العلمانية والدين، وحدود حرية الرأي - الرومي

السبت، 24 أكتوبر 2020

العلمانية والدين، وحدود حرية الرأي




عدي الزعبي... كاتب سوري

_____

 العلمانية والدين، وحدود حرية الرأي، وما يسمح بالسخرية منه وما لا يسمح، كلها أمور تخضع لسياقات متعددة معقدة، في الغرب الليبرالي وخارجه. 

في الثمانينيات، شجع تشومسكي كتاباً يشككون بالهولوكست في أوروبا. كان يعتقد أن أعمالهم سخيفة للغاية، ولكن، برأيه، لا يجوز محاكمتهم بسبب سخف آرائهم. في أمريكا، على العكس من أوروبا، لا يتعرض الناس للمحاكمة إن شككوا بالهولوكست، لأن المحرقة الكبرى لم تجر على أرضهم. البون شاسع بين أمريكا وأوروبا في التشكيك، بالرغم من أن الهولوكوست يعتبر الجريمة الأكثر وحشية، في الضمير الغربي كله.

بريطانيا، على العموم، لم تنشر رسوماً تسخر من النبي محمد، ولم تناقش منع النقاب. طبيعة البلد التاريخية لا تحبذ الدخول في تفاصيل دينية تراها هامشية. على العكس تماماً، فرنسا، منذ ثورتها العظيمة، قطعت راس الملك واحرقت الكنائس وقتلت الرهبان. لا يوجد شيء من هذا في تاريخ بريطانيا وأمريكا. المثير جداً أن الأطراف هذه لا تختلف كثيراً في مبادئها النظرية، ولكن، التطور التاريخي جعل من تطبيق هذه المبادئ مختلفاً تماماً. 

في حوار لصادق جلال العظم عن التشدد الديني، على ما أذكر بعيد محاكمة مرسيل خليفة، أشار إلى الأغنية الشعبية السورية "يا صاح الصبر نأى عني"، وفيها "مكتوب على در مبسمها: إنا أعطيناك الكوثر". لم يحاكم أحد بسبب غناء هذه الآية، وأيام العباسيين، استخدم أبو نواس وغيره الآيات في أشعارهم، التي تحولت إلى أغان شعبية للعامة. محاكمة مرسيل أتت في ظروف صعود تطرف إسلامي، على العكس من ظروف أسبق، كان فيها المسلمون لا يعتقدون أن أغنية ظريفة حساسة ستؤدي إلى انهيار دينهم وحياتهم ومستقبلهم.

في كل هذه الحالات، الظروف التاريخية هي التي تحدد المسموح وغير المسموح، وتغير هذه الحدود باستمرار. لا يوجد حرية رأي مطلقة، هكذا بدون تاريخ وبدون سياقات. كما لا يوجد علمانية ودين مقدسين غير تاريخيين. 

لا يوجد ما يدعو الفرنسيين لمنع السخرية من معتقدات المسلمين. لا يوجد سياق تاريخي يشجع على ذلك، كما هو حال الهولوكوست. على العكس، طبيعة العلمانية الفرنسية أقرب إلى السخرية من كل الأديان، ولفولتير مسرحية شهيرة بعنوان "محمد" تسخر من الرسول وعمر، عُرضت مراراً، للتشهير بالبابا بشكل رئيس في عصر التنوير. 

هنا يوجد مشكلة فعلية، مشكلة لا يمكن حلها باللجوء إلى امو رمجردة، مثل العلمانية والدين وحرية الرأي. الحل يكون دوماً بصراع قوى متعدد. قطع الرؤوس، ورفض التعامل بندية (تزخر الثقافة الإسلامية بالسخرية من الهولوكوست والمسيحيين والغربيين)، لن تؤدي إلى رسم خطوط واضحة. وفتح معركة مع كل المسلمين المقيمين، والتشديد عليهم، كما حصل في الدنمارك، سيحوّل البلد الديمقراطي الليبرالي نفسه إلى مرتع للفاشية. 

المبدأ الليبرالي التنويري يدعو إلى توسيع مساحات الحرية والسخرية، قدر الإمكان. السخرية تكون من السلطات: وهذه سلطات دينية واجتماعية وسياسية. على الطرف الآخر أن يقدّم حججاً مقنعة، فكرية وحيادية غير مستندة إلى أي مقدس ما ورائي، تجبر غير المؤمن على عدم السخرية. لا يبدو لي أن مثل هذه الحجج موجودة. لا يعني هذا أن السخرية من الإسلام مشروعة. أنا متحفظ على هذه السخرية، لأن الذين يقومون بها، في معظم الأحيان، لا يتنبهون إلى أن الأقليات المسلمة تشعر بانها مستهدفة، وتعيش في جو ضاغط، يجعل حياتهم الاقتصادية أصعب بكثير من أقرانهم البيض المسيحيين. السخرية تأتي لتسخر ممن ليس في السلطة. في السياق الفرنسي تحديداً، الأمور معقدة جداً: أقليات مهمشة، ولكنها تحاول فرض سلطة على بلد كامل لتمنع السخرية من رموزها. 

على أية حال، قد لا نجد حلاً قريباً. قطع الرؤوس والعنف ليس جواباً، بل جريمة مكتملة. التشديد على أقليات والتشهير بها ليس جواباً، بل خيانة لكل مبادئ الليبرالية. ما وراء هذين الأمرين، مفاوضات معقدة تحتاج زمناً طويلاً.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق