-->

المواطنة ولسان حال الكونية

 المواطنة ولسان حال الكونية

كورنيليوس كاستورياديس


ترجمة وتقديم: عبد المنعم الشنتوف


كورنيليوس كاستورياديسيمكن النظر إلي هذه الترجمة باعتبارها دعوة صريحة إلي إثارة النقاش داخل الثقافة العربية حول مفهوم المثقف ومنزلته ودوره في كتابة وتطوير التاريخ والجسور التي تصله من جهة، بالمجتمع ومكوناته وأسئلته، وبالسلطة في تشكيلاتها الرمزية وتمثيلاتها المادية وامتداداتها أفقيا وعموديا، من جهة أخري. ولئن كان كورنيليوس كاستورياديس قد كتب هذه الدراسة الهامة ونشرها باللغة الفرنسية عام 1987 في مجلة "الآداب الدولية" الفرنسية قبل أن تظهر في ترجمتها الإنجليزية في خريف عام 1988 في مجلة سامالكوندي، فإن الأسئلة التي طرحتها بدقة معرفية ومنهجية بالغة ما تفتأ محتفظة براهنيتها وقابليتها للحضور في سياقات تاريخية ومعرفية مغايرة جذريا لسياقها الأصلي. سوف يلاحظ القارئ في هذا الصدد أن كاستورياديس وإن كان يفكر من داخل المنظومة الثقافية الغربية وسياقاتها التاريخية والمعرفية الخاصة، إلا أن بعض ملاحظاته تستشرف غالبا طابعا كونيا يهم مختلف الثقافات.

تنبع أهمية هذه الترجمة حسب تصورنا المتواضع من كونها تستجيب لرغبة ملحة تتمثل في إعادة التفكير في أنماط حضور المثقف داخل المجتمعات العربية راهنا. ولا يعزب عن الذهن في هذا السياق أن أهم ما يسم هذا الحضور ذلك النزوع المتزايد نحو الانفصال عن أسئلة وتحولات المجتمع الذي يعيشون داخله. ينضاف إلي ذلك تلكم العلائق الوطيدة الذي يحتفظ بها قطاع كبير من المثقفين العرب سرا وعلانية مع السلطة ومختلف تمثيلاتها؛ وهو ما يستتبع بداهة تلك الرغبة في إضفاء الشرعية علي ممارسات السلطة وإن كانت مناقضة في جوهرها لقيمة المواطنة التي ينبغي أن يتصف بها.

ولد المؤلف عام 1922 باليونان. تابع تكوينه في الفلسفة قبل أن ينضم إلي الحزب الشيوعي اليوناني وليغادره بعد سنوات بفعل ضيقه بتوجهاته الستالينية الصريحة. وقد عاني من مطاردة جهاز الكستابو النازي له قبل أن يهاجر إلي فرنسا عام 1945 ليتابع دراسته العليا في الفلسفة و يستقر بها إلي حين وفاته عام 1997. ساهم في تأسيس مجلة "اشتراكية أو وحشية" الذي كتب أبرز نصوصها المعبرة عن توجهاتها الرئيسة إلي حدود عام 1965.وقد نشر العديد من الكتب أبرزها "التأسيس التخييلي للمجتمع" عام 1975، "تقاطعات المتاهة 1" عام 1978، "مجالات الإنسان ـ تقاطعات المتاهة 2" عام 1986 ، و "العالم المجزأ ـ تقاطعات المتاهة 3" عام 1990.


إنها عادة فلسفية عتيقة أن أحسني مرغما علي التوقف عند المصطلحات الأساسية التي يصاغ وفقها السؤال. التاريخ: لا أفهم منه فقط التاريخ المنجز وإنما ذلك الذي هو في طور الإنجاز والتاريخ الذي سوف يتم إنجازه.

هذا التاريخ هو أساسا إبداع ـ إبداع وتدمير. نعني بالإبداع شيئا آخر غير غياب التحديد الموضوعي والقابلية الذاتية لإدراك الأحداث وسير التاريخ. ويبدو من العبث أو الوقاحة القول إن ظهور التراجيديا كان غير مدرك وأن الرغبة حسب ماثيو كانت أثرا لغياب التحديد في التاريخ. إن التاريخ هو المجال الذي يبدع الإنسان داخله أشكالا وجودية ـ يعتبر التاريخ والمجتمع أولي هاته الأشكال ـ لا يعني الإبداع أساسا وبكيفية عامة إبداعا جيدا أو إبداع قيم إيجابية؛ ذلك أن أوشويتز والكولاك هما أيضا إبداعان شأنهما في ذلك شأن البارثنيون ومبادئ الرياضيات. لكن من بين إبداعات تاريخنا وأعني به حصرا التاريخ اليوناني، ثمة واحد نقيمه بشكل إيجابي ونستعيده لفائدتنا ويتمثل في المساءلة والنقد والأخذ بعين الاعتبار والعقل الذي هو في الآن نفسه الافتراض المسبق للفلسفة والسياسة. يتعلق الأمر هنا بموقف إنساني أساس وغير كوني بدءا. وهو يستلزم أنه ليس ثمة لحظة خارج إنسانية مسئولة في المقام الأخير عما يحدث في التاريخ، وأنه ليس ثمة علة صحيحة للتاريخ أو لفاعل (غير إنساني) للتاريخ. وبتعبير آخر، فإن التاريخ ليس منجزا من لدن الرب أو الفوسيس أو قوانين معينة. ولأنهم لم يكونوا يعتقدون في تحديدات خارج إنسانية من هذا القبيل، فإن اليونانيين تمكنوا من إبداع الديمقراطية والفلسفة.


إننا نستعيد ونعيد تأكيد رغبتنا في إطالة أمد هذا الإبداع وأن نوجد داخل تراث للنقد الجذري؛ وهو ما يستلزم أيضا المسؤولية: لا يسعنا إسناد الخطأ إلي الرب..الخ.. الحصر الذاتي: لا يمكننا اللياذ بأي معيار خارج تاريخي بغية إسباغ المعيارية علي سلوكنا الذي ينبغي رغم ذلك أن يكون معياريا. وتكون المحصلة أننا نتموضع حيال ما هو ذاتي وممكن أو ما يلزم أن يكون وأيضا حيال ما حدث باعتبارنا فاعلين نقديين. يمكننا أن نسهم في أن يكون ما هو كائن بكل مغاير. ينبغي التأكيد أنه لا يسعنا أن نغير ما حدث، لكن في مستطاعنا أن نغير نظرتنا إليه، وهي الرؤية التي تعتبر عنصرا أساسيا ـ وإن كانت درجة وعينا بها هي الأدنى في الغالب ـ للوضعيات الراهنة. إننا لا نسند بشكل خاص في هذه المقاربة الأولية أية حظوة فلسفية إلي الحقيقة التاريخية السالفة أو الراهنة. ليس الحاضر أو الماضي شيئا آخر سوي كتلتين من الأفعال الخامة ( أو المواد التجريبية) لا في حدود كونهما مستعادين نقديا من لدننا. وفي المقاربة الثانية، وحيث إننا متوضعون في ذروة هذا الماضي وأنه من ثم قد تمكن من النفاذ إلي الافتراضات المسبقة لما نفكر فيه ولما نكونه، فإن هذا الماضي يكتسب نوعا من الأهمية المتعالية بما أن معرفته ونقده يشكلان جزءا من تفكيرنا الذاتي. وهذا فقط ليس لأنه يجلي نسبية الحاضر بواسطة معرفة مراحل أخري، وإنما لأنها تسمح بتبيين نسبية الحاضر الفعلي عبر التفكير في تواريخ أخري كانت فعليا ممكنة، وإن لم تكن قد تحققت.

المثقف: لم أرغب ولم أقبل فيما يتعلق بي شخصيا بهذا المصطلح بحكم أسباب هي في آن واحد جمالية: الهالة البائسة والدفاعية الذي تستلزمه، ومنطقية: من هو غير المثقف؟ ودون أن نلوي إلي أسئلة بيوسيكولوجية أساسية، وإذا نحن فهمنا من مصطلح المثقف ذلك الشخص الذي يعمل بشكل شبه مطلق بدماغه وتقريبا دون يدين، فإننا نقصي أناسا نرغب بجلاء في حضورهم ( النحاتون وأصناف أخري من الفنانين) وندرج في المقابل أناسا لم نكن نقصدهم (الإعلاميون والمصرفيون ..(


لا أعرف كيف أن خبيرا بارعا في الحضارة المصرية أو عالما رياضيا لا يحسان رغبة في معرفة ما يوجد خارج دائرة اختصاصهما لن يثيرا اهتمامنا. وانطلاقا من هذه الملاحظة، سوف يكون في مستطاعنا أن نقترح الأخذ بعين الاعتبار وفي ارتباط بالنقاش الراهن هؤلاء الذين مهما تكن المهنة التي يزاولونها يحاولون تجاوز دائرة اختصاصهم ويهتمون بشكل فاعل بما يحدث في المجتمع. لكن ذلك ينبغي أن يشكل التحديد ذاته للمواطن الديمقراطي بصرف النظر عن انشغاله (وسوف نلاحظ أن هذا التحديد يناقض بدقة تحديد العدالة حسب أفلاطون: أن تهتم بانشغالاتك الخاصة وأن لا تعير اهتماما لما عداها. وهذا لا يثير أي استغراب؛ لأن أحدى الغايات المتوخاة من لدن أفلاطون التدليل علي أن مجتمعا ديمقراطيا غير عادل..(

لن أسعي في هذا السياق إلي الإجابة عن هذا السؤال. غير أن ملاحظاتي سوف تنصب علي هؤلاء الذين بواسطة توظيف الكلام أو الصوغ الواضح لأفكار عامة تمكنوا أو يمكنهم التأثير علي تطور مجتمعهم أو مسار التاريخ. نسجل في هذا المقام أن لائحتهم ضخمة والأسئلة التي حبلت بها أقوالهم وأفعالهم غير محدودة. سوف أحصر اهتمامي في مناقشة مختصرة لثلاث نقاط. تتعلق النقطة الأولي بنوعين مختلفين من العلاقة بين المفكر والجماعة السياسية ويمثل لهما بشكل دال التعارض الجذري بين سقراط الفيلسوف داخل المدينة وأفلاطون الفيلسوف الذي يرغب في أن يكون فوق المدينة. تتعالق النقطة الثانية بذلك النزوع الذي تمكن من الفلاسفة انطلاقا من مرحلة تاريخية معينة نحو عقلنة الواقع، أي شرعنته. وقد عرفنا في المرحلة التي انطوت حالات مؤسفة بشكل خاص لرفاق درب الستالينية، لكن أيضا بكيفية مختلفة تجريبيا ومعادلة فلسفيا مع هيدغر والنازية. وسوف أختم بالنقطة الثالثة وتتعلق بالمشكلة التي تثيرها العلاقة بين الناقد ورؤية الفيلسوف المواطن مع الحقيقة التي مفادها أنه داخل مشروع للاستقلال الذاتي والديمقراطية، تعتبر الغالبية العظمي من الرجال والنساء الذين يعيشون داخل المجتمع منبع الإبداع والخزان الرئيسي للمخيال المؤسس والذين ينبغي أن يكونوا الذوات الفاعلة للسياسة الواضحة..


كان الفيلسوف في اليونان القديمة وعلي امتداد مرحلة زمنية أولية وطويلة مواطنا. ولهذا السبب، كان يستدعي أحيانا لكي يصوغ قوانين لمدينته أو لأخرى. كان سولون في هذا السياق المثال الأكثر شهرة. وعندما أسس الأثينيون عام 443 مستعمرة ثوريو في إيطاليا، فإن اختيارهم وقع علي بروتاغوراس لكي يصوغ قوانينها.


كان سقراط آخر هذه السلالة وأكبرها علي أية حال. فهو فيلسوف، لكنه مواطن؛ فهو يناقش مواطنيه داخل الأكورا Agora ، وهو رب أسرة وأب لأبناء، علاوة علي مشاركته في ثلاث حملات عسكرية. وقد اضطلع بمهمة رئيس المحكمة العليا، وكان رئيسا للجمهورية لمدة يوم واحد في اللحظة الأكثر مأساوية في تاريخ الديمقراطية الأثينية؛ وهو اليوم الذي شهد محاكمة القادة المنتصرين في معركة أركينيوس، عندما ترأس تجمع الشعب واستطاع أن يكبح غضب الجمع الهائج رافضا محاكمة القادة العسكريين بطريقة غير شرعية. وسوف يرفض بعد سنوات من ذلك التاريخ أن يمتثل لأوامر الطغاة الثلاثين بأن يلقي القبض بطريقة غير شرعية علي أحد المواطنين. وسوف تشكل محاكمته وإدانته مأساة بالمعني الخالص للكلمة؛ حيث لا يجدي البحث عن الأبرياء والمتهمين. يقينا إن ديمقراطية 399 ليست هي ديمقراطية القرنين الرابع والخامس، ويقينا إن المدينة كانت سوف تواصل قبولها بسقراط كما كانت تفعل علي امتداد عقود من الزمن. بيد أنه يلزمنا أن نفهم أن ممارسة سقراط كانت تنتهك حدود ما هو مسموح به بالكاد في أية ديمقراطية. ذلك أن الديمقراطية هي النظام المتأسس بشكل واضح علي الرأي وتصادم الآراء وصوغ رأي عام. ويعتبر اطراح آراء الغير فعلا شرعيا ومقبولا به علي نطاق واسع؛ إذ تعتبر المتنفس الحقيقي للحياة العامة. لكن سقراط لم يقف عند تبيين أن هذا الرأي أو غيره مغلوط ( ولا يقترح أن يحل رأي محل آخر)، لكنه يبين أن كل الآراء مغلوطة، ويضيف إلي ذلك أن من يدافعون عنها يهرفون بما لا يعرفون. والحال، أنه ليست ثمة حياة داخل مجتمع أو نظام سياسي والديمقراطية واحد منها بالممكنة علي أساس افتراض أن المشاركين يعيشون داخل عالم من الأوهام غير المنسجمة ـ وهو ما كان سقراط يبينه باطراد ـ. يقينا إنه كان في مقدور المدينة أن تقبل بذلك، وقد فعلت ذلك مع سقراط وغيره من الفلاسفة. لكن سقراط كان يعرف جيدا أنه سوف يدفع ثمن ممارسته عاجلا أو آجلا. ولم يكن في حاجة إلي من يحضر له صك الإدانة، لأنه قضي جل حياته حسب قوله وهو يفكر في الصك الذي سوف يقدمه في حال اتهامه. ولم يكتف سقراط بأن يقبل الحكم الذي أصدرته محكمة مشكلة من مواطنيه؛ إذ أن الخطاب الذي ألقاه في الكريطون Creton والذي ننظر إليه غالبا باعتباره هجوما ذا طابع أخلاقي وبان هو في الحقيقة بلورة رائعة للفكرة اليونانية الأساسية المتمثلة في تكوين الفرد من لدن مدينته. المدينة هي التي تربي الإنسان كما يكتب سيمونيد. وكان سقراط يعرف بأن أثينا هي التي أنجبته وأنه لم يكن في مقدوره أن ينبعث في مكان آخر..


