ضوءٌ جديدٌ على دانتي والإسلام - الرومي

الجمعة، 30 أكتوبر 2020

ضوءٌ جديدٌ على دانتي والإسلام


 

فرانتشسكو غابريلِّي[1]

 

أربع وثلاثون سنة قد انقضت منذ أن عُرِضَ على الأكاديمية الملكية الإسبانية خطابٌ استهلالي discurso de recepción تقدم به، لدى انتمائه إلى الأكاديمية، المستشرقُ المختص بالدراسات العربية المدعو ميغيل آسين پلاثيوس [1871-1944]، وكان في شرخ شبابه آنذاك[2]. ولا أزال أذكر إلى الآن الأثرَ الذي تركتْه في نفس والدي قراءةُ الكتاب المذكور المسمَّى الأخرويات الإسلامية في الكوميديا الإلهية[3]، وهو أثر امتزج فيه الإعجابُ بالدهشة، وكاد أن يبلغ حدَّ الفزع، على الرغم من أن والدي كان من أوائل الذين قاموا بنشر آراء آسين في إيطاليا. ذلك أن الطرافة والجرأة واتساع الأفق التي اتسم بها افتراضُ آسين، والنتائج التي توصل إليها، أحدثت وقعًا شديدًا. ولا أزال أحمل في ذهني ذكرياتٍ غير مكتملة الوضوح عن الأصوات المتنافرة التي ارتفعت في نقد المستشرق الشاب، وفي نقد دانتي، في جو الحماس المحموم الذي تميزت به احتفالاتُ العام 1921 بمرور ستمائة سنة على وفاة دانتي؛ كما أني أحمل ذكرياتٍ مبهمةً عن حماس المؤمنين بنظرية آسين، وخيبة الأمل المريرة التي مُنِيَ بها مقدِّسو دانتي، والأصداء العميقة المتلازمة لكلٍّ من التأييد والاستنكار – هذه المشاعر جميعها أثارها كتابُ آسين مما لم يسبق إليه أي سفر آخر طوال مئة عام. ثم ما لبثت أن طغت في كلِّ مكان أصواتُ المعارضين الذين لم يؤمنوا بنظرية آسين ممن اعتمدوا في ذلك على الحجة أو المنطق، أو من الذين آمنوا في أول الأمر ثم أخذ إيمانهم يضعف ويخور، وكان في عدادهم والدي. وقد ردَّ عليهم آسين في كتابه تاريخ سجال ونقده[4] ببراهين حية مقنعة، وشيجة الاتصال بموضوع الجدل. ثم ما عتمت حدةُ الجدل أن خفَّتْ وانتهى الأمر، كعادة الأمور في مثل هذه الحال، بأن خلَّف النزاعُ وراءه عددًا من المسائل يحيط بها سوءُ التفاهم والالتباس.

إلا أن التحامل المبدئي على العالم الإسلامي العربي، الغريب البعيد في لغته وتقاليده ومكانه وحضارته، ظل قائمًا لا يُقهر. وكان آسين يعتقد اعتقادًا راسخًا أن معارضة آرائه، ولاسيما من قبل الإيطاليين – وهذا أمر كان مطابقًا للحقيقة فعلاً – لم يكن الباعث الوحيد عليه التبلدُ الذهني، أو الفزع من رأي مستجدٍّ، أو التصلب الفكري أمام الحقيقة المرة يُكْشَفُ عنها لأول مرة، وإنما كان، بالإضافة إلى ذلك كلِّه، التعصب الثقافي القومي، والانصراف التام الكلِّي للدفاع بأيِّ ثمن عن مجد قوميٍّ امتدت إليه يدُ الانتقاص والتجريح بعد أن ظلت أصالتُه وعظمته لا يرقى إليهما شك أو نقد حتى ذلك الحين. وقد بذل آسين عنايةً شديدةً في نهاية كتابه ليؤكد بأن مجد دانتي الشعري لم تكن لتنتقص من قَدْره تلك الصلةُ الوشيجةُ المستمرة التي آمن هو أنه اكتشف وجودها بين الصورة التي قدمها دانتي عن الآخرة وبين فكرة المعراج وفلسفة الحشر والنشر الإسلامية، وأردف قائلاً بأن اعتزاز الإيطاليين بالأصالة المطلقة لقصيدتهم المقدسة وما انتاب هذا الاعتزاز نتيجةً لنظريته إنما هو الذي أوحى بردِّ الفعل الإيطالي أكثر من أيِّ دافع آخر سواه.

فإذا كان هناك، والحالة هذه، مَن يعتبر العصبية القومية الإيطالية العقبةَ الأساسية التي حالت دون قبول افتراض آسين، فعلى مثل هذا أن يدرك أن الفكرة الإيطالية في فلسفة النقد والجمال – هذه الفكرة التي ذاع صيتُها في سائر أنحاء أوروبا – هي التي تأبى علينا، نحن معاشر الإيطاليين، أن نقابل بالفتور مشكلةً لا تمت بصلة إلى سموِّ فنِّ دانتي وصفته الشعرية الفذة، حتى لو كان دانتي مدينًا لابن عربي بكلِّ ما اعتقد آسين أنه مدين له به (وسنرى فيما بعد أن تنبؤات آسين قد ثبتت صحتُها في اتجاه آخر)؛ فلا ينبغي لنا، نحن الإيطاليين من عشاق الشعر، أن يخطر ببالنا أبدًا أنه قد ينشأ عن هذا أي انتقاص، مهما ضؤل، من عظمة دانتي في الناحية التي وهبها لنا على وجه ليس له بديل أو مثيل، ألا وهي الناحية الشعرية. فدانتي الشاعر لا يرقى إليه لومٌ أو تجريح، وقصيدته قد تقبل النقد، إلا من وجهة النظر الفنية الجمالية؛ والمستشرق الإسباني العظيم كان في مقدمة مَن أدركوا هذه الحقيقة البسيطة وأعلنوها.

والواقع أن أخطر الانتقادات التي وُجِّهتْ إلى كتاب آسين كانت تتصل بمناحٍ أخرى غير هذه التي ما كانت لتُعتبَر وجهة نظر شرعية محقة؛ وعلى هذا الأساس وحده نشأت أخطر الشكوك في صدد افتراضات المؤلِّف. فهل كان دانتي يعرف من اللغة العربية ما يؤهله للاطِّلاع على المواد التي استطاع آسين البحاثة العالِم أن يُبرِزَها للمقارنة بقصيدته؟ وهل كان في الحقيقة أكثر اطلاعًا من عامة معاصريه على شؤون العالم العربي الإسلامي؟ وكيف تيسر له الاطلاعُ على إنتاج ابن عربي أو أبي العلاء المعري، وكلاهما يتصف بالغموض والإبهام؟ وأي دليل على أن مؤلَّفات هذين الكاتبين أو أي إنتاج عربي آخر يبحث في فلسفة الحشر والنشر قد تُرجِمَ إلى لغات غربية؟ إن هذه جميعها مشكلات تقع في مجال أبحاث التاريخ الثقافي، ويجب علينا حلها إذا أردنا إثبات أسباب التشابه بين فلسفة الحشر الإسلامية وفكرة الحشر عند دانتي كما أوردها آسين. وقد أجاب عنها آسين بقوله إنه ليس من البعيد أن يكون دانتي قد ألمَّ بقليل من اللغة العربية (ولكن الأمر، كما نعلم نحن المستشرقين حقَّ العلم، يقتضي أكثر من مجرد الإلمام بقليل من العربية لفهم مؤلفات أبي العلاء وابن عربي المعقدة!). وقد أشار آسين أيضًا إلى أنه قادر على أن يبيِّن وجود اهتمام خاص بالتاريخ الإسلامي والثقافة الإسلامية في إنتاج دانتي، ابن فلورنسا البكر؛ وكذلك نوه آسين باحتمال لم يتمكن من دعمه بالوثائق، وهو أن يكون دانتي أليجييري [1265-1321] قد وقع على نصوص في فلسفة الحشر الإسلامية في بعض الترجمات، وأن هذه الترجمات قد تكون مما حمله معه برونيتو لاتيني[5] عند عودته إلى مقاطعة توسكانيا بإيطاليا بعد انتهاء سفارته لدى ملك إسبانيا في العام 1260؛ وقد كانت هذه النقطة الأخيرة بالذات، أي الوسيلة التي انتقلت عن طريقها تصوراتُ الإسلام عن الآخرة إلى دانتي، هي التي ظلت، حتى وقت قريب، مشكلةً مبهمةً تؤلِّف الحلقة المفقودة في السلسلة التي أحكم رباطَها آسين، حلقةً حلقة، بنفاذ وتعمق لا مثيل لهما، بين إسبانيا العربية–اليهودية–المسيحية في القرن الثالث عشر وبين إيطاليا في القرن الرابع عشر.

دانتي، بريشة أندريا دِلْ كاستانيو (1423-1457). وهذا الپورتريه واحد من سلسلة پورتريهات "رجال ونساء مرموقون"، وهو موجود حاليًّا في قاعة طعام دير القديسة أپولونيا، فلورنسا.

لقد أصبح معروفًا الآن، بعد انقضاء أكثر من ثلاثين عامًا على عرض المشكلة لأول مرة، أن الحلقة المفقودة قد عُثِرَ عليها. ذلك أن عالِمين، أحدهما إسباني والآخر إيطالي (وقد أمسك كل منهما بأحد طرفي السلسلة، مستقلاًّ عن الآخر وغير عارف بجهوده حتى النهاية)، نشرا خلال هذه السنوات النصين اللاتيني والفرنسي لكتاب إسباني عربي يدور حول فلسفة الحشر العربية الإسلامية؛ وقد ثبت أن هاتين الترجمتين كانتا معروفتين في إيطاليا في القرن الرابع عشر. وهكذا تظهر لنا مشكلةُ دانتي والإسلام تحت ضوء جديد كلَّ الجدة. وقد أسميت هذا الكتاب الفذ كتاب المعراج أو كتاب معراج محمد، وفقًا للأسماء المتعددة التي عُرِفَ بها باللاتينية والفرنسية القديمة والإيطالية. وقد تم وضع الكتاب – كما كان متوقعًا، بل محتوم – في بلاط ألفونسو[6] بمدينة إشبيلية وبأمر من الملك نفسه، الذي دُعِيَ بحق "ملك الدينين" أو "ملك الأديان الثلاثة" والذي تصدُق فيه هذه الصفةُ أكثر مما تصدُق في جدِّه، فاتح طليطلة. وكان إبراهيم الفقيم، الطبيب والعالم اليهودي المشهور بترجماته لمصنفات ابن الهيثم والزرقاني، قد نقل إلى اللغة القشتالية قبيل العام 1264، بأمر من الملك نفسه، النص الشائع لقصة المعراج أو رحلة محمد في أقاليم الآخرة. وعن ترجمة إبراهيم القشتالية هذه (وهي ترجمة مفقودة) أخذ الكاتب الإيطالي بوناڤنتورا من أهل سيينا نص الترجمتين الفرنسية واللاتينية الموازيتين له؛ ومخطوطة إحداهما لا تزال محفوظة في أكسفورد ببريطانيا، في حين حُفِظَتْ مخطوطاتُ الأخرى في باريس والفاتيكان. وقد نشر الترجمتين في آن واحد إنريكو تشيرولي في إيطاليا[7] وخوسيه مونيوث سندينو في إسبانيا[8].

وإذا استثنينا المقدمة الوجيزة التي كتبها بوناڤنتورا السييني شارحًا أصل الكتاب ومبررًا الغاية من وضعه، فنحن نجد بين أيدينا، في الحالتين، ترجمةً أمينةً حرفية، وفق أساليب الترجمة في ذلك العصر، لمؤلَّف عربي في فلسفة الحشر والنشر. وقد يكون أصل هذا المؤلَّف مفقودًا، ولكنه كان ولا شك شائعًا جدًّا في إسبانيا في القرن الثالث عشر. كما أنه لا بدَّ أن تكون لهذا الأصل علاقة بالنصوص الأخرى الشفوية الخاصة بفلسفة الحشر التي نسخها أو لخصها آسين في كتابه، ولكنه يمتاز عليها جميعًا بتناسقه وشموله الكاملين، وفي مقاطع منه رونق أدبي قديم لا يخلو من قوة التأثير في النفس.

أما القصة فهي معروفة: جبريل يوقظ محمدًا من نومه في مكة، ويأمره بامتطاء البُراق، ذلك الجواد المجنح الذي يحمله إلى المسجد الأقصى؛ ومن هناك يصعد إلى السماء على درج ذهبي برَّاق. ومن هنا أُخِذَ عنوان الكتاب الذي يتحدث عن أقاليم الآخرة. ويرى محمد بعد ذلك مَلَك الموت، ثم يرى مَلَكًا على هيئة ديك، وآخر نصفه من نار ونصفه من ثلج. ثم يجتاز سبع سماوات، يلتقي في كلٍّ منها بنبي من الأنبياء، حتى يمثُل أخيرًا أمام عرش الله. ثم يزور الفردوس ويرى ما فيه من مباهج الطبيعة والمحبة، ويتسلم من الله القرآن وأحكام الصلاة اليومية والصوم (وتُخفَّف هذه الأحكام فيما بعد استجابةً لتوسلاته). ومن بعدُ يرى جهنم، ويطوف بأطباقها ودركاتها السبعة، ويرى أنواع التعذيب فيها، بينما يشرح له جبريل يوم القيامة والحساب على جسر الصراط. وعبثًا يحاول لدى عودته إلى الأرض إقناع قريش بصدق رؤياه، وقد دونها وشهد على صدقها كل من أبي بكر وابن عباس [كذا[9]]، بناءً على طلبه. والخصائص المميِّزة للمؤلَّف الأصلي محفوظة هنا بأمانة، لا بنتيجة الأسلوب الأدبي للكتاب فحسب (هذا الأسلوب الذي، على الرغم مما فيه من تشويه، يأتي على ذكر عدد كبير من الأسماء والأماكن الواردة في الأصل العربي، ويردِّد جملاً عربية كاملة في التسبيح والصلاة)، بل لخلوِّه أيضًا من أي شرح أو إيضاحات دفاعًا عن الدين من وجهة النظر المسيحية. وهكذا فإذا ما جُرِّدَ النص من حلة اللغات ذات الأصل اللاتيني التي وُضِعَ فيها، فإننا نجد فيه العقيدة الإسلامية الشعبية في الموضوع محفوظة، بكلِّ ما فيها من صراحة لا تخلو من بعض التبسيط.

وهذا الكتاب الذي جعله الملك [ألفونس] في متناول يد الغرب المسيحي (في ما لا يقل عن ثلاثة أسفار، وربما في أكثر من هذا العدد، بدافع من حبِّ الاستطلاع الثقافي أكثر من الرغبة في الدفاع عن وجهة النظر المسيحية)، انتشر انتشارًا فعالاً وبطرق متعددة؛ وبوسعنا أن نتتبع ما كان له من وَقْع في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا. وبناءً على ما بيَّنه تشيرولي، فإن كتاب إبراهيم الفقيم، المترجَم إلى لغة قشتالة الذي لم يصل إلينا، هو المصدر الذي أخذ عنه سان بيدرو پاسكوال خلاصته الضافية عن رحلة محمد إلى الآخرة، كما وردت في كتابه عن الحرير الإسلامي Sobre la seta mahometana، الذي أشار إليه آسين وجعله مصدرًا يُحتمَل أن يكون دانتي قد اعتمده. وعلى أساس المعلومات الدقيقة المتجمعة لدينا والحدس المعقول، فإن المخطوطات الثلاث المحفوظة لكتاب بوناڤنتورا – وجميعها من مطلع القرن الرابع عشر – تحملنا إلى مقاطعة بريطانيا شمال غرب فرنسا (المخطوطة اللاتينية المحفوظة بباريس) وإلى إنكلترا (مخطوطة أكسفورد الفرنسية) وإلى بروڤانس (مخطوطة الفاتيكان اللاتينية)، وتدلنا على أن كتاب المعراج Liber scalæ ما لبث أن شقَّ طريقه إلى ما وراء جبال الپرانس.

وأما فيما يتعلق باطِّلاع الإيطاليين على هذا الكتاب، فنحن إذا جعلنا تاريخ ترجمته العام 1246 (وبذلك نكون قد تخلينا عن فكرة نقله على يد برونيتو لاتيني الذي سبقت سفارته لدى بلاط ألفونسو التاريخَ المذكور بأربع سنوات)، فإننا نعثر على مقبوسين صريحين لكاتبين إيطاليين، يلخص أحدهما الكتاب تلخيصًا ضافيًا، مما يثبت أنه كان معروفًا في إيطاليا في منتصف القرن الرابع عشر وأواخر القرن الخامس عشر. ففي ذينك القرنين كانت كتابات راهب أپوليا الفرنتشسكاني روبرتو كاراتشيولو Roberto Caracciolo الدينية معروفة ومشهورة، وفي عهد السلالة الأراغونية في ناپولي، أورد روبرتو هذا في كتابه كلمة الإيمان Specchio della fede خلاصة لما وصفه هو بـ"الكتاب الذي يدعوه المسلمون بالمعراج، وبلغة العرب سلَّم محمد". ولا ريب في أن هذا هو كتابنا وأنه قد اطلع عليه في نصٍّ لاتيني. غير أن الشاعر التوسكاني ڤازيو دلي أوپرتي يدنينا أكثر كثيرًا من دانتي من حيث الزمان والمكان: فهو يصف في كتابه دتاموندو Dittamondo الفردوس كما تخيله المسلمون، منوهًا بـكتاب المعراج في قوله:

ولكنه في كتابه [أي كتاب النبي محمد] الذي يدعى المعراج يسرد ترتيب طعام الطوباويين
ويتحدث عن كلِّ تفاحة 
[أي كل ثمرة من ثمار الفردوس...].

ويعود الفضل في لفت الانتباه إلى هذا المقطع البالغ الأهمية والمؤلَّف من أبيات ثلاثة إلى تشيرولي. ترى أي ثمن كان يدفعه آسين لهذا المقطع!

وهكذا تكون السلسلة قد اكتملت. لقد كانت أوروبا الغرب، أو بتعبير أدق إيطاليا القرن الرابع عشر، تمتلك نصوصًا موفورة مفصلة، تمتاز بأمانة النقل، عن نظرة الإسلام إلى الآخرة، نصوصًا يستطيع أيًّا شاء أن يقرأها بالإسبانية أو الفرنسية أو اللاتينية دونما حاجة إلى معرفة كلمة عربية واحدة. وما من شك في أن ڤازيو قرأها، وقد أثبت ما قرأه في قصيدته التي لا تُعَدُّ من الشعر الرفيع، وهي قصيدة فيها مزيج من الأساطير التاريخية الكونية، يشهد موضوعُها عليها بأنها تقليد لشعر دانتي. ونحن لو افترضنا أن مُواطن ڤازيو وأستاذه العظيم لم يقتبس عن كتاب المعراج اقتباسًا كبيرًا، فهل نستطيع أن ننفي الاحتمال بأن دانتي قد رأى كتاب المعراج؟ – وهو احتمال يوحي به تطابُق مادة الموضوع، والتماثل في نواحٍ كثيرة محددة، ووسيلة الانتقال التي ثبتت تاريخيًّا‌. إن التعصب القومي الثقافي – أو كما أوثر أن أفسر هذا التعصب بقولي: التبلد الذهني المقرون بالخجل والافتقار إلى دليل إيجابي – لم يعد يقوى على إنكار الافتراض الدال على الذكاء المتوقد الذي تفتق عنه آسين قبل ثلاثين سنة وأمكن الآن إثباته إثباتًا رائعًا، وذلك من ناحية الحدس التي قام على أساسها.

غير أن إثبات حقيقة شيء، وتقدير قيمتها والمكان اللائق بها ومدى أهميتها في مجموع هذه المادة شيء آخر. ترى كيف يمكن لنا أن نقدر قيمة الاحتمال الذي يكاد أن يكون الآن حقيقةً واقعةً مؤكدة، وهو أن هذه الخلاصة summa عن فلسفة الحشر الإسلامية لم يكن مؤلف الكوميديا الإلهية يجهلها؟ وأي الاستنتاجات يمكن التوصل إليها من هذه المقارنة التي سبق أن أجراها في جوهرها آسين (مادام ثابتًا أن معظم عناصر كتاب المعراج هذا كانت موجودة في المواد العربية الأخرى التي جمعها ودرسها)؟ أي الاستنتاجات المنصفة يمكن التوصل إليها من مقارنة المصدر الشرقي بقصيدة دانتي؟ وأود أن أكرر قولي إن اعتبارات الفن الشعري البحتة لا مكان لها هنا، ولكن هنالك مشكلة كاملة من أوجُه الشبه النفسانية والمعنوية والثقافية التي لا تُعتبَر المقارنةُ معها مشروعةً فحسب، بل ملائمةٌ وواجبة. وإذا كان البحث فيما اقتبسه دانتي من هذه النماذج، وكيفية اقتباسه عنها، غير ذي أهمية للحكم على دانتي بصفة كونه شاعرًا، فإنه عظيم الأهمية لإيضاح المصدر الفكري لمعتقداته، والموقف الديني الأساسي لروحه، وطرائق انتقائه هذه العناصر الأجنبية ودمجها في ثقافته المتأهبة للاستيعاب؛ أو بعبارة أخرى: ما هو مدى، وما هي حدود، هذا الاتصال بين فلسفة الحشر والنشر الإسلامية وبين "مضمون" – وهنا استعمل الكلمة بمعناها المألوف في فن الشعر – رؤيا دانتي؟ أية تأثيرات محددة أثارها هذا الاتصالُ في تكوين القصيدة الملهَمة؟ وهل يستطيع المرءُ أن يتحدث عن اقتباس مباشر ماديٍّ، يكاد أن يكون آليًّا، وعن أوجُه التقابل في المفاهيم، إن لم يكن في الفن الشعري، أو أن يتحدث عن الأثر المتغلغل، إن لم يكن المستبعِد لسواه، للرؤيا العربية السابقة، في رؤيا الشاعر الإيطالي؟

استأثرت هذه الناحية الأعمق والأدق من نواحي القصيدة باهتمام عالِم واحد فقط من العالِمَين اللذين فسَّرا كتاب المعراج. أما في نظر العالم الآخر مونيوث Muñoz فالعلاقة بين الكتاب المذكور وبين الكوميديا لا تعدو علاقة الأنموذج بالتقليد: التقليد الذي عملت فيه بطبيعة الحال يدُ التحسين والتجميل، وأضفت عليه صفة البهاء الروحي، ولكنه على كل حال تقليد مباشر لا لبس فيه، وما كان ليخطر ببال لولا وجود السابقة الأولى. بعبارة أخرى، إن وجود كتاب المعراج، وثبوت انتقاله إلى عالم دانتي، هما دليلان كافيان لأن يثبتا إثباتًا آليًّا الاعتماد المباشر للاَّحق على السابق في السلسلة الطويلة من أوجُه التماثل التي أوردها آسين، وهي أوجُه التماثل في أسلوب التأليف، في الفكر الأخلاقي واللاهوتي، وفي الصور ورواية الحوادث، وذلك من أسلوب تصميم الأقسام الثلاثة للآخرة، إلى أسلوب العقاب، إلى مباهج الفردوس الأرضي، إلى الرؤى التي تبهر الأبصار في الفردوس السماوي. ويرى مونيوث أن سلسلة آسين القائمة على أساس أوجُه الشبه واعتماد حلقة على أخرى لا تقبل النقض أو الجدل، وكل ما ينقصها هو البرهان على وسيلة النقل التاريخية. ولما كنا قد وجدنا الآن هذه الحلقة في كتاب المعراج، فقد انتهى الأمر وصار كل عنصر من عناصر الرؤى الإسلامية، مهما غَمُضَ الشبهُ بينه وبين رؤيا دانتي، يؤلِّف رابطةً مباشرة بين الأصل والتقليد، أو بين الأصل والفرع، بل قُلْ رابطةً بين السبب والأثر. وفي هذه الحال فإن الكوميديا الإلهية يجب أن تذكِّرنا في الحقيقة بجامع قرطبة العظيم الذي كُيِّفتْ أعمدتُه الشرقية المرَّاكشية بما يتلاءم ومذهب التثليث المسيحي.

أما تشيرولي، فإنه يبدي حسًّا تاريخيًّا أشد حذرًا (ولا ريب في أنه لا يضمر أي تحيز قومي)؛ وهو لا يرى أن قيام الدليل على معرفة إيطاليا للكتب التي تبحث في فلسفة الحشر والنشر الإسلامية، وعلى احتمال اطلاع دانتي على هذه الكتب، يكفيان، في حدِّ ذاتهما، ليضعا بين أيدينا الدليل على شاعرية دانتي وروحانيته ومقدار إبداعه. وهو لا يتطرق إلى مشكلة "دانتي والإسلام" بعينها إلا في نهاية بحث كامل رائع حول فلسفة الحشر والنشر الإسلامية وكتَّاب الغرب في القرون الوسطى، وهو بحث جمع فيه تشيرولي وحلَّل كلَّ أثر من آثار معرفة كتَّاب الغرب المسيحيين للفكرة الإسلامية عن الآخرة، حتى ما كان منها مستقلاًّ عن كتاب المعراج: فمن مؤلَّفات بولوخيوس وألفاروس القرطبيين، إلى بيدرو ألفونسو، إلى مجموعة طليطلة Collectio Toletana، ومن غولييلمو دالڤارينا إلى جان دوڤيرتي وغولييلمو الطرابلسي، ومن رامون مارتي إلى لوليو Lullo، ومن روبرت غروستيست إلى روجر بيكون[10]. وتبرز من هذا البحث صورةٌ كاملة مدهشة تجمع بين ما كُتِبَ من طراز الدفاع الركيك الشعبي عن العقيدة المسيحية، وما في ذلك من مبالغة وتهويل شديدين في النواحي الدنيوية والحسية للفردوس كما يصوره القرآن (ونلاحظ هنا أن مهاجمة الفكرة الإسلامية عن جهنم من وجهة النظر المسيحية أشق كثيرًا من مهاجمة فكرة الفردوس)، وبين المحاولات الفلسفية، التي اضطربت بتأثير قوة الفكر الإسلامي ولكنها لم تكن تجهله، لإضفاء الصبغة الروحانية على عقوبات العالم الآخر ومباهجه وللتوفيق بين أرثوذكسية العقيدة الدينية وبين تقرير فكرة سامية عن الآخرة. وقد بلغت مدرسة أكسفورد الغاية في مجال التفسير المسيحي للفكر الإسلامي في القرون الوسطى: فقد درست هذه المدرسة في دقة متناهية نضال ابن سينا وابن رشد لوضع الغبطة الفلسفية المدركة إلى جانب النواحي الأخرى من فلسفة الحشر والنشر الإسلامية في القرآن[11]؛ كما بلغ هذه الغاية بطبيعة الحال ريموندو لوليو[12]، المفسِّر الكبير للعالم الإسلامي الذي عاش في القرن الثالث عشر واستقى معرفته من المناهل الأصلية الأساسية، فاستطاع أن يقدم لمعاصريه أصدق صورة للفكر الإسلامي وأكملها، وبصورة خاصة لفلسفة الحشر والنشر العربية الإسلامية.

ولكن دعونا نهبط من هذا البحث العام الواسع الذي يدلِّل على القيمة الفريدة الفذة لدراسة تشيرولي، لنعود إلى دراسة العلاقة المباشرة بين دانتي والإسلام، تمهيدًا لتقدير أثر كتاب المعراج في الكوميديا الإلهية تقديرًا واقعيًّا. فنحن إذا درسنا مجمل معرفة دانتي بالديانة والعلوم والحضارة الإسلامية، نصل إلى نتائج أبسط كثيرًا. فمن الوجهة التاريخية، ليست هناك أهمية كبرى للأبيات المتعلقة بالنبي محمد في النشيد الثامن والعشرين من قصيدة الجحيم، إذ لا تتبدل فيها الصورةُ التقليدية التي كان يعزوها الغربُ إلى النبي العربي في القرون الوسطى[13]. وقلما نجد في مؤلفات دانتي العقائدية مقتبساتٍ عن مؤلِّفين مسلمين، أمثال الفلكيين الذين عرفهم الغرب بأسماء: Albumasar [أبو معشر] وAlfraganus [الفرغاني] وAlpetragius [البطروجي]، ناهيكم عن الفيلسوفين ابن سينا وابن رشد. وإذا وُجِدَتْ هذه المقتبسات فإنما تكون قد أُخِذَتْ بطريقة غير مباشرة عن ألبرتوس الكبير Albertus Magnus والقديس توما [الأكويني][14]. وعلى أية حال، فالمؤلفات الإسلامية لم تكن متوفرة لدانتي إلا في النص اللاتيني. وخلاصة القول إننا نجد أنفسنا مضطرين إزاء هذا كلِّه إلى إنكار وجود ذلك الاطلاع الخاص على العالم العربي الإسلامي والاهتمام الخاص به الذي يلحظه بعضهم في مؤلفات دانتي. ويبدو لنا أن معرفته بالعالم العربي الإسلامي لا تزيد على معرفة أيِّ رجل واسع الاطلاع في عصره. ومع ذلك، وبالنظر إلى أن دانتي كان علاَّمة كبيرًا clerk, scholar ومفكرًا واسع الثقافة، فإن بعض التصورات الإسلامية الفلسفية والأخلاقية (وخاصةً المتعلق منها بفلسفة الحشر الإسلامية) قد تسربت إلى شاعرنا في معزل عن كتاب المعراج وعن غير طريقه: مثال ذلك نظرية ابن سينا ومصطلحاته عن النور، المشار إليها إشارةً صريحةً في كتابه المأدبة Il Convivio وفي المقطع الوارد في كتاب مجموعة طليطلة الذي يتحدث عن بقعة فوق حاجب النفس القادمة حديثًا، تزيلها الملائكة لدى دخولها الفردوس، مما يعيد إلى ذاكرتنا في الحال علامات الخطيئة السبع التي تمَّحى عن حاجب دانتي تدريجيًّا في أثناء صعوده شعاب المطهر. وبهذا نصل أخيرًا إلى كتاب المعراج، الذي من المرجح أن يكون دانتي قد اطلع عليه. فإلى أيِّ حدٍّ كان الكتاب مصدر إلهام عامٍّ له، وأي أثر خاص كان له فيه؟

لقد أجاب تشيرولي عن هذا السؤال إجابةً تميزت بمنتهى الحكمة، وذلك مراعاةً منه لا لمؤيدي دانتي، بل للحقيقة ذاتها. فهو يظن أن قراءة الرؤيا الإسلامية يمكن أن تكون عند دانتي أحد الحوافز الخارجية التي حفزته إلى معارضة ما كان يُفترَض أنه كتاب مقدس في الإسلام (لأن هذا ما كان يعتقده الغرب في كتاب المعراج) بقصيد مسيحي عن "رحلة إلى الآخرة تسمو، من حيث صدق العقيدة والحذق الفني في معالجة أعظم موضوعات الملاحم الدينية، على الصور الرائعة التي ربطها الإسلام بالفردوس والجحيم"، دون أن ننسى لحظةً واحدةً الدورَ الأولي الذي تلعبه في أصل القصيد فكرةُ الحياة الجديدة Vita nuova، أو بالأحرى الحياة الجديدة نفسها، الحياة المتقمصة المنقولة، والرغبة في أن يقول في ملهمته بياتريتشه "ما لم يُقَلْ في أحد من قبل". وفي نطاق هذا التأثير العام، نستطيع أن نعزو إلى السابقة الإسلامية فكرةَ الدليل الصابر الكريم، مفسِّر جميع الأسئلة ومبدِّد الشكوك (ويقوم بهذا الدور فرجيل وبياتريتشه مع دانتي وجبريل مع محمد)، وكذلك المسائل الدقيقة الكثيرة المتصلة بعلم الكون واللون المحلي الخاص لأقوال إله الجحيم پلوتون ونمرود، تلك الأقوال الغربية التي تعيد إلى الذاكرة بعض العبارات العربية الواردة في النصوص اللاتينية لـكتاب المعراج.

ولكن دعونا الآن نواجه السيل الدافق من المتشابهات بين دانتي وكتاب المعراج. إن تشيرولي، إذ يستعرض أكثر هذه المتشابهات اتصالاً بموضوع البحث، لا يفوته أن يؤكد أهمية كلٍّ منها، ليس على حدة وانفصال، بل كجزء متحد بالمصادر الأخرى العديدة للإلهام التي كانت قريبة المنال لدانتي ومألوفة بالنظر إلى ثقافته وخياله، ومنها المصادر الكلاسيكية، الإغريقية واللاتينية، والتوراة والإنجيل والمصادر المسيحية، وهي مصادر ساهمت في تكوينه الروحي (ذلك لأن أي اطلاع خاص من قبله على أمور العالم العربي الإسلامي هو، كما رأينا، مجرد افتراض ووهم)، تلك المصادر التي كان في الإمكان، في كثير من الأحيان، أن توفِّر لدانتي الإلهام نفسه الذي يوفره له كتاب المعراج لتزويده بتفاصيل رؤياه. وهذه هي الحال مع نسر جوپتر الذي صوَّره دانتي، حيث يمكن توحيد المصادر الكلاسيكية ومصادر التوراة المعروفة ودمجها في الصورة الإسلامية للمَلَك الذي يتخذ شكل ديك كبير ويقف على الأرض السابعة، لكنه يرفع رأسه عاليًا حتى يداني عرش الإله وينشد مسبحًا بحمده ومجده. وكذلك فمن الواضح أن السلَّم الإلهي الذي يستخدمه الإله زحل Saturn، ذلك المرتقى الذهبي اللون، قد استوحي في المقام الأول من سلَّم يعقوب الوارد ذكره في التوراة[15]. ولكن هذا لا يستبعد الإلهام الجزئي من معراج محمد الممتد من القدس إلى الفردوس الذي أعطى كتاب المعراج اسمه. وكذا فيما يخص المحاكمة على الجسر الدقيق المسمى بالصراط، القائم أمام الفردوس، ومن تحته الجحيم تغفر فاها: فهي تبدو في نظر تشيرولي مماثلةً لاختبار النار الذي يتعرض له دانتي لبلوغ الفردوس الأرضي، هذا الفردوس الذي تبدو الدوافع الإسلامية لوصفه وصفًا أقرب إلى الحس وأكثر إيحاءً، على الرغم من أنه ينبغي أن لا ننسى الدور الذي تلعبه في هذا الإيحاء أساطير التوراة عن جنة عدن والأسطورة الكلاسيكية عن حالة البشرية البدائية البريئة المباركة التي يشير إليها دانتي بقوله:

لعل الذين أعلنوا في غابر الأزمنة في أناشيدهم
قيام العصر الذهبي والرغد الذي يسوده
إنما حلموا بذلك المكان على جبل پارناسوس[16].

إن دانتي نفسه ليلفت انتباهنا في هذه الأبيات من الشعر إلى الصور السامية التي كانت تسبح أمام خياله السامي عندما أبدع بمقاطعه الشعرية الثلاثية الخالدة الغايةَ الإلهيةَ كثيفةً ونابضةً بالحياة. ومع ذلك، فالمرء لا يستطيع أن ينكر إنكارًا تامًّا ما حصل عليه شاعرنا من إلهام في عمله الإبداعي من ذكريات "جنة المباهج" في كتاب المعراج وما فيه من ملذات هادئة، لكنها صبيانية، وينبوع مزدوج يتحول في قصيد دانتي إلى نهرَي ليثي وفليغيثون[17]، وحادث وصول زمرة جديدة من نفوس البشر والعرائس اللاتي كنَّ في انتظار هذه النفوس في حبٍّ وشغف. ولكن حتى في هذه الحالة فإن إمكانية وجود العنصر الإسلامي، متحدًا بعناصر أخرى كثيرة أعظم منه حيوية ورسوخًا في ذهن الشاعر، أمر يجب أن لا يبالَغ فيه إلى حدٍّ يتعارض مع ما يمليه العقل أو يتعدى حدَّ الاحتمال؛ ويجب، تبعًا لذلك، أن لا يُطلَب إلينا اعتباره مصدرًا رئيسيًّا وموجِّهًا للإلهام. وإننا لنتساءل: ترى هل كان على دانتي أن يقرأ في كتاب المعراج عن حور محمد ليحلم أنه رأى من جديد في مجد الفردوس الأرضي بياتريتشه، تلك التي كانت أسمى تجربة روحية في شبابه ونجم حياته القطبي؟ وهكذا يمر تشيرولي مرًّا سريعًا خفيفًا بهذا الخضمِّ الواسع من المتشابهات (لا بسبب السطحية، بل لدقة المعالجة وروعتها)، مختبرًا كلاًّ منها في إزاء مبدئه الأساسي (وهو ما نردده هنا مرة أخرى): الاعتراف باحتمال امتزاج الدافع الإسلامي مع عدد كبير من المصادر الأخرى التي كان لها دومًا المقام الأول في ذهن دانتي وروحه، حتى ولو أنه من الثابت تقريبًا أن دانتي اطلع على كتاب المعراج، ذلك النص الوحيد الذي فتح أمامه الباب المؤدي إلى عالم آخر، لولا ذلك لبقي غريبًا عن روحه وغريبًا عن القيم الأساسية لنفسه اللاتينية المسيحية ومناقضًا لها.

دانتي وقصيده (1465)، بريشة دومينِكو دي مِكِلينو، كاتدرائية فلورنسا.

وهكذا فإننا عندما نحكم، في تحليلنا النهائي، على الصلة القائمة بين دانتي وكتاب المعراج أو أيِّ عنصر آخر من عناصر فلسفة الحشر والنشر الإسلامية يمكن أن يكون قد اتصل بالشاعر بوسيلة من الوسائل (وهنا أفكر في صورة خاصة بالمواضيع الجدلية لـمجموعة طليطلة)، يجب أن لا ننسى ما يجزم به تشيرولي في صفحاته الأخيرة التي تمتاز بروعة خاصة، ألا وهو أن دوافع الإلهام والتفاصيل الروائية التي يمكن إرجاعُها إلى مصادر عربية قد دخلت الكوميديا كجزء من بناء أوحى به كله مصدرٌ آخر، مختلف عنه، لكنه مثالي وفريد في نوعه، ألا وهو المصدر المسيحي. ويوضح لنا تشيرولي من هذا الاختلاف الأساسي في الروح – هذا الاختلاف الذي يتميز تقريرُه والاعترافُ به بما كان لبيضة كولومبُس من طبيعة الوضوح الكامل والفعالية في حلِّ المشاكل[18] – ناحيةً واحدةً فقط نُجمِلُها في الأمور التالية: الأهمية المطلقة للإيمان في عقيدة النجاة الإسلامية مقابل الأعمال كوسيلة للخلاص عند دانتي وفي المسيحية، تقرير أهمية البر والمحبة في العقيدة المسيحية كنقيض لمشيئة الله المطلقة التي لا تقبل الجدل أو الاعتراض في الإسلام، واختلاف قيمة الصلاة بين الشعائر الإسلامية الإلزامية المضنية، من جهة، وبين قوة المحبة الحية التي تفعل فعلها مع العدالة الإلهية في الصلاة المسيحية، من جهة ثانية. فليس في استطاعتنا، إذن، أن نتحدث عن أنموذج وتقليد، حتى لو سلَّمنا باحتمال الانتقال المادي لصور وأفكار معينة، ولا عن مجرد إضفاء الصبغة الروحية، في حين يختلف الإلهام والموقف الأساسيين اختلافًا جذريًّا. ولذلك فإن المحرر الإيطالي لـكتاب المعراج يستنتج أن القصيدة المقدسة لا يمكن مقارنتها بجامع قرطبة، المكرَّس الآن لمذهب يختلف عن المذهب الذي أنشئ هذا البناء الرائع في سبيله. ولكن كي نقدم مثالاً هندسيًّا أكثر ملاءمةً لعلاقة دانتي بالعالم العربي، يجدر بنا أن نلجأ إلى ذلك العامود العربي الإسباني، المنقوش عليه اسم صانعه المسلم والقائم في بناء مسيحيٍّ خالص من الوجهتين التاريخية والفنية وفي مجموعه وجميع تفاصيله، ونعني به كاتدرائية پيزا، حيث مازال العامود المذكور يشهد بفنٍّ مجيد آخر بعد أن أُخِذَ عرضًا نتيجة لحادث معين خاص واستُخدِمَ في إعطاء شكل رسميٍّ ظاهري لمثل أعلى يختلف عنه في الناحية الدينية والشكل الظاهري.

إن أحدث دراسة شاملة للمشكلة القديمة التي أثارها آسين لأول مرة، وأعيدت دراستُها الآن على ضوء أحدث اكتشاف في الموضوع، يؤدي بنا إلى النقطة التالية: وهي، كما أسلفنا، أن العالِمين اللذين ترجما كتاب المعراج هما أبعد ما يكونان عن الاتفاق في النتائج التي توصلا إليها وفي أسلوب استخدامهما لترجمتيهما. أما تقرير أيهما يجب أن نتبع في موقفه واتجاهه (ويبدو من نافلة القول أن أذكر هنا أيًّا من المترجمَين الاثنين يعتبره كاتبُ هذه الأسطر مصيبًا)، فهذا يتوقف على إدراك الناقد الفرد وحاسة الحكم الصحيح على الأمور عنده، معزَّزَين، كما يجوز لنا أن نضيف، بالاطلاع المباشر على إنتاج دانتي تفكيرَه وفنَّه، وهو اطلاع كان آسين العظيم يتمتع به ولا ريب، بخلاف بعض الذين رجعوا إلى كتابه. ولكننا نرى أنه، حتى في نتائجهما المتعارضة، سار محررا المعراج، الذي نُقِلَ إلى الغرب بفضل الملك ألفونسو، شوطًا كبيرًا من الطريق مترافِقَين؛ والحقيقة هي أن هذا الجزء المشترك من الطريق، الذي تكتنفه حقائق إيجابية لا يشوبها أي خلاف في التفسير، هو الذي يدلنا على مدى النصر الذي أحرزه آسين بعد وفاته.

إن أستاذ مدريد، الذي وقف وحده في وجه عدم مبالاة الذين يأبون التصديق وعدائهم، أكَّد أن المعتقدات الإسلامية المتعلقة بفلسفة الحشر والنشر، التي جمعها وحلَّلها وانتقاها من أكثر مجالات الأدب العربي تباعدًا – التقليدي منها واللاهوتي، الصوفي والتهذيبي، العلمي والشعبي –، لم تكن تلك المعتقدات محتجبةً وراء ستار حديدي قوامه اللغة والحضارة عن عالم الغرب اللاتيني وحبِّه للفضول والاستطلاع. وقد تتبَّع آسين إلى أبعد الحدود المعروفة آنذاك وأقصاها تسرُّبَ هذا التراث الشرقي إلى العالم اللاتيني؛ وبعد أن سدَّ بدافع من الإيمان الحدسي جميع الفجوات التي واجهتْه، رأى هذا التراث يزدهر في كثير من الأحيان بمماثلات ومشابهات مدهشة في ملحمة دانتي الملهَمة، وهي أعظم ما وصل إليه الإنتاجُ الفني للعصور الوسطى المسيحية. وبدا هذا التسرب الذي تتبَّعه آسين مماثلاً لمجرى ألفيوس[19] الأسطوري، إذ اختفى في أعماق أرض إسبانيا ليظهر مجددًا في إيطاليا بعد انقضاء فترة من الزمن وقد اكتسب شكلاً خالدًا في شعر دانتي. وكان يكتنف مجرى هذا الجدول في باطنه غموضٌ شديد زاد فيه أن المرء لم يكن ليعرف أي المصادر المتعددة التي استقصاها آسين هو الذي وصل بالطريق المجهولة إلى الهدف غير المرتقب. أما الآن فقد اتضحت المشكلة وتبسطت في آنٍ واحد. فتلك النصوص العميقة الغور وغير المترجمة من الأدب العربي العالمي، كمؤلفات أبي العلاء المعري ومحيي الدين بن عربي وما ماثلها، لم تسترعِ انتباهَ دانتي بطريق مباشرة، ولكنه من المحتمل أن يكون إنتاجٌ من الأدب العربي الشعبي، تلذ مطالعتُه وله طابع تهذيبي، قد وصل إلى دانتي ووقع تحت بصره وعينيه؛ ذلك لأنه من المؤكد أن ذلك الإنتاج (وهو كتاب المعراج) قد وصل إلى البيئة التي كان يعيش فيها دانتي وانتشر في الجو الثقافي الذي كان يستنشق هواءه، وهو أمر ثبت لدينا بعد نشر ترجمات الكتاب اللاتينية التي سبق لنا ذكرُها والتي يرجع الفضلُ في وجودها الأول إلى ما تحلَّى به ملك إسبانيا ألفونسو من حبِّ استطلاع مبدع خلاَّق. وبهذه الوسائل – وربما بها وحدها – نستطيع أن نتحدث عن اتصال مباشر، لولا ذلك ما كان ليخطر ببال، بين ثقافة دانتي (وأعني بها ثقافة الشاعر وثقافة مجتمعه) وبين المجموعة العظيمة من المواد العربية التي جمعها آسين، تلك المجموعة التي كان اتساعُها وتنوعُها عائقًا في طريق قبول نظريته.

وخلاصة القول، فقد ثبت الآن وجود هذا الاتصال غير المباشر في صورة واضحة المعالم. وإلى هذا الحدِّ وبموجب هذه الشروط، يبدو حدسُ آسين لنا جميعًا في الوقت الحاضر ثابتًا ساطع النور. أما إذا تعدينا هذا الحد، فسنجد آراء متعددة مختلفة فيما يتعلق بكيفية تفسير المختصين بدراسة دانتي للحقائق التي تمَّ إثباتُها. وكما رأينا، فهنالك مَن يرى أن الاتصال الذي تم إيضاحُ طريقه يُثبِتُ الدور الرئيسي الحاسم الذي يقول آسين بأن فلسفة الحشر والنشر الإسلامية قد لعبته في خلق أعظم قصيدة مسيحية. ولكن هنالك، من جهة أخرى، أولئك الذين، بنتيجة التمحيص والتدقيق والمقارنة الماهرة، يعترفون بوجود اقتراحات وإيحاءات، طابعها التعميم، وصور ودوافع رافدة، طابعها التخصيص، دخلت جميعًا في روحانية وثقافة وخيال، ليست سامية ومتفوقة فحسب، بل ومختلفة عن تلك الإرهاصات والدوافع والصور اختلافًا تامًّا وجذريًّا.

ومهما يكن من شيء، فلنقبل الأمور التي نتفق حولها بدلاً من التشبث بالأمور التي نختلف عليها، ولنرحب باكتشاف هذه القطعة الجديدة من شبكة الثقافة الدولية للقرون الوسطى – تلك الشبكة التي تميزت بالمتانة والصلابة والمرونة ولم تعرف الأستار الحديدية (وهذا القول يُخجِلُنا ويبعث على الاضطراب عندنا نحن أبناء هذا العصر)، بل اجتازت أبعد المسافات وأعظم الحواجز المادية والروحية (بفضل التعاون بين القوى الفكرية)، مما تحسدها عليه منظمة اليونسكو في يومنا هذا، وذلك بعد أن سُلِّطَتْ على القطعة المذكورة أنوارٌ انبعثت عن مجهود قام به في آنٍ واحد عالِمان، أحدهما إسباني والثاني إيطالي. ولنفكر مرة أخرى هنيهة من الزمن في هذه السلسلة السحرية: كتاب المعراج العربي، ملك إسبانيا، طبيب يهودي، ومسجل عقود إيطالي... – وفي الصور الخيالية للآخرة التي ازدهرت ازدهارًا غامضًا في قلب شبه جزيرة العرب، وقد أحاطت بالبحر الأبيض المتوسط ونفذت إلى لغة توسكانيا العذبة، ووصلت أرض فلورنسا، فأسهمت في إخصاب التربة التي أنتجت زهرة الكوميديا الإلهية السامية – هذه القصيدة المقدسة التي أحاطتها يدُ الأرض والسماء – ونكرر القول هنا إننا نقصد أرض الحضارة المسيحية وسماءها، ولكنها سماء لا تخلو من انعكاسات من السماء المرصَّعة بالنجوم التي حلَّق فيها البُراق المجهول الغامض في ليلة الإسراء المقدسة عند المسلمين، ولا من أرض الإسلام، وخاصة، أرض إسبانيا، حيث التقت حضارتان وتمازجتا في اتحاد عجيب، وحيث أدرك بالحدس القوي النفاذ عالمٌ محب للعزلة، قبل خمس وثلاثين سنة، انتقالاً أدبيًّا رائعًا، ثبت وجودُه الآن بالوثائق المحسوسة القاطعة.

*** *** ***

ترجمة: د. موسى الخوري

مراجعة: ديمتري أڤييرينوس

تنضيد: نبيل سلامة


[1] مستشرق إيطالي كبير، ألقى بحثه هذا في مدرج جامعة دمشق في العام 1953. نشرتْه مجلة التراث العربي (العدد 41، تشرين الأول 1990) نقلاً عن مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق. (المحرِّر)

[2] ألقى آسين پلاثيوس خطابه في العام 1919 ثم نشره كتابًا في العام نفسه. (المحرِّر)

[3] Miguel Asín Palacios, La escatología musulmana en la Divina Comedia, seguida de la Historia y crítica de una polémica, Tercera edición, Instituto Hispano Árabe de Cultura, Madrid, 1961.

[4] Historia y crítica de una polémica.

[5] برونيتو لاتيني Brunetto Latini (1220-1294): علامة ورجل سياسة إيطالي، صديق دانتي وأستاذه، واضع كتاب الكنز، وهو موسوعة في معارف عصره العلمية. (المحرِّر)

[6] هو ألفونسو العاشر المعروف بـ"الحكيم" (1221-1284): ملك قشتالة وليون (1252-1284) وإمبراطور جرماني (1257-1272). كان عاهلاً متنورًا، أمر بوضع الجداول الفلكية المعروفة باسم الزيج الألفونسي ونَظَمَ أناشيد مرفوعة إلى العذراء. (المحرِّر)

[7] Enrico Cerulli, Il « Libro della Scala » e la questione delle fonti arabo-espagnole della Divina Commedia, Città del Vaticano, Biblioteca Apostolica Vaticana, 1949. Studi e Testi, nº 150.

[8] José Muñoz Sendino, La Escala de Mahoma. Traducción del árabe al castellano, latín y francés, ordenada por Alfonso X, Edición, introducción y notas, Ministerio de Asuntos Exteriores, Dirección General de Relaciones Culturales, 1949.

[9] ولد عبد الله بن عباس في العام الثالث قبل الهجرة (أي عام الإسراء والمعراج)، كما جاء في الإصابة. (المحرِّر)

[10] روجر بيكون (1220-1292): فيلسوف إنكليزي من أكابر علماء العصر الوسيط. كان أول مَن تنبَّه إلى الخطأ في التقويم اليولياني. أشار إلى نقاط الضعف في منظومة بطليموس الفلكية وبيَّن فضل العلم التجريبي. (المحرِّر)

[11] في هذا الصدد راجع، مثلاً: ابن سينا، الأضحوية في المعاد، بتحقيق حسن عاصي، بيروت 1984. (المحرِّر)

[12] هو "صاحب الغبطة" ريموندو لوليو (1235-1315): حصَّل معرفة موسوعية وكتب، باللاتينية والقشتالية والعربية، مصنفات عديدة في الفلسفة والإلهيات والتصوف والخيمياء. (المحرِّر)

[13] اعتبر دانتي النبي محمدًا، على غرار الرأي السائد في عصره، نصرانيًّا منشقًّا، فوضعه وعليًّا بحكم ذلك في "دائرة زارعي الفتنة" (الكوميديا، "الجحيم"، النشيد 28: 31). (المحرِّر)

[14] القديس ألبرتوس الكبير (1193-1280): راهب دومنكاني ولاهوتي وفيلسوف ألماني عرَّف بفلسفة أرسطو. أما القديس توما الأكويني (1225-1274) فهو راهب دومنكاني وأستاذ في اللاهوت (1256) إيطالي، درَّس في باريس خاصة، حيث كان تتلمذ على ألبرتوس الكبير؛ أودع زبدة دروسه في الخلاصة اللاهوتية (1266-1273) التي تنتظم حول ثيمة التوفيق بين الإيمان والعقل. (المحرِّر)

[15] راجع: سفر التكوين 28: 10-22.

[16] جبل في اليونان واقع في شمال شرق دلفُس. كان مكرسًا لأپولون وتسكنه رباتُ الفنون. (المحرِّر)

[17] في الميثولوجيا الإغريقية، ليثي وفليغيثون من أنهار الجحيم: كانت مياه الأول تصيب الموتى بالنسيان، وهو يجري في الكوميديا إلى المركز نابعًا من الفردوس الأرضي على جبل المطهر على الجانب الآخر من العالم، بينما الثاني نهر الطغاة المتجبرين. (المحرِّر)

[18] يقال تعبير "بيضة كولومبُس" كنايةً عن إنجاز يبدو بسيطًا، لكنه يتطلب في الواقع فكرة عبقرية (يُروى أن كولومبس أوقف بيضةً بأن بتر طرفها). (المحرِّر)

[19] ألفيوس Alpheus: في الميثولوجيا اليونانية، رب نهري للپلوپونيسيين، وقع في غرام الحورية أريتوسا، وعندما طاردها حولتْها أرتميس إلى ينبوع لتساعدها على النجاة، لكن ألفيوس لحق بها في جوف الأرض حتى صقلية، حيث اختلطت مياهُه بمياهها. (المحرِّر)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق