شاعرة الأمريكية المعاصرة لويز غلوك




صبحي حديدي

(سوريا/باريس)


(كنت علي الدوام مرتاحة إلي المكوث بين أقصيَين) تقول الشاعرة الأمريكية لويز غلوك، دون أن تبدي كبير اكتراث بعمق أو ضحالة العلائق بين أقصي الموت وأقصي الحياة، الحبّ والألم، الوهم والحقيقة. ثمة في شعرها هذا التداول المزمن للتوتّر بين الأقصيَين، وأكثر قصائدها قوّة ــ وأبعدها أثراً وجدانياً ــ تلك التي يبلغ فيها التوتّر مبلغ الهبوط الأخير إلي قاع الحقائق البسيطة، المتجردة من تعقيدات المقيم والطارئ، المفزعة لأنها هكذا تحديداً.

لكنّ مهارة غلوك في ابتكار الصورة الصادمة والجاذبة في آن، وتحقيق نقلات وجدانية ذكيّة ومباغتة بدورها، وقَطْع السطر الشعري علي نحو تشكيلي مدروس إيقاعياً (في مستوي المفردة والصوت والمقطع النَبْري)، كلّ ذلك أتاح لها علي الدوام أن (تموّه) الثقل الفلسفي والميتافيزيقي الذي يكتنف موضوعاتها الأثيرة: الموت، الحرية، الصمت، الحبّ، الموسيقي، الطبيعة...


الشاعر عندها ليس ذاك الذي لا يملّ من اشتقاق الإيحاءات، والصور والاستعارات والكنايات، من مفردة/صفة مثل (قرمزيّ). إنه بالأحرى، وكما تكتب في مقالة بعنوان (تربية الشاعر)، ذاك الذي لا يملّ من تدوير المفردة البسيطة في عشرات التراكيب اللمّاحة، الوضّاءة، الضاجّة بالمعاني المتغايرة. وفي رأيها أنّ ما يهزّ الوجدان في صفحة شعر هو ذاك (السبيل الذي يجعل القصيدة تُحرِّر، عن طريق مَوْضَعة الكلمة، وحُسْن إدخالها في سياقات زمانية ومكانية، وإطلاق ذلك النطاق التامّ والمدهش الذي يتيح اصطراع معانيها).

وفي مشهد الشعر الأمريكي المعاصر تحتلّ لويز غلوك موقعاً أمامياً في صفّ المدافعين عن (القول الصامت)، أو المعني الذي لا يُقال أو لا يمكن أن يُقال (أشهر زملائها في هذا الصفّ جيمس ميريل، مارك ستراند، شارلز سيميك). وفي مقالة تتناول هذه المقولة تحديداً، تكتب لويز غلوك: (أنا منشدّة إلي المحذوف، إلي ما لا يُقال، إلي الإيحاء الذي لا ينطق، وإلي الصمت المتعمَّد البليغ. ويحدث غالباً أن أحلم بكتابة قصيدة صامتة، تماماً كما يحدث حين أحلم بمشاهدة ما لا يُري: قوّة الخرائب هذه التي تفوق قوّة العمران كلّه).

المدهش، مع ذلك، أنّ الأسطوري والصوفيّ عنصران لازمان في معظم قصائد غلوك، بل إننا نعثر عندها علي ما يشبه المرجعية النبوئية الدائمة، أو (الحامل الدَلْفي) كما يحلو للناقدة الأمريكية هيلين فندلر أن تقول في وصف إشراقات غلوك الروحية، هذه التي لا تري في معبد أبوللو ما هو أقلّ من مقام الإبهام والاستغلاق والمعني الملتبس. وهذا الطراز من اللجوء إلي الأَسْطَرة، الإغريقية بصفة خاصة، هو الذي يمكّن غلوك من رفد القصيدة بخطّ سردي خفيف موارب، يعتمد علي بعض عناصر الأسطورة (كما في مثال سيرسيه وبينيلوب)، لا لشيء إلا لكي يعيد تغليف تلك العناصر ذاتها بمزيد من الالتباس: أي، بمزيد من المعني المتجدد.


ولدت لويز غلوك في نيويورك سنة 3419، ودرست في جامعة كولومبيا، ثم تنقّلت ودرّست في أكثر من ولاية داخل أمريكا. مجموعتها الأولي (الوليد البكر) صدرت سنة 1968، وتبعتها ثماني مجموعات حتى الآن، بينها (بيت الأهوار)، انتصار آخيل)، (أرارات)، (السوسنة البرّية)، وهي المجموعة التي نالت جائزة بوليتزر، و(أرض المروج).


***


مختارات


رُسُل


ليس عليكَ سوي أن تنتظر، ولسوف يجدونكَ.

الإوزّ الذي يطير واطئاً فوق المستنقع،

الإوزّ اللامع في المياه السوداء،

سوف يعثر عليك.


والغزلان


كم هي بديعة،

كأنّ أجسادها لا تعترض سبيلها.

تنزلق خفيفة في العراء

تعبر أشعة الشمس ذات الألواح البرونزية.


ما الذي يجعلها تقف ساكنة هكذا

إذا لم تكن تنتظر؟

لابثة بلا حراك، حتى تصدأ أقفاصها،

والشجيرات ترتعش في الريح

جالسة القرفصاء، عارية من الأوراق.


ليس عليكَ سوي أن تترك الأمر يحدث:

تلك الصرخة ــ (أطلقها، أطلقها) ــ مثل القمر

الذي غضّنته الأرض فصعدَ

ممتلئاً بدائرة سهامه


هكذا حتى تجدهم أمامكَ

مثل أشياء ميّتة، الأجساد صهواتها

وأنتَ تعتليها، جريحاً وقاهراً.


تبارَكَتْ


المشهد يستجمع أشتاته الآن أيضاً.

التلال تزداد عتمة. والثيران

تغفو في أطواقها الزرقاء،

الآن إذْ الحقول حُصدت

والحِزَم

مرصوفة مكدّسة علي حوافّ الطريق

بين العشب خماسيّ الأوراق،

آنَ يصعد القمر المسنّن.


هذا هو الغثاء،

غثاء الحصيد أو الوباء

والمرأة التي تطلّ برأسها من النافذة،

والبذور

لامعة، ذهبية، صائحة:

تعالي هنا

تعالي هنا، أيتها الصغيرة.


وأمّا الروح فإنها تدبّ بطيئة، زاحفة من الشجرة.


أحزان سيرسيه


وفي النهاية عَرّفتُ نفسي

عند زوجتك،

كما ينبغي أن يفعل إله.

في عقر دارها،

في إيثاكا، صوت بلا جسد.

أطرقتْ وهي تغزل، ثم التفتَ رأسها

إلي اليمين أوّلاً، ثمّ إلي اليسار

رغم أنّ الأمل كان ضعيفاً

في رَدّ ذلك الصوت

إلي أيّ أصل ملموس: أشكُّ

في أنها ستعود إلي مغزلها

بما تعرفه الآن. وحين

تراها ثانية، أَخبِرْها

أنّ الإله يودّع هكذا:

فإذا مكثتُ في رأسها إلى الأبد

فإنني سأمكث في حياتك إلي الأبد.


أغنية بينيلوب


أيتها الروح الصغيرة، الصغيرة المتجرّدة أبداً

افعلي الآن ما أرجوك أن تفعليه، تسلّقي

أغصان شجرة الصنوبر الشبيهة بالرفوف،

انتظري في الأعلى، متنبهة، مثل

حَرَس أو رقيب. لن يطول الوقت حتى يعود إلي بيته

يتعيّن عليكِ أن تكوني

كريمة. أنتِ لم تكوني

كاملة الأوصاف، بجسدكِ المُرْبِكِ

فعلتِ أشياء ما كان ينبغي

أن تناقشها القصائد.

ولهذا

نادي عليه من خلال المياه المفتوحة

والمياه اللامعة

بأغنيتكِ المظلمة، الطامعة،

أغنيتكِ غير المألوفة، الجيّاشة

مثل ماريا كالاس.

مَن الذي لن يشتهيكِ؟

وهل يمكن أن تفشلي

في تلبية أيّة شهيّة شيطانية؟

سرعان ما سيعود من حيث يذهب،

مُسْمَرّ البشرة من فرط الغياب، توّاقاً

إلي دجاجاته المشوية. آه، ينبغي أن تُحَيّيهِ

ينبغي أن تهزّي أغصان الشجرة

لكي تلفتي انتباهه،

بحذر مع ذلك، بحذر، لئلا

يتشوّه وجهه الجميل

بالكثير من الإبر الساقطة.


قصيدة حبّ


ثمة على الدوام شيء يُصنع من الألم

أمُّكَ منكبّة على الحياكة

تحوّل الشالات إلي تلاوين الأحمر كلّها

كانت برسم عيد الميلاد، وكانت تدفئكَ

وهي تنتقل من زيجة إلي زيجة، تصطحبكَ

معها. كيف تمكّنتْ من هذا

حين خزّنَتْ قلبها المترمّل طيلة هذه السنين

تماماً كما يؤوب الموتى؟

لا عجبَ أنكَ كما أنت اليوم،

تخاف الدمّ، ونساؤكَ

يتعاقبنَ مثل أحجار الجدار، واحدة تلو الأخرى.


ذاكرة أولي


جُرحتُ، منذ زمن بعيد.

وعشتُ لكي أثأر لنفسي

من والدي، ليس

بسبب ما كان عليه،

بل بسبب ما أنا عليه: منذ بدء الزمن

أيّام الطفولة، فكّرتُ

أنّ الألم يعني

أنني لم أكن محبوبة،

أنني كنتُ أحبّ.


السوسنة البرّية


في ختام عذاباتي

كان ثمة باب.


أنصتوا إليّ: ذاك الذي تطلقون عليه اسم الموت

أتذكّرهُ


فوق الرأس صخب من كلّ فَجّ، أغصان الصنوبر تتنقّل

ثمّ لا شيء. الشمس الواهية

خفقتْ فوق السطح اليابس.


رهيب أنْ تواصلَ الحياة

والوعي

دفينٌ في التراب المظلم.


وبعدها انتهي الأمر: ذاك الذي تخاف منه، أنتَ

الروح، أنتَ العاجز عن

النطق، المنتهي بغتة، والأرض المتصلّبة

تلتوي قليلاً. وتلك

طيور ترمحُ في شجيرات واطئة.


أنتَ الذي لا تتذكّر

العبورَ من العالم الآخر

أقول لك إنّ في وسعي الكلام ثانية: كلّ

هذا العائد من النسيان، عائد

للعثور علي صوت:


ومن مركز حياتي جاءت

نافورة عظيمة، ظلالٌ زرقاء غامقة

علي لازورد من مياه البحر.


ليلكة الذهب


الآن إذْ أدركُ

أنني

أحتضر وأعرف

أنني لن أنطق ثانية، لن

أعيش بعد الأرض، لن أُدعي منها ثانية، وما

من زهرة، بل الشوك وحده، والقذارة الخام

تطبق علي أضلاعي، أناديكَ

يا أبي وسيّدي: الكلّ من حولي،

الصحب كلّهم يخرّون أرضاً، يظنّون

أنكَ لا تري. كيف

يجزمون أنكَ لا تري

وأنتَ لم تخلّصنا بعد؟

وفي شفق الصيف، أأنتَ

قريب بما يكفي لكي تصغي

إلي فزع طفلكَ؟ أم

أنكَ لستَ أبي،

أنتَ الذي رَبّيتَني؟

تعليقات