إنه من الصعب أن نفكر في مريد خان روح معلمه بشكل مضاعف علي مستوي الممارسة كما فعل أفلاطون. لقد انسحب هذا الأخير من المدينة وأقام خارج أبوابها مدرسة لصفوة منتقاة من المريدين. ولا علم لنا بحملة عسكرية شارك فيها أو بأسرته. وهو لا يمنح المدينة التي تعهدته بالعناية والتكوين أي شيء مما ينبغي لأي مواطن أن يمنحه: لا خدمة عسكرية أو أبناء أو قبول بمسؤوليات عامة. وهو يحمل إلي درجة قصوى علي أثينا. وقد نجح بفضل موهبته الكبيرة كخطيب وسفسطائي وديماغوجي في أن يفرض علي امتداد القرون اللاحقة هذه الصورة: إن سياسيي أثينا أمثال ثيميستوكل وبركليس ليسوا سوي ديماغوجيين، وإن المفكرين سفسطائيون بالفهم الذي حدده وإن الشعراء مرتشو المدينة وإن الشعب ليس سوي قطيع تقوده الأهواء والأوهام. وهو يزيف بضراوة التاريخ، وهو أول مبدع للوسائل الستالينية في هذا المجال. وإذا لم كن نعرف تاريخ أثينا إلا بوساطة أفلاطون (كتاب القوانين الثالث) فإننا سوف نجهل معركة سالامين وانتصار ثيميستوكل وشعب المجدفين الحقير، وهو يرغب في تأسيس مدينة منسحبة من الزمن والتاريخ ومسيرة ليس بواسطة الشعب وإنما بواسطة الفلاسفة. لكنه أيضا ـ وخلافا للتجربة اليونانية السابقة التي أثبت فيها الفلاسفة حكمة في التصرف ـ نموذج مثالي؛ إذ يعتبر أول من أفصح عن هذه الحماقة الأساسية التي سوف تميز منذ ذلك الحين سلوك غالبية الفلاسفة والمثقفين حيال الواقع السياسي. وهو يرغب في أن يكون مستشار الأمير، وسوف يمني بالفشل الذريع؛ لأنه وهو السيكولوجي المرهف ورسام البورتريهات الرائع ينظر إلي المثانات باعتبارها قناديل مضيئة، ويعتبر الطاغية دينيس سرياكوس ملكا فيلسوفا بالقوة، وهو الصنيع الذي سوف يأتيه بعد ثلاثة وعشرين قرنا هيدغر الذي سوف ينظر إلي هتلر والنازية باعتبارهما مجسدين لروح الشعب الألماني والمقاومة التاريخية لهيمنة التقنية. كان أفلاطون أول من دشن عهد الفلاسفة الذين ينسحبون من المدينة، والذين باعتبارهم مالكين للحقيقة يرغبون في أن يملوا عليها القوانين بمعزل عن أية معرفة بالإبداعية المؤسسة للشعب. وباعتبارهم مصابين بالعجز السياسي، فإن أقصي مرامهم أن يصبحوا مستشارين للأمير..


لم يكن أفلاطون علي أية حال مدشن هذا الجانب الآخر المؤسي من فاعلية المثقفين حيال التاريخ. عقلنة الواقع بمعني إضفاء الشرعية علي السلطات القائمة. إن الإعجاب حد الوله بالفعل المكتمل مسألة غير معروفة ومستحيلة باعتبارها سلوكا للروح في اليونان القديمة. وينبغي أن نقصد إلي الرواقيين كي نعثر علي البذور.يبدو مستحيلا هنا والآن أن نناقش أصول هذا الموقف الذي يعيد بداهة الوصل بعد مطاف كبير بالمراحل القديمة والتقليدية لتاريخ الإنسانية التي كانت تعتبر المؤسسات التي تتعاقب في الوجود مقدسة، وتنجح في جعل الفلسفة التي ظهرت في الأصل باعتبارها مساءلة للنظام القائم وسيلة للحفاظ علي هذا النظام. بيد أنه من المستحيل أيضا أن لا نري في المسيحية منذ نشأتها الأولي المبدعة الجلية للمواقف الروحية والعاطفية والوجودية التي سوف تستلزم علي امتداد ثمانية عشر قرنا ويزيد إضفاء القداسة علي السلطات القائمة. وفي هذا السياق، لا يمكن للمقولة المأثورة "أن تعطي لقيصر ما لقيصر" أن يتم تأويلها إلا في تعالق بالمقولة الأخرى "كل سلطة مصدرها الرب". إن المملكة المسيحية الحقيقية لا تنتمي إلي هذا العالم؛ وعليه، فإن تاريخ هذا العالم الذي تحول إلي تاريخ خلاص تسبغ عليه القداسة مباشرة في وجوده واتجاهه، أي في اتجاهه الأساس. سوف توفر المسيحية عبر استثمارها للوسائل الفلسفية اليونانية علي امتداد خمسة عشر قرنا الشروط الضرورية للقبول بالواقع كما هو إلي درجة إثبات إمكانية تغير المرء واستحالة تغير نظام العالم حسب ديكارت وإلي درجة التأكيد الحرفي للواقع عند هيجل " كل ما هو واقعي عقلاني". ورغم الظاهر، فإن نيتشه ينتمي إلي الكون ذاته المتسم أساسا بلاهوتيته واقتقاره إلي الطابع السياسي والنقدي حين يعلن براءة ما يأتي. والشأن نفسه بالنسبة لهيدغر الذي يقدم التاريخ باعتباره ارتقاء بالكائن وتوجيها له وبواسطته. ينبغي أن نضع حدا لهذا الاحترام الكهنوتي الأكاديمي والأدبي. ويلزم في السياق ذاته الحديث عن هذا الزهري الموجود الذي يعصف بهذه الأسرة التي يبدو جليا أن نصف أعضائها يعانون من شلل تام, ينبغي أن نشد أذن الهيجلي والثيولوجي والنيتشوي وأن نقودهم إلي كوليما وأوشويتز أو داخل مستشفي روسي للأمراض العصبية أو داخل غرف تعذيب الشرطة الأرجنتينية وأن نطلب منهم أن يفسروا جهارا ودون تعبيرات ملتوية معاني تعبيرات من قبيل: "كل سلطة مصدرها الرب"، " كل ما هو واقعي عقلاني"، " براءة ما يأتي" أو "الروح غير المبالية حيال الأشياء"..


بيد أن المزيج الأكثر إثارة للدهشة يفصح عن حضوره عندما يفلح المثقف بقوة خارقة في أن يصل بين نقد الواقع والولع بالقوة والسلطة. تضحي هذه القوة الخارقة أولية انطلاقا من اللحظة التي تظهر فيها في مكان ما سلطة ثورية. يبدأ حينها العصر الذهبي لرفاق الدرب الذين كان لهم ترف الإفصاح عن معارضة غير مشروطة لجزء من واقعهم يواكبها تمجيد لجزء آخر من هذا الواقع الذي يوجد هناك في روسيا، الصين، كوبا، الجزائر، فيتنام أو علي الأقل في ألبانيا. نادرة هي الأسماء الكبيرة في الإنتلجنسيا الغربية التي لم تعمد إلي التضحية بضميرها، أحيانا، وهو الأقل شيوعا بسذاجة طفولية، وأحيانا أخري بحذق لا عديل لعبثيته. يبقي سارتر النموذج الأكثر دلالة لهذا الاحتقار الذاتي للمثقف حين يعلن بنبرة تهديد: "لا يمكنكم أن تناقشوا أفعال ستالين بما أنه الوحيد الذي يملك المعلومات التي تحفزه علي إتيانها".


حيال هذا الغلو في الانحراف ذي المظهر الوقور وتحويل وظيفة العقل، ينبغي علينا أن نؤكد بقوة هذه البداهة التي تبقي محتجبة بعمق: ليست هناك أية حظوة للواقع سواء كان فلسفيا أو معياريا، ولا يكتسب الماضي قيمة أوفر من الحاضر الذي لا يعتبر بدوره نموذجا وإنما مادة. وليس التاريخ الماضي للعالم مقدسا علي الإطلاق، بل يمكنه بالأحرى أن يكون ملعونا من منطلق أنه ألغي تواريخ أخري كانت ممكنة بشكل فعلي. ولهاته الأخيرة أهمية ضافية بالنسبة للروح، بل إن لها ربما قيمة أوفر فيما يهم وضعياتنا السلوكية مقارنة مع التاريخ الواقعي. ولا يتضمن دفتر يومياتنا كما كان يعتقد هيجل صلاة صباحنا الواقعية، وإنما حيلتنا السريالية اليومية. وهذا يبدو أكثر وضوحا في الراهن. وحين يظهر شيء في عام 1987، فإنه يخلق للوهلة الأولي وإلي أن يثبت نقيضه إحساسا قويا بأنه يجسد الوقاحة والقبح والتصرف السيئ والسماجة..


تتمثل المهمة الأصيلة للمثقف في التاريخ في أن يصلح ويقوم ويؤسس؛ وهو ما يعني يقينا إصلاح وتقويم وتأسيس وظيفته النقدية. وحيث إن التاريخ إبداع وتدمير ولأن الإبداع (كما التدمير) يتوجه في الآن نفسه إلي المثال الرفيع كما الوحشي، ولأن التوضيح والنقد مهمتان منذورتان في المقام الأول لهذا الذي بواسطة الانشغال والتموضع يمكنه أن يحتفظ بمسافة تفصله عن الواقعي واليومي، وهو المثقف.


ينبغي له أيضا أن يحتفظ في حدود المستطاع بمسافة تفصله عن نفسه. وهذا لا يأخذ فقط شكل "الموضوعية"، وإنما أيضا الجهد المطرد لمجاوزة مجال اختصاصه وأن يبقي مهتما بكل ما يهم الإنسان.

تنزع هاته الوضعيات إلي فصل موضوعها عن الكتلة الكبيرة لمعاصريها. لكن ثمة فرقا بين فصل وآخر. لن نتخلص من الانحراف الذي وسم دور المثقفين منذ أفلاطون وأيضا منذ سبعين عاما إلا إذا تحول المثقف من جديد وبشكل فعلي إلي مواطن. ينبغي التنويه في هذا الصدد بأن مواطنا ليس بالضرورة مناضلا حزبيا، وإنما شخصا يطالب بفعالية بمشاركته في الحياة العامة والشؤون الجماعية علي قدم المساواة مع الآخرين.


يبرز ها هنا بداهة اعتراض لا نجد له حلا نظريا، ووحدها الحكمة التي ستسعف في تجاوزه. ينبغي للمثقف أن يرغب في المواطنة شأنه في ذلك شأن الآخرين، لكنه يرغب أيضا ـ وله الحق في ذلك ـ في أن يكون لسان حال الكونية والموضوعية. ولا يمكنه أن يتموضع في هذا الفضاء إلا إذا اعترف بالحدود التي تتيحها له الموضوعية والكونية المفترضتان. ينبغي أن يقر وبكيفية لا مجال للبس فيها بأن ما يسعي إلي الإفصاح عنه لا يعدو كونه رأيا وليس نظاما معرفيا أو علما. ينبغي له الإقرار خصوصا بأن التاريخ هو المجال الذي تتجلي فيه إبداعية الجميع من رجال ونساء وأميين، وهي إبداعية إنسانية لا يشكل في داخلها سوي ذرة. لا ينبغي لما سبق ذكره أن يشكل ذريعة لكي يسوغ دون نقد قرارات الأغلبية ويمتثل للقوة؛ لأنها سوف نشكل قوة العدد. أن يكون ديمقراطيا معناه أن تكون له القدرة إذا قيمنا الأمور وفق هذا المعني أن يقول للشعب: أنت مخطئ ؛ وهذا ما يمكن أن يطلب منه. وقد تمكن سقراط من فعل ذلك أثناء محاكمة أركينيوس: يبدو هذا بدهيا والحالة هاته، وكان في مقدور سقراط أن يستند إلي قاعدة الحق الصوري. والأشياء تبدو أكثر إعتاما ووحدها الحكمة والذوق من يمكنهما إتاحة فصل الاعتراف بإبداعية الشعب والولع الأعمى بقوة الأفعال. ولا ينبغي أن نندهش حين العثور علي مصطلح الذوق في نهاية هاته الملاحظات. كان يكفي أن نقرأ خمسة سطور من سيرة ستالين لكي نفهم بأنه لم يكن للثورة أن تكون بهذا الشكل...


القدس العربي- 2006/09

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *