثقافة الأمريكية يعملان على نبذه وإهماله. وبكل صراحة, فإن ثمة شعوراً عاماً بأن من الخطأ قبوله بغير تحفظ, ولذا فإن أمريكا حين تحاول في حدود ثقافتها الحالية تطهير نفسها من كراهية اللون تجد نفسها في حرب مع نفسها وتنتابها نوبات من التقلصات الناجمة عن عدم الوضوح العاطفي والأخلاقي... إن أمريكا ذات التاريخ الضحل تسيطر عليها ميول جامحة لأنها تشعر بأنها وحيدة, كما أنها عدوانية لأنها خائفة. إنها تخشى الحقيقة الواقعية مثلما تخشى التاريخ, ولذا تلجأ إلى الأسلوب البسيط وهو إدانة الذين تعجز عن فهمهم ونبذ الذين يختلفون معها...).


وقد لخص قصة حياته هو نفسه في عبارات قصيرة ولكنها مفعمة بالمعنى, إذ كان يقول إن قصته في الحياة هي قصة فلاح زنجي بسيط, ولكنه فنان وأديب مرموق, قصة رجل زنجي أسود ولكنه يتزوج من أمريكية بيضاء, قصة شيوعي يرفض استمرار الانتساب إلى التنظيمات الشيوعية, قصة كاتب لا يريد, بل ولا يستطيع أن يكتب مثلما يكتب الآخرون من الكتاب, ولذا فرض على نفسه الوحدة التي يعتبرها هي الحالة الطبيعية المحتومة للإنسان. كذلك كان يعتقد أنه الزنجي الوحيد الذي يصعب إخضاعه وتطويعه وترويضه لمطالب الإنسان الأبيض والدول الاستعمارية, وأنه يدفع ثمن ذلك غالياً. وكان الثمن فادحاً حقاً وبخاصة في السنوات العشر الأخيرة من عمره حين تكاتف ضده الشيوعيون وأعداء الشيوعية (المخابرات المركزية الأمريكية).


وربما كان أفضل ما قيل فيه هو عبارة جيمس بولدوين القصيرة البليغة: (كان زنجياً وكاتباً أفلح في أن يثبت أن ذلك أمر ممكن)


عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *