محمد خضير... ملتقى القصة الاول



  انعقد ملتقى القصة الأول في المدة (٢٠ - ٢٥ آب ١٩٧٨) بمصيف صلاح الدين في أربيل، وكان برعاية وزير الثقافة آنذاك كريم شنتاف؛ وهذا الوزير من الخميرة الأيديولوجية لجيل البعث الذي ضمّ شفيق الكمالي وموفق خضر وعلي الحلي وشاذل طاقة. ولعل الوزارة، ذات الموقع الراكز على جانب ساحة التحرير- قبل تطهيرها من الأيديولوجيات اليسارية- قد أعدّت للقصة ورشةً جبهوية تشارك فيها ثلاث فئات: سياسية ونقدية وسردية. فكانت من ناحيةٍ تلويحةَ وفاقٍ أخيرة لجبهة الائتلاف الوطني، ومن ناحية ثانية هدنة سلامٍ مؤقتة للقمم الجبلية التي شهدت صراعاً مسلحاً طويلاً، وثالثة جمع أجيالٍ أدبية شتى تتنافس على امتلاك كوخٍ مُقامٍ على حافة الوادي الصخري، تتخذه مشغلاً ومُعتزَلاً عن زلّات الواقع الأسفل، وأخطرها الاستعداد للحرب وعسكرة الثقافة في فيلق الإعلام الخامس. 

  هنا، تستعين المخيلة التاريخية بقرائن ثانوية، قد لا تبدو ذات أهمية في وقتنا الحاضر، لكنها تؤلف مقدّمات (برولوجات) تمسرَحَت ذات مرة بعيداً عن مركز الحكم وأيديولوجيته العسكرية، بأدوار ممثّلين لم يعد لهم مكان في ذاكرة محطمة؛ فقد كان هذا الملتقى مقدمة بحدِّ ذاتها، أعقبَها فراغ كبير خلا من الأخيلة المكلّلة بأغصان الغار أو أشواك العار !

  جُمِعت فئات الملتقى القصصي الأول أمام الوزارة، ثم انطلقت بهم الحافلات من بغداد باتجاه الشمال. وجاء في طليعة المدعوّين جيلُ القصة الواقعية الكبير (فؤاد التكرلي وعبد المجيد لطفي ونزار عباس وموفق خضر.. وكان عبد الملك نوري قد تخلف عن الركب) يصحبه جيلُ التمرد الستّيني (موسى كريدي واحمد خلف وعبد الرحمن  الربيعي وعبد الإله عبد الرزاق). ثمّ جيل السبعينيات الفتيّ (عبد الله صخي وإلهام عبد الكريم وأمجد توفيق وسعد البزاز ). وكان الأخيرون باقةً غضّة تحيط بالوجوه الصخرية لنقّاد المؤتمر (علي جواد الطاهر وعبد الإله أحمد وشجاع العاني وطراد الكبيسي وعبد الجبار البصري وباسم حمودي وفاضل ثامر وياسين النصير) ولن ننسى بالطبع الكوكبة الكردية التي حصلت على فقرة خاصة في البيان الأخير، أوصت بتمثيلها الحقيقي في تشكيل الثقافة والسرد العراقيين (عز الدين رسول ومحمد ملا عبد الكريم وحسين عارف ومحيي الدين زنكنة ومصطفى صالح كريم وشيركو بيكه س وممتاز الحيدري).    

  وعلى هذا المنوال من الحياكة الملوّنة، سارت أعمال المؤتمر مدة أسبوع، لتنفضَّ في حفل غنائي على جبال سره رش. كان الليل حالكاً في القمة، بينما أضواء أربيل تلوح في الوادي؛ وأضفَت نسائمُ باردة سكوناً ورهبة لِما قد تعنيه تواليات الصعود والانحدار، وتلازمات السلم والحرب، الكامنة بين الصخور ، تعترض فصلاً من السرد المتمرّس في المناورة وتبادل المحاور والغناء بلهجات جبلية حزينة. كانت العودة بالحافلات نفسها، مشحونة بخصومات لم يعد التكتم عليها ممكناً. إذ "ما نغنمه من غِنى وسرور شيء عظيم، لكن جاذبية الهاوية أكبر" كما يقول الإيطالي دينو بوزاتي. وهناك من قال ما قاله بطل قصة "المعطف" آكاكي آكاكيفيتش عن الفرنسيين: "لله درّهم.. إنهم إذا ما أرادوا شيئاً ما، فإنهم يجعلونه بالضبط كذلك!".

   اكتنفت العزلةُ المقصودة مراجعاتِ النقد المهمة لمشكلات القصة، واشتباك الرؤى والتجارب الخاصة حول مفهومها الواقعي (الاجتماعي- التكرلي، والاشتراكي -عبد المجيد لطفي، والانتقادي- حسين عارف). أما المراجعات فقد أسفرت عن مفاهيم نقدية نوقشت للمرة الأولى (المنهج والمصطلح- في رأي شجاع العاني، والتغيير الاجتماعي، في رأي فاضل ثامر، والتقنيات الفنية في رأي عبد الإله عبد الرزاق وعلاقة كل منها بالتاريخ الوصفي للقصة بعد الحرب العالمية الثانية في كتاب عبد الإله احمد). وفي غياب الجمهور، كان الملتقون مع عدد قليل من السُّيّاح الطارئين يمدّون نقاشات القاعة المنظمة إلى محيط الفندق المفتوح، وسط مناظر طبيعية تخلب النظر وتسلب الحسّ. ولا يجب أن نتغاضى عن حجرٍ تدحرجَ من السفح واعترض الطريق، كما لا يجب أن نقلل من احتدام الاختلاف في لجنتي كتابة البيان الأخير للملتقى. وكانت حصّتي من هذه النقاشات المحيطية أحاديث أجريتُها مع فؤاد التكرلي حول قصص الخيال العلمي والفنتازي، وحاجة أدبنا القصصي الحديث إليها. لم تعترض الطبيعةُ الهادئة للأستاذ التكرلي على قصص الخيال الجموح، وأصغت نفسُه المطمئنة لتنطّعاتٍ تحاول اختراق الجوّ العراقي المحلّي وعاداتِه السلوكية، وتستطرد على ورقة تجربته الكتابية التي قرأها في الجلسة المخصّصة له مع لطفي. كان الاقتراب من التكرلي قد عظّمَ لديّ صورتَه التي ستسيطر على ملتقيات قادمة، قبل انسحابه الأخير من معرض (المدى) للكتاب العام ٢٠٠٧. إنها صورة الإبداع التي تصمد ضدّ الأنواء المتقلبة كأنواء العراق العاصفة.

  خلال عودتنا من مصيف الملتقى، تطايرت أوراق، وتبعثرت صور، من تلك التي تنتمي لكِتاب "أصداء الزمن" المجموعة القصصية الأولى لعبد المجيد لطفي، الصادرة عام ١٩٣٤. وعلى أثر هذه الأصداء المتسللة من أنطولوجيا التأسيس السردي الثلاثينية، سيلتقط فؤاد التكرلي نأمات الواقع الاجتماعي السرّية، ويؤلف منها أهمّ قصصه المكتوبة بعد الحرب الكونية الثانية. وعلى جانبي "بصقات الحياة" هذه، بنى عبد الإله أحمد أطروحته عن تاريخ القصة العراقية، وتقدّمَ بمجلديه محوراً أساسياً للنقاش في الملتقى الجبلي الأول. لست أدري إذا كنتُ محقاً باعتبار صرح عبد الإله أحمد جبلاً سيقابله على الجانب الآخر تاريخ شجاع العاني عن الرواية بعد سنوات، بمبنى ومنهج مختلفين. فأيّ تاريخ جديد يسرد حوليات الروح الجامحة بأسئلة رُبع القرن ونِصفه، سيذهب إلى أقصى العزلات الجبلية ليمتحن نهاياته. والنهايات التي أقصدها هنا هي تاريخ الحروب الذي عاصر ملتقيات القصة التالية (وعددها أربعة أو خمسة) ولم يغادر واحدٌ منها العاصمةَ بغداد إلى خارجها. كانت جميعها أوطأ من أن يُشار إليها بِبنان!

   طارت، أو استطارت، أخيلةُ اللقاء الأول لجيل ٧٨- إذا صحَّ اختصاره بذلك العام، واستبداله مجازياً بجيل الستّينيات من القرن الماضي- خلال طريق العودة المنحدر- انحداراً بلا عودة- إلى الهاوية. وما عدا التمثيلات الجيليّة المشتتة، والحوادث الشخصية المؤثّرة، والصور الظلّية للوجوه الغاربة، فإنّ الحافلات المنحدرة تركت عجلاتُها صدى اخترق القممَ وظلّت نهاياتُه عالقة بأسنّة الأقلام كنقطة حبر جافّة. وتطيب لي- على هذا البُعد- مداعبةُ هذه النقطة التي تتراءى كنجمة لامعة لم تغادر أفقَها منذ ذلك الوقت. كان نظام مبيت الأدباء الملتقِين في فندق مصيف صلاح الدين ثنائياً في الغرف. وكان شريكي في الغرفة القاصّ موسى كريدي. لكني عجبتُ لسلوك هذا الشريك الذي خلا سريرُه فجأة، ولم يظهر في غرفتنا المشتركة إلا في نهاية اللقاء كي يحمل حقيبتَه إلى الحافلة. فسّرتُ الأمرَ لنفسي على حدّ علمي بشخصيته التي أشرفَتْ على طبع مجموعتي الأولى "المملكة السوداء" حينما كان مسؤولاً عن النشر في دائرة الشؤون الثقافية التي رأسَها موفق خضر. ولم يكن ظنّي مخيّباً لمعرفتي بدماثة خلقه وطيبة لسانه - كمديرهِ خضر. بل كان موسى أكثر الأدباء مرحاً وألزَمَهم بالمواثيق. كان يتابع طبع المجموعة ويطلعني على خطوات الطباعة بكتاب رسمي يصلني على بريد المدرسة التي أعلّم فيها بالبصرة. وقبل هذا عرفته إدارياً وناشطاً نقدياً في مجلة (الكلمة) التي نشرَت لي ثلاث قصص من المجموعة. أقول هذا لأن موسى هجر غرفتنا في الفندق، وآثر المبيت مع صاحب له، حاشراً نفسه مع ثنائي آخر. مضى وقت طويل لأكتشف السببَ الذي طارده كما طاردني بعده. فقد كان شخيري أثناء النوم يزلزل الجبال.. ببساطة: بات الشخير أسلوباً في الإقصاء لا يعادله إقصاء الأيديولوجيا التي سيعانيها كريدي من أقرب أصدقائه المحشورين على حياته المرحة. 

  إنها حقاً لمأساة تحوّلت عن ملهاة.. أن تُحشَر أجيالُ الملتقيات القصصية الأربعة - أو الخمسة- التالية في فنادق العاصمة، وأن ينقطع ذلك الاتصال بين القصة والطبيعة. ألستُ مصيباً في الزعم بشحوب أجوائنا السردية، وزيغ تقنياتنا الفنية عن أشكال التغيير الحقيقية؟ أين التغيير حين يختفي مشهد شروق الشمس بين القمم الجبلية من أفكار بطل قصةٍ أو رواية؟ بل ألا يوحي حلولُ الظلام المتدرّج في الوديان بأنفاس رجلٍ كرديّ يمتصّ الدخان من "غليون" طويل على مهل، مقعياً على حافة الطريق، يراقب الحافلات المنحدرة، ثم يبصق سؤالاً حائراً: "مَن يكون هؤلاء بحق السماء؟". 

  بعد ساعة من الانطلاق على طريق العودة، كان النهار يرتفع على الجانبين؛ وفيما تشبث قسمٌ بمساند الحافلة، لم يحِد نظرهم عن انحدار الطريق، كنت أوزع نظري ملتفتاً على الجانبين، علّني ألمح الكوخ الذي تخيلته قائماً فوق صخرة، تحت شجرة جوز معمّرة.. كانت الجوانب بنظري أهمّ عندي من استقامة الطريق..

  وحينما توقف الركب بجانب سقيفة مقهى من أغصان الشجر، وهُرِع جمعٌ إلى ظلّها، التقطتُ من الأرض حصاةً بيضاء كبيرة، صقيلة ذات عروق سود، دسستُها في جيب بنطالي. ايُّ حصاة لفظتها الأقدام والعجلات إلى الجانب، ستكفي دليلاً على اشتراكي في الملتقى، وحافزاً على كتابة سطور قليلة عن عبد الملك نوري، الذي تخلّف ليبادل بطلَ قصته (الجدار الأصمّ) كأسَ شراب. اختار عبد الملك اسماً ساخراً لنديمه الذي يستحق الشفقة، مقروناً باسم بطل غوغول آكاكي آكاكيفيتش، الذي يعنى بالروسية (البسطال). أما اسم بطل عبد الملك (ستار بن صالح جربزة) فقد انتزعه من اسطبلّ خيولٍ ببغداد الملكية.. كانت تلك السطور القليلة عزائي الذي عوضني عن لقاء الأب الكبير لمتشرّدي بغداد. فأنا لم ألتقِ كاتب "نشيد الأرض" قطّ في حياته. لكنّي لم أتخلّص تماماً من ظلّه التشردي يقتحم أجواء قصصي الأولى حتى الانهاك!

  تحركت الحافلات، ولا أتذكر مسارها الى العاصمة، وتلاشت مناظر جانبَي الطريق كدخان غليون الكردي!

  أستطيع اليوم إضافة جملة واحدة أتذكرُها من فيلم (١٩١٧) الحربي، شاهدتُه قبل أيام، نطقَ بها ضابط بريطاني يستعد للهجوم على الألمان، في الجبهة الفرنسية، لكنّ جندياً أوصل إليه أمراً من القيادة بإيقاف الهجوم- الفخ، بعد مجهود عظيم، في اللحظات الأخيرة. 

   قال الضابط للجندي المنهَك: "الأملُ قد يكون خطيراً أيضاً". ويقصد بذلك أملَ الانتصار الذي لم يتحقق على الأعداء.  

  ثم أردف الضابط قائلاً: "لكنّ جندياً واحداً سيصمد يُعتبر فائزاً". وقصدَ به الجنديَّ الشجاع الذي أوصل الرسالةَ إليه، وأنقذ آلاف الجنود من موت أكيد..

   (الصورة للكتاب الذي أصدرته الوزارة عن بحوث الملتقى وآراء المشاركين فيه

تعليقات